دارا الزرادشتي.. من نار آريانا إلى قلاع الإسماعيليين

  • كتاب
    كتاب "دارا الزرادشتي" للكاتب عقيل الموسوي.

مع رواية المبدع طبيب الأسنان عقيل الموسوي (دارا الزرادشتي) سأدخل من الإهداء الذي تفضل بتقديمه لي: "ليس الوطن بالأمر البسيط، تابع دارا في بحثه عن الوطن".

عملت بهذا الإهداء بالفعل، كنت أتبع دارا الزرادشتي وهو يبحث عن وطنه،  تابعت قلقه وهو يبحث عن وطنه، تتبعت التوترات التي كان يمر بها والتحولات الكبرى في شخصيته ورحلته، وتلمست الشعور بالغربة والخوف والملاحقات. البحث عن الوطن لم يكن فكرة بسيطة ولم يكن أمراً يسيراً، كان إشكالاً شاقاً محفوفاً بالمخاطرة والمغامرة والالتباس والاقتراب من لحظة الموت.

تابعت دارا في وطنه الأول حيث مسقط رأسه، قبل تفجر الأسئلة في مخيلته، الوطن الذي نولد فيه لا تتحول علاقتنا به إلى إشكالية قبل أن نغادره ونفقد أبوته. 

في يزد البلدة الصغيرة عاش دارا تحت رعاية والده المُوابِذ، أي الفقيه وعالم الدين الزرادشتي. والموابذة هم طبقة من رجال الدين الزرادشتيين الذين يباركون الناس، ويفسّرون أحلامهم،  ويشرحون لهم  تعاليم الكتاب المقدس (الأفستا).

أوشتا دارا

ولد دارا  في (632 هـ) في فترة مضطربة سياسياً، فجحافل المغول تزحف نحو العالم الإسلامي، والجماعة الزرادشتية في فارس تعيش أيامها الأخيرة في ضعف وتخلٍ واستكانة. بدأت الجماعة تهاجر نحو الهند (البارسيون) بحثاً عن وطن لهم ولديانتهم، بعد أن زادت المضايقات عليهم، فالحاكم الجديد ليزد ضيّق عليهم، الأمر الذي جعل الزرادشتيين يشعرون بأنهم محتقرون وأن هناك من يسبّهم ويشتمهم وهناك من يبصق عليهم ويستهزئ بآلهتهم وبموابذتهم (رجال دينهم). تتفتح طفولة (دارا) وهو يعاين ذلك كله، ويرى بنفسه كيف يُهان والده في السوق، وتلاحقهم الشتائم والإهانات.

يحرص والده في سنواته الأخيرة على تثبيت الإيمان الزرادستي فيه، يلقّنه دروس الكتاب المقدس (الأفستا Avesta) وهو أقدم كتاب ديني ولحسن الحظ يمكن قراءته مترجماً باللغة العربية، وكثير من نصوصه  يستحضرها (دارا) وهو يسرد حكايته. يتولى أبوه تعليمه من هذا الكتاب الديانة والحكمة، ويحدثه عن  آخر الزمان  وعن القيامة، وعن الخير، والإله المقدس (آهورامازدا Ahura Mazda). 

يتعلم دارا ذلك كله ويتعلم اللغة البهلوية حتى يبلغ سن التكليف في الخامسة عشر من عمره، يتمّ إلباسه في طقس خاص (الزُنّار) وهو حزام يتم ربطه على البطن ثلاث ربطات ترمز إلى التعاليم الزرادشتية: الإيمان، الصدق، العمل، والخير بكل تجلّياته. يصبح دارا (أوشتادارا) أي أنه بلغ سن التكليف وهو على طريقه ليصبح (مُوابِذاً) يخلف والده في منصبه ومهمته. 

كان الوالد يهيئه للذهاب إلى الهند، ليقوم بإرشاد الجماعة هناك وتعليمهم مبادئ الزرادشتية والقيام على أعيادهم واحتياجاتهم الروحية. يُفاجأُ الأب بأن دارا يرفض الذهاب ويقرر أن يبقى في فارس باحثاً عن وطنه، يقول لوالده إن هذا وطني وسأبقى في هذا الوطن ولن أغادره. هنا يدخل الأب في حزن عميق ويتوفى بُعيد ذلك، فتبدأ رحلة دارا في  استكشاف فارس، تبدأ رحلة البحث عن الوطن.

الرحلة نحو شيراز

يبدأُ (دارا) يتطلع إلى الوطن الذي يبحث عنه "أريد أن أرى فارس بأكملها"، يغادر بلدته (يزد) يلتحق بقافلة ويعبر الصحراء باتجاه شيراز. في عوالم القافلة تبدأ رحلته الفكرية، يصطدم وعيه الذي لم يعرف شيئاً خارج الزرادشتية، بشخص مانوي. إنه كافر في النظر الزرادشتي "في هيكل النار لفظة مانوي مسبة"[1]. والزرادشتي لم يكن يرى في المانويين إلا هراطقة خارجين عن الدين الصحيح وخارجين عن تعاليم زرادشت "هذا عدو الدين، هذا مانوي، مهرطق، ملعون"[2].

يجري بينه وبين هذا المانوي حوارات طويلة في ليالي الصحراء التي يعتبرها الزرادشتية مرتع الشيطان. يسرد دارا كيف تربى على احتقار هؤلاء المانويين. عبر هذا السرد نتعرف على الصراع الذي حدث بين المانويين والزرادشتيين وكيف أباح الزرادشتيون دماءهم وقتلوا (ماني) "لو يعرف أن جدي الأكبر (كردير) أمر بقتل ماني قبل ألف عام  لقتلني في الحال"[3].

في أجواء الصحراء، تبدأ لحظة وعي أولى يكتشف فيها كيف يتحول الدين إلى أداة من أدوات القتل، يتعاطف دارا مع تاريخ (ماني). فيبدأ يتخلص في داخله من تمجيد العنف الذي قاد لقتل ماني والمانويين، يبدأ أفقه يتفهم أكثر، فيتقبل هذا المانوي كصديق ورفيق سفر. 

تمضي الرحلة في الصحراء، وتتحول الصحراء إلى رحلة في وعي بعد أن كانت في مخيلته مرتعاً للشيطان. يمضي السرد في كشف هواجس دارا وتحولاته، يكتشف أن المسلمين ينشدون الشاهنامه ويحفظون من شعر الفردوسي، فتأنس نفسه  "صمتت أصواتي الداخلية، ما عدت أنفر من المسلمين"[4]. 

بدأ يلتقط أصواتاً أخرى تختلف عن الصوت الوحيد الذي عرفه في (يزد). يصل شيراز ويتعرف إلى الأذان أكثر، يؤنسه ويداخله، ولا يجد أن في هذا الصوت ما هو نشاز عن الإيمان الزرادشتي في داخله، يتعرف على مساجد المسلمين في سوق شيراز ويراه المكان الحقيقي لتعارف الناس والاقتراب منهم، يقوده العمل في السوق إلى مكتبة سعدي الشيرازي في شيراز وهنا تبدأ رحلة أخرى.

زُنّار الإدراك

 خاض دارا رحلة التعرف على الإسلام واعتناقه من دون أن يفك دارا (زُنّاره) الذي ربطه والده على وسطه "في غرفتي فككت زُنّار الإدراك وأعدت ربطه على خصري من جديد، كما فعلت دائماً في محطات حياتي المهمة".[5] الربطات الثلاث مازالت معقودة على الجوهر الذي في قلبه، جوهر الخير والإيمان، صار يرى أن الإسلام لا يعارض هذا الجوهر بل يصقله، هكذا شعر أنه لم يغادر روح وجوهر هويته الزرادشتية. 

ولعل كلمة سر هذا الجوهر هو (آريانا) التي يكررها كثيراً في تحولاته ومفاصل رحلته، وكأنها الجامع المفسّر للظواهر التي يعاينها "أراضي (آريانا) القديمة، مسقط سيدنا زرادشت، ومهد النار الأولى… ومنها جاء اسم البلاد"[6]. تشير (آريانا) إلى الحضارة الإيرانية القديمة وتشير الى أصول الشعوب التي سكنت في هذه المنطقة، وتشير إلى العرق الفارسي الذي يسكن داخل دارا، وتشير إلى اسم إيران، ونبيها القومي زرادشت. 

يعتبر (آريانا) بوصلته، ووطنه، وثقافته، كان حيثما يرَ ملمحاً من ملامح (آريانا) يرَ وطنه وهويته وألفته، فينتفي منه شعور الغربة. هذه المعادلة لم تتوضح له دفعة واحدة كما أقولها الآن، بل أخذت تتَضح له شيئاً فشيئاً، وأخذ يبني من خلالها وطنه وهويته، ومن خلالها تبلور مفهومه للنور والدين. فالنور هو ثقافة (آريانا) وأساس فكرة الديانة الزرادشتية. النور الذي هو أيضاً في الوقت نفسه  النار التي يقدسونها ولكن لا يعبدونها. وهذا النور الذي كان يبحث عنه وفيه بتأويلات متعددة، ويراه في تجلّيات الديانات والمذاهب التي مرت في فارس هو الوطن "كل بلدة فارسية أخطو فيها توقظ فيّ وعياً خاصاً بـ(آريانا) القديمة"[7].

لقد تفتحت روحه وتفتح عقله، لكن حواسه ما زالت (يزدية) لم تختبر الأنوثة بعده، يحتاج لنورها لتضيئه، هنا تأتي تجربة حانة سمعان التي أخذه إليها مسيحي متمرد على طقوس ديانته، اسمه (الآشوري) يدخل معه في حوارات تجمع بين العبث والجدية، يقول له: "هنا تذوب الملل في أقداح النبيذ"[8] تنتهي به تجربته إلى الانغماس في جنة الحواس مع الفتاة (غندورة).

نور على نور

في الإسلام، كانت تشغله الآيات التي ترد فيها كلمات النور، وظل مشغولاً بتأويل آية "نور على نور" حتى عثر في شيراز في مكتبة الخانقاه على كتاب شهاب الدين السهروردي (حكمة الإشراق) فراح يُشرق فهمه وقلبه بتأويل جديد للنور يجعله قادراً على الجمع بين الديانتين، "خلق الله النور أولاً، ومنه خلق كل الأشياء في الوجود ومنحها الحياة، وكل جمال هو تجلٍ لنور الله الذي تجسد في آدم، والأنبياء، والأقطاب"[9]. 

بدأ يفهم الإسلام باعتباره نوراً على نور الديانة الزرادشتية التي لم تغادر مخيلته وقلبه وعقله ووجدانه وزُنّاره. (آريانا) قادرة على أن تكون مكاناً لتجلّي الأنوار، في شكل حضارات وأديان ولغات وثقافات، راح يُكوثر في هويته أنواراً كثيرة، نور الإسلام ونور اللغة العربية ونور القرآن ونور التصوف الذي خاض تجربته في خانقاه شيراز، كل تجربة خارج بلدته الصغيرة (يزد) بدأ يراها نوراً يتفتح فيه، النور مشتعل فيه كنار قديمة مقدسة يراها في ألسنة أبناء (آريانا) "إنهم مسلمون وعند المحك يحلفون بالنار، شيء من (آريانا) ما يزال عالقاً بذاكرتهم"[10].

 تنتهي تجربته في شيراز بعد أن أن فشل في أن يكون صوفياً على قاعدة رفع الحجب لا جمع الكتب، فهو عاشق للكتب ويرى أن مصيره مخطوط فيها، وكذلك فشل في أن يتوج علاقة حبه بـ(مهناز) بالزواج، مع أن خالها كان سعدي الشيرازي، وذلك بسبب أصله. هكذا فشل في أن يجد الوطن الذي يبحث عنه في فتاة مسلمة يحول بينه وبينها حجاب أصله الديني، ما كان أهلها قادرين أن يروا أن نور (آريانا) يجمعهما.

إرادة الإنسان ومجوس الأمة

تفتحت تجربته في المسجد على ما يدور فيه من جدال حول الفرق والمذاهب المختلفة. يفاجأ بأن أحد شيوخ الدروس في المسجد وهو أستاذه الشيخ (البلخي) يُهاجم بتهمة الاعتزال، أي أنه يقول بمذهب المعتزلة، فيرى كيف يُطرد أستاذه الضرير الطاعن في السن، مُهاناً مذلولاً معنفاً خارج المسجد. هنا يلتفت إلى أن مذهب المعتزلة كان يُنظر إليه على أنه هرطقة وكفر ويوصف أتباعه بأنهم مجوس الأمة، لأنهم يؤمنون بحرية الإرادة الإنسانية. "ادعت الخلافة أن المعتزلة مجوس الأمة، انتقصت من شأنهم، أهانت شيوخهم المنحدرين من موالي الفرس، واتهمتهم بأن مبدأ الإرادة ما جاء إلا من زرادشت"[11].

يزداد إعجابه بالإسلام المعتزلي، وكأنه اكتشف شيئاً من هويته (الآريانية)، فحرية الإرادة من مفاهيم زرادشت، إنه لم يذهب بعيداً حين اعتنق الإسلام، فهويته الزرادشتية متخللة بالإسلام عبر الاعتزال وعبر التصوف وهذا ما علّمه إياه الشيخ سعدي الشيرازي "التصوف انتشر بين الفرس متنشقاً أنفاسهم القديمة، لأن الفارسي، أي فارسي، لا يخلو من تأهيل صوفي"[12].

راح يقرأ نور الإسلام باعتباره فتحاً لعقل لفارسي واستعدادته الروحية، فالزرادشتية التي هدته للتوحيد والخير، احتكر كهنتها الدين ولم تسمح للناس بنطق البهلوية وقراءة كلمات زرادشت بأنفسهم وتفسيرها، في حين أن الإسلام منحهم ذلك، المسلم يعرف كلمات الكتاب المقدس ويقرأها بنفسه ويفسّرها ويؤولها، لا أسرار ولا احتكار، لذلك كان نوراً.

دكانة العطار وإرادة الله والإنسان

تستمر رحلة دارا في البحث عن وطنه وسط أخبار الاجتياح المغولي، يغادر شيراز تحت قرآن سعدي، على عادة الفرس في المرور تحت القرآن حين يسافرون، يعتقدون أن هذا المرور يحميهم من أهوال السفر "ودعت وطناً كان بالأمس غربة، وأستعد الآن لغربة، ربما أصبحت في الغد وطناً"[13]. ولنتذكر أن البحث عن وطن ليس بالأمر البسيط، فهو فكرة ودين ومذهب ومعتقد وأرض وتاريخ ونور وخير وأدب وفلسفة وكتب.  

يتوجه نحو (نيسابور) يلتقي بالمتصوف فريد الدين العطار في دكانه، كان دكانه مفتوحاً للناس، وأدويته معروضة في سلال تفوح منها الأعشاب المجففة، يقدم علاجاته للمحتاجين والفقراء على الرغم من تقوّس ظهره وكبر سنه. صار دارا يعمل مع العطار ويرافقه كمريد، "جعل من دكانته الصغيرة وطناً كبيراً لي، وطناً يحضره الله كل يوم، فلا أشعر بغربة"[14].

هنا في هذه الدكانة حيث الحديث عن الألوهية وعن الإنسان وعن إرادته وعن الغيب وعن الخير وعن الشر وجد وطنه. هنا بين كتب العطار وأعشابه وأفعاله وتعاليمه، يجد من يحادثه ويسأله، ويزيل غربته الوجودية ويمنحه شعور الوطن. كانت تقلقه أسئلة إرادة الإنسان التي تعلّمها من الزرادشتية والمعتزلة، هل يعقل أن يكون الإنسان بلا إرادة؟ متى تنتهي إرادة الله، وتبدأ إرادة الإنسان؟  

يقول مع نفسه: لم يقنعني في الإسلام دور الإنسان المذل، دور عبد لا قيمة له أمام قدرة الله. لابد أن هناك لحظة أو منطقة تبدأ فيها إرادة الإنسان الفاعل المبادر. جواب هذا السؤال عرفه من خلال حياة الدكان وما يجري فيها من معاملات وحوارات. 

عرف أن الإنسان معاون للإله على فعل الخير والقضاء على الشر، ما يفعله العطار من مساعدة للفقراء بإرادته شكل من أشكال هذه المعاونة، وذوبان العطار في الألوهية وفناؤه فيها يجعل من إرادته امتداداً لإرادة من عشقه وأحبه وأفنى نفسه فيه، بذلك تصير العلاقة بينهما كعلاقة الماء والثلج والموجة والمحيط. 

"الله هو الإنسان والإنسان هو الله" تتماهى الإنسانية مع الألوهية، يدخلون في وحدة وجود واحدة، فيصير الإنسان جزءاً من الإرادة الإلهية ومعاوناً لهذه الإرادة في تحقيق الخير في الأرض، كما هو حال العطار يحقق الخير في الأرض عبر خبراته في العطارة ومساعدة الفقراء والمحتاجين والمساكين، وكان يفعل ذلك بما في إرادته من امتداد صوفي مع إرادة الله.

 كان (العطار) معاوناً لإرادة الله، والشر الذي مثّله المغول تمثّل في قتلهم لهذه الإرادة الخيرة، بمقتل معاون إرادة الله وهو الشيخ العطار، يخرج (دارا) من نيسابور شريداّ باتجاه القلاع حيث تبدأ رحلة جديدة له في القلاع الإسماعيلية.

القلاع الإسماعيلية

على وقع المذابح المغولية، يلجأ (دارا) إلى قلاع الإسماعيليين، في هذه القلاع سوف يتعرف على الإسماعيلية كنور آخر من أنوار الإسلام، وهنا سوف يفاجأ في البداية بأول خطاب يسمعه في قلعة (قائيين) "لا يرى الخليفة في أفعال المسلمين إلا الشر. خروجهم عليه فتنة، واعتكافهم عنه ردة، وهمسهم خوفاً هو نفاق. حتى سكوتهم لا يرضيه وربما ادعى أن فيه تقية"[15].

يبدأ دارا في اكتشاف الفرق بين عقيدة الخلافة في بغداد وعقيدة الإمامة في القلاع. تستوقفه فكرة النور في المعتقد الإسماعيلي، النور الإلهي الذي تجسّد في نبوة محمد (ص) وانتقل عبر ابنته فاطمة في أبنائها من الأئمة، سيجد في هذا النور استكمالاً لفكرة "نور على نور" التي أخذ يتشربها في الإسلام. 

سيتعرف على الخواجه نصير الدين الطوسي الذي سيكون دليله في رحلته من قلعة (قائيين) إلى قلعة (آلموت) هناك حيث إمام الإسماعيليين. هناك تنتظره مكتبة ضخمة، ستفتح له نوافذ إلى أنوار أخرى. أثناء ذلك، يقتحم المغول القلعة ويتم حرق كتبها، وسيخرج بكتاب وحيد يحمله بين يديه هو كتاب (نهج البلاغة) وعبره وعبر علاقته بنصير الدين الطوسي سيدخل التشيع الاثني عشري "أشعر أن نفسي تخضع للإمام علي"[16]. وهنا تقريباً تكتمل رحلة بحثه عن نور يربط هويته الإسلامية بهويته الزرادشتية الآريانية التي تقبلت تحولات تاريخية كثيرة واستوعبتها، لكنها لم تتقبل المغول "طمأنت نفسي بسر آريانا القديم، لن ترى فارس في المغول كمالاً… سلاحهم البداوة، وتراثهم الخرافات، إنهم أشباح زحفت على فارس من العصور المظلمة"[17].

تكفير دارا

وبعد ذلك سيدفع ثمن هذا التشيع وثمن علاقته بالإسماعيليين وثمن زرادشتيته وثمن الوطن المركب في داخله، سيدفع الثمن بعد وفاة السلطان المغولي (أوليجايتو) الذي أسلم وتشيع وشيّع دين السلطنة، جاء بعده السلطان (أبو سعيد) وأمر وزيراً متشدداً أن يزيل مظاهر التشيع ويُعلن انتصار السلطان لمذهب أهل السنة بصفته مذهب الحق، فتوجه الوزير إلى (مراغة) المكان الذي بنى فيه نصير الدين الطوسي مرصده ومدرسته ومكتبته، هناك كان (دارا) يرعى تراث أستاذه الطوسي، يتأمل في الكتب التي جمعها أستاذه وقضى عمره معها منذ زواجه حتى بلغ الثمانين من عمره. "أنظر إلى رفوف المكتبة، أتأمل مجلدات متراصة خضتُ فيها وخاضت فيّ، حتى تقوّس ظهري، أحيانا أشعر أني سجينها،…. لكن أهل البلدة يسمّونني شيخ الكتب"[18].

يأخذه الوزير من مكتبته أخذاً متوحشاً ومذلاً، ويتعرض لمحاكمة عقائدية، فيحكم عليه بالموت لأنه زرادشتي إسماعيلي شيعي، يخاطبه الوزير بغلظة: "لقد انكشف أصلك أيها الكافر بعد أن أخفيته سنين طويلة، هاجرت جماعتك إلى الهند منذ زمن بعيد، فلماذا بقيت في فارس؟ لتكون معولاً هداماً؟"[19].

هذه المرة خانه شعوره، شعوره الذي ظل يطمئنه أنه حين تحاصره المخاطر، تنجيه كتب معينة من وراء الغيوب، لقد نجّاه (قرآن) سعدي من أهوال الصحراء في رحلته إلى نيسابور، ونجّاه كتاب العطار (منطق الطير) من مذبحة المغول في نيسابور، ونجّاه  (نهج البلاغة) من نار (الجويني) في قلعة ألموت.

هذه المرة لم تحمه الكتب، ولا أمجاد (آريانا) التي يفخر بأنه سليل حضارتها وصنيعة أديانها وعارف أسرار كتبها القديمة.

رحل دارا، وترك وراءه أسئلة مُقلقة:

"ترى ماذا سيقول عني أهل فارس بعد مماتي؟ ليس غريباً لو ازدروني، وقالوا كان دارا مجوسياً، أو قالوا كان معتزلياً متفلسفاً، أو درويشاً مجذوياً، أو إسماعيلياً مهرطقاً، أو شيعياً مغالياً. ولو يعرفون كيف تورد الأسماء في الصحائف لقالوا كان دارا زرادشتياً صالحاً، وكان مانوياً يؤمن بقرينه الخاص به ويشتاق للاتحاد به في السماء، وكان معتزلياً متمسكاً بإرادته، وكان متصوفاً يبحث عن سلالة نشأتها من نور إلهي، وكان إسماعيلياً يضج قلبه بالثورة على الظالم، وكان شيعياً عاشقاً انتظر مخلص البشر في حال من الخوف والرجاء. من يصدق أني حملت كل هؤلاء في داخلي؟ من يصدق أني حفظتهم منسجمين في حياة واحدة؟"[20].

*د.علي أحمد الديري/ كاتب وباحث من البحرين.

الهوامش
 
[1] عقيل الموسوي، دارا الزرادشتي، ص83.
[2] المصدر نفسه، ص64.
[3] المصدر نفسه، ص64.
[4] المصدر نفسه، ص86.
[5] المصدر نفسه، ص345.
[6] المصدر نفسه، ص314.
[7] المصدر نفسه، ص293.
[8] المصدر نفسه، ص117.
[9] المصدر نفسه، ص179.
[10] المصدر نفسه، ص301.
[11] المصدر نفسه، ص146.
[12] المصدر نفسه، ص155.
[13] المصدر نفسه، ص188.
[14] المصدر نفسه، ص208.
[15] المصدر نفسه، ص224.
[16] المصدر نفسه، ص303.
[17] المصدر نفسه، ص273.
[18] المصدر نفسه، ص371.
[19] المصدر نفسه، ص397.
[20] المصدر نفسه، ص7-8.