كازو إيشيغورو خطّاف "نوبل" الهادئ

انشغل كازو إيشيغورو في كل أعماله الإبداعية بعلاقة البشر مع ذكرياتهم الشخصية. إن روائياً عميقاً مثل إيشيغورو يدرك مدى هشاشة الفرد أمام قوة المجتمع الضاغطة، وخاصة حين تتآزر هذه القوة مع عوامل أخرى أكثر قوة مثل الحرب، أو الهجرة، وما ينتج عنها من تشظّي نفسي.

الأديب الياباني البريطاني كازو إيشيغورو

 

كازو إيشيغورو خطاف "نوبل" هادئ الملامح، عميق الصوت والكلمات، حامل لقب فارس الفنون والآداب، تمكن بخفة من أخذ "نوبل" من باب مواطنه الكاتب الياباني هاروكي موراكامي الذي ظل اسمه يتردد لسنوات ضمن قائمة المرشحين. كما تمكن من استبعاد أسماء أدبية مهمة لتحل "نوبل" في بيته، رغم عدم توقعه هو شخصياً الحصول على الجائزة، مع الأخذ في عين الاعتبار أن أمزجة القائمين على "نوبل" لا يمكن التنبؤ بها. ففي عام 2013 وصلت الجائزة إلى أليس مونرو الكاتبة الكندية التي صدر لها اثنتا عشرة مجموعة قصصية، وهي الملقبة بسيدة القصة القصيرة، أي أن الجائزة ابتعدت عن الحلول في بيت الكاتبة الشاملة والموسوعية مارغريت أتوود لصالح ابنة بلدها مونرو. وهذا مثير للدهشة لأن مونرو غزيرة الإنتاج في كل حقول الكتابة، ولها قراء في كل أنحاء العالم.

أما في عام 2016 فقد ذهبت جائزة نوبل للآداب إلى المطرب بوب ديلان، وواجه هذا الفوز استنكاراً عالمياً من معظم نقاد الأدب وعشاقه، متسائلين إذا كان ديلان على الرغم من كتابته للأشعار والقصائد المغناة يستحق الفوز بأكثر جائزة أدبية مرموقة في العالم كله.

فوز إيشيغورو لم يسبب عاصفة استنكار مثل العام الماضي، لأن كازو في المقام الأول كاتب جاد، إنتاجه نوعي ومميّز من حيث اختيار الأفكار وطريقة تناولها ضمن أعماله الروائية، بالإضافة إلى أنه من الكتاب الذين تأثروا برافد مهم يتعلق بالهوية نتيجة تأثّره بثقافتين.

يعتبر إيشيغورو كاتباً إنجليزياً من أصول يابانية، ولد في مدينة ناكازاكي المنكوبة بالقنبلة الذرية ثم انتقل إلى إنجلترا في الخامسة من عمره، وتابع تحصيله المعرفي وحياته في المملكة المتحدة، أي أنه ينتمي اجتماعياً ومعرفياً إلى الثقافة الإنجليزية أكثر مما نجد لديه حضوراً أدبياً لليابان، سواء بتقاليدها القديمة، أو تقديم اليابان المعاصرة التي نجدها في كتابات موراكامي مثلاً، أو غيره من الكتاب اليابانيين المعاصرين. بل على العكس، فقد نجج كازو في تقديم المجتمع الإنجليزي بثقافته التقليدية العريقة في أكثر من عمل روائي، وإزاء هذه النقطة تحديداً، ربما ينبغي التوقف أمام إصداراته الأدبية وتحليلها بغية معرفة عالمه أكثر.

صدرت له رواية "منظر شاحب على التلال" عام 1982، وكانت هذه الرواية أول أعماله التي أصدرها وهو في الثالثة والعشرين من عمره ، ثم أصدر عام 1986 رواية "فنان من العالم الطليق"، لكن الحظ حالفه بقوة مع إصدار رواية "بقايا يوم" عام 1989 التي حازت على جائزة المان بوكر.

 توقف إيشيغورو عن إصدار أي عمل روائي حتى عام 1995 فأصدر رواية "من لا عزاء لهم". وبعد مرور خمسة أعوام لاحقة صدرت له رواية "حين كنا يتامى" لتصدر بعدها في عام 2005 رواية "لا تتركني أرحل"، وكانت رواية "العملاق المدفون" آخر إصداراته عام 2015.

هكذا من خلال ملاحظة تواريخ الإصدارات، يقف القارئ المتابع لإيشيغورو على التباعد الزمني في إصداراته، والتأني في الكتابة، والإحساس بعدم الرضا عن إنتاجه الأدبي، كما يتضح من حواراته الصحافية.

 

 

 

رواية "منظر شاحب للتلال"

أعمال كازو إيشيغورو

روايته الأولى "منظر شاحب للتلال" فازت بجائزة "وينفريد هولتباي ميموريال"، ونالت لقب أفضل كتاب لعام 1982. تناول كازو في هذا العمل الجيل الأول والثاني من المهاجرين اليابانيين، مع بطلته نيكي التي تأتي لزيارة والدتها ايتسيكو، ليكتشف القارئ أن الأم كانت تعيش في اليابان مع زوجها الأول الياباني جيرو ولها إبنة كبرى تدعى كيكو. تنساب الذكريات مع ايتسيكو لنعرف أنها إلتقت برجل إنجليزي ثم تغادر معه إلى إنجلترا، تتزوجه وتنجب منه طفلة يحتار كلاهما في اختيار إسم لها بين أن يكون إسماً يابانياً تماماً أو إنجليزياً، لذا يتفقان على اسم "نيكي" الذي يجمع بين اللفظ الأوروبي والصوت الياباني.

 يجمع إيشيغورو في هذه الرواية عدداً من الأفراد الإنجليز واليابانيين في علاقات متشابكة بين الحب والصداقة، والصلات الاجتماعية التي يقدم كل فرد منها خلفيته الثقافية، مما يجعل الحضارتين الغربية المتمثلة بإنجلترا في مواجهة الثقافة الشرقية اليابانية، بالإضافة إلى شخصية فرانك الأميركي الذي تغادر معه إحدى البطلات إلى أميركا.

يقول إيشيغورو إنه كتب هذه الرواية للمحافظة على ذكرياته عن اليابان، أراد أن ينجو بجزء من اليابان القديمة من الدمار، وإبقاءها حية في ذاكرته وفي ذهن قرائه.

 

فنان من العالم الطليق

في عمله الروائي الثاني "فنان من العالم الطليق"، الحائز على جائزة "ويتيربيد"، وجائزة " سكانو" الإيطالية، يعالج الكاتب فكرة الهوية المتوازية مع الفن. هنا الشخصية الرئيسية هي شخصية فنان تشكيلي بوهيمي عجوز يعيش في اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أي بعد الهزيمة، وبعد دخول الثقافة الأميركية إلى اليابان، البلد المهزوم الذي شن حرباً وخسرها. تكشف هذه الرواية التشوّهات النفسية التي تتركها الحروب، بل انقلاب الحياة رأساً على عقب بسبب الحرب، ليس العالم الخارجي فقط هنا هو الذي ينقلب ويتحول، بل إن التحولات الكبرى تطال الجوهر أكثر، وتترك البطل معطوباً ومشوشاً، غارقاً في تأملاته وتساؤلاته عن الحياة ومعناها، عن أثر السياسة وتأثيرها على الفنان الذي يفقد إيمانه ببعض المفاهيم التي نشأ عليها، وتحول نحو مفاهيم جديدة تنتصر للقيم الغربية أكثر، مما يجعله يخسر تلاميذه الذين ينبذونه ويعتبرونه خائناً، من خلال شخصية هذا الفنان الذي عاصر مرحلة قبل الحرب وبعدها، ومرحلة التحولات في المجتمع الياباني المنغلق على ثقافته، والذي أُجبر على التحول أيضاً.. هكذا تبدو ثمة مزاوجة بين البطل وبين بلده، بين عجزه وهزيمته الفنية والاجتماعية وبين يابان ما بعد الحرب.

بقايا يوم

استطاع كازو إيشيغورو في رواية "بقايا يوم" التي نال عنها جائزة "المانبوكر"، التخلّص من تأثير الثقافة اليابانية تماماً واقتحام العالم الارستقراطي الإنجليزي، وتقديم وجوه عدة له. تدور الأحداث في عام 1956 في قصر للورد الإنجليزي "لينغتون" الذي تنتقل ملكية قصره إلى مالك أميركي جديد. تبدأ الأحداث مع رئيس الخدم "ستيفنسون" الذي يغادر في سيارة سيده إلى بلدة أخرى لزيارة شخص عزيز عليه، سرعان ما يبدأ السرد الارتجاعي ليعود بالأحداث إلى عام 1933 وقدوم مدبرة للمنزل تدعى الآنسة كينتون، يتضح وجود ارتباط عاطفي بين البطلين. إنه نوع من الحب المكتوم الذي ظل حاضراً في قلبيهما من دون أن يدور بينهما أي حوار بشأنه، بل إن الآنسة كينتون نتيجة إخلاص ستيفنسون لعمله كرئيس خدم، ورفضه الزواج منها، تتركه وتتزوج من رجل آخر، وترحل إلى بلدة أخرى. ثم بعد مرور عشرين عاماً يلتقيان من جديد، تحكي هي عن حياتها قليلاً وعن ابنتها التي أنجبت مؤخراً طفلة صغيرة، ويحكي لها باقتضاب عن حياته وعمله، وتظل ملامحه جامدة من دون أي تعبير حتى لحظة الوداع عند القطار ودمعة خفية تنساب من ملامحه المتصلبة، في مقابل ما يشبه الانهيار العاطفي من السيدة كينتون.

قصة حب شائكة وغامضة كسائر كتابته يمكن اعتبارها المحور الرئيسي للنص، بالتوازي مع شخصية اللورد "دارلينغتون" الذي كان منحازاً للألمان بعد نهاية الحرب، مما يتم تأويله على أنه خيانة عظمى لبلاده. والجدير بالإشارة أن هذه الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة أنتوني هوبكنز، وايما تومبسون.

 

لا تتركني أرحل

ناقش إيشيغورو من خلال روايته "لا تتركني أرحل"، فرضية دوستوبية عن واقع غامض لمدرسة داخلية، يجتمع فيها تلاميذ يحكون بشكل سري عن مستقبلهم المجهول. ومع تتابع الأحداث يستنتج القارئ أن هؤلاء التلاميذ يتم تنشئتهم ليكونوا متبرعين بأعضائهم لأشخاص مجهولين، هكذا يبدأون بالرحيل فرداً بعد الآخر، حاملين سرهم معهم. وسط هذا الجو المأساوي من العجز وعدم القدرة على الفعل تبزغ فكرة الحب بين "كاتي" و "تومي" اللذين  ينشآان معاً منذ الطفولة، ويشتركان في كثير من الذكريات، وتمر قصة حبهما بكثير من الشد والجذب حتى يكتشفا عمق مشاعرهما الحقيقية ورغبتهما في أن يكونا معاً. لكن هذا الحب محكوم بالانتهاء، لأن كلاً منهما سيبدأ في مرحلة أخذ أعضائه بعد بلوغه سن الثامنة عشر.

ببدو الأبطال معزولين خلف جدران المدرسة الداخلية، وحتى في المشاهد التي يذهبون فيها إلى بلدة بحرية مجاورة، يبدون وكأنهم وحدهم منفصلون عن العالم الخارجي كلّه، أراد إيشيغورو من خلال هذا العمل توجيه نقد مباشر للواقع العلمي العصري وتماهيه مع فكرة المادة واستباحة القيم، حيث تتلاشى القيمة الحقيقية للإنسان ويُستخدم كقطع غيار للمجتمع القوي والسليم. نحن نقف أمام مجموعة أبطال ضعفاء مسيطر عليهم من قبل مديرة المدرسة العجوز، وكل هذا يمضي في دلالات رمزية توظّف كل شخص وكل حدث في مكانه.

هذا العمل الروائي تحول أيضاً إلى فيلم في عام 2010، وقام ببطولته كل من " كاري موليغان" و"كيرا نايتلي" و"وينونا رايدر".

 

العملاق المدفون

بعد أن غاب عن ساحة النشر لعشرة أعوام، أصدر كازو في عام 2015 رواية "العملاق المدفون"، التي تدور أحداثها في العصور الوسطى في إنجلترا تحديداً في عصر الملك آرثر، وتعتبر رواية فلسفية في تناول مفاهيم مثل الحب والخيانة، والإخلاص والتخلي. أما مكان الحدث فهو إحدى القرى الإنجليزية النائية، حيث يمر وقت طويل على البشر قبل أن تحدث في حياتهم أية تحولات. لكن هذه البلدة الأنجلوسكسونية مليئة بالكائنات المتوحشة والتنانين المختبئة في الغابات. لذا يجتاح البلدة داء النسيان من خلال أنفاس تنين أنثى تبثها في الهواء، ويبدأ البشر في فقدان ذاكرتهم، مما يعني تلاشي هويتهم الذاتية وفقدان الأنا. في المقابل فإن البشر يتضافرون معاً لقتل التنينة كي يتخلصوا من داء النسيان، هم يريدون ذاكرتهم، ولا يرغبون أن يتلاشوا  في الضباب، كما تقول بياتريس إحدى الأبطال الرئيسيين. لعل التفاصيل اليومية الصغيرة التي يقدمها كازو في هذا العمل تشكّل حلقات متصلة من الألم، مثلاً ما يحدث لبياتريس وزوجها وسعيهما للبحث عن إبنهما، وعجزهما عن تذكّر سبب غيابه وعدم وجوده معهما.

في كل أعماله الابداعية انشغل إيشيغورو على ما يبدو بعلاقة البشر مع ذكرياتهم الشخصية، يقدم مثل هذه الأفكار في نسيج هادئ مثير للدهشة، رغم أن سرده يبدو هادئاً وبطيئاً لا يعج بالانفعالات. إلا أن المتأمل في كتابته يكتشف الطبقات التحتية العميقة التي يؤلف منها أعماله، حيث كل عمل على حدة يحمل تفسيراته الخاصة، وكل شخصية في رواياته من الممكن مقاربتها من أكثر من وجه. لا تحضر ثنائية الخير والشر في روايات كازو، بل إنه يتعمد تجاهل هذه التيمات ليقدم أبطالاً بنوازع بشرية مركبة وغير مفهومة. يبدو أبطاله في كثير من الأحيان منساقين ظاهرياً وراء الأطر الإجتماعية التي تكبّلهم، لكنهم في الوقت نفسه يعيشون صراعاتهم الداخلية بضراوة شديدة تودي بهم إلى النهاية. هنا قد لا تكون النهاية على شكل الموت فقط، بل على شكل احتضار نفسي معذب، كما حدث مثلاً مع بطل رواية "فنان من العالم الطليق" أو بطل رواية "بقايا يوم"، وأيضاً موت الأبطال في روايته الخيالية "لا تتركني أرحل"، لأن روائياً عميقاً مثل كازو إيشيغورو يدرك مدى هشاشة الفرد أمام قوة  المجتمع الضاغطة، وخاصة حين تتآزر هذه القوة مع عوامل أخرى أكثر قوة مثل الحرب، أو الهجرة، وما ينتج عنها من تشظّي نفسي، كما في روايته الأولى "منظر شاحب للتلال".

 

"فنان من العالم الطليق"

في عمله الروائي الثاني "فنان من العالم الطليق"، الحائز على جائزة "ويتيربيد"، وجائزة " سكانو" الإيطالية، يعالج الكاتب فكرة الهوية المتوازية مع الفن. هنا الشخصية الرئيسية هي شخصية فنان تشكيلي بوهيمي عجوز يعيش في اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أي بعد الهزيمة، وبعد دخول الثقافة الأميركية إلى اليابان، البلد المهزوم الذي شن حرباً وخسرها. تكشف هذه الرواية التشوّهات النفسية التي تتركها الحروب، بل انقلاب الحياة رأساً على عقب بسبب الحرب، ليس العالم الخارجي فقط هنا هو الذي ينقلب ويتحول، بل إن التحولات الكبرى تطال الجوهر أكثر، وتترك البطل معطوباً ومشوشاً، غارقاً في تأملاته وتساؤلاته عن الحياة ومعناها، عن أثر السياسة وتأثيرها على الفنان الذي يفقد إيمانه ببعض المفاهيم التي نشأ عليها، وتحول نحو مفاهيم جديدة تنتصر للقيم الغربية أكثر، مما يجعله يخسر تلاميذه الذين ينبذونه ويعتبرونه خائناً، من خلال شخصية هذا الفنان الذي عاصر مرحلة قبل الحرب وبعدها، ومرحلة التحولات في المجتمع الياباني المنغلق على ثقافته، والذي أُجبر على التحول أيضاً.. هكذا تبدو ثمة مزاوجة بين البطل وبين بلده، بين عجزه وهزيمته الفنية والاجتماعية وبين يابان ما بعد الحرب.

رواية "بقايا يوم"

رواية "بقايا يوم"

استطاع كازو إيشيغورو في رواية "بقايا يوم" التي نال عنها جائزة "المانبوكر"، التخلّص من تأثير الثقافة اليابانية تماماً واقتحام العالم الارستقراطي الإنجليزي، وتقديم وجوه عدة له. تدور الأحداث في عام 1956 في قصر للورد الإنجليزي "لينغتون" الذي تنتقل ملكية قصره إلى مالك أميركي جديد. تبدأ الأحداث مع رئيس الخدم "ستيفنسون" الذي يغادر في سيارة سيده إلى بلدة أخرى لزيارة شخص عزيز عليه، سرعان ما يبدأ السرد الارتجاعي ليعود بالأحداث إلى عام 1933 وقدوم مدبرة للمنزل تدعى الآنسة كينتون، يتضح وجود ارتباط عاطفي بين البطلين. إنه نوع من الحب المكتوم الذي ظل حاضراً في قلبيهما من دون أن يدور بينهما أي حوار بشأنه، بل إن الآنسة كينتون نتيجة إخلاص ستيفنسون لعمله كرئيس خدم، ورفضه الزواج منها، تتركه وتتزوج من رجل آخر، وترحل إلى بلدة أخرى. ثم بعد مرور عشرين عاماً يلتقيان من جديد، تحكي هي عن حياتها قليلاً وعن ابنتها التي أنجبت مؤخراً طفلة صغيرة، ويحكي لها باقتضاب عن حياته وعمله، وتظل ملامحه جامدة من دون أي تعبير حتى لحظة الوداع عند القطار ودمعة خفية تنساب من ملامحه المتصلبة، في مقابل ما يشبه الانهيار العاطفي من السيدة كينتون.

قصة حب شائكة وغامضة كسائر كتابته يمكن اعتبارها المحور الرئيسي للنص، بالتوازي مع شخصية اللورد "دارلينغتون" الذي كان منحازاً للألمان بعد نهاية الحرب، مما يتم تأويله على أنه خيانة عظمى لبلاده. والجدير بالإشارة أن هذه الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة أنتوني هوبكنز، وايما تومبسون.

 

"لا تتركني أرحل"

 ناقش إيشيغورو من خلال روايته "لا تتركني أرحل"، فرضية دوستوبية عن واقع غامض لمدرسة داخلية، يجتمع فيها تلاميذ يحكون بشكل سري عن مستقبلهم المجهول. ومع تتابع الأحداث يستنتج القارئ أن هؤلاء التلاميذ يتم تنشئتهم ليكونوا متبرعين بأعضائهم لأشخاص مجهولين، هكذا يبدأون بالرحيل فرداً بعد الآخر، حاملين سرهم معهم. وسط هذا الجو المأساوي من العجز وعدم القدرة على الفعل تبزغ فكرة الحب بين "كاتي" و "تومي" اللذين  ينشآان معاً منذ الطفولة، ويشتركان في كثير من الذكريات، وتمر قصة حبهما بكثير من الشد والجذب حتى يكتشفا عمق مشاعرهما الحقيقية ورغبتهما في أن يكونا معاً. لكن هذا الحب محكوم بالانتهاء، لأن كلاً منهما سيبدأ في مرحلة أخذ أعضائه بعد بلوغه سن الثامنة عشر.

ببدو الأبطال معزولين خلف جدران المدرسة الداخلية، وحتى في المشاهد التي يذهبون فيها إلى بلدة بحرية مجاورة، يبدون وكأنهم وحدهم منفصلون عن العالم الخارجي كلّه، أراد إيشيغورو من خلال هذا العمل توجيه نقد مباشر للواقع العلمي العصري وتماهيه مع فكرة المادة واستباحة القيم، حيث تتلاشى القيمة الحقيقية للإنسان ويُستخدم كقطع غيار للمجتمع القوي والسليم. نحن نقف أمام مجموعة أبطال ضعفاء مسيطر عليهم من قبل مديرة المدرسة العجوز، وكل هذا يمضي في دلالات رمزية توظّف كل شخص وكل حدث في مكانه.

هذا العمل الروائي تحول أيضاً إلى فيلم في عام 2010، وقام ببطولته كل من " كاري موليغان" و"كيرا نايتلي" و"وينونا رايدر".

"العملاق المدفون"

رواية "حين كنا يتامى"

 بعد أن غاب عن ساحة النشر لعشرة أعوام، أصدر كازو في عام 2015 رواية "العملاق المدفون"، التي تدور أحداثها في العصور الوسطى في إنجلترا تحديداً في عصر الملك آرثر، وتعتبر رواية فلسفية في تناول مفاهيم مثل الحب والخيانة، والإخلاص والتخلي. أما مكان الحدث فهو إحدى القرى الإنجليزية النائية، حيث يمر وقت طويل على البشر قبل أن تحدث في حياتهم أية تحولات. لكن هذه البلدة الأنجلوسكسونية مليئة بالكائنات المتوحشة والتنانين المختبئة في الغابات. لذا يجتاح البلدة داء النسيان من خلال أنفاس تنين أنثى تبثها في الهواء، ويبدأ البشر في فقدان ذاكرتهم، مما يعني تلاشي هويتهم الذاتية وفقدان الأنا. في المقابل فإن البشر يتضافرون معاً لقتل التنينة كي يتخلصوا من داء النسيان، هم يريدون ذاكرتهم، ولا يرغبون أن يتلاشوا  في الضباب، كما تقول بياتريس إحدى الأبطال الرئيسيين. لعل التفاصيل اليومية الصغيرة التي يقدمها كازو في هذا العمل تشكّل حلقات متصلة من الألم، مثلاً ما يحدث لبياتريس وزوجها وسعيهما للبحث عن إبنهما، وعجزهما عن تذكّر سبب غيابه وعدم وجوده معهما.

في كل أعماله الابداعية انشغل إيشيغورو على ما يبدو بعلاقة البشر مع ذكرياتهم الشخصية، يقدم مثل هذه الأفكار في نسيج هادئ مثير للدهشة، رغم أن سرده يبدو هادئاً وبطيئاً لا يعج بالانفعالات. إلا أن المتأمل في كتابته يكتشف الطبقات التحتية العميقة التي يؤلف منها أعماله، حيث كل عمل على حدة يحمل تفسيراته الخاصة، وكل شخصية في رواياته من الممكن مقاربتها من أكثر من وجه. لا تحضر ثنائية الخير والشر في روايات كازو، بل إنه يتعمد تجاهل هذه التيمات ليقدم أبطالاً بنوازع بشرية مركبة وغير مفهومة. يبدو أبطاله في كثير من الأحيان منساقين ظاهرياً وراء الأطر الإجتماعية التي تكبّلهم، لكنهم في الوقت نفسه يعيشون صراعاتهم الداخلية بضراوة شديدة تودي بهم إلى النهاية. هنا قد لا تكون النهاية على شكل الموت فقط، بل على شكل احتضار نفسي معذب، كما حدث مثلاً مع بطل رواية "فنان من العالم الطليق" أو بطل رواية "بقايا يوم"، وأيضاً موت الأبطال في روايته الخيالية "لا تتركني أرحل"، لأن روائياً عميقاً مثل كازو إيشيغورو يدرك مدى هشاشة الفرد أمام قوة  المجتمع الضاغطة، وخاصة حين تتآزر هذه القوة مع عوامل أخرى أكثر قوة مثل الحرب، أو الهجرة، وما ينتج عنها من تشظّي نفسي، كما في روايته الأولى "منظر شاحب للتلال".