هل يمكن التفريق بين اليهودية والصهيونية؟

أثارت أستاذة الأدب المقارن والباحثة الأميركية جوديث بتلر جدلاً في الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية، بسبب آرائها المناهضة لسياسة الاحتلال الصهيوني في الأراضي الفلسطينية. فهي تحرص في أبحاثها على التمييز بين اليهودية كدين وأخلاق، وبين الحركة الصهيونية، كحركة عنصرية وليدة الشتات اليهودي.

كتاب "مفترق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية" للباحثة جوديث بتلر
كتاب "مفترق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية" للباحثة جوديث بتلر

في كتابها الذي حمل عنوان (مفترق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية)، تعرض فيه إشكاليات جوهرية متوافقة حيناً، ومتناقضة في أحيان أخرى، حول اليهودية والصهيونية.

تعترف بتلر في تقديمها للكتاب، أن سبب ابتعاد الكتاب والباحثين عن الخوض في العلاقة بين اليهودية كمعتقد ديني، وبين الصهيونية كحركة عنصرية، هو التهمة الجاهزة التي تلحق بالكاتب أو الباحث، وهي تهمة معاداة السامية، لذلك بات أي انتقاد لإسرائيل أو للحركة الصهيونية ضرباً من المستحيل، لكن هذه التهمة لم تمنع بتلر وغيرها من الكتاب (حنة آرندت، مارتن بوبر، هانز كون) من التشكيك في السرد التاريخي الذي هو جزء من الخطاب المشرعن لدولة إسرائيل، والبحث في مصادرهم عن نقدهم لعنف الدولة والقهر الاستعماري للسكان والترحيل والطرد، والبحث أيضاً، عن القيم اليهودية التي تدعو إلى التعايش مع الآخرين. وهذه القيم هي، بحسب ادعاءاتهم، جزء من الجوهر الأخلاقي الفعلي لليهودية الشتاتية.

وتبيّن بتلر، في مواضع أخرى، أن هناك نقداً يهودياً للعنف الذي تمارسه دولة إسرائيل، وتشير بمعنى ما، إلى أن التزام المساواة والعدالة الاجتماعيين هو جزء لا يتجزأ من التقاليد اليهودية العلمانية والاشتراكية والدينية، أي أن هناك يهودية مختلفة عن تلك التي تدعي حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أنها تتحدث باسمها. وترى أن الحقيقة المؤكدة هي أن أي جهد لبسط الهيمنة اليهودية في المنطقة هو جزء من التأثير الصهيوني سواء عد نفسه صهيونياً أو معادياً للصهيونية.

يقع الكتاب في ثمانية فصول، كل فصل منها حمل عنواناً يختلف في مضمونه عن الآخر، لكنها جميعاً تتصدى لنصوص من الفكر اليهودي الأوروبي، مقارنة مع نصوص لمفكرين عرب، حاولوا بشكل ما إزاحة الستار عن الفكر الصهيوني القائم على العنصرية الإحلالية.


مهمة ضرورية ومستحيلة: سعيد وليفيناس والمطلب الأخلاقي

المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد
المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد

 في الفصل الأول، تقرأ بتلر كتاب إدوارد سعيد، المفكر وعالم الاجتماع الفلسطيني- الأميركي الرحل، "فرويد وغير الأوروبي" ، وتشير إلى أن سبب قراءتها لكتاب سعيد هو إعادة إشراك رمز موسى بصورة حية. وهذا يصبح -بحسب بتلر- فرصة للإفصاح عن أطروحتين، الأولى: هي أن النبي موسى مؤسس الشعب اليهودي، هو مصري، ما يعني أن الديانة اليهودية غير ممكنة من دون هذا التضمين المعرّف فيما هو عربي، وتتصدى هذه الصياغة للتعريفات الأشكنازية المهيمنة لليهودية، لكنها في ذات الوقت تنطوي على أصل أكثر شتاتية للديانة اليهودية. غير أن رمز موسى بالنسبة إلى البعض يأتي بفكرة أكثر توكيداً، بمعنى أن اليهود والعرب فئتان غير قابلتين للانفصال بصورة نهائية، حيث اندمجتا وعاشتا معاً في فترة تاريخية ما، ومن منطلق أن تكون يهوديًا يعني العيش في علاقة مع غير اليهودي وإيجاد طريقة لرفض الحاجز الهوياتي. وفي هذا المنحى تشير بتلر إلى أن إدوارد سعيد يقترب من الموقف الأخلاقي عند إيمانويل ليفيناس (فيلسوف فرنسي من أصل يهودي، كتب العديد من التفاسير حول التوراة) الذي يفترض بعدم تناظر العلاقة بين الفاعل والآخر؛ بينما يركز مارتن بوبر( فيلسوف يهودي من أصل نمساوي)، على هويات منفصلة ومتمايزة ثقافيًا.

الأطروحة الثانية: هو أن نص سعيد- بحسب بتلر- أشبه بعريضة، هو دعوة للنظر في أن ظاهرة الطرد تسم تاريخ الشعبين الفلسطيني واليهودي، وهذا ما يشكّل الأساس لتحالف ممكن. لكن أشكال الطرد هذه ليست متكافئة وليست متشابهة، لأن الإسرائيليين مسؤولون عن الطرد القسري للفلسطينيين وعن قهرهم المستمر، لكن طرد اليهود من أوروبا هو جزء من تاريخ أوروبا وحده


غير قادر على القتل: ليفيناس ضد ليفيناس

 تشير الكاتبة في الفصل الثاني، إلى مسألة العنف الذي (هو رغبة مرتبطة ضمنياً بالخوف من الموت)، واللاعنف و(هو نتيجة حرب يشنها دافع المرء الإجرامي على التحريم الذي يمنع تحققها). واللاعنف لا يأتي بحسب ليفيناس من مكان سلمي، بل من توتر دائم بين الخوف من الخضوع إلى العنف والخوف من ممارسته. والسلام هو نضال فاعل ضد العنف ولا يمكنه أن يكون دون العنف الذي يسعى إلى الحد منه، ويسمي السلام هذا التوتر عملية عنفية. ومع ذلك فهو نوع من العنف الذي يحدث باسم اللاعنف أيضًا. لهذا فإن المسؤولية التي يجب أن أتحملها عن الآخر تنبثق بصورة مباشرة من تعرضي للاضطهاد والاعتداء من هذا الآخر. وهكذا، فإن ثمة عنفًا في العلاقة منذ البداية: وإذا كان جوهر ذلك الاضطهاد هو تحريم القتل فأنا مضطهد إذاً بواسطة أمر الحفاظ على السلام- بحسب ليفيناس.

تسعى بتلر في الفصل الثالث إلى كشف الأفكار التي استفاد منها والتر بنيامين ( عالم اجتماع ألماني، وناقد للأفكار الصوفية اليهودية) من المصادر اليهودية وغير اليهودية في نقده للعنف القانوني، فيعيد على سبيل المثال النظر في إحدى وصايا الكتاب المقدس، وهي وصية (لا تقتل)، فينقد عنف الدولة الذي يجسده الجيش في طرائق عدة من خلال قدرته على فرض القانون واشتراعه. ويستفيد بنيامين في فهمه للوصية بأنها تنتمي إلى تقليد يهودي مختلف إذ يفصل بصورة صارمة بين الذي يفصح عنه القانون، وبين مسألة إلزامه.

وخلافاً لفكرة القانون القسري والمحرض على الشعور بالذنب يستحضر بنيامين الوصية بوصفها لا تكلف الفرد إلا بمصارعة الفرض الأخلاقي المبلَّغ عبر الأمر، وأيضاً، بوصفها نوعًا من القانون غير الملزم أو المفروض بواسطة العنف القانوني.

وهذا - كما تشير بتلر - يترك المجال مفتوحاً أمام وسائل تطبيقه وإمكانات تفسيره متضمناً بذلك الظروف التي يمكن أن يُرفض بموجبها. لهذا قسّمت بتلر أفكار بنيامين إلى شقين:

الأول يبيّن عدم إمكانية التعامل مع القانون بوصفه بديلًا من العنف، لكن هذا يثير، أيضًا، مسألة أنه كيف يصبح ممكنًا رفض الأشكال غير الناقدة لطاعة الأنظمة الحكومية الظالمة.

أما الثاني فترتكز فكرته حول كيفية معاودة المشيحاني (المشيحانية: الثورة الشعبية اليهودية، تتحرك ضمن إطار حلولي ساذج، وتجتذب الفقراء) تقديم التاريخ وتركيزه على إمكان إيجاد شكل حالي لتاريخ المظلومين، تاريخ لا ينتمي إلى أمة واحدة، بل يتطلب تبدلًا للظلم عبر الزمان والمكان.

 


هل الديانة اليهودية صهيونية؟

تتابع بتلر في الفصل الرابع، التفكّر في طروحات بنيامين، كي تفهم مشروعيته في نقده للعنف ظاهراً، وكي توضح أيضًا قيم التعايش والتذكر، وقيم عدم طمس الآثار الحية لدمار الماضي.

وتؤكد أن العلاقة مع غير اليهودي هي في صميم الأخلاق اليهودية، "ما يعني أنه من غير الممكن أن تكون يهوديًا من دون غير اليهودي، وكي تكون خُلقيًا يجب عليك الافتراق عن اليهودية بوصفها إطارًا حصريًا للأخلاق". وترفض في السياق ذاته المقولة السارترية (جان بول سارتر: كاتب فرنسي) التي تقول إن المعادي للسامية هو من أوجد اليهودي. في حين ترى أن بنيامين يشير إلى ضرب غريب من الوميض يبدو أنه نوع البزوغ أو الانبثاق المفاجئ لزمنية أخرى داخل زمنية متسمة باتساقها وتقدمها، يظهر فجأة ثم يختفي. وفي هذا يكتب بنيامين: "تمر صورة الماضي الحقيقية بسرعة، ليس ممكناً الإمساك بالماضي إلا كونه صورة تومض في اللحظة التي يمكن إدراكها فيها ولا تُرى ثانية"، أو لاحقاً:"إن تبيان الماضي تاريخياً لا يعني إدراكه كما كان فعلاً، بل يعني الإمساك بالذاكرة، إذ تومض لحظة الخطر".

تتساءل الكاتبة في الفصل الخامس إن كانت الديانة اليهودية صهيونية؟ وتجيب أن الصهيونية واحدة من الطرائق التي أدخلت الدين إلى الحياة العامة، وفي حال كان التقليد اليهودي الذي يرتكز على التعايش كونه قاعدةً للسلوك الاجتماعي، "فما ينتج ليس الحاجة إلى تأسيس وجود يهودي عام بديل أو حركة يهودية بديلة فحسب، بل الحاجة إلى تأكيد إزاحة الهوية التي تستلزمها اليهودية".

أما بالنسبة إلى حنة آرندت التي حملت العنوان الثاني للفصل- "آرندت ونقد الدولة، الأمة" (آرندت منظرة سياسية وباحثة يهودية من أصل ألماني) فتراها بتلر لا تدافع عن اليهود فحسب، بل هي من المدافعين عن أي أقلية أخرى في العالم تطرد من أرضها.

ووفقاً لآرندت ليست الحرية صفة مميزة للأفراد، بل هي ممارسة وعمل منسق تؤديه الـ(نحن) في الممارسة والأداء، ويرسخ هذه الـ(نحن)، بوصفها الشرط الاجتماعي للحقوق ذاتها. كما ترفض الفصل بين اليهود والأمم المزعومة الأخرى التي اضطهدتها النازية باسم تعددية متساوية في امتدادها مع حياة الإنسان في أشكالها الثقافية كلها. وحين ترفض آرندت أن تحب الشعب اليهودي، فهي ترفض صيغة أنتجها منطق تاريخي يفصل المبدأ المجرَد عن التعددية الحية للكائنات التي يدعي أنه يمثلها، "فهذه الصيغة لا يمكن أن تدعم إلا معاداة السامية ومعارضيها ذوي الآراء الخاطئة".


مآزق التعددي: التعايش والسيادة عند آرندت

الحاخام عوفاديا يوسف أحد رموز الصهيونية الدينية
الحاخام عوفاديا يوسف أحد رموز الصهيونية الدينية

 تخصص المؤلفة الفصل السادس للحديث عن فكرة التعايش عند آرندت فتقول إن فكرة التعايش عند آرندت تنبع من أنه ليس ممكنًا الحصول على وطن لليهود على أرض فلسطين، لأن في فلسطين سكاناً لا يمكن طردهم، وتعرض نشوء هذا المفهوم للتعايش جزئيًا من حالة المنفى، والقرابة مع الصيغة البنيامينية للمشيحانية التي قدمت بديلًا متميزًا للتطور التاريخي التقدمي الكاشف (موقف كرشوم شوليم النهائي- شوليم يهودي ألماني يرى أن اليهود أمة عضوية لا علاقة لها بأوروبا أو بحروبها وأن عليهم أن يهاجروا إلى فلسطين لتأسيس دولة صهيونية)، من خلال إعطاء الأولوية لطابع التيه والتبعثر للحياة اليهودية. وبقدر تبعثرها وتشتتها- الحياة اليهودية-، يصبح التعايش مع غير اليهودي ليس ضرورة تاريخية بل مهمة أساسية للأخلاق اليهودية.

وتضيف المؤلفة أن التعددية التي تستحضرها آرندت صوت نمط نصي من المخاطبة يعرض نفسه على كل من يستطيع قراءة ورؤية ما يتم إظهاره من خلال القراءة، "إنه صوت يتحدث بوصفه نحن مقسَمة بحسب التعريف إلى العديد منها؛ تتحرك في نوبات مفاجئة وهاربة بين أنا ونحن"، وتفصل في بعض الأحيان بين نمطين اثنين من التعددية: نمط هو الذات، ونمط هو الذات مع الآخرين.

تكتب بتلر في الفصل السابع، عن مهمة بريمو ليفي، أحد أبرز الشهود على المحرقة النازيّة. وبعد 44 عاماً على شهادته المحرقة، انتحر ليفي معلناً عجزه عن التطهّر من ذلك الماضي الذي أثقل كاهله، كانت مهمة ليفي تقديم حقيقة معسكرات النازية. ومنذ خروجه، من معسكر (أوشفيتز الذي أجبر على العمل به بصفته كيميائياً) فهم بريمو ليفي أن الإدلاء بشهادته شرط أساسي للبقاء على قيد الحياة: "كتبتُ فور عودتي كل ما شاهدته. كان عليّ التحرر من ذلك العبء، وشعرت أن الشهادة واجب أخلاقي وسياسي أيضاً". 

وفي أعماله اللاحقة نشهد توتراً بين الذاكرة التي يسميها الأداة المضللة ومطالب القصة أو السرد، ربما لأنه كان على دراية تامة في أن تاريخ تلك المرحلة سوف يُحكى مرة تلو أخرى، وأن القصص ستأخذ مكان الذكريات، وفي النتيجة سيكون عليها أن تحلّ محلّها ما إن يختفي الناجون الأحياء. تسأل بتلر: "كيف لنا أن نفهم علاقة ليفي بما يمكن التحدث عنه وما لا يمكن؟ وكيف لهذا الأمر الذي يبدو غير قابل للتحدث عنه أو الاسترجاع أن يُحمل عبر اللغة التي يستخدمها؟."


ماذا سنفعل من دون منفى؟ سعيد ودرويش يخاطبان المستقبل

الشاعر الفلسطيني محمود درويش
الشاعر الفلسطيني محمود درويش

 تختم جوديث بتلر كتابها بالحديث عن المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد والشاعر الفلسطيني محمود درويش اللذين قضيا جلَّ حياتهما في المنفى يخاطبان المستقبل، حالمَين بالعودة، وإنهاء الاحتلال. تقول في السياق: "إن أي تقدم إلى المستقبل لن يكون مفيدًا إذا أخفق في مقاومة الطمس. ومع هذا، فإن الكثير من المقاربات العملية المفترضة لمسألة فلسطين تعتمد على هذا الطمس". وتحاول أن تفهم من محمود درويش ما نوع المستقبل الذي تناوله إدوارد سعيد في تأملاته الأخيرة حول ثنائية القومية، وحول المستقبل والمستحيل والمنفى، من خلال تحليل قصيدة محمود درويش التي كتبها في مناسبة وفاة إدوارد سعيد (طباق، عن إدوارد سعيد).

حرصت جوديث بتلر في كتابها على الفصل بين اليهودية كدين ومعتقد، وبين الصهيونية كحركة عنصرية، فدعت صراحة إلى مقاومة الصهيونية ليس من الجانب الفلسطيني فقط، وإنما من الجانب اليهودي أيضاً، لأن إسرائيل كما تراها انتهكت القوانين الإنسانية والدولية.

 

 *عزيزة السبيني كاتبة سورية