أحمق وميت وابن حرام

"كبرت ولديّ فكرة أنني ابن حرام" يقول لنا الراوي، الذي ضيّع أيضاً أباه بين الحشود.

أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي
أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي

لا يكف الأدب الغربي الحديث عن التفنن بالحبكات، وخضخضة ركود السرد التقليدي الذي كان يقودنا عبر درب وحيد الاتجاه، بينما تتطلب منا رواية حديثة، مثل هذه، تشغيل الخيال وتكرار حكّ الرأس لمحاولة فهم ما يحدث.

"أحمق وميت وابن حرام وغير مرئي" للكاتب الإسباني خوان خوسيه ميّاس بترجمة أحمد عبد اللطيف، عن دار المتوسط عام 2018 ، مثال عن كيف يكون الأدب بلا حدود أو يجب أن يكون. وكما هي عادة ميّاس، هذه رواية تُحوّل اليومي العادي إلى فانتازيا وصولاً لنقد الواقع المعاش، ودفع القارئ إلى إعادة محاكمة محيطه والعالم.

الرجل ذو الشارب


تبدأ الرواية من دون مقدمات مماطلة كما لو أنها تفترض معرفتنا بالأحداث، أو تريد تثبيت ألفتها. يطلّ الحدث الأول ببساطة "رجل أراد صنع شارب مستعار ليشبه أباه الميت"، لكنه حدث سيستمر بالتنطط خلال الرواية، كما لو أن الشارب شريك في بطولتها.

نعرف لاحقاً أن اسم الشخصية الرئيسية/الراوي هو "أسخيوس"، فيما يمكن أن يتماهى مع اسم "إسخيلوس"؛ الكاتب المسرحي التراجيدي، ربما للتدليل على المسيرة التراجيدية لبطل هذه الرواية. أسخيوس هذا متزوج من "لاورا"، طبيبة شرعية، وله ولد واحد "دابيد".

يمكن من الصفحات الأولى ملاحظة الشخصية المضطربة لأسخيوس، فهو يسعى للحصول على شيء ثم يكرهه، ويستمر بوضع وخلع شارب مستعار يُذكّره بوالده مما قد يشير إلى أن علاقته بماضيه غير مستقرة. أسخيوس الآن مفصول من عمله بسبب وصول مجموعة يسار ديمقراطية إلى إدارتها، ويعاني اليأس والفراغ جرّاء ذلك، لولا أن الشارب يشكّل بطريقة ما "علاجاً سحرياً ليأسه" فيركبّه على وجهه مؤقتاً كلمّا دعت الحاجة.

تبرز للشارب سريعاً ثلاث وظائف: تشبّه بالأب الميت، علاج لليأس، وتغطية للشفتين فلا يعرف أحد بما يفكر، حسب اعتقاده. وبالشارب، كما يتوضح لاحقاً، ينزلق البطل بين حالتين: من وإلى الطفل/الرجل، من وإلى القلِق/ المطمئن. نعرف لاحقاً أيضاً أن الشارب المستعار صُنع من شعر ساحرة (بياتريث سماريتاس)، وربما لهذا الكثير من الدلالة، رمزياً على الأقلّ.

من خلال حكاية يقصها كل ليلة على ابنه دابيد، يؤسس أسخيوس، ومن ورائه الكاتب، لرواية ستُبنى داخل الرواية وتتوازى معها. القصة هي عن رجل يدعى "أوليغاريو" يضع أيضاً شارباً مستعاراَ ليبدو مثل أبيه. أوليغاريو هذا يريد أن يحمي أمه وأخته من ألم فقد الأب، فيضع الشارب أحياناً ليحلّ محلّه كي لا تحس المرأتان بغيابه. تتعقد هذه القصة أكثر حين تتحول إلى قصة عن زنا المحارم لأن هذا الدور يتطلب من أوليغاريو أن يكون زوج أمه أولاً، ثم في مرحلة لاحقة زوجاً لأخته. يسمّي أسخيوس بطل قصته هذه بـِ"الأحمق"، مبرزاً بهذا الصفة الأولى في عنوان الرواية.

 

الأحمق

لأسخيوس هذا معجم مصطلحات غريب إلى حد ما، وتعابير يستمر بتكرارها مثل "وجودي الكوني"، "جسدي اللاواقعي"، "داخل جسدي المتخيل"، وغيرها مما سنحتاج زمناً روائياً طويلاً لنفهمه. بالإضافة لذلك، تعامله مع الأشياء والأشخاص غير مألوف، فهو يرى مثلاً أن الجمادات تتنفس، ويبحث في كل شيء عن ثقبه، كثقب حصالة يعتقد أنها تتنفس منه.

"الكونية" التي يسّم أسخيوس نفسه بها تحمل تبريراً جزئياً لهذه الغرابات. إنها تخفف وطأة الأشياء عليه وتجعل كل شيء تافهاً في نظره، كقوانين العمل، حمّى طفله، أو "الحاجة الأخلاقية لحذف مشاهد السفاح من قصة تُروى لطفل". وبفضل هذه الكونية، يعتقد أن كل ما في الكون يصبح جزءاً منه، والأماكن التي يدخلها تندمج به مثل أعضائه. في كنيسة مثلاً يشعر أن الكنيسة في داخله أكثر مما هو بداخلها، في المتجر والجزيرة كذلك.


يزداد التماهي بين أسخيوس وشخصية أوليغاريو حين يصبح أسخيوس أيضاً "أحمقاً" (يدخل مثلاً محلّاً لبيع الأدوات المنزلية ليطلب خبزاً، ويسيل لعاباً على شفتيه). لكن، مع الوقت نكتشف أنه حمقٌ مفتعل، حمق أحسنَ ادعاءه إلى أن تلبّسه. يقول أسخيوس لنا أنه منذ طفولته تعلم تقليد إيماءات الآخرين، فعلقت به شخصية "الأحمق"، لكنه ليس وحيداً في ذلك، فمديره والرجل الذي حلّ مكانه في العمل مختلّان نفسياً مثله ويخفيان ذلك. الفكرة من هذا الطرح سرعان ما تتوضح حين يقول لنا الكاتب صراحةً: "العالم مُدار بسذَّج، تمكنوا من مداراة سذاجتهم...كالقادة والاقتصاديين والمطارنة".

بين حين وآخر، يعود أسخيوس ليكمل لابنه حكاية أوليغاريو. يتضح لنا مع الوقت أن هذه القصة هي أكثر من قصة فرعية، وأنها مع تطورها تشرح الكثير عن شخصية أسخيوس ذاته.

أوليغاريو يهجر أخته التي تزوجها، ويعود أحمقَ من جديد، يهجر قريته ويخصص وقته لتعلم تقليد إيماءات الآخرين (مثل أسخيوس). لكنه يسأم من ذلك، يعود إلى قريته، وإلى زوجته/أخته التي أنجنب بنتاً. نتأهب لحدث لن يكون غريباً في قصة مثل هذه؛ يتزوج الأب ابنته.


الميت

في أثناء تفكير أسخيوس بجزيرة سيسافر إليها، ينتقل إلى شرح دلالة الصفة الثانية من عنوان الرواية. يرى فيما يشبه الرؤيا باباً صغيراً، يزيل شبكة العنكبوت عنه، ويدفع ورقة ليعرف بها أنه "ميت...بالإضافة إلى أحمق، ميت".

بداية يربط الراوي هذه الصفة بزوجته، لا بدّ أنها تحبه لأنها طبيبة شرعية وهو "ميت"، ثم ينتقل كي يوضح ماهية هذا الموت الغريب. يعود بنا إلى طفولته ليُدخل حكاية جارتيه؛ إميريتا (رمز الطيبة)، وباكا (رمز الشر) المتشابهتين خارجياً. يبدو أن أسخيوس هذا خسر حياته في رهان طفوليّ مع ذاته على من تكون الأخت التي عبرت بقربه: "هذه إميريتا، وإلا سأدفع حياتي"، وحين تكون التي تنزل السلم هي باكا، تنتهي حياته رمزياً.

يستمر أسخيوس بالعيش فيما ندعوه عالماً واقعياً، لكنه يحيا كميت. هذا الموت ليس سيئاً بالمطلق، كما قد نعتقد. فمن وجهة نظره الكونية "داخل الميت يسع لأشياء أكثر من داخل الحي".

يستمر التداخل بين الأمكنة والشخصيات على طول خط الرواية؛ شاربه من ساحرة ستظهر لاحقاً، ضرسه الذي يؤلمه يعود إلى أمه الميتة، الستائر في محل بيع الجنس تشبه الستائر التي اختفت خلفها توابيت أبيه وأمه، وأوليغاريو كثيراً ما يكون هو أسخيوس وغيرها الكثير من الأمثلة الغريبة.

تظهر أيضاً في الرواية شخصية "لويس"؛ شخصية يسارديمقراطية، وأكثر اندماجاً مع المجتمع. "إنه ينتمي إلى فصيلة من طردوني"، يقول أسخيوس عنه.

ابن الحرام

أيضاً عبر حكاية ما قبل النوم، يندمج أسخيوس مع أوليغاريو ويوضح لنا لماذا هو "ابن حرام".

في الحكاية يضيّع أوليغاريو أباه بين الحشود، لكنه يتعثر بأبٍ أضاع ابنه، يمسك بيده، فيجد كلٌّ منهما في الآخر ضالّته. هكذا يصبح أوليغاريو ابن هذا الرجل، ربما في إشارة ضمنية إلى أن الأشياء والعلاقات هي ما تظهر عليه، ما نقنع أنفسنا والآخرين به، وأن ليس ثمة شيء أصيل.

"كبرت ولديّ فكرة أنني ابن حرام" يقول لنا الراوي، الذي ضيّع أيضاً أباه بين الحشود. عبر هذا التداخل يلمّح لنا أسخيوس أن ابنه الذي يروي له القصة قد يلاقي المصير ذاته، "أتساءل إن كان قد راهن على حياته، فغدا ميتاً مثلي". هل نحن جميعاً هكذا؟ يلمع هذا التساؤل في الذهن.

في الحكاية الموازية، ينوّم أوليغاريو أباه مغناطيسياً، ويستغل ذلك ليأمره أن يترك له أمه. تعود فكرة زنا المحارم إلى الظهور، لكنها دوماً تُلطَّف بأن الإبن ليس ابناً فعلياً بل بديلاً لابن ضاع في السوق.

معنى العنوان يتضح لنا أكثر: كل واحدة من هذه الصفات هي حياة، قناع، شخصية، رواية مختلفة عن ذات واحدة، وأسخيوس يعيش ممزقاً بينها. "حياتي كلها قناع" يبوح لنا، "أولاً حتى لا يلتفتوا إلى بلاهتي؛ ثم كيلا يلتفتوا إلى أني ابن حرام؛ وبعد ذلك، حتى لا يعرفوا أني ميت"، لكنه الآن يريد أن يسافر بالعكس، باتجاه أصله.

 

المركز واليسار

رغم أن السفر خارجاً ليس إلا رحلة بسيطة مقارنة بالسفر الذي يخوضه "بين طرفي ذاته"، يسافر أسخيوس إلى جزيرة ماديرا في عودته نحو ذاته الأصل/المركز. نعرف أنها رحلة نحو الذات من مجموعة من المعطيات: يرى فيها حياً مطابقاً للحي الذي أمضى به طفولته، في تجواله فيها يبدو كما لو أنه يتجول داخل ذاته، ويلتقي فيها برجل وامرأة يرى فيهما أبويه الميتين (أبوه هذا بلا شارب). في منطقة ما من الجزيرة يقول أسخيوس "بلغت مركز أحشائي"، تتضح أكثر ثنائية الخارج/الداخل.
في كتاب يقرأه أسخيوس، وهو من تأليف الساحرة التي صنع شاربه من شعرها، ترد الفكرة التي تقوم عليها هذه الرواية: "نحن كبار جداً من الداخل أكثر من الخارج... نعتقد أننا نتجول في العالم، لكننا لا نفعل شيئاً إلا الانتقال من جانب إلى آخر من ذواتنا، لأن العالم في داخلنا".

مراراً عبر الرواية، يستمر الكاتب بإلقاء تلميحات في نقد اليسار الديمقراطي. بالنسبة إلى رواية فانتازية مثل هذه، ربما يبدو هذا انزياحاً غير ضروريّ لكن يبدو أن الكاتب يصرّ عليه.

يُلبس خوان خوسيه ميّاس يساريته واهتمامه بالعدالة وحقوق الإنسان لشخصيته المركزية "أسخيوس"، ومن خلاله يمرّر من حين إلى آخر نقداً لاذعاً أو سخرية من حزب اليسار الديمقراطي في إسبانيا الذي يعتبره "التوجه الأكثر خطورة". في المجتمع الذي يعيش فيه أسخيوس، النجاة هي لمن يملك ميولاً يسارديمقراطية، للويس "ذي الصلعة اليسارديمقراطية "، للساحرة التي وُظفت لخدمة اليسار الديمقراطي، ولكن ليس لأسخيوس.

اليساريون الديمقراطيون، يقول أسخيوس، "يعتقدون أن الموظف استثمار، يستثمرون في الناس، يشترونهم، يروحون إلى سوق الأجساد، ويجرون لهم تحليل بول واختبارات ذكاء، ثم يقولون هذا نعم، هذا لا". في هذا المجتمع المنحاز للتسليع، تصبح القاعدة هكذا: من يملك مهارات يسارديمقراطية، يكون له وجود واقعي. ولهذا يفقد أسخيوس عمله، وواقعيته، وكيانه ويصبح "غير مرئيّ".

 

غير المرئي

"بالإضافة إلى أحمق وميت وابن حرام، كنت أيضاً غير مرئي"، يقول أسخيوس. نسخة غير مرئية منه كانت قد نمت في بعدٍ موازٍ، هكذا يسير في الشارع أحياناً ولا يراه أحد، وحين يسافر يحجز له غرفة بسريرين، واحد له، وواحد لنسخته غير المرئية. يمكن تحميل هذا المجاز بالكثير ممّا نعرفه عن الذين يعانون فقدان الأهمية والأثر، الذين يبدون غير موجودين لا سيما بسبب عدم شبههم بمجتمعاتهم. ويمكن هنا أن نضيف أن أجزاء أسخيوس الأربعة هذه هي أجزاء منه، متعَبة ومتعِبة، "لم يكن بوسعي أن أتحمل كلّ من كنتُهم"، يقول.

في مشهد بين الواقعي والخيالي، كما كلّ الرواية، يرتكب أسخيوس جريمة قتل بحق رجل يعتقد أنه يخدع نسختي أبويه، لكنها جريمة تمرّ بلا عقاب، بل وبأثر مريح له. هذا القتل يجعله بطريقة ما يشعر بتقارب ذواته وبقوته، "من هو قادر على القتل، سيكون قادراً على أي شيء".

 

التحول إلى رواية

بعد عودته من الجزيرة، يشعر أسخيوس برغبة في الكتابة، في وضع أجزائه خارجه على ورقة ليعرف بها ذاته ويتصل بواقعه.

يُحضر أوراقاً من مركز عمله القديم "التابع للدولة" ويبدأ الكتابة، وتكون نقطة بدايته نفس نقطة بدايتنا في هذه الرواية: "رجل مع شارب مستعار"، كما لو أنه يعيد كتابة رواية ميّاس ذاتها. السرد الذي ينكتب مهم لإعادة سدّ الفجوات في السرد العام. الآن نعرف مثلاً أن أسخيوس كان وراء الحريق الذي أودى بحياة والديه، وبوسعنا أن نحمّل هذا الحدث الكثير من الاضطراب في هذه الشخصية، فقد تكون الرواية كلّها تداعياً لشعوره بالذنب. يدعم هذا الظن ذكر "الكارما" التي يعرّفها السرد بطريقته على أنها "مجموعة من الذنوب التي تسحب وجودك إلى وجود آخر حتى تتحرر منها" فيفسر لنا بهذا الكثير من غرابات هذه الرواية.

في هذه المرحلة يتوقف أسخيوس عن قصّ الحكايات على ابنه، لأن سرده أصبح مكتوباً وصرنا نحن بديل الولد. كذلك يتحلل جسده في جسد الكلمات التي يكتبها؛ "بسرد وجودي، كان جسدي يتحول إلى سائل فوق الورق"، كأن الكتابة تحرّره بشكل ما.

بالكتابة أيضاً ينقطع آخر خيط بينه وبين عالم الأحياء، يدرك الآن أن زوجته ليست زوجته، وأن ابنه ليس ابنه، بل إنه مثل أوليغاريو ادعى أنه بديل لرجل آخر في حياتهما.

هكذا تكتمل عملية التماهي؛ تصبح تبديلاً، "توقفت تماماً عن أن أكون أسخيوس، وتحولت إلى أوليغاريو". لكن هذا التحول إلى ما ظنناه "خيالياً" يجعله واقعياً بمعنى ما؛ "تأملت وجهي في المرآة... كنت من غير شارب وواقعياً، أخيراً بلغت الواقع".


إبادة جماعية

حين يسافر أسخيوس/أوليغاريو إلى الدنمارك للقاء والديه في نسختهما الجديدة، يرى أن البيوت كلها في هذا "الواقع" بيوت عرائس ليتضح لنا تناقض جديد: "ما هو واقعي كان مترعاً بصور فانتازية". في هذه الرحلة يصل متأخراً كعادته، يجد أن أمه الجديدة قد ماتت مرة أخرى وأن أبويه استبدلاه بإبن آخر، ابن حرام كما في روايته ذاتها، لكنه نسخة أفضل منه، أكثر اندماجاً ولهذا يعيش حياة أفضل.
في هذا المكان تكتمل خسارات البطل، وتتحقق خاتمة ذواته الكثيرة: بالإضافة للميت فيه، يرقد الآن إبن الحرام وغير المرئي والأحمق، "كانت إبادة جماعية"، إذ "ربما كان ذلك هو الواقع، غير أنني لم يكن لي مكان فيه"، يقدم لنا ما يبدو كخاتمة.
لكن، في رواية عجائبية مثل هذه، لن يركن خوان خوسيه ميّاس إلى خاتمة مثل هذه على غرابتها، إذ ثمة ما هو أغرب من ذلك ينتظرنا في السطر الأخير: ربما يكون كل شيء، كل هذه الصفحات والحيوات والتعددات محض سرابٍ في رأس رجل تناول جرعة زائدة من المخدرات.