منهج الحل التفاعلي في حل النزاعات الدولية

يستخدم الحل التفاعلي أثناء النزاع وما بعده لمحاولة إدراك احتياجات كل طرف. ويعتمد الحل التفاعلي على تطبيق المفاهيم والمبادئ الاجتماعية النفسية على أطراف النزاع. مراجعة: د.عقل صلاح* محتويات الكتاب:

كتاب "منهج الحل التفاعلي في حل النزاعات الدولية: دراسة نظرية"
كتاب "منهج الحل التفاعلي في حل النزاعات الدولية: دراسة نظرية"

شهد العالم ما بعد الحرب الباردة نشأة العديد من النزاعات، وبالأخص النزاعات الداخلية التي استمرت لسنوات هددت خلالها الأمن والسلم الدوليين، فكان من الضروري إيجاد وسائل غير تقليدية من أجل معالجة وحل هذه النزاعات.

يقع كتاب "منهج الحل التفاعلي في حل النزاعات الدولية: دراسة نظرية" للباحثة سعداني أسمهان، في ثلاثة فصول وتسعة مباحث تسبقها مقدمة وتنتهي بخاتمة، بينت المؤلفة في المقدمة أهمية موضوع الكتاب، فالكتاب يقدم رؤية لكيفية استخدام الحل التفاعلي في حل النزاعات الدولية، في محاولة منه لتجاوز الأساليب التقليدية التي أثبتت فشلها في الحل النهائي للنزاعات، وذلك من خلال التركيز على المدخل السيكولوجي. وهدف الكتاب الأساسي هو محاولة استكشاف مضمون الحل التفاعلي وعلاقته بالأساليب الأخرى لحل النزاعات.

وتطرقت المؤلفة في الفصل الأول "مفاهيم ومقاربات حل النزاعات الدولية" إلى مفهوم النزاع الدولي، حيث قدمت مجموعة من المفاهيم للنزاعات ركزت على جوانب مختلفة، وذلك من أجل اختيار الأدوات المفاهيمية والنظرية لتحليل الموضوع. ويعرّف النزاع على أنه عملية تفاعلية اجتماعية بين طرفين أو أكثر قائمة على الاختلاف في المصالح والأهداف.

أما حل النزاع فهو مجال جديد نسبيًا يحاول استخدام أساليب بديلة سلمية لقمع النزاع، ويتميز هذا المصطلح وفقًا للمؤلفة بالتداخل والتشابك، وذلك بسبب عدم وجود تعريف جامع له. كما أن هناك عدداً من المفاهيم التي تتقاطع مع حل النزاع وهي إدارة النزاع، وتحويل النزاع وتسوية النزاع. إن نشأة وتطور حل النزاعات الدولية يعود إلى ما قبل عام 1945، حيث جرت الدراسات الأولى على الحرب والنزاع ما بين الحربين العالميتين، وذلك بمساهمة عدد من أساتذة علم الاجتماع وعلم النفس والعلوم السياسية. لكن حل النزاع قد بدأ كحقل للدراسة في حقبة الحرب الباردة مع تطور النزاع بين القوى العظمى وتطور الأسلحة النووية. هذه التحديات أدت إلى القيام بتحقيقات حول كيفية تجنب الحروب، مما أدى إلى ايجاد وسيلة للحد من التسلح ونزع السلاح عن طريق التفاوض ونشأة طرق جديدة للتعاون الدولي. إن مجال حل النزاع أدى إلى إنشاء تقسيمات خاصة به منها الأزمات الدولية، والحروب الداخلية، والنزاعات الاجتماعية، نتج عنها تقنيات مختلفة للمساومة والتفاوض. وقد بدأت مرحلة التطور بظهور أبحاث السلام والنزاعات في الدول الاسكندنافية التي جذبت انتباه الباحثين وبالأخص أعمال يوهان غالتونغ التي كان لها تأثير على تطوير دراسات السلام عام 1960، الذي صنّف السلام في شكلين سلبي وإيجابي.

أما الدبلوماسي جون بيرتون فقد حاول إيجاد أفضل طريقة لإدارة النزاع متأثرًا بنظرية النظم ونظرية اللعبة. إلا أن التطور الأهم كان ما بين عامي 1970 و1980 حيث اتجهت دراسات النزاع والسلام إلى التعمق في نظريات النزاع والسلام والعمل على تطوير المناهج والمداخل العلمية المختصة بهذا الحقل. ومن هنا نمت الدراسات التي تختص بأساليب فض النزاعات مثل المفاوضات والوساطة التي تركز على الموضوع من الناحيتين النظرية والتطبيقية.

بينما انشغل الفصل الثاني "مفاهيم وأساليب الحل التفاعلي للنزاعات الدولية" في تبيان مفهوم الحل التفاعلي في مؤلفات مجموعة من الباحثين والسياسيين منهم جون بيرتون، وليونارد دوب، ورونالد فيشر. وبناء على هذه المفاهيم تصل المؤلفة إلى مفهوم جامع للحل التفاعلي على أنه ورشة عمل قائمة على مبادئ اجتماعية نفسية، يتم فيها تفاعل الأطراف من خلال مناقشات موجهة من قبل طرف ثالث محايد، وذلك من أجل تغيير المواقف والإدراكات.

ثم تنتقل المؤلفة إلى علاقة الحل التفاعلي بدبلوماسية المسار الثاني ومتعددة المسارات، ويقصد بدبلوماسية المسار الثاني التفاعلات غير الرسمية بين الأعضاء أو الجماعات المتخاصمة. أما الدبلوماسية متعددة المسارات فهي نموذج يتكون من مسارات عدة تضم الجهود الرسمية وغير الرسمية الهادفة لحل النزاع.

كما يناقش الفصل نشأة وتطور الحل التفاعلي، فمراحل متعددة ساهمت في تطور الحل التفاعلي، فالمرحلة الأولى سادت سياسة القوة فلم يكن من الممكن حينها تحقيق الأمن الجماعي إلا من خلال القوة. فخلال فترة الحرب الباردة قام مجموعة من الأكاديميين بتطوير نموذج بديل للسلام الدولي يقوم على تنظيم حلقات عمل لحل النزاعات على نقيض الممارسات الدبلوماسية التقليدية، مما أدى إلى ظهور تيار أكاديمي.

ووفقًا للمؤلفة فإن نشأة هذا النموذج تعود لجون بيرتون وزملائه، حيث نظم عددًا من الاجتماعات تمخض فيها نهج حل المشكلة في النزاعات الدولية. ومن أبرز عناصر هذا النهج هو إشراك علماء الاجتماع في دور طرف ثالث محايد.

أما المرحلة الثانية والتي شهدت أول عمل تطبيقي لحل المشكلة سنتي 1965-1966 على النزاع الإقليمي بين أندونيسيا -ماليزيا وسنغفورة، حيث نظم بيرتون عددًا من الاجتماعات أسهمت عن توفير إطار للتسوية من خلال ترشيح ممثلين للمشاركة في تحليل النزاع.

وفيما يتعلق بالمرحلة الثالثة، فقد شهدت عددًا من النتائج الإيجابية للتدخلات التي تقوم بها مجموعة من الجهات الفاعلة منها سانت ايغيدو التي لعبت دورًا في التوصل إلى تسوية في موزمبيق، وروجر فيشر من فريق حل النزاعات تمكنوا من توفير إطار لعملية التفاوض بين جورجيا وأوستينيا الجنوبية وغيرها، حيث تحول حل النزاعات باستخدام الحل التفاعلي من منظمين أكاديميين إلى منظمات غير حكومية.

كما تطرقت المؤلفة إلى أساليب عدد من الأكاديميين المتخصصين في الدبلوماسية وعلم النفس الاجتماعي في فهم نهج حل النزاعات.

وجاء الفصل الثالث بعنوان "علاقة الحل التفاعلي بحل النزاعات الدولية" ليناقش فشل العديد من الجهود الدبلوماسية في معالجة النزاعات المستعصية في الكثير من مناطق العالم. وقد قارنت المؤلفة في هذا الفصل الحل التفاعلي لحل النزاعات مع الأساليب الأخرى ومنها صنع السلام، وبناء السلام وتحويل النزاع. إن صنع السلام هو أسلوب يرمي إلى وضع حد للنزاعات أو وقفها من خلال إبرام اتفاق ملزم بين الأطراف المتنازعة عن طريق التفاوض أو الوساطة. فالتفاوض هو مناقشة بين الأطراف المتنازعة بهدف التوصل إلى اتفاق يرضي كلا الطرفين، والتوقيت المناسب للبدء في المفاوضات هو المأزق الضار حيث تصبح الأطراف المتنازعة غير قادرة على تحقيق أهدافها بالإضافة إلى ارتفاع الخسائر المادية والبشرية، أو الكارثة المشتركة وهي وصول الأطراف إلى حالة عدم وجود شيء لتخسره.

وتتم المفاوضات باستخدام استراتيجيات معينة، فلا تفاوض من دون استراتيجية علمية حيث يختار كل طرف استراتيجية معينة حسب إمكانياته وقدراته.

أما بالنسبة لورشات الحل التفاعلي، فإن توقيتها يتمثل في فشل الجهود الرسمية في التوصل لحل للنزاع.

 وبالنسبة لاستراتيجيات حل المشكلة فيستخدمها طرف ثالث بغرض التوصل لحل يرضي الطرفين وهي قائمة أساسًا على تكافؤ الطرفين، ونتيجتها خروج كلا الطرفين رابحين.

أما بخصوص الوساطة فتعتبر امتدادًا للتفاوض، وهي عبارة عن فرص للتواصل بين الأطراف المتنازعة التي وصلت إلى طريق مسدود من خلال طرف ثالث. والقائم بالوساطة يطلق عليه الوسيط، والوسيط قد يكون رسميًا أو غير رسمي. الوسيط الرسمي هو طرف ثالث في المفاوضات يقوم بمساعدة الأطراف للتوصل إلى حل، وقد يتكون من فواعل عدة، على سبيل المثال: دول، منظمات حكومية أو غير حكومية، أو حتى أفراد. أما دوافعه فهي تحقيق مصالح سياسية. أما ورشات عمل الحل التفاعلي فتقوم أساسًا على وجود طرف ثالث مختص بعلم النفس الاجتماعي، وذلك من أجل تحسين التواصل بين أطراف النزاع وجهًا لوجه، لتسهيل الحوار بينهم لتغيير تصوراتهم الخاطئة تجاه بعضهم للتوصل إلى حل مشترك.

ويستخدم الوسيط غير الرسمي، كونه مختصاً بعلم النفس الاجتماعي، تقنيات علم النفس التي تركز على التأثير في الجوانب النفسية، وخاصة الإدراكية، لتغيير الرؤية السلبية وتحويلها إلى إيجابية. وعلى غرار الوسيط الرسمي، فإن الوسيط غير الرسمي تدفعه اهتماماته الأكاديمية للتدخل في النزاع، من أجل تطبيق نظرية الممارسة على السلوك النزاعي بهدف إيجاد حلول مشتركة.

أما بناء السلام ويقصد به القضاء على الأسباب الجذرية للنزاعات من دون العودة إلى العنف. ويتعامل بناء السلام مع مرحلة ما بعد النزاعات، كأول سنتين من المرحلة اللاحقة للنزاع.

والحل التفاعلي يستخدم أثناء النزاع وما بعده من أجل محاولة إدراك احتياجات كل طرف. أما ما بعد النزاع فذلك من أجل تحويل السلوك النزاعي من سلبي إلى إيجابي. ويقوم بأنشطة بناء السلام فواعل رسمية وغير رسمية. ولكن المؤلفة ركزت في كتابها على نشاط الفواعل غير الرسمية، فالفواعل غير الرسمية لديها القدرة على لعب أدوار رئيسية في بناء السلام والتأثير على مسار النزاعات. فدورها لا يقتصر على المساعدات الاجتماعية والاقتصادية وإنما يمس الوضع السياسي. ومن الأمثلة على الفواعل غير الرسمية في بناء السلام المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية.

بينما الحل التفاعلي، على الرغم من أنه قائم على الشكل غير الرسمي، إلا أنه في بعض الأحيان من الممكن مشاركة فواعل رسمية في ورشات الحل التفاعلي من أجل المساهمة في وضع اتفاق رسمي للحد من العنف وتحقيق السلام.

ويعتبر تحويل النزاع أحد أساليب حل النزاعات الدولية التي استخدمت في أواخر ثمانينات القرن العشرين. ويعني تغيير البناء كأساس لتحويل النزاع. ويندرج تحت هذا الإطار ثلاثة عناصر وهي الحالة الراهنة وآفاق المستقبل المفضل وتطوير عمليات التغيير التي تربط بين الوضع الراهن وآفاق المستقبل. وتعتبر الحالة الراهنة النقطة الأولى وهي حلقة النزاع التي تتبع أو توفر فرصاً للنظر في كل من مضمون النزاع ونمط العلاقة في السياق الذي يتم فيه التعبير عن النزاع.

ويقصد بآفاق المستقبل حالة الانتقال من الوضع الحالي إلى المستقبل المطلوب، ويشير هذا العنصر إلى إمكانيات ما يمكن بناؤه. ويعتبر تطوير عمليات التغيير المرحلة النهائية، ويتطلب هذا المكوّن تطوير عمليات التغيير التي تلائم شبكة الاحتياجات والعلاقات من خلال التفكير في مستويات وأنماط متعددة من التغيير بدلًا من التركيز على حل واحد، وكذلك التركيز على عمليات التغيير القادرة على تعزيز التغيير الاجتماعي طويل الأجل وليس فقط تعزيز الحلول قصيرة الأجل.

وفي خاتمة الكتاب، خلصت المؤلفة إلى عدد من النتائج منها أن الحل التفاعلي يعتمد على تطبيق المفاهيم والمبادئ الاجتماعية النفسية ذات طابع سيكولوجي على مستوى تفاعل أطراف النزاع، وذلك من خلال مناقشات موجهة من قبل طرف ثالث أكاديمي. فورشات الحل التفاعلي عبارة عن عملية تتفاعل فيها أطراف النزاع فتتضح مخاوف واحتياجات كل طرف من خلال المناقشات، مما سيؤدي إلى تغيير الصورة السلبية للأطراف من أجل معالجة القضايا التي سببت النزاع.

أما بخصوص منهجية الكتاب فقد اعتمدت المؤلفة على منهجين وهما المنهج الوصفي والمنهج المقارن. لقد استعانت في المنهج الوصفي لوصف مختلف جوانب الحل التفاعلي في حل النزاعات، واعتمدت على المنهج المقارن لإجراء مقارنة بين الحل التفاعلي ومقاربات حل النزاع الأخرى من حيث الأنشطة والأطراف.

واعتمدت المؤلفة على المراجع الأجنبية وبالأخص المنشورة في اللغة الإنجليزية والفرنسية، بسبب قلة المراجع التي تناولت هذا الموضوع باللغة العربية.

 

د. عقل صلاح كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية.