الإشراق النوستالوجي في رواية "قمر موسى"

رواية "قمر موسى"، بروح كاتبها الإنسانية العالية جداً وعمقها الوجودي، تفترض عالماً نشتاقه، نشعر بالحنين له في زمن نهشت ذئاب الحرب من أجساد مشاعرنا.

جدلية الزيف والإشراق النوستالوجي: قراءة في رواية "قمر موسى"
جدلية الزيف والإشراق النوستالوجي: قراءة في رواية "قمر موسى"

 "الحياة الوحيدة المعيشة فعلياً هي الأدب" – الروائي الفرنسي مارسيل بروست.

إن تكنولوجيا التواصل اليوم كسرت طوق الجغرافيا وقرّبت المسافات المعرفية، ما أدّى إلى ظهور مستجدّات فكرية لحوحة لا يمكن إغفالها. ومخطئ من يتصوّر لوهلة أن تشديد الرقابة كما الحال في بعض البلدان سيمنع التوق إلى حرقة الأسئلة والهدم، وربما إعادة التأسيس التي ستكون مرحلة لاحقة ولا شكّ.

وإذا صدقت مقولة بروست أعلاه، فإن الأدب هو المجال الأول الذي منه وبه تنبني حياة يراد عيشها على نقيض الحياة المعيشة. فتنقلب الموازين وتصبح الحياة التي تنبعث في الأدب هي الحقيقية، وتلك التي نعيشها خارج الأدب هي الزيف.

 "لمَ النهاية دوما هكذا؟؟ لمَ يبقى المجرم على جرمه؟ ولمَ يبقى الأخيار في دوامة الموت والألم حتى تحنيطهم، بينما ينظر إليهم الأشرار وهم يضحكون من صدقهم".

 من هنا تبدو الاشكالية الحقيقية التي تعالجها رواية الكاتبة السورية غنوة فضة (قمر موسى) تكمن في الفارق الواسع بين اليوتوبيا المقترحة أدبياً وفكريا ًحول القيم كنزعة فلسفية قابلة للتحقيق، والواقع المعاش المتسم بالبراغماتية المصلحية.

من خلال صراع كبير يخلق الحكائية في الرواية بين نظرة المجتمع الارستقراطي الذي يرى الحياة كنتاج شكل اقتصادي في بنية العلاقات الاجتماعية بين الأعلى والأدنى، الذي يملك والذي لا يملك والنظرة الدونية للمعاق الجسدي في إطار الشفقة والإحسان مكتفياً بتوجيه نظرة عتب وموجهاً أصابع الاتهام للقدر.

    كل هذا يجري في إطار علاقة حب عاصفة بين بنت العز الشقراء قمر الزمان والاسم يعيدنا إلى عوالم (ألف ليلة وليلة) أتقنت الكاتبة ادخالنا فيه بلغة شعرية رومانسية رقيقة تبدو وقوفاً على أطلال عالم يوشك على الانهيار.

وإضافة إلى استعراض متمكن لمخزونها الفكري من أدب عالمي، وموسيقى، ووصف جمالي لحالات من الرفاهية الباذخة لفتاة مدللة، تؤكد الفتاة في كل صفحات الرواية على رفضها لأخلاق طبقتها المتعالية، ساخرة من البرتوكول الوظيفي لها، وحفلات الكوكتيل التي جعلتها تفقد شيئاً من بصيرتها من دون أن تلمح منزل حبيبها المقعد ووالدته العجوز في مساكن العشوائيات المتاخمة لڤلل الرأسمال التي تسكن إحداها.

  تأخذ الرواية مصيرها الدرامي من خلال تفجر النزعة الطبقية، ومظاهر التكبر الارستقراطي والإهانة للفقر، وتخاذل الحبيب الضعيف الذي كانت الحبيبة متنفسه الوحيد لتلقى إثر انهيار عالمها حادثاً يجعلها مقعدة هي أيضاً.

ولتأخذ شكل ضمورها الكافكوي "بلحظة واحدة، شعرت أنني غريبة عن هذا العالم.. بلحظة.. اختفت رغباتي جميعها، ولم أرغب إلا بالاختفاء".

وتكمل "ببساطة موسى لم يرحل فقط.. موسى دفنني ورحل".

"أدمنت العزلة، وأسرفت في غربتي عن نفسي، غائبة بشكل كلي، حاضرة في الكون كله إلا في ذاتي، ولم يبقَ مني سوى شبح قمر، ولوحة".

هنا تتجلى شخصية الكاتبة في دور الأم التي ابتعلت حنقها الأول ضد تمظهر الطبقة الأخلاقي المزيف محاولة إخراج بنتها من حالتها وتنجح في إخراج زهرة المأساة من لجة شتاء طويل لحياة مبذولة في سبيل آخرين هم أطفال الحياة المعذبة.

وهكذا تتواتر الأحداث في الرواية الباذخة الحس الإنساني والرومانسية الشفافة حتى عودة المعشوق صحيحاً حاملاً معشوقته إلى النجوم أو القمر.

"دفنت رأسي بين كتفيه.. فقال: هيا.. سأخذك إلى عالم ينظر إلى قمر الزمان.. إلى عالم ينظر إليك وحدك.. من دون أن ينظر إلى هذا الكرسي".

 رواية "قمر موسى"، بروح كاتبها الإنسانية العالية جداً وعمقها الوجودي، تفترض عالماً نشتاقه، نشعر بالحنين له في زمن نهشت ذئاب الحرب من أجساد مشاعرنا، تاركة لنا فتات الكلمات لتذكرنا بروح نوشك أن ندفنها مع رؤوسنا في الرمل خشية الاعتراف من أننا سقطنا في ظلال واقعنا السوري السميك.