السعودية وتركيا: عودة إلى التوتّر

مع صعود التوتّر في المنطقة إلى أقصى درجاته بفعل استراتيجية الضغوط الأميركية القصوى على إيران، والحروب المشتعلة في اليمن والشمال السوري، يعود إلى النشاط ملف التوتّر التركي-السعودي الذي بدا راكِداً لفترة. السعودية "تدعم مشروعيّة قبرص وسيادتها" في زيارة لوزير خارجيتها إلى الجزيرة، وتركيا وقطر تُعيدان تزخيم قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي بمُعطياتٍ جديدةٍ وحملات ترويجٍ مُجدَّدة.

  • السعودية وتركيا: عودة إلى التوتّر

خلال الأيام المُنصرِمة، زار وزير الخارجية السعودي إبراهيم العسّاف جزيرة قبرص، وأطلق منها مواقف عديدة استفزَّت حكَّام أنقرة، خصوصاً عندما دعم "مشروعيّة الجزيرة وسيادتها" وأيَّد القرار الدولي مُعرِباً عن دعم بلاده لقبرص، وأمل أن تحلّ "تركيا وقبرص المشكلة القائمة بينهما بطريقةٍ سلمية".

في قبرص، استعادت الخارجية السعودية "العناصر والتاريخ" الذي يجمع العالم العربي معها، والفُرَص المُتوافِرة أمام البلدين. لكن غايات مُعيّنة تكمُن خلف العزف على وتر الخلافات القبرصية التركية الذي تؤدّيه السعودية هذه الأيام. فمنذ منتصف السبيعينات من القرن الماضي والجزيرة مُنقسمة بين شمالٍ تركي وجنوبٍ أوروبي، ولم تفلح خطط الأمم المتحدة في توحيدها.

لقاءات الوزير السعودي في قبرص والتي هي الأولى من هذا المستوى للجزيرة، شهدت لقاءات مهمة مع رئيس البلاد نيكوس أناستاسيادس ومع وزير خارجيّته نيكوس خريستودوليديس. لكن الأبرز فيها كان المواقف التي أطلقها العسّاف من قبرص تأييداً لموقف نيقوسيا حول الخلاف مع أنقرة بشأن التنقيب عن الغاز في شرق المتوسّط. أكثر من ذلك، أعلن الوزير السعودي أن بلاده تقف مع "حليفها" الرئيس القبرصي في مواجهة "الأنشطة غير المشروعة لتركيا في البحر المتوسّط"، كما وصفها.

تحاول السعودية من خلال التدخّل في هذه القضية الشائِكة والتي تحمل أبعاداً تاريخية أن تجد لنفسها ملفاً على خاصِرة تركيا، التي تحمّلها جزءاً كبيراً من مسؤولية فشل السياسات السعودية في المنطقة، وتحديداً في سوريا.

السياسة التركية المستمرة بدعم جماعة "الإخوان المسلمين" المُنافِسة للنفوذ السعودي على مساحة القضايا المفتوحة في الشرق الأوسط، لم تُصِب أهدافها المرسومة بدقّة، وعلامات ذلك لا تتوقّف. آخرها كان إزاحة داوود أوغلو من حزب "العدالة والتنمية"، بعد سقوط نظريّته لمدّ النفوذ التركي في دول الجوار. لكنها في الوقت نفسه شكّلت جداراً عالياً أمام أطماع الدول الحليفة، ومنها السعودية، عندما أخذت تفاعُلات الميدان اتجاهاً مُخالِفاً للأحلام التي كانت مرسومةً في البدايات الأولى للمرحلة التي سُمِّيت "بالربيع العربي".

ففي سوريا، تنافست الجماعات المُسلّحة التابعة لكلٍ من السعودية وتركيا على الأرض، وتناحرت لسنواتٍ طويلةٍ، حتى خسرت معظم مناطق سيطرتها، وفشل الطرفان في الهدف المشترك الذي تقاطعت عليه مصالحمها في البداية، وهو إسقاط النظام السوري بقيادة الرئيس بشّار الأسد. وعلى الرغم من استمرار تركيا في إدارة سياسة تدخلية في الشمال السوري حتى اليوم، بنسبة أقل حدَّة وأضعف تأثيراً من ذي قبل، إلا أن ذلك لم يُنس السعودية أن الجماعات التي دعمتها وأنفقت عليها الأموال الطائلة، قُتِلَت أو طُرِدَت من مناطقها ليس على يد الجيش السوري وحلفائه فقط، بل على يد مجموعات أخرى كانت تشكّل تركيا مُنطلقاً وعُمقاً آمِناً لها.

في عُمق المسألة، الدولتان بحجميهما وطبيعة نظاميهما وتركيبتيهما السكانية وعُمقهما التاريخي، هما دولتان مرشّحتان للتنافس بحُكم الجاذبية كما يُقال. فتركيا والسعودية، بنظاميهما المُتديّنين (في الشكل على الأقل)، تسعيان كل من طرفه إلى قيادة العالم الإسلامي على المستوى السياسي. ففي حين تجد السعودية نفسها مركزاً لرسالة الرسول (ص)، ومركزاً لتاريخ الإسلام بكل أحداث انطلاقته والكثير من سيرته في ما بعد، ترى تركيا نفسها مركزاً لحُكم الخلافة الإسلامية لعقودٍ طويلةٍ مثّلت تجربة حُكمٍ إسلامي استطاع التمدّد والحُكم بإسم الإسلام من البلقان إلى القوقاز وصولاً إلى الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، تجد كل واحدةٍ من الدولتين في ذاتها المُرشّح الأبرز لقيادة العالم الإسلامي لمشروعٍ سياسي خلال القرن الحالي، خصوصاً بعد فشل تركيا في سلوك وجهة الاتحاد الأوروبي، وردّ الفعل الذي أحدثه بالتركيز على الطابع الإسلامي للنظام السياسي الحالي، وتخفيف حدّة الألوان العلمانية في صورة البلاد.

وبالعودة إلى المظهر الحالي لهذه الخلافات في الرؤية البعيدة لقيادات تركيا والسعودية لدور بلديهما. فقد أدّت السياسة الإعلامية التي دعمتها أنقرة والدوحة في قضية مقتل خاشقجي إلى خسائرة كبيرة في صورة السعودية بما لا يقبل الشك. الأمر الذي تحاول السعودية الردّ عليه منذ فترة بدرجة إيقاع الخسائر نفسها، وهذا ما يتم لَحْظه من خلال متابعة الحرب الدائرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي بالمناسبة لا يمكن اعتبارها عفويةً على الإطلاق، خصوصاً إذا ما قمنا بتحليل أدواتها وسُبُل إيصال المعلومات، ومحتوى الرسالة الإعلامية التي تقدّمها، وتوقيت تقديم المعلومات، والشخصيات التي تنخرط في الحملات للمساعدة على الترويج، وطبيعة الأهداف المُختارة في كل مرة. بكل بساطة إنها حرب تُدار بدقّةٍ وباحترافيةٍ عالية، والهدف منها إحداث أثرٍ في صورة الخصم.

لقد أطلق ناشطون سعوديون موالون لقيادتهم حملة واسعة في "تويتر"، واختاروا لهجومهم الواسع نقطة قوةٍ تعتمد عليها تركيا خلال العقدين الأخيرين، وهي قطاع السياحة التركي. روَّجت الحملة السعودية للسياحة في قبرص بدلاً من تركيا، وكان اللافِت في هذه الحملة مشاركة أمراء من العائلة الحاكِمة فيها، الأمر الذي يُعبّر عن سياسة عامة ويخرج الموجات الإعلامية من إطار العفوية تحت وَسم #مشينا_قبرص.

وأبدى السعوديون الذين شاركوا في هذه الحملة رغبتهم بزيارة قبرص، ولم يغب عنهم إقامة مقارنة بين السياحة في قبرص وتركيا. وفي الوقت نفسه، لم يوفّر المُغرّدون السعوديون الذي كان لافتاً حجم التصاقهم بسياسة بلادهم الخارجية الدعوة إلى مقاطعة السياحة في تركيا. وبالتزامُن مع ذلك، كان الرئيس التنفيذي لشركة طيران سعودية يعلن عن أن شركته سوف تفتح خطاً مباشراً إلى قبرص اعتباراً من أيار/مايو 2020 كوجهةٍ صيفيةٍ جديدة.

ويدفع السعوديون المُتحمّسون لمُقاطعة تركيا بوجهات جديدة شبيهة لها من ناحية الميزات التفاضلية. فيسوّقون لجورجيا وقبرص وأرمينيا على أنها دول تختزن العُمق الحضاري المُشابه لما تختزنه تركيا، وتتشارك مع هذه الأخيرة الطبيعة نفسها والمناخ المُشابه، والأهم من ذلك فهي تتشارك معها مستوى أسعار مُنخفِض بالنسبة للسيّاح الأجانب.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مهمة هؤلاء لمَنْع السعوديين من السياحة في تركيا صعبة، حيث باتت هذه الأخيرة  في السنوات العشر الماضية وجهة رئيسية للسياح القادمين من السعودية وعدد من دول الخليج، وتعمل أنقرة باستمرار على جذبهم في سياق خطتها لـ"Mass Tourism" من مختلف دول العالم، مُستفيدةً من الخراب الذي ضرب الوجهات السياحية الأخرى في المنطقة بفعل الإرهاب وفوضى "الربيع العربي".

ومؤخّراً، أكَّدت ذلك وكالة "بلومبيرغ"، استمر تدفّق السعوديين إلى تركيا غير آبهين بحملة بلادهم على أنقرة، في ظلّ عدم وجود مانع قانوني أو سياسي يُعيق دخولهم البلاد، خصوصاً وأن السعودية لم تصل إلى حد مَنْع مواطنيها من زيارة تركيا كما فعلت في حال بلدان أخرى شهدت توتّرات أمنية أو سارت في خيارات سياسية مخالفة لهوى الرياض.

وبخلاف أجواء التوتّر السياسي السائِدة بين البلدين هذه الأيام، يرتبط الشعبان السعودي والتركي في الكثير من المُشتركات الثقافية والدينية والتاريخية، وهذا ما يُصعِّب على القيادة السعودية الحد من تدفّق السياح من مواطنيها إلى تركيا. فالسعوديون يجدون في تركيا المرافق الملائمة لثقافتهم وأذواقهم بأسعارٍ مناسبةٍ لأبناء الطبقة المتوسّطة منهم، حيث لم تعد السياحة حكراً على العائلات الميسورة والأمراء. وقد أثّرت الاستراتيجيتان الثقافية والإعلامية اللتان تديرهما أنقرة في المنطقة العربية في شعوب المنطقة، وأدّت إلى تقارُب ثقافي بينهم وبين الشعب التركي، الأمر الذي حسَّن من صورتها في عيونهم، ورفع من أرقام التدفّقات السياحية إليها من بلادهم.

من جانبها، أعادت وسائل الإعلام التركية والقطرية تزخيم قضية مقتل الإعلامي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وهي القضية التي لاقت صدى واسعاً في الغرب لدى وسائل الإعلام وجمعيات حقوق الإنسان، وصولاً إلى السياسيين الذين وجدوا فيها تعبيراً عن مساوئ الدعم الأميركي للمملكة، في الوقت الذي تُدير فيه هذه الأخيرة نظاماً سياسياً لا يُطبّق أدنى معايير حقوق الإنسان، حيث يجد خصوم السعودية في قضية خاشقجي دليلاً صارِخاً على صحّة اتهاماتهم للمملكة، ومجموعة نقاط نجحوا في تسجيلها ضدّها، على الرغم من فشلهم من تحويلها إلى ضربةٍ قاضيةٍ لمستقبل ولّي العهد السعودي محمّد بن سلمان.

ولم توفّر فرصةً لإحراج السعودية وتجريم مسؤوليها في قضية خاشقجي، وفي قضايا أخرى مرتبطة بأزمات المنطقة. وهي كلما بردت هذه القضية تكشف عن مُعطياتٍ جديدةٍ تؤكّد ضلوع رسميين سعوديين في إعطاء الأوامر لتنفيذ قتل خاشقجي.

آخر هذه المعلومات التي كشفتها صحيفة "صباح" التركية الأسبوع الماضي كشف العديد من التسريبات التي حصلت عليها من مصادر في أجهزة المخابرات التركية حول اغتيال خاشقجي، جاءت لافِتة في توقيتها الذي تعاني فيه السعودية من هجمات حركة "أنصار الله" اليمنية ووصول ضرباتها إلى أكبر حقول النفط في بقيق، على الرغم من تعبير أنقرة عن إدانتها لاستهداف هذه النقاط المهمة بالنسبة إلى سوق الطاقة العالمي. لكن وراء المشهد نيّة تركية في استغلال تخبّط الرياض في وحول اليمن، لتسجيل نقاط جديدة في مرماها.

لعبة قديمة جديدة مستمرة لا يبدو أن نتيجتها ستتكشَّف عن حسمٍ لمصلحة أيّ من الدولتين قبل أن تنجلي غبار ساحات المواجهة المشتركة، وقبل أن ينجلي غبار المواجهة بين واشنطن وطهران عن سماء المنطقة.