رحيل الروائي المصري إسماعيل ولي الدين

بعد سنوات طويلة من غيابه عن الأضواء، الروائي المصري إسماعيل ولي الدين يرحل بصمت عن 86 عاماً.

  • رحيل الروائي المصري إسماعيل ولي الدين
    رحيل الروائي المصري إسماعيل ولي الدين

عن عمر يناهز 86 عاماً، غيّب الموت الروائي المصري إسماعيل ولي الدين (1935 – 2021)، وهو واحد من أشهر الروائيين في مصر.

بعد سنوات أمضاها في العمل العسكري تفرغ للكتابة الأدبية، فكتب مجموعة من الروايات التي تحولت لاحقاً إلى أفلام سينمائية، منها: "حمام الملاطيلي"، و"الأقمر"، و"الباطنية" وغيرها.

والراحل، وفق وسائل إعلام مصرية، "كاتب من أكثر الكتاب الذين تحولت أعمالهم الأدبية إلى أفلام مصرية بإخراج لأشهر المخرجين وأولهم صلاح ابو سيف في فيلم حمام الملاطيلي بطولة شمس البارودي ومحمد العربي ويوسف شعبان".

وقال الإعلام المصري الذي أجرى آخر حوار مع الراحل في العام 2015، إن ولي الدين دخل في حالة تشبه العزلة التامة منذ تسعينيات القرن الماضي فيما رحل اليوم بصمت، مضيفاً أن هذا الصمت ربما اختاره ولي الدين "بسبب ظروف خارجية، أو بسبب تغير ذائقة القراء والمتابعين للسينما، فيما السبب الحقيقي ليس معروفاً، لكنه صار مثالاً عن الكاتب الذي يملأ الدنيا ثم يختفي كأنه لم يكن، لدرجة أن الناس سيتوقفون عن متابعة حياته والسؤال عن أحواله وسبب اختفائه".

لكن ولي الدين وفي حوار مع صحيفة "أخبار اليوم"، قال إن اعتزاله يعود إلى ضمور طاقته الابداعية. إذ كانت صفحات كل رواية تقل عن سابقاتها شيئاً فشيئاً، "أي أن الطاقة تنفد على مراحل حتى صرت لا أقدر على أعباء الكتابة، إضافة إلى أنني أُحلت إلى المعاش عام 1998 وصرت متقاعداً، لا أحتك بالواقع ولا يفور عقلي كما اعتدت أثناء فترة العمل كمهندس معماري التي كانت تتطلب الحركة الكثيرة، وكان هذا يؤدى إلى تنشيط العقل كي يفرز أفكاراً متدفقة، وعندما كان يحل الليل كنت أكتب حتى مطلع الفجر".

إضافة إلى ما سبق صرّح ولي الدين أن من أسباب انسحابه من الحياة الثقافية، هو التحول الذي أصاب عقلية الناشرين وتفضيلهم الموضوعات والعناوين المربحة عن سواها. إذ قال في تصريحات للجريدة نفسها إن روايته (شجرة العائلة)، "كانت من ضمن الأسباب التي دفعتني إلى الانسحاب. فقد كتبتها فى أربع سنوات وأحداثها تدور ما بين الأعوام 1952 و1982 حيث أنها رواية تسجيلية تختزل تاريخ هذه العقود الطويلة في 5 أجزاء. (...) وبعد كل هذا الجهد رفض الناشر إصدارها معتذراً بأن هذه الفكرة لن تبيع، ولأنني مصرّ على أن يحتوي نصي على طين الواقع، قررت ألا أمسك بالقلم لأنني غير قادر على الغوص كما تعودت دائماً".

وتعد رواية "حمام الملاطيلي" باكورة روايات ولي الدين التي تحولت إلى عمل سينمائي في العام 1973 (أخرجه صلاح أبو سيف، وشارك في كتابة السيناريو محسن زايد). في هذا العمل يسرد ولي الدين حكاية شاب ينزح من بلدته إلى القاهرة باحثاً عن عمل ودراسة فيتعرف على فتاة تعمل بالدعارة، قبل أن تقوده الأقدار إلى دخول عالم المنبوذين والمرفوضين اجتماعياً. موضوع الفيلم كان سبباً في منعه من العرض مدة 20 عاماً قبل أن يسمح بعرضه في تسعينيات القرن الماضي بعد حذف عدد كبير من مشاهده. 

وعلى الرغم من نجاح الأفلام المستوحاة من رواياته، نقل عن ولي الدين قوله إن الكثير منها لم يكن يعجبه، وكان يبدي اعتراضه على طريقة معالجتها، علماً أن البعض أعاد سبب اعتزاله إلى اعتراضه على طريقة معالجة فيلم "الباطنية".

وقال إن "الفيلم سيئ جداً. بالمناسبة هو ليس أفضل أعمال صلاح ابو سيف. الفيلم الكامل كان أفضل والحقيقة أن مقص الرقيب شوه الفيلم".

وبعد سؤاله إن كان يروج للإباحية والمثلية الجنسية في "الباطنية" أجاب: "غير صحيح. لقد حاولت أن أعبر عن فداحة النكسة التي شوهت أخلاقيات المجتمع والعمل مليء بالإسقاطات الرمزية. لقد استلهمت الشخصية المثلية من فنان تشكيلي معروف"، مضيفاً: "أثناء ذهابس إلى منطقة عملي بالأزهر لفت نظري حمام شعبي وقررت أن أدخله وعرفت أن اسمه حمام مرجوش. وعندما قررت أن اكتب الرواية اخترت اسم حمام الملاطيلى ليكون اسقاطاً على نكسة 67 التي قصمت ظهورنا جميعاً. وعملي اقتضى الذهاب إلى مدينة الاسماعيلية قبل العدوان وبعده، وقد تعلق قلبي بها حتى صارت أحب المدن إليّ، وحين رأيتها بعد النكسة وقد تهدمت مبانيها وخلت شوارعها وهجرها أهلها وخيم عليها الخراب هنا خطرت لي فكرة حمام الملاطيلي".

وكذلك الأمر مع فيلم "درب الهوى" الذي شوّه موضوع الرواية الأساسي. فالفيلم وفق ولي الدين "يحكي عن البغاء فى فترة الأربعينيات، بينما النص الأدبي يتحدث عن البغاء في فترة الثمانينيات، عن قوادات عمرهن ثمانون عاماً يرسلن فتيات صغيرات إلى الزبائن المقيمين فى بعض فنادق شارع كلوت بك. لا أعرف لماذا قاموا بتغيير زمن أحداث هذا الفيلم، الذي اقتبس من قصتي التي كنت أدين فيها الانفتاح الاقتصادي الذي أعتبره كارثة قومية. الوحيد الذي اقترب من روح نصي الأصلي هو المخرج عاطف الطيب في فيلم "أبناء وقتلة".

لم يستطع اسماعيل ولي الدين أن يكتب مذكراته وأصرّ أنه لن يمليها على أحد. أما أعماله فلم يطلب من أحد نشرها. أعماله تلك الذي تعكس شخصيات تعيش في الواقع ويستلهمها من النماذج التي يقابلها.

ومنذ اعتزاله إلى وفاته، ركن ولي الدين إلى عادات يومية. يصلي الفجر، ينام، ثم يستيقظ ظهراً ليقرأ الجرائد، وفي المساء يذهب إلى المقهى المجاور، ليجلس على مقعده المفضل ويستمع إلى الراديو.