نجيب - حسيب - نسيب

نجيب وحسيب ونسيب.. ما الذي يجمع بين هذه الأسماء؟

  • نجيب - حسيب - نسيب
    نجيب - حسيب - نسيب

أحقّاً عِبادَ اللهِ أنْ لستُ وارِداً
 ولا صادِراً إلّا عَلَيَّ رَقيبُ
ولا زائراً فَرداً ولا في جَماعةٍ
مِنَ الناسِ إلّا قِيلَ أنتَ مُريبُ
وهَلْ رِيبةٌ في أنْ تَحِنَّ نَجيبةٌ
إلى إلفِها أو أنْ يَحِنَّ نَجيبُ
ولا خَيرَ في الدُنيا إذا أنتَ لم تَزُرْ
حَبيباً ولم يَطرَبْ إليكَ حَبيبُ

هذا المحِبُّ الذي يشكو من ملاحقة الرُقباء له في ذهابه وإيابه منفرداً أو مع جماعة باعتباره شخصاً مُريباً غايته الاتصال بالحبيبة المحجوبة عنه، هو أشهر عاشق وشاعر عذريّ عند العرب لُقّب بمجنون ليلى نسبة إلى المرأة التي هام بها حُباً حتى ذهبت بعقله واسمه قيس بن المُلَوَّح (645 - 688م). وهو يتساءل ما المريب في أن يزور نجيبٌ من الرجال نجيبةً من النساء،أي رجل كريم الأصل نبيل وامرأة نظيرة له في الكرم والنُبل؟

وهذا معنى النجيب والنجيبة اللذين اشتقت العرب منهما اسمي نجيب للرجل ونجيبة للمرأة. أو بالمعنى المجازي الذي يمكن أن يكون هو مقصد الشاعر العاشق: ما المريب في أن تَحِنُّ نجيبة من الإبل أي كريمة النسل إلى نجيب من الجمال على ما هو متعارَف عند أهل البادية؟

والنجيب من الناس ذو النجابة وهي كرم الأصل والنُبْل .وقد نَجُبَ،يَنجُبُ،نَجابةً، إذا كَرُمَ أصلُه، فهو نجيب وهي نجيبة.

وكذلك  إذا حَمُدَ في قوله وفي فعله. وجمع النجيب نُجَباء وأنجاب ونُجُب. وجمع النجيبة نجائب. وأنَجبَ الرجلُ إذا
ولِد له ولدٌ نجيب، فهو مُنجِب. وأنجبت المرأةُ إذا وَلدَت أولاداً نُجَباء. وكذلك يقال للفَحل النجيب والناقة النجيبة.

قال كَعب بن زُهَير (ت662) في مدح  رجل كريم:

فَتىً لم يَدَعْ رُشداَ ولم يَأتِ مُنكَراً
ولم يَدرِ من فضلِ السماحةِ ما البُخلُ
بهِ أنجَبتْ لِلبدرِ شَمسٌ مُنيرةٌ
مُبارَكةٌ يَنمي بها الفَرعُ والأصلُ
إذا كانَ نَجلُ الفَحلِ بَينَ نَجيبةٍ
وبَينَ هِجانٍ مُنجِبٍ كَرُمَ النَجْلُ

وقولهم: رجلٌ حسيبٌ نسيب، قريب في المعنى من قولهم: رجلْ نجيب. فالحسيب هو ذو الحَسَب، والحسبُ هو الفَعال الحَسَن كالشجاعة والجود والوفاء وحُسْنُ الخُلُق، يكون ذلك في الرجل كما يكون في المرأة وإن لم يكن لهما آباءٌ لهم شرفٌ وكرم.  ولذلك يْطلَق اسم حَسيب على الرجل وحَسيبة على المرأة. وقد حَسُبَ،يَحسُبُ،حَسَباً، فهو حسيب.

والحسيبُ هو من كان ذا شرف ومكانة بنفسه وإن لم يكن بآبائه. كما أنه لا ينفع الإنسان أن يكون له آباء شُرفاء إن لم يَحذُ حَذوَهم في الكرم والشرف وحُسن الفَعال. وهذا ما يذهب إليه الشاعر المعروف بالمُتَلمّس الضَبعيّ (ت580) في قوله:

ومَن كانَ ذا نَسَبٍ كريمٍ ولم يَكنْ
له حَسٍبٌ كانَ اللئيم َ المُذَمّما

والأصلُ في معنى الحَسَب هو العَدُّ والعدد والقدر. وقولك: حَسَبتُ الشيءَ،أحسُبه حَسْباً وحِساباً وحُسباناً، أي عدَدته. وتقول: هذا الشيءُ بِحَسَبِ ذاك، واعملْ على حَسَبِ ما طلبته منك، وحَسْبـَما ذكرت لك،أي على قدره.  ومن الباب قولك لأحدهم: حَسِبتُ أنك مُسافِرٌ، معناه ظَننت، فكأنك عددتَ سفرَه حاصلاً.

وأما اسم العلم نسيب، مؤنثه نسيبة، فمأخوذ من النسيب وهو ذو النسَب،أي القريب ذو القرابة، والنسبُ هو تتابع سلسلة الآباء في شجرة العائلة. ورجل حَسيبٌ نسيبٌ،إذا اجتمع له حُسنُ الفَعال وشرفُ الآباء. وعليه قول ابن معصوم المدني (ت1707) في مدح أحد الأعيان:

إن عُدّتِ الأنسابُ فَهْوَ نَسيبُها
وحَسيبُها المشهورُ وابنُ حَسيبِها

وقد نسَبتُ فُلاناً،أنسُبُهُ،نَسَباً ونِسبَةً، إذا ذكرت نَسَبَه. وانتسبَ هو، يَنتسِبْ،انتساباً، إذا أظهر نَسبَه وذكره. وتنسّبَ إليك إذا ادّعى أنه من نسبك. وعليه قول أبي ذُؤَيب الهُذَلي (ت648م):

ما لي أحِنُّ إلى جِمالِكِ قرّبَتْ
وأصُدُّ عنكِ وأنتِ مِنّي أقرَبُ
وأرى البِلادَ إذا سَكنتِ بِغَيرِها
جَدباً وإن كانت تُطَلُّ وتُخصَبُ
وأرى العَدُوَّ يُحِبُّكم فَأحِبُّهُ
إن كانَ يُنسَبُ مِنكِ أو يتَنسّبُ

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان