وائل

ضُرب بكليب المثل في العِزّ حتى قيل:"أعزُّ من كُليب وائل"... لكن من هو وائل يا ترى؟

  • وائل
    وائل

قد يَبعثُ الأمرَ العظيمَ صغيرُهُ

حَتّى تَظَلَّ لهُ الدِماءُ تَصَبَّبُ
والظُلمُ فَرّقَ بينَ حَيّيْ وائلٍ
بَكْرٌ تُساقيها المَنايا تَغلِبُ
والإثمُ داءٌ لَيسَ يًرجَى بُرؤهُ
والبِرُّ بُرؤٌ لَيسَ فيهِ مَعطَبُ

هذه الأبيات من قصيدة لطَرَفة بن العبد (543 - 569م) أحد أصحاب المعلّقات قبل الإسلام ويُعرف بــ "الغُلام القتيل"، لأنه قُتِل وهو في السادسة والعشرين من العمر عل يد عامل البحرَين بأمر من عمرو بن هند ملك الحيرة بالعراق.

في هذه الأبيات يشير الشاعر إلى الحرب التي دارت بين قبيلتي بَكر وتغلب اللتين تنتسبان إلى أب واحد هو وائل بن قاسِط.

وقد نشبت هذه الحرب التي دامت 40 سنة بسبب قتل جسّاس بن مُرّة البكري كُلَيبَ بن ربيعة التَغلِبي ثأراً لخالته البسوس، التي كان كُليب قد قتل ناقةً لجارها. وكان كُلَيب سيّد بني تَغلِب وبلغ من كبريائه أنه كان يحمي المراعي فلا يجرؤ أحد على أن يرعى بها إلا بإذنه. وكان يُضرب به المثل في العِزّ فيقال"أعزُّ مِن كُليب وائل". 

واسمُ وائل الذي ما زال شائعاً بين الأسماء العربية القديمة يحيل على وائل بن قاسِط جدّ عدد من القبائل العربية الكبرى.

وقد خصّه ابنُ دُرَيد (ت933 م) في كتابه "الاشتقاق" بخبر في معرض كلامه على كيفية تسمية العرب أبناءهم قبل الإسلام. من ذلك قوله إن الرجل كان يخرج من منزله وامرأته تَمَخّضُ،أي توشك أن تضع مولودها، فيُسمّي المولود بأول ما تقع عليه عيناه.

وخرج وائل بن قاسِط وامرأته تمخّض فإذا هو ببَكر قد عرض له، أي ظهر له جملٌ صغير فَتِيّ، فرجع وقد ولدت
امرأته غُلاماً فسمّاه بَكْراً. ثم خرج خرجةً أخرى بعد ذلك وامرأته تَمخّض فرأى عَنْزاً من الظِباء فرجع وقد ولدت غُلاماً فسمّاه عَنْزاً. ثم خرج خرجة أخرى بعد ذلك وهي تمخّض فغلبه أن يرى شيئاً،أي لم يرَ شيئاً، فرجع وقد ولدت غُلاماً فسمّاه تَغلِب. وهؤلاء آباء القبائل الوائلية المعروفة.

أما معنى اسم وائل فهو الناجي من خطر أو شيء. اسم الفاعل من  وَأَلَ،يَئِلُ،وٍأْلاً، إذا نجا،فهو وائِل،أي ناجٍ (ناجي). وبه سُمّي الرجل. مؤنثه وائلة. وعليه قول لَبيد بن  ربيعة العامري (560 - 661 م):

إذا المَرءُ أسْرى ليلةً ظَنّ أنهُ
قَضى عَملاً والمَرءُ ما عاشَ عامِلُ
فَقولا لهُ إن كان يَقسِمُ أمرَهُ
ألمّا يَعِظْكَ الدَهرُ ؟أمُّكَ هابِل
فَتَعلمَ أن لا أنتَ مُدرِكُ ما مَضَى
ولا أنتَ مِمّا تَحذَرُ النفسُ وائلُ

ويقال: وألَ اليه، أي لجأ. ومنه :وألَ إلى الله. كما يقال: وألَ من الشيء إذا طلب النجاة منه. واسم الفاعل من كل ذلك  وائل.

واشتهر من بني وائل خطيبٌ بليغٌ يُضرَب به المَثلُ في الفصاحة وهو سَحْبان وائل. ونقيضُه باقِلُ الأيادي الذي يُضرَبُ به المَثلُ في العَيّ والبلاهة. وإلى هذا المعنى يذهب الشاعر العراقي صَفِيّ الدين الحِلّي (1277 - 1349 م) مشيراً إلى ازدراء الناس للفقير مهما بلغ من سُمُوّ الخُلق وحُسنُ المنطق:

إنّ الفقيرَ وإنْ نَمَتهُ 
مَكارِمٌ وفَضائلُ
لا يُستَعانُ بهِ ولا
يُعْبا بِما هوَ قائلُ
لو كانَ سَحبانَ البلاغةِ
أنكَرَتهُ وائلُ
أو كانٍ قَسّاً في الفَصاحةِ
قيلَ هذا باقِلُ 

صالح الأشمر

كاتب ومترجم من لبنان