بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

محمد الاحمد - فنان سوري

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. كلّ ما يأتي بهدوءٍ وتأنٍّ ورويّةٍ يغدو أكثر ثباتاً ورسوخاً وتُكتب له الحياة المديدة، هذه هي حال نجومية ضيفنا الذي ساقته الأقدار إلى حيثُ هو الآن. حباه الله بالوسامة والقبول واجتهد هو ليحصِّن كاريزماه بالدراسة والثقافة والخبرة حتّى كان له ما أراد من نجاح بعد مشوارٍ حافلٍ بالأعمال السينمائية والتلفزيونية وبعد رحلةٍ شاقة بدأت في صالون حلاقة ولم تنتهِ على الشاشتين. فالفتى الذي عشِقَ الموسيقى والشِعر والصيد وتمثّلَ بشقيقه النجم المتألّق المعروف صار هو الآخر نجماً. فمن سار على الدرب وصل ومن زرع حصد حتّى لو كانت الدربُ أحياناً مَليئاً بالحفر والمطبّات والعثرات ولعلّ نهايتها في هذه الحال تغدو أكثر إمتاعاً ومؤانسةً، ونحن في "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب نستأنس الليلة بحضور الممثل السوري الموهوب والنجم الشاب المحبوب الأُستاذ "محمد الأحمد". أهلاً وسهلاً شرّفت ونوّرت "بيت القصيد"

محمد الأحمد: أتشرّف بك وأتشرّف بوجودي في هذا المكان، عن جد مكان لكلّ المبدعين العرب وأتشرّف بأنني أجلس أمامك أُستاذ "زاهي"

زاهي وهبي: نتشرّف بوجودك وسُعداء بنجاحاتك وبحضورك المتألّق. يُمكننا أن نقول أنّ هذه الرحلة بدأت تؤتي ثمارها، يعني في جعبتك الكثير من الأفلام السينمائية خصوصاً الأفلام القصيرة ولكن أيضاً عدد لا يُستهان به من الأفلام الروائية، أعمال تلفزيونية أيضاً كثيرة وأعتقد مسرحية واحدة أو مسرحية يتيمة

محمد الأحمد: خجولة، نعم

زاهي وهبي: سنتحدث عنها لكن هذا المشوار بدأ اليوم يُعطي النتائِج التي كنت تتمنّاها وتحلم بها؟

محمد الأحمد: صدّقني أُستاذ، أنا طبعاً مثل أيّ ممثل طمحت أن أصل إلى هنا ولكن أنا لم أرسم خطواتي، أنا عشت اللحظة، عشت الصدفة، الصدفة قادتني إلى هذا المكان. أنا اليوم كنت أُفكِّر بهذه الطريقة، ما الذي جعلني أكون في هذا المكان؟ عن جد هي صدفة غيّرت كلّ مجرى حياتي وقلبت كلّ الموازين ونقلتني من مكان إلى مكان

زاهي وهبي: أنت تقصد حينما كنت تريد أن تدرس موسيقى وحصل معك حادث عطّلك عن الدراسة

محمد الأحمد: تماماً، عطّلني وغيّر كلّ مجرى حياتي إذا أمكنني القول أكثر من 180 درجة، يُمكنني أن أقول هذا

زاهي وهبي: يعني لم يكن التمثيل أحد أحلامك

محمد الأحمد: لا، لم يكن أحد أحلامي لأنه كان بعيداً. بالنسبة لي وجودي في الشاشة وفي التلفزيون في عُمر يناهز الـ 17 أو الـ 18 سنة كان حلماً، هؤلاء الأشخاص الذين يظهرون على شاشة التلفزيون لا يُمكننا أن نلمسهم ولا أن نحسّ بهم، هؤلاء موجودون هنا على الشاشة، هؤلاء أيقونات. أنا أتذكّر مثلاً ممثلاً رأيته في إحدى المسرحيات وكنت أُشاهِد مسرحية له وهو نجم، فصمتت ولم يعد يخرج منّي كلام لأنّ هذا الشخص نفسه موجود هنا. بالفعل هذا كان حلماً كبيراً لم يكن في إمكاني حتّى أن أحلم به

زاهي وهبي: كم نجاح شقيقك "أحمد الأحمد" النجم المعروف والممثل الممتاز، ودائِماً تُسأل عنه بطبيعة الحال لكن كم نجاحه يمكن أن يكون حفّزك وأعطاك طاقة إيجابية إذا صحّ التعبير؟

محمد الأحمد: جداً. نجاح "أحمد" هو نجاحي في النهاية لكن المسيرة بيني وبين "أحمد" للذي لا يعرِفها في البدايات كانت صعبة، أن تكون أنت في عائِلة مثلاً عندك دكتوران بنفس الاختصاص مُشكلة، فلمّا دخل "أحمد" أُلغيَ هذا المجال من عقلي ومن طموحاتي، ألغيَ نهائياً. فأنا تابعت الموسيقى وبالفعل أنا كان من اللازم أن أتوجّه إلى هذا المكان وأنا كنت أُحضِّر مع طلّاب كانوا حينها طلّاب معهد، نُحضِّر معزوفة كي أُقدِّمها. بعد أن صار معي الحادث أُجبرت أن

زاهي وهبي: وقع الزجاج على يديك

محمد الأحمد: أُجبرت، وكان هناك جرح وتقطيب فأُجبرت على أن ألغي هذه الفكرة من رأسي. الذي صار أنه جاءني اتصال هاتفي من "أحمد" نفسه وهو كان سنة ثالثة في المعهد، وقال لي: "أنا سأقدّم لك أوراقك على المعهد العالي للفنون المسرحية"، لأن المعهدين في نفس المبنى، فأنا بخجل وبسعادة داخلية أجبته بنعم. أخذت الـ أوكي منه

زاهي وهبي: هلّ تؤمن بالأقدار والمصائِر، يعني أنّ هناك مصائِر مرسومة في هذه الدنيا للبشر؟

محمد الأحمد: قليلاً نعم، ولكن الاجتهاد والبحث والطموح تجعلنا نُغيِّر بعض الأقدار، ولا أعلم إذا أنا تجاوزت المقولات الشائِعة ولكن تجعلنا عن جد نخطو إلى الأمام بكلّ هواجسنا وطموحاتنا، أذهب وأغوص في هذا المكان وأُجرِّب. قلت لك، أنا حياتي بُنيت على صُدف بصيغة حديثة

زاهي وهبي: ولكن يبدو أنها صدف إيجابية أو ربّ ضارّة نافعة أحياناً. دعنا نذهب لو سمحت برفقة "سحر حامد" زميلتنا العزيزة ونسمعك في "قطع وصل" ثمّ نعود إلى الاستديو

قطع وصل - محمد الأحمد:

بصراحة لم أكن أحسّ أنّ الكاميرا تُحبني. ربما لوقتٍ معيّن لم أكن أحسّ هذا الإحساس لكن لاحقاً ربما صرت أعرِف كيف من اللازم أن تحبني الكاميرا، أعرِف كيف من اللازم أن أقف أمام الكاميرا وكيف أحكي معها وتحكي معي كي نصل إلى الناس والجمهور وقلوبهم ومشاعِرهم

أنا كنت مولعاً بالحيوانات ولا أريد أن أقول ما إسم الحيوان كي لا يخاف الناس. كنت أربي حيواناً عندي في البيت

سحر حامد: حيّة؟

حيّة نعم، وكانت والدتي دائماً تخانقني وكذا وأهلي. حادثة صارت بسيطة، أنا كنت أُقدِّم على معهد الموسيقى وكنت أعزف آلة العود وأتمرّن على هذا الأساس، فخرجت الحيّة واضطررت أن أمسكها وكان هناك بلّور أو زجاج سقط على يدي وصار عندي جرح خطير جداً جعلني أوقِف العزف وذهبت إلى التمثيل. في السنة نفسها قدّمت أوراقي على التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية وقُبِلت في التمثيل. عندما قُبلت في التمثيل صفنت أو هدأت وتساءلت، أين أنا كنت وأين صرت؟ لأنّ هذا المجال لم يكن أبداً يخطر على بالي

أتصدّقينني إن قلت لكِ أنا ليس عندي خطط واضحة، ربما توجد خطّة مستقبلية أحاول أن أصل إليها. أترُك نفسي أعيش اللحظة وأن تمرّ الأشياء لوحدها، وتمشي الأمور في هذه الطريقة معي وأحياناً تصيب وأحياناً لا تصيب مثل أيّ شخص

أحياناً أكون متفائِلاً كثيراً بالأخصّ في هذه المرحلة على الصعيد الشخصي وعلى صعيد البلد، فبعد هذه الغيمة السوداء ظهر نور نراه، فأنا أجل متفائِل رغم لحظات الإحباط التي تمرّ على كلّ شخص لكن أنا متفائِل وسأظلّ أتفاءل، يعني سأُقاوِم إلى الآخِر

المقابلات التلفزيونية توتّرني جداً لأنني أصير أُفكِّر ماذا سأقول وأفكِّر ربما بما يحب أن يسمعه الناس فلهذا لا أحبها كثيراً ولا أظهر كثيراً فيها

زاهي وهبي: لكن ما شاء الله عنك لا توتّر عندك، مُنطلِق وتحكي، وأعتقد في "بيت القصيد" يكون التوتّر أقلّ من غير أماكن

محمد الأحمد: جداً أقلّ لكن لا أُخفيك أنه أكيد

زاهي وهبي: ربما لأنّ في التمثيل أنت لست مسؤولاً عن الشخصية، يعني كشخص في الحياة لست مسؤولاً عن آراء وأفكار ما تقوله الشخصية بينما في الحوار مسؤول عن الكلام

محمد الأحمد: مئة في المئة

زاهي وهبي: وهذا يخلق

محمد الأحمد: مئة في المئة

زاهي وهبي: هلّ يُمكننا أن نقول أنّك تخطيت حال الانتشار وأنت الآن في مرحلة الاختيار في أعمالك؟ كما تعلم كلّ ممثل عنده هذه المرحلتان، في البداية يكون همّه أن يُرسِّخ إسمه وحضوره لاحقاً يصير ينتقي ما يتوافق مع قناعاته

محمد الأحمد: أتصدّقني إن قلت لك أنّ نحن الممثلون محكومون أحياناً

زاهي وهبي: بما هو موجود

محمد الأحمد: بما هو موجود

زاهي وهبي: قلت للصديق "باسل محرز" في حوار إذاعي إنك تندم على نصف أعمالك السابقة

محمد الأحمد: أجل، أندم من حيث الجهد الشخصي وليس لأنني اشتغلت فيها

زاهي وهبي: ليس على العمل نفسه

محمد الأحمد: لا أبداً

زاهي وهبي: أنقذت نفسك

محمد الأحمد: أكيد ليس على العمل نفسه، أندم على جهدي الشخصي لأنني حين أعود بالذاكرة إلى الوراء وأشاهد بعض الأعمال التي اشتغلتها أحسّ أنّه كانت تنقصني الخبرة

زاهي وهبي: أيّ دور لو عدت وأدّيته اليوم تؤدّيه بطريقة أفضل؟

محمد الأحمد: كلّ الأدوار

زاهي وهبي: كلّها

محمد الأحمد: كلّها صدّقني

زاهي وهبي: أكثر دور تعتزّ به؟ أعرِف "رام" في "أحمر" مع "جود سعيد" من أدوارك المُحبّبة لك

محمد الأحمد: جداً

زاهي وهبي: لماذا؟

محمد الأحمد: أُحبّها لأنني اشتغلته وربما كان الدور مكتوباً بطريقة ظريفة جداً وحلوة جداً واشتغلنا عليه، وربما لأنّ هذه الشراكة بيني وبين "جود" تُحدِث لي فُسحة ومجالاً لكي أُبدِع وأضع بصمتي في الشخصية. نحن نكون ملزمين بنصّ مع الأساتذة والمُخرجين

زاهي وهبي: مع "جود" مساحة الحرية أكثر؟

محمد الأحمد: تماماً، نكون مأسورين في مساحة الحرية، مع "جود" ربما هناك مساحة

زاهي وهبي: ترتجل وتُعطي

محمد الأحمد: تماماً، هناك نقاش وبحث دائِم بيننا 

زاهي وهبي: ما سرّ هذه الكيمياء؟ لغاية الآن ثلاثة أفلام

محمد الأحمد: أربعة أفلام وهم "مطر حمص"

زاهي وهبي: "مطر حُمص"، "رجل وثلاثة أيام"، "درب السماء"

محمد الأحمد: و"نجمة الصبح" هو آخر الأعمال

زاهي وهبي: آخر عمل هو مُسلسل "أحمر". ما سرّ الكيمياء بينكما؟ توافق رؤى فنية؟ نظرة للأمور ولأحوال البلد، ماذا؟

محمد الأحمد: هذا ما كنت أقوله، هو أعطاني المساحة لأن أبحث وأترُك بصمتي في الشخصيّة وهذا الشيء ليس موجوداً عند بعض المُخرجين مع احترامي للكلّ، وربما هذه طريقة. "جود" شخص خياله واسع وهو شخص طموح ويدفعك للآخِر، للأقصى، ويؤمن بك. عندما يؤمن أحدهم بي أؤمن بنفسي وأعطي عن جدّ، هناك هذه الكيمياء بيني وبينه غريبة عن جد

زاهي وهبي: وعنده هذه "الشعطة" الفنية الحلوة، جنون الفنّان الإيجابي

محمد الأحمد: طبعاً، وربما هذا الشيء

زاهي وهبي: موجود عندك هذا الشيء؟

محمد الأحمد: موجود عندي ولكنه لم يكن موجوداً

زاهي وهبي: أكتشفه "جود"، أخرجه "جود"

محمد الأحمد: هذا ما أُريد أن أقوله لك، لأنه في "مطر حمص" كانت الخطوة الأولى في هذا الموضوع، أنني أنا كممثل قادر عن جدّ أن أخلِق الآن حالة معينة وأؤدّيها. يعني هذا كان خطيراً

زاهي وهبي: ويبدو أنّ هذه الكيمياء أثمرت، وحضرتك نلت جائِزة أفضل ممثل عن دورك في "رجل وثلاثة أيام" في مهرجان (إسكندرية) السينمائي

محمد الأحمد: تماماً

زاهي وهبي: كم هذا الفوز أو هذه الجائِزة شكّلت حافزاً لممثل شاب يشقّ طريقه خصوصاً إننا نتحدّث على مستوى سينما هنا، وكما تعلم صناعة السينما في (لبنان) و(سوريا)، طبعاً في (سوريا) أفضل بقليل من حيث الكمّ على الأقل

محمد الأحمد: تماماً

زاهي وهبي: ولكن أيضاً لا يُمكننا أن نتحدّث عن عدد هائِل من الأفلام سنوياً ونتحدّث عن عدد محدود جداً، كم كانت الجائِزة دفعة إلى الأمام؟

محمد الأحمد: بصراحة الجائِزة لها خصوصية كبيرة في قلبي، كانت من أجمل اللحظات في حياتي عن جدّ. لماذا؟ ربما لأنّنا انتزعناها من بين وحوش في السينما

زاهي وهبي: وحوش الشاشة

محمد الأحمد: كان عدد المُشاركين تقريباً تسعة عشر فيلماً من تسعة عشر بلداً لأنها كانت مُسابقة حوض المتوسِّط، فنحن نتحدّث عن دول كبيرة ولها تاريخ كبير في السينما

زاهي وهبي: وكانت تحمل إسم "عمر الشريف" في تلك السنة

محمد الأحمد: تماماً. تسع عشرة دولة أجنبية وثلاث دول عربية تقريباً فكان انتزاع جائِزة أفضل ممثل بالنسبة لي أنا عظيم عن جد، وأنا أعتقد أنّ ما قُدِّم في هذا العمل أو في فيلم "رجل وثلاثة أيام" يستحق الوقوف عنده

زاهي وهبي: فوزك بالجائِزة استدرج عروضاً، جاءتك عروض حتّى من (مصر) للمُشاركة بأفلام سينمائية أو في أعمال واعتذرت حضرتك؟

محمد الأحمد: طبعاً

زاهي وهبي: لماذا؟ كما تعلم (مصر) هي فُرصة لأي ممثل عربي وزُملاء كُثُر لحضرتك من (سوريا) ذهبوا إلى (مصر) وقدّموا أعمالاً ناجِحة، لماذا اعتذرت؟

محمد الأحمد: أقول، ربما المعروض عليّ لم يكن بهذا المُستوى الذي ممكن عن جد أن أكون فيه أو أُقدِّم نفسي به في الطريقة الصحّ ويكون خطوة جديدة من خطواتي. أنا لا أُريد أن أرجع خطوة إلى الوراء في أعمالي أو في مُشاركاتي 

زاهي وهبي: ولكن لو جاء عرض أكثر جدية أو فرصة

محمد الأحمد: فرصة حقيقة لأقدّم شيئاً فأكيد أنا كنت وافقت   

زاهي وهبي: نعم، أُستاذ "محمد الأحمد" حضرتك حاضر بقوّة اليوم في المشهد الدرامي التلفزيوني، في المشهد السينمائي السوري يُمكننا أن نقول أنّك حاضر، كما قلنا الأمور نسبية قياساً بعدد ما يُنجَز سنوياً وعدد أفلامك أمر جيِّد بينما مسرحياً عمل وحيد كما قلنا قبل قليل وهو "وعكة

محمد الأحمد: "وعكة عابرة"

زاهي وهبي: هلّ هي كانت "وعكة" مسرحية أم ماذا؟

محمد الأحمد: لا والله عن جد، أنا لا أُريد أن أُدافع عن نفسي. أنا في فترة العطاء، في تلك الفترة كان ما يُقدّم لي في السينما وفي التلفزيون عن جد مهم ويُمكنني أو أقف عنده وأُقدِّم نفسي به. العروض المسرحية التي تقدّمَت لي كان فيها خلل وأنا أريد أن أبتعد عن مشاكل المسرح خصوصاً في (سوريا) وفي البلدان العربية عموماً، أريد أن أبتعد عنها ولا نتحدّث عنها لأننا كلّنا نعرِفها ونعرف المآزق والمطبّات، وأيضاً بصراحة لم يأتني هذا الشيء الذي يُحفّزني لأشتغل مسرحاً

زاهي وهبي: ولكنك أيضاً متقبّل للأمر

محمد الأحمد: أكيد طبعاً

زاهي وهبي: إذا جاءك عرض مسرحي، نصّ وإخراج

محمد الأحمد: طبعاً، طبعاً

زاهي وهبي: وأنا دائِماً أسمع من ضيوفي من كلّ الأجيال أنّ متعة العمل المسرحي لا تُضاهيها

محمد الأحمد: ما بعدها متعة

زاهي وهبي: كممثل نتحدّث

محمد الأحمد: ما بعدها متعة أكيد. علاقتك مع الجمهور وحبس أنفاسهم في لحظة وإطلاقها في لحظة أُخرى هي من أجمل الأشياء التي يُمكن أن تصير عند الممثل. أنا ربما هذا الشيء، صدّقني إذا قلت لك أنا ربما أحسّ بأنني أُفرِّغه في السينما

زاهي وهبي: يعني هي تعويض أكثر من التلفزيون، من الدراما التلفزيونية

محمد الأحمد: طبعاً

زاهي وهبي: لو خُيِّرت بما أن المسرح قليل، لو كان هناك خيار إلزامي بين التلفزيون وبين السينما؟

محمد الأحمد: قطعاً السينما من دون أي نقاش

زاهي وهبي: رغم ما يوفّره التلفزيون من انتشار أكثر؟ من الدخول إلى البيوت يعني وليس أن الإنسان هو سينتقل إلى الصالة ليُشاهِد

محمد الأحمد: يعني أنا عندي قناعة إنّ هذا الفنّ لا يلغيه هذا الفن

زاهي وهبي: كلّه يُكمِل بعضه البعض

محمد الأحمد: تماماً، والذي يُحارب التلفزيون قد يكون عنده مُشكلة معيّنة. لا أدري أنا لا أُريد أن أؤاخِذ الآخرين ولكن أجدهم فنّياً متقاربين، يعني هناك التقاء بينهما، يعني السينما لشريحة معينة من الناس والتلفزيون لشرائح معينة من الناس، فلا يوجد شيء يلغي آخر

زاهي وهبي: طبعاً، وإذا تُلاحِظ في النهاية مُعظم نجوم السينما خاضوا غمار الدراما التلفزيونية بمن فيهم الكبار الذين كان عندهم موقف في البداية

محمد الأحمد: حتّى الذي يسبّ التلفزيون ويشتغل مسرحاً كثيراً تجده يشتغل تلفزيون

زاهي وهبي: مثلما حصل معنا معشر الكُتّاب والشُعراء والصحافيين، يعني ما يأتينا من الصحافة المكتوبة. في البدايات كان الكثير من المثقفين والكُتاب يعتبرون العمل التلفزيوني مسألة سخيفة وفي ما بعد أصبحوا يُقدّمون برامج ويُشاركون ويُعدّون وإلى آخره

محمد الأحمد: مئة في المئة

زاهي وهبي: لفت نظري عدد الأفلام القصيرة التي حضرتك شاركت بها، أربعون فيلماً؟

محمد الأحمد: لا، ليس هذا الرقم، أربعين عملاً تلفزيونياً. الأفلام القصيرة عددها ربما 12 أو 13

زاهي وهبي: أيضاً عدد لا بأس به

محمد الأحمد: بسبب وجود حركة سينمائية في (سوريا)

زاهي وهبي: لكن عادةً الأفلام القصيرة تكون في الغالب أعمال شباب

محمد الأحمد: طبعاً، هواة إن أمكنني القول. لا يُمكنني أن أُطلِق عليه أنه عمل سينمائي مُتكامِل

زاهي وهبي: أقصد عندما ممثل يُسلِّم نفسه لمُخرجين شباب أحياناً لا يزالون طلاباً

محمد الأحمد: أحياناً هم يسلّمون أنفسهم لنا، يعني يذهبون ويبحثون عن الأشخاص الذين عندهم هذا المنهج أو عندهم هذا الخطّ، فتحدُث عملية مُشاركة ودعم بيني وبينهم، وأنا أحب هذه التجارب. وهذه التجارب على فكرة هي من أجل ألّا يعتقد الناس أنها زهيدة الثمن أو بلا ثمن إذا أردنا أن نقول

زاهي وهبي: نعم، أحياناً تكون تبرّعاً من الممثل ومُجاملة لطالب أو لصديق، ولكن هلّ تُضيف على مستوى الخبرات، على مستوى النضوج الفني، هلّ تُضيف إلى الممثل؟

محمد الأحمد: أي شيء. أنا وجودي معك إضافة كبيرة وأيّ شيء أقوم به عن جد هو إضافة لتجربتي وهو غنى لخبرتي وغنى لبحثي المستمرّ في تطوير الممثل وأداء الممثل وكيف أذهب إلى زوايا. هذه مهمة الفن، الفن يُضيء أو يُشير إلى زوايا مُعتمة الشخص العادي ربما لا يراها، فمهمة الفنان ومهمة الفن هي الإشارة وطرح الأسئِلة

زاهي وهبي: نعم أكثر من تقديم حلول، لأن أحياناً بعض الناس يقولون لك لَم تقترحوا الحل أو لَم تُقدّموا الحلّ. مهمة الفن ليست تقديم الحلول

محمد الأحمد: أبداً

زاهي وهبي: ولكن طرح القضايا على بساط البحث والنقاش

محمد الأحمد: تماماً. طرح الحلول مستحيل، هذا أمر مُستحيل على الفن وعلى غير الفنّ، طرح الحلّ النهائي أعني. طرح الحلّ يبدأ من التعليم، هنا نحن نبدأ في طرح حلّ. يعني أنا أقول هو طرح أسئِلة، هو استقراء المُستقبل، هو نبش الخبايا أو الأسباب التي أدّت إلى المُشكلة، أنا دائِماً أقول هذا. دائماً هذا الشيء أعاود ذِكره، الأفلام التي حاولت أن أشتغلها لا يوجد فيها تقديم حلّ بل تقديم واقع حتّى ليس كما هو

زاهي وهبي: إثارة أسئلة

محمد الأحمد: تماماً

زاهي وهبي: حثّ المُشاهِد على أن يُفكِّر ويطرح أسئِلة. سنتحدّث عن بعض الأعمال الدرامية التلفزيونية التي يعرفها المُشاهدون أكثر من الأفلام السينمائية ولكن بعد أن نتوقّف لو سمحت لي مع استراحة قصيرة نتابع "بيت القصيد" مع النجم والممثل السوري الموهوب الأُستاذ "محمد الأحمد"

المحور الثاني

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا شاهدنا لقطات من أعمال ضيفنا الأُستاذ "أحمد الأحمد". من الأعمال التلفزيونية التي استوقفتني واستوقفت كثيرين مسلسل "غرابيب سود" الذي عُرِضَ على شاشة الـ MBC وأثار ضجة خصوصاً في السعودية وطرح موضوع "داعش" والتطرّف والإرهاب وحضرتك يعني قرأت أنّك تلقيت تهديدات بسبب مُشاركتك في دور مميّز، "أبو طلحة" كنت. أولاً تهديدات مِمَن؟ ولماذا؟   

محمد الأحمد: صراحةً من جهات لا أعرِفها كيلا أُعطي تسمية لطرف معيّن

زاهي وهبي: كيف جاءت، كيف وصلت التهديدات؟ على الهاتف!

محمد الأحمد: تماماً، على الهاتف

زاهي وهبي: ما طبيعة هذه التهديدات؟ ولماذا؟

محمد الأحمد: كلّ المُشاركين في هذا العمل تلقّوا هذا النوع من التهديدات

زاهي وهبي: لأن المسلسل يطرح أو يعرّي الفِكر الداعشي والإرهابي

محمد الأحمد: تماماً

زاهي وهبي: كيف فهمت وتعايشت مع شخصية "أبو طلحة"؟

محمد الأحمد: بصراحة شخصيّة "أبو طلحة" من أصعب الشخصيات التي اشتغلتها وأدّيتها

زاهي وهبي: لماذا، لأنها إلى هذا الحد نقيضة لك؟ إلى هذا الحد تختلف مع طريقته في التفكير؟

محمد الأحمد: تماماً، وفي النهاية تُقدّمها إلى كلّ بيت، فمن اللازم أن يكون الممثل حريصاً جداً على أن يُقدِّم هذه المادة بطريقة سلسة لا تخدش، وبالأخصّ نحن الواقع نعرِفه ونراه فمن اللازم أن نُقدّمه ضمن إطار فنّي ونُقدِّم رسائِله في طريقة ذكية، يعني مثل الأب الذي يُعلِّم إبنه بطريقة ذكية ما هو الصح وما هو الغلط، فهذه هي الطريقة. فكان فيه عن جد جُهد بخلاف أنّ الشخصية فيها هذا القدر من العُنف وفيها هذا القدر من الدموية، وأنا اشتغلت النقيضين، يعني كانت علاقة "أبو طلحة" مع عشيقته في قمّة الرجولة وفي قمّة الرومانسية، فكان هذا الإشكال

زاهي وهبي: بينما كان العكس تماماً في سلوكه مع الآخرين ومع خصومه

محمد الأحمد: تماماً، فالفِكرة أن الحب قادر على تطويع كلّ المُجرمين

زاهي وهبي: حتّى الوحوش

محمد الأحمد: حتّى الوحوش الحب قادر على تطويعهم

زاهي وهبي: حضرتك من الذين يحملون معهم شخصياتهم؟ يعني الممثلون كما تعلم نوعان، الذي يفصل نهائياً بمجرّد أن يغادر مكان التصوير وينسى الشخصية وهناك ممثل يحمل معه هذه الشخصية طالما هو يعيش العمل، يعني في البيت وفي الشغل وفي الحياة العامة يكون يحمل الشخصية ويُفكِّر فيها

محمد الأحمد: كلا الحالتين يُمكنك أن تقول، أو خضت التجربتين. يعني في "غرابيب" كانت من الشخصيات التي عن جد حملتها مع أنّ الإحساس

زاهي وهبي: مع أنّ الأُستاذ "أحمد الأحمد" شقيقك نصحك بألّا تُشارِك بالعمل، ربما خوفاً عليك

محمد الأحمد: خوفاً عليّ طبعاً، تماماً

زاهي وهبي: هل تستشيره وتأخذ برأيه؟

محمد الأحمد: آخذ برأيه وأشتغل برأيي. آخذ رأيه أكيد لأن تجربته كانت أوسع وعندي ثقة به. بغضّ النظر من أنّه أخي أنا أعتبره من النجوم العظيمين المبدعين الموهوبين

زاهي وهبي: نمسّيه بالخير دائِماً

محمد الأحمد: طبعاً

زاهي وهبي: وإن شاء الله سيكون ضيفنا، نعتزّ بوجوده. بما أننا نتحدّث عن الشقيق أطال الله في أعماركم، إحدى شقيقاتك توفّت بين يديك كما قرأت؟ ماتت بين يديك؟

محمد الأحمد: (يومئ إيجاباً)

زاهي وهبي: لماذا؟ هلّ بسبب المرض أم الحرب؟ ما السبب؟

محمد الأحمد: مرض، مرض في الكلوة وكان يفصلنا عن موعد عمليتها يومان فقط وكانت الأمور جاهِزة والمتبرّع موجود وكلّ الأشياء كانت على أتم وجه، والحقيقة أنا اشتغلت عنها، كنت أُصوِّر شيئاً في (الشام) وكانت هي في المُستشفى وكان عندي Break فتحدّثت معها على الهاتف وقلت لها: حبيبتي أنا أتٍ لعندك لأراكِ، فقالت لي: أوكي حبيبي أنا في انتظارك، وهي كان عندها غسيل كلوة في تلك اللحظة. فذهبت لعندها في ذاك اليوم وقامت لتُحضِّر لي الأكل ثم وقعت بين يدي فأمسكتها، وراحت

زاهي وهبي: ألله يرحمها. أنا لا أريد كما يقولون أن أفتح الجراح ولكن أعلم أنّ هذه الحادثة من أكثر الأحداث المؤلمة التي عشتها حضرتك إلى جانب فقدان الوالد طبعاً

محمد الأحمد: طبعاً، فقدان الأحبّة، أشدّ من الموت؟ نعم أشدّ من الموت

زاهي وهبي: أعود وأقول لك، لا أريد أن أشدّ عليك في هذا الموضوع لكن سؤالي هو في شكلٍ عام، خسارة الأحبّة، فقدان الأحبة الذين إلى هذا الحد قريبين وأعزاء ماذا يُغيِّر في نظرتنا للحياة؟

محمد الأحمد: يغيّر كثيراً على أساس أنه بالعامية نقول" ما فيها شيء هذه الدنيا"

زاهي وهبي: "مش حرزانة"

محمد الأحمد: لا ليست "حرزانة". علاقتك مع الآخرين وطِّدها أكثر والخلافات دعها تتلاشى. يعني في رأيي، خلص، هناك أشياء كثيرة تغيّرت في حياتي بعد وفاة شقيقتي، هناك أشياء خاصة تغيّرت في حياتي بعد وفاة اختي، لكن ذِكراها عطِرة وموجودة في القلب وهي لم ترحل وإن رحَلَت رَحلْتُ معها، فهي موجودة وما زالت في حضني

زاهي وهبي: في الحقيقة هذا شعور يحسّه الإنسان، أنا أحسّه تجاه والدتي مثلاً هذا الشعور، أنا أحسّها معي طوال الوقت ولا أقول هذا لأعزّيك لكن فعلاً يصيرون وكأنهم يسكنون فينا، وما يُعزّينا أنهم يمكن أن يكونوا في مكانٍ أفضل في زمن الخراب العربي هذا

محمد الأحمد: تماماً

زاهي وهبي: وقبل أن آخذك مرة أُخرى مع "سحر حامد" و"قطع وصل"، هذا الحزن يأتي أيضاً في زمن الحزن الأكبر الذي هو أنّ بلدك (سوريا) تعيش كلّ ما عاشته وكل ما صار معروفاً ولا أُريد أن أُكرّر الكلام والأسئِلة. انعكاس هذا عليك كإنسان وكفنان، وأشرت في البداية حضرتك أنّك اليوم متفائل، من أين تستمد هذا التفاؤل؟

محمد الأحمد: التفاؤل بصراحة بالنسبة لنا كفنانين قطع مراحل، فالمرحلة الأولى هي المرحلة الضبابية أو مرحلة الفوضى التي كانت غير مفهومة، غير مفهومة بالنسبة للفنان وبالنسبة حتّى لأصحاب القرار إذا أمكننا القول. لاحقاً أخذت تتوضّح الرؤيا أكثر وتُصبِح الأمور بالنسبة لك عميقة وتعرِف أن تُصنِّف نفسك وتُصنِّف آراءك وتُصنِّف وجهة نظرك ولاحقاً يُمكنك أن تتناول، يعني هنا أصبح في إمكاننا أن نتناول الفن والقضايا الإنسانية وقضايا الشارِع وقضايا الحرب

زاهي وهبي: خصوصاً أنك شاركت في كثير من الأعمال التي تناولت هذا الموضوع أو كانت خلفيّتها الحدث السوري. إسمح لنا قبل أن ننتقل أيضاً إلى قضايا أُخرى أن نذهب مع "سحر حامد" ونسمع مرة أُخرى ماذا قلت

قطع وصل - محمد الأحمد:

أهرب لأرتاح للطبيعة، للغابة هنا وأجد صيغة وأفتح حواراً بين الأشياء الموجودة في الطبيعة وأطرح أسئِلة. أحكي مع نفسي كثيراً وأحسّ بالراحة والطمأنينة وأعود وأقوم بـ Re- Start لنفسي

هواياتي التي لا أحد يعرِفها أظن كلّ الناس يعرفونها، أجمع آلات موسيقية وبيتي مليء بالآلات الموسيقية المتنوّعة. أهرُب في أوقات الفراغ وأكتُب وأقفل هاتفي، هذه هي الهوايات البسيطة التي أقوم بها

دائِماً أنا في حال عشق إذا قلنا الحبّ في مفهومه الشامل، إذا تسألينني عن الحب بمفهومي الشخصي أكيد أُحبّ ومُخلص لحبيبتي أكيد

حياتي الخاصة سر من أجل ألّا أحد يعرِف به بصراحة يعني لأن دائماً أغلب العلاقات تفشل جرّاء تدخُّل الآخرين فيها سواء عن قصد أو عن غير قصد. أُحب أن أقوم بالأشياء بنفسي ولا أحد يعرِف بها، عندي دائرة بسيطة من الأصدقاء والأقرباء وطبعاً الأهل أولهم، هؤلاء في وقت فراغي عندما لا يكون عندي شغل هم حياتي صراحةً

أتصدّقينني إن قلت لكِ أن أقرب دور لي هو كلّهم، كلّهم يشبهونني وكلّهم لا يشبهونني لأن نحن في شغلنا كممثلين نترُك شيئاً من أرواحنا داخل كلّ الشخصيات التي نؤدّيها، وأنا كممثل أذهب للأقصى بحيث أن ألعب دوراً لا يشبهني أو أذهب بالـ Character إلى مكان لا يشبهني، فعندي هذا وعندي ذاك ولا يُمكنني أن أقول لكِ أن هناك دوراً يشبهني أبداً ولا يمكنني أن أقول لك أن هذا الدور لا يُشبهني، فهما هذا التناقض

زاهي وهبي: المِهن التي اشتغلتها قبل التمثيل على سيرة الأدوار التي تشبهك والتي لا تشبهك، اشتغلت في التجارة كما قرأت واشتغلت في صالون حلاقة نسائي، يعني كوافير. هلّ أفادك هذا العمل؟ كما تعلم في صالون الحلاقة هناك احتكاك مع نماذج مُختلفة جداً من البشر، هلّ أفادتك هذه المهنة لاحقاً في الشخصيات التي ترسمها وتؤدّيها؟

محمد الأحمد: أكيد، ربما لم يحن وقتها وقد يحين وقتها لاحقاً لكن أكيد أفادتني وصقلتني. نحن تربّينا في عائِلة متوسّطة الحال وكان الوالد مكافحاً إذا أردت

زاهي وهبي: ألله يرحمه

محمد الأحمد: مكافح لأجل هؤلاء الأشخاص المسؤول عنهم وهم أبناؤه ولكي يربّيهم في ظروف جميلة وجيدة ولكن هو كان في مكان قاس، قاس بمعنى أنه كان يريد أن نعتمِد على أنفسنا ونحن كنّا في الصيف أنا وأخي "أحمد" على فِكرة، كنّا في الصيف أحياناً نبيع ذرة، نبيع فول نابِت كما يقولون. في موسم العيد نُحضّر الأشياء التي يُمكن أن يرغبونها ونبيع

زاهي وهبي: في (حمص) هذا؟

محمد الأحمد: طبعاً في (حمص)

زاهي وهبي: ولكن هذا شيء حلو

محمد الأحمد: جميل جداً، أنا هذا الشيء أنتمي إليه

زاهي وهبي: البعض يظنّون، خصوصاً عندما يصير المرء تحت الضوء ونجومية، وكأنه عيب ويُخبّئ هكذا أمور

محمد الأحمد: هذا الشيء أنا أنتمي إليه

زاهي وهبي: تستعيد هذه الذكريات بحب، باعتزاز؟

محمد الأحمد: تماماً، أنا تقتلني ذاكرتي. أنا أتمنّى أحياناً أن أتخلّص من الذاكرة التي عندي كطفل وأحسّ أحياناً ّأن هذه الذاكرة تؤلمني

زاهي وهبي: كما تعلم في صالونات الحلاقة، خصوصاً صالونات السيّدات. عادةً الحلّاق الرجّالي هو الذي يحكي هو الذي "يطوِش لك رأسك"، والآن سيزعل مني "محمد"، لكن عند السيّدات ربما هنّ اللواتي يتحدّثن أكثر من الحلّاق ويبِحنَ حتّى بأسرارهنّ. كانت تحصل أمور على مسمعك من هذا النوع؟

محمد الأحمد: كان يحصل نعم، لكن أنا تجربتي كانت بسيطة جداً

زاهي وهبي: لم تحفر عميقاً

محمد الأحمد: أجل لم تحفُر، تماماً، تماماً. هي هواية بسيطة، حب للتجريب كانت ولم يكن هذا شغفي إذا أردنا أن نقول في الحياة أبداً

زاهي وهبي: قلت إنّك تُحبّ، ولكن سؤالي هو عن واقع المرأة في حياتك أو نظرتك إلى موقع ومكانة المرأة سواء أكانت أمّاً، شقيقة، حبيبة، إلى آخره، يعني صديقة بكلّ صفاتها. ما هو موقع المرأة بالنسبة لحضرتك؟

محمد الأحمد: هي التوازن في الحياة، هي بالفعل مركز الدفء في الشتاء والنسمة العليلة في الصيف

زاهي وهبي: نعم

محمد الأحمد: أظن أنها هي التي تُحدِث الاستقرار عند الكلّ وليس فقط عندي شخصياً، فيعني لا وجود لنا من دون المرأة

زاهي وهبي: عادةً الممثلون والنجوم الشباب الوسيمون مثل حضرتك يتجنّبون أن يقولوا نعم أنا في حالة حبّ، ربما لكي يحافظوا على كسبهم لأكبر عدد ممكن من المُعجبات، ويظلّون حلماً لكثير من المُعجبات. ولكنك صرّحت بأنك في حالة حب

محمد الأحمد: دائِماً أنا في حالة حبّ وفي حالة عشق، دائِماً

زاهي وهبي: حالة واحدة أم في حالات حبّ؟

محمد الأحمد: هذا هو السؤال الذي لا أستطيع إجابتك عليه

زاهي وهبي: لأنّ الطريقة التي قلتها يمكن لأيّ أحد أن يفهم أنه هو المقصود

محمد الأحمد: فيها أنني أُحب إحداهنّ منذ عشرين سنة. أكيد كانت هناك تجارب انتهت وتجارب

زاهي وهبي: ماذا يفعل بك الحبّ؟ يعني عادةً هناك أُناس يكسرهم الحبّ وهناك أُناس الحبّ يقوِّيهم وهناك أُناس الحبّ يجعلهم يتفتّحون كالورد في الربيع وزهر الربيع

محمد الأحمد: أنا صدّقني ربما طاقتي كلها آخذها من الحب ومن شريكتي عن جد التي أكون أحبها وأحسّ أنّ من واجبها أن تكون موجودة إلى جانبي كداعِم وكدافعٍ لي

زاهي وهبي: اليوم شئنا أم أبينا نحن في عصر الصورة، في عصر الشكل. كلّ الميديا في العالم وخصوصاً في الثقافة الاستهلاكية وفي عصر العولمة التركيز جداً على هذا الأمر. حضرتك كيف تتعاطى مع نفسك كممثل وسيم يقال له هذا الأمر؟  وأنا قرأته كثيراً، هلّ تتعاطى مع نفسك انطلاقاً من هذا الواقع أم لا، تقول أنّ هناك شيئاً أهم من هذا الموضوع؟

محمد الأحمد: هذا المأزِق الذي عشته في كلّ فترة شغلي صراحةً

زاهي وهبي: أنّ المنتجين والمُخرجين دائماً يضعونك في هذه الخانة

محمد الأحمد: تماماً، وتأطير الفنان بين هذين القوسين في أنّ هذا الشخص يعرِف أن يشتغل هذا النوع من الأداء

زاهي وهبي: في (مصر) يقولون "الشاب الحبّيب"

محمد الأحمد: هذه نظرة خاطئة ونحن نشاهد في كلّ الإنتاجات العالمية أقوى الأدوار التي فيها شرّ وعُنف، والأفعال المؤذية تنتُج من الأشخاص غير المتوقّعين. هي مثل الحياة يعني، يعني الضربة القوية تأتيك من شخص كان هو الأقرب والأجمل والأحبّ إلى قلبك

زاهي وهبي: الذي يعرِف نقاط ضعفك، لكن البعيد كيف سيعرِف نقاط ضعفك؟

محمد الأحمد: تماماً. فهذا الشيء أنا لم أتركه يتغلّب عليَّ، تغلّبت عليه

زاهي وهبي: واجهت يعني مسألة التنميط  

محمد الأحمد: واجهتها طبعاً

زاهي وهبي: وتعتقد أنّك

محمد الأحمد: واجهتها، سأقول لك لماذا. في مجموعة أعمال جاءت تلو بعضها البعض في أعوام 2007 2008 2009 2010، دائِماً يُسند لي أداء دور حب، أمرأة متزوّجة وهي تبحث عن الحب وتبحث عن الاستقرار العاطفي إلى آخره، فيأتون بي. هذا مثال طبعاً أنا أطرحه لنفسي وهو مثال للكلّ وهناك أناس كثيرون تأطّروا ولكن أنا حاولت أن أتغلّب على هذا، الآن ستسألني كيف! تغلّبت عليه في السينما. في السينما كان عندي المجال للتجريب والذهاب للأقصى، وهذا هو نفع الشريك الدافع أو الشريك القوي الذي يقول لك: هيّا، أنا معك وأُريد أن أشتغل معك وأُريد أن أضعك في أسمى صوَرَك وأحلى صوَرَك، والناس الذين لا يُشاهدونك في هذه الطريقة سأجعلهم يُشاهدونك في هذه الطريقة

زاهي وهبي: هذا يُسلِّحك في أدوارك التلفزيونية لكي تكون أكثر قدرة على تخطّي المسائل التي ذكرتها

محمد الأحمد: بصراحة أُستاذ "زاهي" هذا ما أُريد أن أقوله هو ضعف منتِج التلفزيون

زاهي وهبي: نعم، يستسهل الأمور

محمد الأحمد: تماماً

زاهي وهبي: أنه والله ممثل وسيم، ممثلة جميلة، خلص يضعهم في الإطار السهل الذي أحبهم الناس فيه، وهذا يحصل ولا أُريد أن أذكر أسماء وحضرتك تُشاهِد يعني

محمد الأحمد: في أدواري التي قدّمتها للسينما إن كان في "مطرح ونص" الذي نتحدّث عنه كتجربة ناضجة، "مطرح ونص" و"درب السماء" و"نجمة الصبح" كلّ دور قدّمته مُختلِف، مختلِف كلّ الاختلاف يعني، في الشكل وفي المضمون وفي الأداء، يعني في كلّ نواحيه هو مُختلِف. وأنا دائِماً أقولها، كان حلمي وطموحي، وأقولها الآن، حلمي وطموحي نقل هذه التجربة البسيطة من السينما إلى التلفزيون وأن أكون قادراً على تقديم هذا النموذج من الشخصيات بهذه الحريّة، بهذه الحرية أُقدِّمها في التلفزيون

زاهي وهبي: في "عناية مُشددة" أديت دور جندي وفي "بلا غُمد" أديت دور ضابِط أليس كذلك؟

محمد الأحمد: أجل

زاهي وهبي: لمَن كنت أقرب؟ إلى الجندي الطيّب البسيط أم للضابط؟ الذي هو أيضاً أعتقد كان شخصية إيجابية إن لم أكن مخطئاً

محمد الأحمد: تماماً، لكلاهما لأنه كان من اللازم أن نُسلِّط الضوء على هذا الجندي البسيط الذي يُقدِّم روحه ويُقدِّم كلّ ما يملك للدفاع عن مُعتقداته ووطنه وأفكاره وأهله وكلّ هذا، فكان من اللازم أن يعني

زاهي وهبي: قبل أن يُداهمني الوقت، آخر ما عُرِض لك من أعمال، على الأقلّ ما يُعرَض حالياً على الشاشات اللبنانية ويُعاد عرضه على الـ MTV وعُرِض أولاً على تلفزيون "الجديد"، هو "آخر الليل"

محمد الأحمد: تماماً

زاهي وهبي: أدّيت فيه دور "صلاح، المكتوم القيد. كيف فهمت هذه الشخصية وهذه الحالة، لأنّ هذه الحالة موجودة في بلادنا. يعني في (لبنان) هناك مكتومو القيد، في (سوريا) موجودون، في (الكويت) موجودون ويسمّونهم "البدون"، في الكثير من الدول العربية موجودون وفعلاً مأساة هذه المسألة. أعلم أنّ الموضوع الرئيسي في المسلسل ليس مسألة المكتومين ولكن حضرتك كيف تعاملت مع هذه الحالة؟

محمد الأحمد: بصراحة، مثلما تفضلت وذكرت، هي حالات موجودة ولكن مُقفل عليها. لماذا؟ لأنها تُعتبر حالة فيها نوع من، كيف يقولون

زاهي وهبي: يعني تُحدث خللاً في التوازن الديموغرافي في (لبنان) مثلاً؟

محمد الأحمد: تماماً، يعني الحالة ناتجة من خطيئة معينة، الزواج من دون قيود

زاهي وهبي: من دون أوراق رسمية

محمد الأحمد: من دون أوراق رسمية أدّى إلى أطفال من دون هوية، من دون مرجعية. أنا أعرِف أشخاصاً أعمارهم في العشرين وليس لهم قيود عند الدولة

زاهي وهبي: لا يمكنهم أن يُسافروا ولا يمكنهم أن يتوظّفوا، حالة يعني خطيرة جداً

محمد الأحمد: حينما طُرِح عليّ العمل من قِبَل الأُستاذ "أُسامة الحمد" الذي أوجِّه له التحية كان لا بد من أن يُثيرني هذا الموضوع ويجعلني أُعطيه الموافقة، حتّى إذا أردت، وهذه هي الأشياء التي أحب أن أقولها، من الأشياء التي هي صدفة في حياتي، كلامي أنه هلّ أثّرت بي الصدفة؟ نعم أثّرت بي الصدفة ولقائي مع الأًستاذ "أُسامة" كان صدفة وكان النصّ غير جاهِز، نحن كنّا نشتغل في نصّ غير جاهز وكان الموجود بين يدينا عشر حلقات ولكن الشخصية بهذا الجمال وهذا العُمق وهذه الأهمية فكان لا بد من أن أشتغِل فيها

زاهي وهبي: وحالياً تُصوِّر أيضاً عملاً من إنتاج الأُستاذ "أُسامة الحمد"؟

محمد الأحمد: الآن نحن في التحضيرات

زاهي وهبي: في التحضيرات، وانتهيت من تصوير "عروسة بيروت" الذي هو أيضاً عمل

محمد الأحمد: عمل أيضاً لبناني سوري وفيه الأُستاذ "ظافر عابدين" من (تونس) وفيه "تقلا شمعون" وفيه "كارمن بصيبص" النجمة اللبنانية

زاهي وهبي: هذه الأعمال المُشتركة التي اصطُلِح على تسميتها بالأعمال المُشتركة كيف تجدها؟ هلّ تجدها تخلق حيوية إنتاجية؟ تُحدِث احتكاكاً إيجابياً بين الممثلين السوريين والممثلين اللبنانيين؟  خبرات متبادلة بمعزِل عن التقييم وتقييمات الـ Social Media التي تكون سطحية في بعض الحالات؟

محمد الأحمد: هي نضجت في رأيي، يعني أوّل ما قُدِّمت كانت تُقدّم في بعض الأعمال بشكلٍ

زاهي وهبي: سياحي؟

محمد الأحمد: تماماً، قليلاً مع الاجتهادات الشخصية الواضحة أكيد لكنّها قُدِّمت في هذا المجال وهذا الاتجاه، ولكن أنا أجد أنها نضجت وأثمرت، يعني بعد فترة صارت في مكان آخر وLevel آخر لأنّ على النجم والفنان تحديداً المسؤولية في أين هو وأين يضع إسمه وأين يترك بصمته

زاهي وهبي: للأسف داهمنا الوقت، وقتنا انتهى. فقط سؤال أخير، في "عروسة بيروت" دورك ما هو؟ شخصية سلبية، إيجابية، شريرة، طيبة؟ ما هو الدور الذي تؤدّيه؟

محمد الأحمد: من أجمل الأدوار التي اشتغلتها بصراحة وأنا أنتظر النتيجة. هي من الشخصيات المركّبة المُعقّدة التي هي عن جد موجودة في الشارِع والتي أحبها. أنا أرى الإنسان مزيجاً من الشر والخير معاً ولكن الظرف هو الذي يجعله يُخرِج المُحتوى الآن، يعني مُحتوى الشرّ أو مُحتوى الخير

زاهي وهبي: أُستاذ "أحمد الأحمد" نتمنّى لك كلّ التوفيق وأن نشاهِد قريباً "عروسة بيروت" هذا المسلسل الجديد لحضرتك وإن شاء الله نشاهدك في أفلام سينمائية وفي مسرحيات أيضاً، وهذا اللقاء فاتِحة خير وإن شاء الله ستكون لنا لقاءات نستكمل فيها القضايا التي لم يتّسع الوقت لنطرحها هذه الليلة. شرّفت " بيت القصيد"

محمد الأحمد: تشرّفت بك أُستاذ "زاهي"

زاهي وهبي: شكراً. شكراً لمُشاهدينا، نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله