أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الديانات التوحيدية وتأثيرها في المجتمعات

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، الديانات قاربتها قلّة قليلة من الباحثين تحديداً بيئة الديانات، بعضهم اكتفى بالتوصيف وآخرون أعرضوا عن ذلك، فيما نحن نحيا إن صحّت كلمة "نحيا" في عالم يُمسك التطرف الديني بتلابيبه وتجري الحروب والاحترابات في بيئات الديانات الثلاث التوحيدية. القسّ الدكتور عيسى دياب خاض في هذه المشقّات، يحمل أربع شهادات دكتواره واحدة في العلوم الدينية عن الدراسات اليهودية من جامعة ستراسبورغ، وأخرى في ثقافات ومجتمعات العالم العربي والإسلامي من جامعة بوردو، والثالثة ديانات الشرق القديم من جامعة الروح القدس الكسليك، والرابعة في اللاهوت من جامعة الثالوث الأقدس في أميركا، أستاذ جامعي وله عدد من الكتب التي تتعلق بما سبق سنناقشه في بعضها بعد تقرير عن بيئات الديانات الثلاث.

تقرير:  

هناك تباعد جغرافي وانتقالات بيئية متعددة في الديانة اليهودية، فمن تنقُّل النبي موسى من مصر إلى فلسطين ونشوء إبراهيم في العراق ثم هجرته إلى بلاد الشام وصولاً إلى كتابة أسفار التوراة بعد السبي وانتشار الديانة اليهودية المتشعب في فلسطين والشام والعراق واليمن والحجاز وشبه الجزيرة العربية عبر الهجرة غالباً.

يظهر تنوّع البيئة الطبيعية والثقافية للديانة عبر ما أخذته ممّن سبقها ومَن حلّت بين ظهرانيهم، لكنها تجذب أتباعاً كثراً من جرّاء تخصيص إلهها الخاص يهوَه.

نشأت المسيحية في الجليل وبيت لحم والقدس وصيدا وصور خلال العصر الروماني في بيئة زراعية تظهر عبر الأمثال التي تكلّم بها السيد المسيح، وتوسّعت عقب الاضطاد وأصبحت أنطاكيا مركزاً انطلق منه القديس بولس وباتت الرها والاسكندرية وقرطاجة مراكز مهمة تبعتها ليون في فرنسا، وانتشر المسيحيون في العالم الروماني وشكّلوا في القرن الثالث نصف سكان المناطق الشرقية، وانحصروا في الغرب داخل المدن الكبرى وتغلغلوا في أرمينيا وفارس والحبشة واليمن والهند ونجد والحجاز وإيرلندا واسكتلندا وغيرها.

أما الديانة الإسلامية فانطلقت من مكة إلى يثرب حيث أقام الرسول الذي كان على دراية ببلاد الشام من جرّاء عمله في التجارة، ثم انتشرت في جزيرة العرب ونجد وأسلمت قريش بعد فتح مكة وثقيف في الطائف، وانتشر الإسلام في اليمن ووصل إلى الروم والفرس عسكرياً وعبرالتجارة إلى دول جنوب شرق آسيا وإلى الهند والصين وأفريقيا.

غسان الشامي: تحيّة لكم من أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور دياب ضيفاً عزيزاً سيدي، لنبدأ من البيئة في الديانات التوحيدية الثلاث، لماذا الخوض في هذا الأمر؟

عيسى دياب: البيئة هي الأساس، هي الحضن الذي تتربّى فيه الأجسام الحية وهي مسرح الأحداث، وإلى حد كبير البيئة هي التي توجّه الأحداث وأستطيع أن أقول إنها توجّه أيضاً الفكر الديني، وعندما نتكلّم عن البيئة فنحن نعني نوعين من البيئة، نعني الطبيعة أولاً وبالنسبة للمؤمن الخليقة، ونعني أيضاً البيئة الفكرية والدينية التي تحتضن الأفكار وتُوجّهها. 

غسان الشامي: هل دفعك إلى هذا مثلاً لأن البيئة قضية معاصرة وتريد أن تأخذ في طريقك الكتاب المقدس إلى المعاصرة مثلاً؟ 

عيسى دياب: أستطيع أن أقول إن الاهتمام بالبيئة هو الإنجيل المعاصر، نحن تعوّدنا على إنجيل تقليدي يميل إلى الروحانية، الخلاص الروحي ولكن بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر بدأ المفكّرون يتكلّمون عن الإنجيل الاجتماعي، فالإنجيل ليس فقط رسالة روحية إنما هو أيضاً رسالة تحرير آنية، التحرير من الجهل، التحرير من الظلم، التحرير من الفقر، وفي السنوات الأخيرة بدأ المفكرون يتكلّمون عن موضوع البيئة فصار الإنجيل المعاصر هو الاهتمام بالبيئة والاهتمام بالعدالة الاجتماعية والاهتمام بالتوقف عن انتهاك حقوق الإنسان وخاصة الحقوق الطبيعية التي نعتبرها عطايا إلهية للإنسان، فالتبشير ليس مجرد رسالة روحية لما بعد الموت إنما هو رسالة تحريرية لما قبل الموت أيضاً.

غسان الشامي: هنا يلفت النظر أن البعض يقول الديانات توحيدية والبعض يقول إبراهيمية، هل هناك فرق كبير بين هذين التوصيفين؟ ولماذا إبراهيمية مثلاً وليس لكل ديانة خصوصيتها؟

عيسى دياب: في الحقيقة الديانات التوحيدية لا تتحدّد بالديانات الإبراهيمية لأنه توجد ديانات توحيدية أخرى غير الديانات الإبراهيمية، إنما الديانات الإبراهيمية التي هي على الأخص اليهودية والمسيحية والإسلامية نأخذها بالتسلسل التاريخي لأنها جميعها تنسب نفسها إلى إبراهيم، البعض منها بيولوجياً والبعض الآخر روحياً، فبالنسبة لليهودية يعتقد اليهود أنهم أبناء إبراهيم بيولوجياً ويعتقدون أن بني إسرائيل هم شعب العهد القديم أو الشعب العبراني القديم ينتسبون بيولوجياً إلى إبراهيم، هذا لا يعني أن كل اليهود أبناء إبراهيم بيولوجياً لأن اليهودية هي ديانة مبشّرة وتوجد شعوب أخرى أيضاً لا تنتسب بيولوجياً إلى إبراهيم دخلت في اليهودية لكن تقليدياً إبراهيم هو أبو بني إسرائيل، ثم إذا أتينا إلى المسيحية وهنا نتكلّم عن الرسول بولس الذي اعترض على اليهود بأنهم ينتسبون إلى إبراهيم، يقولون بأن إبراهيم هو أبوهم ولكنهم لا يؤمنون إيمان إبراهيم، فأتى بمقولته أن الذي يؤمن إيمان إبراهيم هو إبن إبراهيم الحقيقي وليس الذي ينتسب بيولوجياً إلى إبراهيم. وإذا أتينا إلى الإسلام في فترةٍ ما من حياة النبي محمّد وخاصة في الحقبة المدينية بعد الهجرة، وعندما فشل النبي محمّد في جذب اليهود إليه قال بأنه ينتمي إلى إبراهيم وجرت محاولات لفلسفة هذا الربط بطريقة بيولوجية عن طريق إسماعيل، تقليدياً كان لإبراهيم إبنان إسماعيل وإسحاق، فاليهود ينسبون أنفسهم إلى إسحاق والمسلمون ينسبون أنفسهم إلى إسماعيل.

غسان الشامي: جيد، إذاً لنبدأ ببيئات هذه الديانات الثلاث كلٌّ على حدة، لنبدأ ببيئة الديانة اليهودية، ما هي؟   

عيسى دياب: إذا تكلّمنا عن اليهودية يجب أن نفصلها عن الديانة الإسرائيلية القديمة.

غسان الشامي: بمعنى كما يفصل السامريون الآن.    

عيسى دياب: السامريون هم فرع خرج على الديانة الإسرائيلية القديمة، أتذكَّر عندما ناقشت أطروحة من أطروحاتي في جامعة بوردو أن الأساتذة في اللجنة لم يكونوا يفرّقون بين اليهودية والديانة الإسرائيلية القديمة أو الموسويّة، وهنا أريد أن أشدّد وهذا ما أعلّمه أن الديانة الإسرائيلية القديمة انتهت بالسبي سنة 587 قبل الميلاد، وخلال السبي في بابل نشأت اليهودية وهي خرجت من رحم الإسرائيلية القديمة، فالذين عاشوا بالسبي في بلاد ما بين النهرين حاملين معهم إرث الديانة الإسرائيلية القديمة وقد احتكّوا بشعوب جديدة غير الشعوب التي عايشوها في فلسطين التاريخية.

غسان الشامي: مثل الكنعانيين؟

عيسى دياب: في فلسطين عايشوا الكنعانيين إنما في ما بين النهرين عايشوا البابليين والفرس وأخذوا كثيراً من الفرس، وهناك بعناية "عزرا ونحميا" نشأت اليهودية.

غسان الشامي: لنأخذ بيئة الديانة المسيحية.

عيسى دياب: المعروف أن المسيحية خرجت عن اليهودية وهذا أمر لا ننكره.

غسان الشامي: ولكن هناك آخرون يقولون إن المسيحية ديانة خاصة على مبدأ السيّد المسيح "قد قيل في الأقدمين أما أنا فأقول لكم" أو أن هناك نوعاً من القطيعة المعرفية في هذا الأمر؟  

عيسى دياب: لا نستطيع أن نقول قطيعة معرفية إنما قراءة جديدة.

غسان الشامي: نعم.

عيسى دياب: المسيح قال "ما جئت لأنقض الناموس بل لأكمّل"، حتى أنني أستطيع أن أقول عن المسيحية بأن بولس الرسول هو المؤسّس الثاني للمسيحية وهو الذي وضع الأيديولوجيا المسيحية التي نسمّيها العقائد، هو الذي أعطى الأبعاد اللاهوتية.  

غسان الشامي: والأممية إلى حد ما.  

عيسى دياب: طبعاً، خرج من اليهودية إلى الأممية وهكذا خرجت المسيحية من اليهودية، لكن بداية كان بولس الرسول يحاول أن يبرهن بأنه لم يخرج عن اليهودية، بأنه بقي وكان يُسمّي اليهودية ديانة آبائه وكان يدافع عن نفسه أمام أغريباس وأمام الملوك الرومان بأنه يحاكَم بسبب أمانته لديانة آبائه، ولكنه كان يعتقد بأن اليهودية يجب أن توصل المرء إلى المسيح، وهو كتب في رسالته إلى كنيسة روما، قال إن المسيح هو غاية الشريعة أي أن الشريعة اليهودية تتحقق غايتها بالوصول إلى المسيح.  

غسان الشامي: وهذا أيضاً جزء يمكن أن يصبح قطيعة أيضاً لأن المسيح التوراتي لم يأتِ بعد، هذا ما قطعته اليهودية مع المسيحية.  

عيسى دياب: اليهودية قالت إن المسيح لم يأتِ لأنهم كانوا يتصوّرون، لهم صورة خاصة عن المسيح كوّنوها من حياتهم وتجاربهم ولم يجدوها في يسوع الذي صار المسيح.

غسان الشامي: والبيئة في الإسلام دكتور دياب؟

عيسى دياب: الإسلام تاريخياً وأنا أحترم إيمان كل شخص وهكذا أعلّم دائماً، أنا أفصل بين الإيمان والدين، عندما أتكلّم عن الدين فإنني أعتبره ظاهرة اجتماعية ولكن الإيمان يختلف إذا شئت أن نتكلّم عن الفرق في ما بعد، فالإسلام نشأ في بيئة فيها النصرانية وأنا أميّز بين النصرانية والمسيحية.

غسان الشامي: بمعنى أن النصارى هم مَن آمنوا بالسيّد المسيح من اليهود حسب ما يقوله مثلاً الأستاذ درّة الحداد؟

عيسى دياب: نعم، أنا كتبت في الموضوع كثيراً وسأعطيك الخلاصة الآن، يجب أن نعود إلى بولس الرسول الذي وقف وقفة صارمة ضد اليهود لأن المسيحيين اليهود قالوا بأن كل مَن يأتي من الأمم أي من غير اليهود يجب أن يصبح يهودياً أولاً وثم يصبح مسيحياً، أي يجب أن يطبّق تعاليم اليهود وعاداتهم من الختان والمحرّمات في المأكل والمشرب وثم يصبح مسيحياً، فوقف بولس الرسول وقفة صارمة ضد هذا التيار وانعقد مجمع أورشليم حوالى سنة 50 ونقرأ عنه في أعمال الرسل الفصل الخامس عشر، حينئذٍ قام يعقوب رئيس المجمع وقال نحن لا نفرض على المسيحيين من الأمم أي شيء من العادات اليهودية، ولا ننسى أن المسيحية كانت مضطهدة، كانت تحت الاضطهاد وعندما تحرّرت المسيحية من الاضطهاد سنة 313 بمرسوم ميلان الذي أصدره قسطنطين تحرّرت المسيحية من الاضطهاد وأصبحت ديانة مقبولة في روما الجديدة أو الامبراطورية البيزنطية، وأصبحت المسيحية في ما بعد ديانة الامبراطورية، هنا انقضّ المسيحيون على اليهود وعلى اليهود المسيحيين واضطهدوهم، وتحت وطأة الاضطهاد كثيرون منهم لجأوا إلى داخل الجزيرة العربية، كان داخل الجزيرة العربية ملجأ لكل المضطهدين لأن لا أحد من القادة العسكريين استطاع أن يدخل إلى داخل الجزيرة العربية. هؤلاء النصارى هم من النازوريين وفي اليونان هناك نازارينوس ونازاريوس باليوناني.

غسان الشامي: الناصريون؟

عيسى دياب: نعم الناصريون والنازوريون، هؤلاء النازوريون فئة منهم كانت تؤمن بأن المسيح هو إبن الله وفئة أخرى كانت تؤمن بالمسيح بأنه مجرد نبي كما نجد في الآيات القرآنية، ولذلك نجد بعض الآيات القرآنية التي تتقرّب من النصارى وبعض الآيات تنتقد النصارى "كذب الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" ولكن في بعض الآيات كانت تتحبّب إلى النصارى.  

غسان الشامي: "لتجدنّ أشدّ الناس مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى".   

عيسى دياب: تماماً، وأنا أعتقد وكتبت هذا في إحدى دراساتي أن الآيات التي تتضمّن التحبّب إلى النصارى تتكلّم عن النصارى الذين لم يكونوا يؤمنون بألوهية المسيح، والآيات التي انتقدت النصارى تتكلّم عن النصارى الذين كانوا يؤمنون بلاهوت المسيح.

غسان الشامي: جميل جداً هذا التوصيف ولكن حتى أنتقل إلى الموضوع الأكثر معاصرة بقليل، ما هي القواسم المشتركة والاختلافات بين البيئات الثلاث من خلال دراساتك؟

عيسى دياب: إذا أتينا إلى الإيمان فالديانات الثلاث تؤمن بالله الواحد، وهنا أودّ أن أفتح القوس لأقول أنه يوجد بعض البحّاثة الغربيين الذين يطلقون مقولة بأن الله في الإسلام هو غير الله في المسيحية والله في اليهودية، وأنا تواجهت مع هؤلاء البحّاثة وعندي براهيني أن الله واحد، الله الذي كان يعبده المسيحيون.. 

غسان الشامي: رغم يهوَيّة إله التوراة.

عيسى دياب: هنا يجب أن نتكلم عن اليهودية لأنه نشأ تطوُّر في اليهودية، إذا تكلّمنا عن الديانة الموسوية كانوا يؤمنون بالإله الاقتصاري الذي نقول له بالإنكليزية أو الفرنسية Henotheism أي الإله الوطني، الإله القومي الذي هو يهوَه.   

غسان الشامي: أو بالتحديد أكثر بالنسبة لتلك الأيام الإله القبلي.  

عيسى دياب: ممكن، أنا أسميته الإله القومي، الإله القبلي قبل الإله القومي، عندما كان بنو إسرائيل قبائل كان لكل قبيلة إله ولكن عندما أصبح بنو إسرائيل أمّة صار عندهم إله قومي الذي هو يهوَه، ولكن نقرأ في الكتابات المتأخرة في العهد القديم أو الكتاب المقدّس العبري بدأ الله يُدعى "إلوهيم" الذي هو توحيد الإله أو مجموع الآلهة، الإله إلوهيم هو الإله الشمولي، إله كل الشعوب بينما كان يهوَه هو إله إسرائيل، إلوهيم هو إله كل الشعوب، فعندما أتت المسيحية كان اليهود قد انتقلوا إلى هذه الحقبة ولكن بعضهم كان ما زال متمسكاً بالإله القومي الذي هو يهوَه، وطبعاً في بيئة الجزيرة العربية كان النّصارى الذين منهم ورقة بن نوفل وقسّ بن ساعدة الإيادي وعنترة بن شداد وامرؤ القيس وغيرهم كانوا أحياناً يقولون عنهم من النصارى وأحياناً يقولون عنهم من الأحناف، لم نتكلّم بعد عن الأحناف الذين هم فئة من النصارى.

غسان الشامي: إسمح لي أن أذهب إلى فاصل لأن الموضوع شيّق جداً، سنتابع بعد الفاصل، أعزائي انتظرونا إذا أحببتم.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، مرحباً مرة ثانية دكتور دياب.  

عيسى دياب: أهلاً أستاذ غسان.

غسان الشامي: أنا دخلت في القسم الأول بالبيئة ولم نستكملها وأتمنى أن نستكملها في ما بعد لأنها شائقة وشائكة إلى حد كبير لأدخل إلى الأصولية والعنف في الدين، في الديانات الثلاث، هل لهذه الأصولية وهذا العنف مرتكزات في بيئة هذه الديانات؟   

عيسى دياب: بالتأكيد، أولاً يجب أن أقول لك بأن الإنجيل الذي أبشّر به شخصياً هو محاربة الفكر الأصولي، وهنا يجب بين هلالين أن نقول إن كلمة أصولية ليست هي الكلمة الموفّقة، هي كلمة أخذناها من الميديا الغربية Fundamentalism وشاعت ولا نستطيع اليوم أن نتخلّص منها.  

غسان الشامي: لأن هناك أصولاً جميلة في هذه المنطقة من العالم وجيدة.

عيسى دياب: طبعاً، الأصوليون في الإسلام هم علماء الدين والعودة إلى الأصول شيء جميل جداً ولكن الميديا العربية ترجمت Fundamentalism بالأصولية، لذلك فليعذرنا المستمع الكريم بأننا نتكلّم عن الأصولية ولا نعني..  

غسان الشامي: كلا نتكلّم عن الأصولية في القسم المُعتم منها إذا سمحت، تفضل.

عيسى دياب: نعم، وأنا أتحسّر أن الأصوليين المتطرّفين أصحاب الغلوّ الديني حوّلوا من الدين الذي هو لخير الشعوب، يجب أن يكون لخير المجتمع ولخير الفرد ولخير الشعوب إلى أداة لممارسة العنف والقتل باسم الله.  

غسان الشامي: أين مرتكزاتهم في البيئات الدينية الثلاث إذا سمحت؟  

عيسى دياب: أولاً أبدأ بالجهل الديني، السطحية في الدين، التسطيح في الدين والتسطيح يدفعني لأن أنتقل إلى الحرفيّة في قراءة النصوص، هذه الحرفيّة أعتبرها العمود الفقري للفكر الديني الأصولي في الديانات الثلاث، وبعد الحرفيّة نأتي إلى البيئة السياسية في العالم العربي بكل أسف، ليس فقط في العالم العربي إنما في العالم كلّه، البيئة السياسية، الظلم الاجتماعي، كلٌّ من سكان الشرق الأوسط يبحث عن هوية ولم يجد نفسه في الهوية الوطنية فالتجأ إلى الهوية الدينية، وهذا أعتقد يجب أن نتكلّم عنه من أيام العثمانيين عندما ابتدعوا..

غسان الشامي: أهل الذمّة، مفهوم الذمّيّة، نظام الملّة. 

عيسى دياب: نعم نظام الملّة، النظام الملّي جعل من كل طائفة "غيتو"، انغلقت على نفسها وعندما تنغلق الطوائف على نفسها تصبح متنافسة ويصبح للفرد حاجة لاكتساب هوية من هذه الملّة، وإذا لم يستطع أن يكتسب هوية فلا هوية له ولا انتماء، هذه البيئة ساعدت جداً على نموّ الفكر الأصولي أي يجب أن أكون مخلصاً لطائفتي، يجب أن أكون متعصّباً دينياً، يجب أن أدافع عن مصالح طائفتي الآنيّة حتى أشعر بأنني أنتمي إلى طائفتي وهذا نوع من القبليّة، هذه القبلية المعاصرة التي أخذت مكان القبلية القديمة، وأخيراً في البيئة الاستغلال السياسي للدين. 

غسان الشامي: حضرة القسّ الدكتور لنذهب سوياً إلى الأصولية أو إلى جذورها، إذا بدأنا من اليهودية، إذا قرأنا إرميا وإشعيا وعملية التحريم للكنعانيين وحتى إحراق وقتل الأطفال وصولاً إلى أن المسيحية خفّفت من هذه الغلواء، بمعنى من المعاني أن المسيح استعمل السوط في الهيكل.  

عيسى دياب: لم يستعمله، تكلّم عنه.  

غسان الشامي: ولكن حمل السوط ونزل إلى الهيكل وقال "مَن أخذ بالسيف بالسيف يؤخَذ" أي أنه أوقف السيف ومن ثم إلى الإسلام، هل هذا يدفعنا أن نسأل معك كيف كانت نُذُر أو كيف نشأت الأصولية في الديانات الثلاث؟

عيسى دياب: إذا تكلّمنا عن الديانة نفسها وليس عن إنسان اليوم كيف يقرأ النصوص، وهنا كوني رجل دين لكنني مفكّر ولذلك قبل أن آتي إلى هذه الحلقة.  

غسان الشامي: وهذا ما يسرّنا.  

عيسى دياب: قبل أن آتي إلى هذه الحلقة كان الصراع هل أرتدي زيّاً دينياً أم آتي بزيٍّ مدني.    

غسان الشامي: وها أنت تضع صليبك وعلى كل امرئ أن يحمل صليبه.

عيسى دياب: هذه العلامة كي لا أخون دعوتي ولكن أنا أركّز على عيسى المفكّر أكثر من عيسى رجل الدين لأنني إنسان حر وأتكلم بحريّةْ فكري. التوحيد بحد ذاته هو أصولي، قام على الأصولية، لماذا؟ 

غسان الشامي: كلام خطير.

عيسى دياب: لأنه كي نصل إلى الإله الواحد يجب أن نُبيد الآلهة الأخرى.

غسان الشامي: إسمح لي هنا يعني تمّت إبادة آلهة الشرق القديم المتعدّدين حتى خرج الإله الواحد.

عيسى دياب: تماماً وقصص التحريم في سفر يشوع، النصّ يقول بأن الله قال ليشوع بن نون "متى دخلتم مدينة كنعانية فحرّموها"، أنا شخصياً أبرّئ الله لأن الله الذي أعرفه بعقلي وبعاطفتي وباختباري وبتعاليم المسيح بعد ذلك ليس هو الله الذي يأمر بالإبادات إنما الكاتب الذي كتب هو يفهم الله بهذه الصورة، فهو يفهم من تجربته، من اختباره أنه في المدينة التي يحكم فيها إله يجب أن يُباد أتباع الآلهة الأخرى، ليس هذا كلام الله ولكن هذا تصرّف الشعب، هكذا كان الشعب يفهم، لن نعتب عليهم لأن الفكر البشري والفكر الديني هو في حال تطوُّر وما زلنا في طور التطوّر، وأعتقد أننا اليوم نعرف عن الله بعد تطوُّر العلوم خاصة العلوم الإنسانية أكثر من بعض آباء الكنيسة أتجرّأ وأقول.

غسان الشامي: معنى ذلك أن مفهوم الاجتهاد هو مفهوم حقّاوي.   

عيسى دياب: بالتأكيد لأن كل العلوم مُتشابكة، الفسلفة مع التاريخ، مع عِلم النفس، كلها مُتشابكة وهي في حال تطوُّر والفكر البشري في حال تطوّر، وكلما تطوَّر الفكر البشري يفهم الدين من منظار أوسع، من منظار إنسانوي.  

غسان الشامي: إذاً هذا يدفعني إلى أن أسألك كيف تطوّرت المسيرة التاريخية للعنف في الدين دكتور دياب؟   

عيسى دياب: نذهب أولاً إلى تعدّد الآلهة، كانت الآلهة تتصارع، عندما كان الآشوريون يغزون الشرق أو البابليون كانوا يعتقدون أن آلهة الآشوريين هي التي كانت تحارب وآلهة الكنعانيين في فلسطين القديمة هي التي كانت تحارب، فالحرب بين الشعوب كانوا يعتبرونها حرب آلهة، حتى في حروب السبي في 587 قبل الميلاد عندما جاء نبوخذ نصّر الملك البابلي ودكّ حصون أورشليم وهدم الهيكل ونكّل وقتل، أصيب بنو إسرائيل الذين سُبوا إلى بابل بصدمة وما هي الصدمة؟ لأن إله نبوخذ نصّر برهن أنه أقوى من إلههم، وكانت هذه صدمة عندهم حتى فهموا بعد ذلك أن الإله هو مُجرّد عن الحرب، ولكن صحيح أنهم فهموا أن الإله مُجرّد عن الحرب.

غسان الشامي: أن الإله ليس إلهاً مسلّحاً.

عيسى دياب: تماماً ولكن هذه البقايا في الدين، الإله المُحارِب نجد أثراً لها في حرب 1967 أيضاً، هناك شهادات من يهود كانوا يقولون بأن الله حارب معهم في حرب 1967 حتى استطاعت هذه القلّة أن تنتصر على كل الجيوش العربية، وما زال في الأصولية الحديثة في بعض الفئات البروتستانتية في الغرب وخاصة في أميركا في الجنوب يعتقدون بأن الله سيخوض المعركة الأخيرة إلى جانب اليهود.

غسان الشامي: في مرج بن عامر في أرمجدون؟

عيسى دياب: نعم ضد الأمم، بقايا الإله المُحارِب ما زالت عالِقة في أذهان بعض الناس.  

غسان الشامي: وهذا أيضاً يدفع إلى أن هذا الفكر وجد بيئة حاضِنة للعنف، كيف تكوّنت؟ هل من أسباب غير دينية لنفترض اجتماعية أو اقتصادية لتكوُّن هذه البيئة دكتور دياب؟   

عيسى دياب: أنا أعتقد أن بعض أنظمة المخابرات لديها من الذكاء ما يكفي لتخترق هذه الأديان ولتكون على دراية بهذه المعلومات التي أقولها ولتقع على دور الإله المُحارِب في تاريخ الأديان، وهي قامت ببثّ إيديولوجيا إن كان في المسيحية أو في الإسلام أو في اليهودية لإحياء الإله المُحارِب من جديد. بعض المسيحيين يعتقدون بأن الله سيخوض المعركة الأخيرة، بالتأكيد أن بعض اليهود يعتقدون كذلك الأمر والمسلمون بالتأكيد ونحن رأينا في ما يُسمّى بالربيع العربي التقتيل، التكفيريين باسم الله، هذا يُدعى الاستغلال السياسي للدين، وأجهزة المخابرات عندها من الذكاء ما يكفي لكي تبثّ ولكن أنا لا ألوم هؤلاء، أنا ألوم شعبنا الذي لديه جهل ديني والذي هو الوقود الذي تُحرَق به مجتمعاتنا بسبب الجهل الديني، بسبب الظلم الاجتماعي، بسبب عدم وجود الديمقراطيات وإلى آخره.

غسان الشامي: ولكن هذا الغرب لديه ديمقراطيات والكثير من شعوبه كما قلتَ في جنوب أميركا أو في أماكن أخرى في أميركا أو في الغرب يذهب أيضاً إلى استساغة العنف تجاه شعوب أخرى أو إلى حد ما يصمت عن العنف والتعصّب تجاه شعوب أخرى.  

عيسى دياب: أستاذ غسان أنا كتبت مقالاً ذات مرة في جريدة لا أعرف إذا بإمكاني أن أسمّيها.

غسان الشامي: كما تشاء. 

عيسى دياب: جريدة النهار، كل شخص يُصوّر الإله بأطباعه الداخلية، الإنسان بحدّ ذاته لديه أنانية ولكي يفجّر هذه الأنانية هو يُصوّر إلهاً دموياً لكي يُبرّر أنانيته واستحواذه بالسلطة، بالقوّة وبالموارد الطبيعية بصورة الإله العنيف، فصورة الإله العنيف برأيي هي انعكاس لصورة الطبع البشري. 

غسان الشامي: يعقوب مثلاً في التوراة يتصارع مع الله. 

عيسى دياب: كائن روحي.

غسان الشامي: ويبقى الصراع حتى الصباح، حتى انبلاج الفجر ويُمسك بثيابه، هل هذا العقل البشري كوَّن صورة عن الله إلى هذه الدرجة من التماثل والعنفيّة؟

عيسى دياب: أحد اللاهوتيين العِظام "شلايرماخر" وهو أبو عِلم الهرمنيوطيقا أو عِلم الفَسارة أو عِلم التأويل، كان يُدرّس في الجامعة وأتى إلى تلاميذه وقال لهم "اليوم نريد معاً أن نخلق الله، ألستم تقولون بأن الله خلقنا ولكن اليوم نريد أن نخلق الله"، فتعجّب التلاميذ فقال لكل تلميذ صِف لي إلهك ورأى أنه يوجد تعدُّد آلهة، كل طالب يصف إلهه انطلاقاً من تربيته وانطلاقاً من آرائه وانطلاقاً من إيديولوجيته، فأنا أعتقد أن هذا الإله العنيف نحن خلقناه، طبعاً أنا منفتح على كل الديانات ولكن أؤمن بأن الله الحقيقي أتى في تعاليم يسوع المسيح. إذا كنا نريد أن نتعرّف على الله، ليس إله النصوص ولكن الإله الإنسانوي الذي خلق الإنسان على صورته والإنسان يجب أن يكون صورة عن الإله، يعني إذا استطعت أن أكون إنساناً كاملاً فأنا أعكس صورة الله.   

غسان الشامي: يعني مفهوم الحب في المسيحية.  

عيسى دياب: مفهوم الحب، مفهوم الغفران.

غسان الشامي: يقولون ونحن نعلم جميعاً الآن بعد ما حصل في عالمنا العربي في المشرق بشكل فعلي إن الدين براء من العنف، وأنت تحاول أن تركّز على ذلك ولكن تقول إن الإنسان هو يخترع الله المُحارِب، الله العنيف، هل هناك كتابات ترتكز فعلاً على أمر سحب الله من التداول البشري بالمعنى العنفي دكتور بمعنى أنها تبرّئ الله مما يقوم به البشر وإذا برّأناه إلى أين نصل؟  

عيسى دياب: تبرئة الله أتت في تعاليم المسيح، هل تستطيع أستاذ غسان في كل حلقات أجراس المشرق أن تدلّني إلى مكان رفض فيه المسيح الآخر المختلف أو تكلّم بطريقة سلبية عن الآخر المختلف؟  

غسان الشامي: أنا لا ولكن المشكلة أيضاً أن كل ضيوفي ومن كل الديانات والثقافات هم في هذه الصورة ولكن في المجتمع هناك صوَر أخرى سيّدي.

عيسى دياب: طبعاً، أنا قرأت في فترة من حياتي كتاباً للاهوتي الكاثوليكي هانسكون "يسوع المسيح" الذي تُرجم جزئياً "هوية المسيحي"، وعثرتُ على مسيح لا يوجد في الكنيسة، أنا أعتذر من كل القائمين على الكنيسة والمؤمنين، عثرتُ على مسيح لا يوجد في الكنيسة. أنا أعلّم تاريخ الحملات الصليبية وكانت تعاليم المسيح بين أيديهم ولكن ما حصل في الحملات الصليبية باسم المسيح وباسم الله نخجل منه اليوم. أنا أعتقد أن الإنسان بأنانيته هو الذي يغطّي على هذه التعاليم السَمِحة التي تُبرز الله الإنسانوي وليس الله العنف.  

غسان الشامي: قبل أن أختم ما الحلول برأيك ليصبح الدين ظاهرة اجتماعية إنسانية مُحِبّة؟

عيسى دياب: برأيي وتلزمنا حلقات.

غسان الشامي: وأنا أعد بذلك.

عيسى دياب: سأعدّدها، الجزء الأول لكل رجل دين أن يدرس علوماً إنسانية أولاً، الفلسفة وعِلم النفس والتاريخ، التاريخ مهم جداً، تاريخ الديانات لكي يرى أن الدين هو ظاهرة اجتماعية وليس كما يًقال أنه نزل من فوق، ما من شيء نزل من فوق،  كل دين هو من إفرازات المجتمع.  

غسان الشامي: ولكن الله فوق.    

عيسى دياب: الله فوق فقط ولكن أنا عندما أقوم بممارسة دينية فهذه من إفرازات المجتمع، أنا أستعمل لغة المجتمع.

غسان الشامي: يعني أنت تصرّ على ضرورة التعليم العِلمي للأديان.

عيسى دياب: بالتأكيد.

غسان الشامي: ومفهوم الأخلاق؟ ما الفرق بين الأخلاق الأرسطية، الأخلاق الوضعية، الأخلاق الأفلاطونية والأخلاق الدينية إذاً؟

عيسى دياب: أنا أعتقد أن الأخلاق الدينية عندما يدخل كل إنسان إلى داخله لكي يلمس الإنسان سيصل إلى الأخلاق، ومكمن الأخلاق هو الحقوق الطبيعية للإنسان. إذا كنتُ أؤمن بأن الله خلق فخلق إنساناً له حقوق طبيعية، ما هي الحقوق الطبيعية للإنسان؟ الحرية، الحق بالحياة، الكرامة، المساواة، كيف أستطيع أن أؤمن بإله يفرّق بين الشعوب؟ من أين أتيت بهذه؟ أتيتُ بها من إنسانويّتي، من قيمتي الإنسانية، وأنا أعتقد أن كل رجل دين إذا درس تاريخياً الظاهرة الدينية وكيف تطوّرت سيُغيّر فكره، سينتقل من انتمائه إلى القبيلة وانتمائه إلى الطائفة والدفاع عن حقوق الطائفة بشتّى الطرق إن كانت مشروعة أو غير مشروعة سينتقل إلى الإيمان الصافي والحقيقي.     

غسان الشامي: أشكرك، لا يمكن للدين إلا أن يحمل هويات وطنية وأخلاقية وإلا فسيشذّ عن سياق أهدافه الكبرى وهي أن يكون للإنسان في كل مكان، أشكر القسّ الدكتور عيسى دياب جمّاً على مشاركته وإضاءاته وتعبه، وأشكر زملائي في البرنامج والميادين على قرع أجراس المعرفة، شكري موصولٌ لكم أنّى كنتم على المتابعة، سلام عليكم وسلام لكم.