بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الشاعرة الجزائرية ربيعة جلطي

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. تُمثّلُ ضيفتنا نموذجاً متميّزاً للمرأة الجزائريّة المُبدِعة، يصفها البعض بأيقونة الأدب الجزائِري الحديث. شاعرة وروائية ومُترجِمةٌ وأُستاذة جامعية لا تؤمن بجنسٍ جندري للكتابة لكنّها تنتصر في كتاباتها للمرأة وتضحياتها وتدعو لإعلاء شأنِها والاحتفاء بما قدّمته على الأصعِدة كافةً لاسيّما في جهادها العظيم ضدّ الاستعمار والاستبداد والتبعيّة كما هي الحال في روايتها "قوارير شارع جميلة بوحيرد". الشعرُ لديها ليس فقط قصيدة تُكتَب أو كتاباً يُنشر، الشعرُ عندها نمط حياةٍ وأسلوب عيشٍ ومُقاربة خاصة للإنسان والكائِنات. نجول معها في بعض عناوين رحلتها مع الحبر والورق ونظرتها إلى شؤون الكتابة وشجونها في زمنٍ أبرز سماته عدم الاستقرار أو عدم اليقين. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحِّبُ      بالمبدعة الجزائرية "ربيعة جلطي" أهلاً وسهلاً بكِ

ربيعة جلطي: أهلاً. شكرا الشاعر الكبير الأُستاذ "زاهي وهبي" على هذا التقديم الجميل

زاهي وهبي: العفو

ربيعة جلطي: شكراً على الدعوة وعلى هذا الكرم الكبير الذي يجعله "بيت القصيد" و"الميادين" وشخصك الكريم للمبدعين العرب من شُعراء وكُتّاب وفنّانين. شكراً مرة أُخرى

زاهي وهبي: نحن دائماً نُسعَد بجميع المبدعين وخصوصاً بمبدعي (الجزائِر) الذين لهم حصة وازنة في هذا البرنامج

ربيعة جلطي: شكراً

زاهي وهبي: والحقيقة أن حضورهم يُساهم دائماً في نجاح البرنامج وهذا ليس مُجاملة. تقولين سيدتي: "أكتُب لأُصحِّح أخطاء الحياة". ما هي أخطاء الحياة التي يُمكن للكتابة أن تُصحّحها؟

ربيعة جلطي: صحيح أنّ أخطاء الحياة حين نوجد في مجالٍ خطأ، مثلاً "اليوتيوب" في تجربتي الخاصة. كلّ الكُتّاب بمَن فيهم حضرتك أكيد كان هناك شيء خطأ بدأ معنا في طفولتنا وكلّ الكتابة، كلّ هذا العمل المتواتر الذي نقوم به كتابةً وشعراً وأدباً وفكراً وفناً واصطياد الأفكار وصناعة الأفكار وخلقها، كلّها مُحاولة لإيجاد هذا التوازن

زاهي وهبي: نعم، في الكتابة شيء من التعويض؟ أو استرداد خسارات ما؟

ربيعة جلطي: في طبيعة الحال، لأنّ الكتابة بالنسبة لي أنا شخصياً مثل رحم جديد كنتُ أسكُن إليه وأنا طفلة في غياب أُمّي، كنتُ أسكُن إليه، أبحث عن هذه الأمومة وفعلاً الكتابة رحم خصب وطيِّب وحنون. وجدت في الكتابة وفي الفن في شكلٍ عام، حتّى الموسيقى، الموسيقى عالمي منذ الصغر، المسرح، السينما منذ الصغر لأن جدّتي كانت تأخُذني إلى السينما من حُسن حظّي. فكلّ هذه الأشياء اكتشفتها صغيرةً وكانت تضمن لي توازُناً نفسياً كبيراً

زاهي وهبي: هلّ توجد قراءات معينة أو مُشاهدات مُعينة حفرَت في ذاكرتكِ في وجدانكِ في وعيكِ، ساهمت في تأسيس الوعي الأول؟

ربيعة جلطي: صحيح، صحيح

زاهي وهبي: كُتب أو أفلام أو أُغنيات؟

ربيعة جلطي: بالضبط. كُتب التصوُّف التي كانت تغمُر مكتبة والدي، يعني تعرّفت على الصوفية وكنت صغيرة جداً، يعني لم أكن أفهم كثيراً هذه الكُتُب التي تَطرح بعض الأسئِلة غير المُستقاة أو غير المُستقبَلَة في شكلٍ جيد من طرف الآخرين، من طرف الناس. لكن عندما كبِرت أعدت قراءتها وأحسست بأنّه "يا لها من قوة". ثمّ من قراءاتي كذلك كتاب "ألف ليلة وليلة" وأنا صغيرة أيضاً، من مكتبة والدي في البيت

زاهي وهبي: يعني المُفتَرَض عالم ساحِر ومُدهش لطفلة

ربيعة جلطي: بالضبط. "كليلة ودُمنة" أيضاً، "الجاحظ". يعني الطفل وكيف عنده علاقة ليس بالإنسان فقط ولكن بمظاهِر الطبيعة وبظواهرها. فاكتشاف هذه العوالِم جعلتني أتّزِن كثيراً وأنسى أنّ هناك نقصاً مُعيّناً، أنّ هناك هاوية خالية وموحِشة داخلي. هذه الكتابة والقراءة منذُ الصِغَر كانت بالنسبة لي هي الوسادة التي كنتُ أضع رأسي عليها وأرتاح

زاهي وهبي: سيدتي، حضرتك شاعرة، روائية، مُترجِمة، أُستاذة جامعية، تتعدّد المجالات التي يُمكن أن نسألكِ عنها لكن أولاً، شعراء كُثُر تحوّلوا من الشعر إلى الرواية تحت وطأة مقولة أنّ الشِعر لم يعُد ديوان العرب وأنّ هذا زمن الرواية، وتعرِفين كم كُتِب في هذا الموضوع. حضرتكِ كتبتِ الشعر أولاً ثمّ كتبتِ الرواية ولكن تمشين في خطين، لا أُريد أن أقول متوازيين لأنّ العالم نفسه في النهاية هو عالم الكتابة، هلّ أنت قادرة على أن تمشي في نفس العُمق، في نفس القيمة، في نفس الاهتمام في القصيدة وفي الرواية؟

ربيعة جلطي: في الحقيقة أنا كنت مسكونة بالسرد منذ الصِغَر، أُحب الحكاية

زاهي وهبي: حتّى قصيدتكِ فيها شيء، خصوصاً قصائِد البدايات، فيها شيء من السرد

ربيعة جلطي: من الحكاية

زاهي وهبي: نعم

ربيعة جلطي: دائِماً فيها حكاية. كلّ الأدب، كلّ الفنون أظنّ، حتّى الفلسفة؛ حتّى في الفلسفة هناك حكاية البشر، حكاية الإنسان، حكاية الخلود، حكاية العدم. نحن كلّنا حكايات، كلّ شخص منّا مجموعة من الحكايات

زاهي وهبي: منذ زمن "غِلغامش" إلى اليوم

ربيعة جلطي: منذ زمن "غلغامش

زاهي وهبي: منذ أكثر من خمسة آلاف أو ستة آلاف عام وأكثر إلى اليوم

ربيعة جلطي: تماماً، درامية نص "غلغامش" نحن نعيشها الآن ونحتاج إلى نصٍ في قوّة هذا النص "الغلغامشي" الذي نعيشه نحن في هذا العصر، عصر التكنولوجيا وعصر التفاعُل

زاهي وهبي: يبدو أنّ "الحكاية" أكثر جذباً لانتباه واهتمام المُتلقّي من أيّ شيء آخر حتّى اليوم

ربيعة جلطي: صحيح، فعلاً. يعني الكون هو حكاية ونحن نبحث عن هذه الحكاية وهذا البدء وكيف ما بين العدَمَين هناك الحكاية. ولكن حكاية ما قبل العدم وما بعد العدم هما الحكايتان القويتان جداً اللتان تتطلبان دائِماً أسئِلة. بالنسبة لي أنا الرواية، في الحقيقة دائماً كنت أكتُب السرد لكن الزمن والوقت بالنسبة لي كان ضيّقاً جداً بحُكم أنني كنتُ طالبة ماجيستير ثم دكتوراه إلى آخره ثمّ أطفال

زاهي وهبي: تقولين حضرتكِ، "جنس الكتابة أسبق من الكتابة"، بمعنى أنّه لماذا نُشغِل بالنا دائماً بالمفاضلة بين الأنماط الكتابية؟ لأنه يحق للكاتب أن يكتُب الشِعر في الرواية، في كلّ شيء يُريده

ربيعة جلطي: صحيح

زاهي وهبي: ولكن بشرط أنه من اللازم أن يكون عنده عُدّة

ربيعة جلطي: في طبيعة الحال من اللازم أن يكون عنده أدوات وأسلِحة للدخول إلى هذا العالم الصعب، العالم الغريب، العالم القوي. بالنسبة لي أنا الكتابة هي أنّه لا بدّ من أن يكون عندك حِكمة، حكمة تجربة كبيرة تقولها. بالنسبة لي كلّ الأدب اللاتينو- أميركي والأميركي واللاتيني، الأدب الآسيوي الصيني والياباني والأوروبي

زاهي وهبي: جميع الشُعراء الكبار كتبوا روايات أيضاً أو العكس

ربيعة جلطي: نعم كتبوا الرواية و

زاهي وهبي: الروائيون الكبار كتبوا نصوصاً مفتوحة

ربيعة جلطي: تماماً، كلّ الروائيين الكبار بدءاً من أوّل كاتب لحدّ الآن هناك حكاية، مثلاً حينما نتحدث عن "هوميروس" هناك رواية داخل هذه الملحمة، هناك قصّة، قصص مترابطة ومُتشابكة تطرح أسئِلة غريبة مُهمّة إلى حدّ الآن ما زالت عويصة على الفهم وعلى الإجابة

زاهي وهبي: نعم. تقولين حضرتكِ إنّ الشعر بالنسبة لكِ ليس فقط كتابة، مُجرّد كتابة قصيدة أو نشر كتاب، هو نمط حياة وأُسلوب عيش. هلّ يُمكن في هذا الزمن للإنسان أن يحيا شاعراً؟ وإذا كان ممكناً كم هذا الأمر صعباً في زمنٍ ماديّ بامتياز، استهلاكي بامتياز، إيقاع الحياة، اللُهاث وراء شؤون العيش؟

ربيعة جلطي: تعلم أُستاذ "زاهي" أنّ "فرويد" يقول: "مصيبة الإنسان أنه يحتاج إلى الفنّ، في حاجة إلى الفن". يعني من دون الفن سيكون مجنوناً أو مخبولاً أو حزيناً، لذلك نحن جميعاً نحتاج إلى شيء من الفنّ سواء في الشعر أو في السرد أو في السينما أو في المسرح، نحتاج إلى هذا لأنّنا بشر، نحتاج إلى الخوارِق. كلّ الملاحِم والديانات المُختلفة كلّها بحث عن هذا التوازن الذي سببه في طبيعة الحل، سببه الموت، سببه فِكرة الموت أو فِكرة الفناء

زاهي وهبي: كأنّ فينا شيئاً مفقوداً، يعني فينا جزء مفقود نُعوِّضه أو نبحث عنه أو نردُم هذه الفجوات التي فينا في الشعر وفي الموسيقى وفي الغناء وفي المسرح، في كلّ الأنماط نحول الأشكال الإبداعية التي تُشيرين إليها حضرتك

ربيعة جلطي: نعم، يكفي الفِقدان

زاهي وهبي: نعم، غير فقدان الأحبّة أو الأعزّاء، وكأن النفس الإنسانية نفسها ينقصها شيء

ربيعة جلطي: في طبيعة الحال، الزمن، فقدان الوقت، فقدان الزمن ونحن نتكلّم الآن، نُصارِع الحاضر مع الماضي مع المُستقبل، يعني نحن في الأزمنة الثلاثة، نسير في الأزمنة الثلاثة. هذا سؤال محوري في الإنسان حتّى لو لم يكن شاعراً ولم يكن متعلماً، دائماً أحياناً يعود لأن يقول الحمد لله، أشياء نقولها جميعنا لكي نُحارِب هذا السؤال الموجود دائماً، هذا الخوف الموجود دائِماً. أحياناً الفِكر والفلسفة والشِعر والأدب والفن تفتح هذه الأبواب

زاهي وهبي: نعم. قصيدتكِ في الآونة الأخيرة، وقبل أن نتوقف مع "قطع وصل" ونُشاهدكِ خارِج الاستديو، صارت أكثر كثافةً أو أشدّ تكثيفاً، أقرب إلى "الهيكو" الياباني أو الومضات الشِعرية، هلّ هو أيضاً تأثراً بهذا الإيقاع، بهذه العجلة التي تدور بحيث لم يعُد لدينا مُتّسع لقراءة نصوص طويلة ومُطولات ربما؟

ربيعة جلطي: صحيح. أنا أُحبّ الشعر الكلاسيكي التقليدي وأحفظه، أحفظ "امرؤ القيس" وأحفظ "المتنبّي"

زاهي وهبي: إذا بدأت بـ "ألف ليلة وليلية" و"كليلة ودمنة"، أكيد ستكونين تحفظين كثيراً منها

ربيعة جلطي: و"جرير"

زاهي وهبي: تحبينه؟

ربيعة جلطي: كثيراً، ولكنني أقول بأننا نحن تجاوزنا الشفهيّة، تجاوزنا أيضاً مرحلة اكتشاف الكتابة، اكتشاف الطباعة. الآن نحن في زمن التكنولوجيا وزمن السرعة كما قلت حضرتك، يعني نحن في إيقاعٍ سريع جداً. لا نستطيع أن نقرأ الآن في هذا البرنامج "المعلّقة" مثلاً، سنُضيع الكثير من الأشياء

زاهي وهبي: لكن سنقرأ بعض النماذج من شِعرك إذا سمحتِ، ولكن أولاً اسمحي لنا أن نذهب برفقة زميلتنا "سحر حامد" ونستمع إلى حضرتكِ في "قطع وصل"

قطع وصل - ربيعة جلطي:

- منذ أن كنت صغيرة كنت مسكونة بالكتابة، مسكونة بالقراءة ربما لأن والدي هو الذي ساعدني لأنّ في بيتنا كان هناك جوّ الكتابة وجوّ القراءة. كان والدي هو الذي يقرأ لي أولاً سواء ما كنت أكتبه في العربية أو ما كنت أكتبه باللغة الفرنسية قبل أن أتخصّص في ما بعد

- كتاباتي وأنا صغيرة لا أحفظها بطبيعة الحال لأنّها قديمة جداً ولكنني أذكُر الجو العام. كتابة طفلة تتحدث عن أُمّها الغائِبة. كتبتُ قصائِد لـ (فلسطين) ثمّ للحيوانات الصغيرة التي كانت تدور بي، كنت أُحب هذه الأشياء فكتبتُ عنها لكنني لا أذكُر تماماً ماذا كتبت

- الحلم، حين يكون الإنسان صغيراً يكون الحلم كبيراً ولكن حينما يكبر الإنسان يتجدّد الحلم وأيضاً يُصبِح متفرقاً، يُصبِح مجموعة من الأحلام تتناسل لكنّ الحُلم يُلاحِق. من دون حلم لا نستطيع أن نعيش

- التحديات التي واجهتها هي التحديات نفسها التي تواجهها كلّ بنت وكلّ فتاة وكلّ سيّدة تنتمي إلى مُجتمعاتنا، لأن مُجتمعاتنا كما يعلم الجميع تتشابه. أنا في الحقيقة لم أندم على أيّ شيءٍ قمت به. أظنّ وأعتقد بكلّ تواضُع أنني منذ صغري كنتُ دائِماً حكيمة في تصرّفاتي وفي اختياراتي. أعتقد أنني كنتُ أشعُر بمسؤولية وأنا صغيرة ربّما لغياب الأُمّ، المسؤولية كانت أكبر من سنّي وأكبر منّي وما زالت كبيرة بي

زاهي وهبي: هذه المسؤوليّة هلّ انعكست ضد نضجكِ في النصّ؟ يعني حين يكون الإنسان أوعى من عُمرِه كما نقول أو أكبر من سنِّه بحُكم ظروف معيّنة يعيشها وفي حالتكِ هي فقدان الوالدة، القراءات المُبكرة لأُمّهات الكُتب، انعكست نُضجاً في النصّ نفسه؟

ربيعة جلطي: أعتقد أنّه بقدر ما نقرأ نصوصاً عديدة وفي لغات عديدة لا بدّ وسيكون عندنا نص ناضج ونص قوي

زاهي وهبي: أنا أتحدث عن نصّ البدايات يعني

ربيعة جلطي: حتّى نصّ البدايات في طبيعة الحال لأنّني أتذكّر بأنّ المُعلِّم الذي كان يُدرِّسني وأنا في السنة الثالثة أو الرابعة تحدّث مع والدي، وكان إلى زمنٍ غير بعيد والدي يُعيد الكلام لـ "أمين" ويقول له: اتمنّى أن تهنّئ بهذه البنت لأنه سيكون لها مستقبل كبير" وكان والدي يبتسم لأنه كان يعرِف كيف كنت أقرأ

زاهي وهبي: نعم، كان دائِماً مشجعاً، مُسانداً

ربيعة جلطي: نعم

زاهي وهبي: لم يكن هناك مسألة تمييز بين المرأة او الفتاة والشاب

ربيعة جلطي: على العكس، والدي كان رجلاً مثقفاً أولاً، مثقف بلغتين

زاهي وهبي: الفرنسية والعربية

ربيعة جلطي: الفرنسية والعربية وأيضاً كانت عنده معرِفة دينية مُهمّة جداً. يعني هذا التوازن في هذه الشخصيّة جعلني أثقُ فيه كثيراً ولم أُخطئ لأنه حتى هو بصراحة الذي قرّر، وكنت أحب كثيراً اللغة الإسبانية وتمنّيت لو تخصّصت في اللغة الإسبانية أو في علم الاجتماع، ولكن هو الذي قرّر ولكن في طريقة لطيفة ومحبّبة كما تقولون أنّ يُسجّلني في الأدب العربي لأنّه كان يعرِف أنّ هذا لن يزيدني إلّا عُمقاً حين أكتُب وحين أقرأ وحين أستفيد مما أقرأه ومما أكتبه

زاهي وهبي: وكانت لديه معرِفة دينية حقيقية

ربيعة جلطي: صحيح

زاهي وهبي: وليس معرِفة دينية على شاكلة بعض دُعاة هذه الأيام والفتاوى التي هي ضدّ المرأة والحجر على المرأة وعلى حرية المرأة أو على كلّ ما له علاقة بها. على سيرة المرأة، لا تؤمنين بجنسٍ جندري للأدب، أنّه أدب نسائي وأدب رجال، ولكن تؤمنين بأنّ لكتابات المرأة أو لنصّ المرأة خصوصية مُعيّنة، أم أبداً؟ يعني الإنسان قبل جنسه

ربيعة جلطي: قبل جنسه بطبيعة الحال. حتّى الكاتب الرجُل، ما بين كاتب وكاتب هناك اختلاف

زاهي وهبي: طبعاً

ربيعة جلطي: وما بين كاتبة وكاتبة هناك اختلاف وما بين كاتبة وكاتب هناك اختلاف. يعني الأُسلوب هو الرجُل كما يُقال، والأُسلوب هو المرأة أيضاً

زاهي وهبي: هو الإنسان دعينا نقول

ربيعة جلطي: إذاً الأُسلوب هو الكاتب أو الكاتبة وهو الإنسان. بمعنى أننا لا نستطيع أن نكتُب كأُنثى خاصّةً في مُجتمعاتنا الآن. يعني ليس هناك فروقات واضحة ما بين، يعني ليس هناك أسوار (الصين) ما بين الرجال والنساء. نحنُ نتعايش إذاً ونحن أيضاً نقرأ نفس الكُتب ونلتقي نفس الناس ونُسافر إلى نفس المُدن والدول ونلتقي في نفس المهرجانات، ثمّ هذه الأشياء تجعل النُضج هو الأساس. كيفَ واحد أو واحدة تستطيع أن تُنضِج نصّها سواء كان شعرياً أو نثرياً؟

زاهي وهبي: أيّ نصّ إبداعي، أياً كان

ربيعة جلطي: هنا التميُّز. التميُّز ليس جنسياً ولكن القلم هو نفسه، النُضج، الفهم، الوعي للكلمة، الوعي للفِكرة هو الأساس

زاهي وهبي: نعم. كتابكِ أو روايتكِ "قوارير شارِع جميلة بوحيرِد"، ماذا أردتِ القول من خلال استعادة إنجازات أو تضحيات نساء جزائِريّات؟

ربيعة جلطي: في كتاب "قوارير شارع جميلة بوحيرِد" الذي سبق الأحداث عند الكثير من القراء

زاهي وهبي: نعم، وجدوا فيه نبوءة ما أو توقُّعاً ما

ربيعة جلطي: توقُّع خاصةً وأنّ "جميلة بوحيرِد" كانت في الشارِع، وهذا لم يكن في طبيعة الحال 

زاهي وهبي: نعم، إلى جانب الشباب والصبايا     

ربيعة جلطي: نعم، فهناك علامات استفهام كثيرة وأنا أيضاً أطرَح علامات الاستفهام هذه بالفعل لأنني لم أكن أعرِف أنّه سيحدُث هذا وتكون "جميلة" تلك المرأة الرائعة 

زاهي وهبي: وأنا أعتزّ في صداقة هذه المُجاهِدة، هذه السيّدة الراقية

ربيعة جلطي: تحية لها

زاهي وهبي: نموذج مختلف للمناضلات والمُجاهدات بين النساء، حقيقةً

ربيعة جلطي: صحيح

زاهي وهبي: مُختلِف في تميُّزه ونُبلِه ورُقيِّه

ربيعة جلطي: صحيح. هذه الرواية هي في الحقيقة صوفية، حتّى أنّ هناك دكتوراه دولة قيد الإنجاز حولَ المُقارنة ما بينها وما بين رواية لـ " ألف شفق". يعني هذه الصوفية الموجودة في الروايتين

زاهي وهبي: أية رواية من روايات " ألف شفق"؟ "قواعد العشق الأربعون"؟

ربيعة جلطي: أعتقد "قواعد الأربعون"، يعني حقيقة هي تتحدث عن (الجزائِر)، شخصيات جزائِرية، المكان جزائِري، القلعة جزائِريّة، كلّ ما هو موجود جزائِري ولكنّها سبقت الأحداث وكان هناك حدث جزائري

زاهي وهبي: كأنّ المُبدِع الكاتب، الشعراء خصوصاً الحدس عندهم يعلو إلى درجة أحياناً ادّعاء النبوّة كما حصل مع صاحبنا " أبي الطيِّب المتنبّي"

ربيعة جلطي: "المتنبّي" نعم. أنا أعتقد أنّها ليس نبوّة في المفهوم الديني ولكنها هذا الإحساس المُرهَف، هذا التأمُّل لأنّ التأمُّل أساسي

زاهي وهبي: يصير عنده فراسة بمعنى قراءة الواقع والأحداث. حتّى الأحداث في (باريس)، يعني ما جرى في العاصمة الفرنسية

ربيعة جلطي: في روايتي نعم، في روايتي

زاهي وهبي: في أيّة رواية؟

ربيعة جلطي: هي الآن قيد الترجمة إلى اللغة الفرنسية وهي "حليم بن نعناع"، وتحدّثت عن الحالة والانفجارات التي حدثت في (باريس) وهي صدرت فقط قبل أُسبوعين من الحدث وكان القرّاء الذين قرأوها قد اشتروها واقتنوها من "معرَض الكتاب" في (الجزائِر) العاصمة

زاهي وهبي: فيها استحضار لـ (دمشق) أيضاً هذه الرواية، لـ (دمشق) حيثُ درستِ ولـ (وهران) مسقط رأسكِ، كأنّ المكان نسكنه وفي طبيعة الحال يسكننا. كم تحملين معكِ من، دعينا نبدأ من مسقط الرأس بـ (وهران)، كم فيكِ من (وهران)؟

ربيعة جلطي: في الحقيقة الأمكِنة، حتّى هذا المكان سيسكنني وسأكتُب عنه ما من شك

زاهي وهبي: هذا يُسعِدنا جداً خصوصاً أننا غيّرنا، وإن شاء الله وجهكِ خير علينا يا رب، كلّ هذا أثاث جديد. نعم

ربيعة جلطي: صحيح، الكاتب مثل الإسفنجة، حيثما يمُرّ

زاهي وهبي: يمتصّ

ربيعة جلطي: يأخُذ أشياء من دون أن يدري. حين تُسافر في الشرق وفي الغرب تلتقي مع الناس، ربما شجرة، ربما عصفور، ربما قطة في الطريق ربما شخصية تلتقي بها، كلّ هذه الأشياء تمتلئ بها ثمّ تكتُب بغير عنوة، يعني ليس عنوةً تكتُب عن فلان أو فلان لكنّه يستيقظ فيك وينسكِب على الورق من دون أن تدري. الأمكنة صراحةً كما قلت تسكننا فعلاً. بعض الأمكِنة، مثلاً (وهران) موجودة كثيراً في روايتي، (دمشق) أيضاً موجودة في روايتي، (باريس)، كلّ المُدن، (كراكاس) مثلاً، كلّ المُدن المغاربية مثلاً مثل (القنيطرة) (سيدي سليمان) وبعض المُدن الأخرى، كلّها تجدها

زاهي وهبي: نحمل أمكنتنا معنا في الحِلِّ والترحال

ربيعة جلطي: تماماً. نحن قاطرات، قاطرات نسير

زاهي وهبي: كيف وقعَ عليكِ ما يُصيب المُدن العربية والعواصم؟ يعني ما أصاب (دمشق)، ما أصاب (بغداد)، ما أصاب عواصم ومُدن أخرى كثيرة في هذا الوطن العربي الشاسع؟

ربيعة جلطي: صحيح شيء مؤلِم في طبيعة الحال ولكن الحياة لها فصول تتجدّد

زاهي وهبي: دائِماً عندكِ أمل، عندكِ تفاؤل

ربيعة جلطي: في طبيعة الحال. أنا متفائِلة جداً، يعني أنا أظنّ بأنّ الأزمنة القادمة ستكون أزمنة أجمل مما هي عليه رغم الخطر الذي نعيشه. نحن نعيش خطراً مُلفِتاً لأننا، وأنت أدرى والمُشاهدون يعرِفون هذا التسلُّح الغريب، التسلُّح النووي الذي تحت إبط كلّ رئيس وكلّ شخصيّة وكلّ سلطان

زاهي وهبي: لكن في آخِر النهار الكوكب كلّه سينفجر ويتناثر

ربيعة جلطي: تماماً بالضبط. حتّى أن في روايتي "حليم بن نعناع" هناك انفجار سيحدُث إلى آخره. ولكن مع ذلك، مع ذلك، الجانب المُضيء فينا لأننا كلّنا عندنا جانب مضيء وجانب مُظلِم مثل القمر الذي عنده جانب مضيء وجانب مُظلِم، مثل الأرض، نحن البشر الشيء نفسه. عندنا هذا الجانب المُضيء دائِماً يظلّ متفائِلاً، يظلّ سعيداً، يظلّ عنده فِكرة أنّ الأقوام التي ستأتي ستعيش أحسن منّا

زاهي وهبي: بإذن الله تبقين مُضيئة سيدتي واقعاً وحبراً وورقاً وشعراً وروايةً

ربيعة جلطي: شكراً، نعم في خير

زاهي وهبي: سأسألكِ أكيد عن حراك (الجزائِر) ولكن من زاوية ثقافية فكرية خصوصاً مُشاركة المرأة الجزائِرية الواضحة في هذا الحراك ولكن بعد أن نتوقف مع استراحة سريعة نتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني

قطع وصل - ربيعة جلطي:

- مُشاركتي مع "أمين الزاوي" يسودها الحبّ أولاً وقبل كلّ شيء. كلٌّ منّا يقرأ الآخر وكلٌّ منّا يُشجِّع الآخر وينتقد الآخر ويدفع بالآخر إلى الأمام، إلى ما هو أجمل

- منذ البدء كانت الكتابة هي قدري. أن أكون أمّاً وزوجةً فقط لا أعتقد لأنني كنتُ كاتبة قبل أن أبلُغ سنّ الأنوثة

- تسألينني إذا كانت رواياتي قد تنبّأت بما حدث في (الجزائِر)، ذلكَ ما يقوله النُقّاد والقرّاء. صراحةً يقولون إنّها تنبّؤات بما حدث في (الجزائِر) في طبيعة الحال ولكن أيضاً ما حدث في العالم العربي وما حدثَ في (باريس) وفي بعض الدول الأوروبية

- في بلدي يجب أن يتغيّر كلّ شيء، يجب أن يعود الحلم إلى الناس، أن يعود الأمل إلى قلوب الناس، أن يعود الجمال إلى هذه البلاد الجميلة، إلى بلادنا (الجزائِر)

سحر حامد: إن شاء الله

ربيعة جلطي: إن شاء الله          

زاهي وهبي: نتمنّى أن يعُمّ الجمال والحب والسلام ليس فقط في أرجاء (الجزائِر) ولكن أرجاء العالم كلّه. كيف تنظرين إلى مُشاركة المرأة الجزائِريّة في الحراك الحالي؟ أنا أُلاحِظ من خلال متابعتي للأخبار، للصوَر، ولما يُنشَر على وسائِل التواصل الاجتماعي ولديَّ الكثير من الأصدقاء الجزائِريين على مواقع التواصل، أنّ المرأة، خصوصاً الشابات الجزائِريات، شريكة فاعِلة في هذا الحراك

ربيعة جلطي: نعم، صحيح. أنا أعتقد أنّ المرأة الجزائِرية تُشكِّل العامود الفقري في كلّ تغيير في (الجزائِر). منذ الثورة هي التي احتضنت الثوّار واحتضنت الثورة وعمِلت بصبر وصمت، وحتّى هناك من كَتبت عنهنّ، هناك مُجاهِدات مجهولات ولكن الشعب يعرفهن. أيضاً في العِشريّة السوداء لولا المرأة لما وقَفت (الجزائِر) على رجليها. لا نتحدث عن المُعاهدات والاتفاقيات إلى آخره والأشياء السياسية لكن الحقيقة، الأرضية الحقيقية، النبات الحقيقي الذي اخضرّت له الأرض هنّ النساء. وهنا في الحراك كذلك النساء هنَّ اللواتي يقُمنَ ويُشجِّعنَ ويقُمنَ الصبح في الجمعة لكي يملأنَ الشوارِع بجمالهنّ أولاً الروحي والخلقي وأيضاً هذه الثورة التي يملأنَ بها الرجال ويملأنَ بها العالم ويملأنَ بها أيضاً الحلم الذي يحلمن به للمستقبل

زاهي وهبي: تحيّة لكلّ جزائِريّة وجزائِري في طبيعة الحال، ولكن أولاً للجزائِريّات. مُشاركة مُجاهدات في هذا الحراك، في التظاهرات، في الاعتصامات وبينهنّ الرمز "جميلة بوحيرِد"، كم انعكس وأعطى حماساً، أعطى دفعاً لتلك النِسوة أن يكُنَّ دائِماً في الصدارة وفي المُقدِّمة؟

ربيعة جلطي: صحيح، ليس للنساء فقط لأنّ شباب كانوا يعتقدون أنّ "جميلة بوحيرِد" شهيدة وأنها توفيت منذ زمنٍ طويل

زاهي وهبي: أطال الله في عُمرها

ربيعة جلطي: أطال الله في عُمرِها  

زاهي وهبي: خصوصاً أنّ الشائِعات دائِماً تُلاحقها

ربيعة جلطي: الآن العكس، يعرِفون الآن الشباب بأنّ "جميلة بوحيرِد" موجودة. هذا يدفعهم، وليس النساء فقط حتّى الشباب، الشباب يقولون "جميلة بوحيرِد" موجودة معنا، أيضاً يشعرون بالقوة، يشعرون بالتماسُك وأيضاً بهذه الرغبة في الإصرار على الوصول إلى الحلم

زاهي وهبي: ولكن هلّ نلنَ، يعني هلّ نالت المُجاهِدات الجزائِريات التكريم اللازِم، الاهتمام اللازم؟ في روايتكِ هناك سعي من النسوة، في الرواية يعني من شخصيات الرواية، لتسمية شارِع باسم "جميلة بوحيرِد"

ربيعة جلطي: "جميلة بوحيرِد" وأسماء أُخريات يعني

زاهي وهبي: طبعاً

ربيعة جلطي: هناك جهاد آخر، هناك نضال آخر، مُقاومة أُخرى لكي تعود هذه الرموز إلى الواقع ليس كأجساد وككينونة ولكن كرمز لأنّ "جميلة" هي رمز، رمز لنا جميعاً نساءً ورجالاً، خاصةً النساء، فـ "جميلة" في الرواية هي "جميلة بوحيرِد" في الأساس. أجمل شارِع في هذه المدينة التي هي (وهران) يُرِدنَ النساء كلّهن في طريقة خبيثة وطريقة نضالية وطريقة ساخرة وفي طريقة قوية، يردن في كلّ الطُرُق أن يُسمّين شارعهن شارِع "جميلة بوحيرد" ولا يخفقنَ في ذلك بل بالعكس يسمّين ذلك. هذا رمز لأنّ هذا الشارِع الذي تمُرّ فيه الأجيال سيظلّ باسم هذه المرأة التي كانت قد مرّت على هذه الأرض مثلنا جميعاً، مرّت على هذه الأرض ولكن لم تمُرّ

زاهي وهبي: مروراُ عابراً

ربيعة جلطي: مروراً عابراً ولكنها مرّت مروراً للسلام وللمحبة وللحرية

زاهي وهبي: هلّ تُظلَم المرأة لأنّها امرأة حتّى في النضال والكفاح والسعي لتحرير الأرض والوطن؟

ربيعة جلطي: في طبيعة الحال، نضال المرأة مُضاعَف لنضال الرجل لأنّ عليها أولاً أن تُثبِت أنّها إنسان، هذا أولاً، وهذا ينسحب على الكتابة أيضاً. أحياناً تستمع أشخاصاً يقولون لك: لا، أنا لا أقرأ لامرأة، أو هذه امرأة وتقرأون لها؟

زاهي وهبي: أو تُتّهم بأنّ هناك من يكتُب لها مثلاً، وحدث هذا 

ربيعة جلطي: وهناك أسماء كثيرة جداً لأنّ أزواجهنَّ معروفون مثل "الماغوط"، مثل "أدونيس"، فمرّت الأسماء هكذا

زاهي وهبي: تُشيرين إلى "سنيّة صالِح" الله يرحمها و"خالدة سعيد" أطال الله في عُمرها

ربيعة جلطي: تماماً، يعني هذا الوضع سيّئ جداً لأنّه يجعل المرأة تُضاعِف من مجهودها

زاهي وهبي: شعرتِ أنّ مشواركِ أصعب؟

ربيعة جلطي: بطبيعة الحال

زاهي وهبي: كونكِ امرأة؟ يعني في الحياة وفي الكتابة وفي الواقع وفي المجاز؟ 

ربيعة جلطي: ليس بالشيء السهل أُستاذ "زاهي". عليك أولاً أن تصل إلى القارئ. المرأة حينما، أنا أتحدث عن نفسي، حينما يقرأني أحد هنا أظنّ بأنني وصلت إلى قلب هذا القارئ. لكن عن طريق السماع لا يُمكن أن تصل أيّة امرأة دونما قراءة. لذلك مع الأسف القراءة في بلداننا غير موجودة، صعب يعني، العرب لا يقرأون يعني لنكن صريحين مع بعضنا

زاهي وهبي: طبعاً هناك أسباب كثيرة متعدّدة لها علاقة بنسبة الأُميّة، بالفقر، بوسائِل الإعلام وما تروِّج له، مناهج التعليم، ولكن ألا يتحمّل المثقّف العربي والكاتب العربي جزءاً من المسؤولية في هذا المجال؟

ربيعة جلطي: الله يا أُستاذ "زاهي"، المُثقف ليس لديه لا جيش ولا وزارات ولا مؤسّسات

زاهي وهبي: لكن بمعنى أن يبذل جهداً للتواصل مع المتلقّي، مع القارئ

ربيعة جلطي: نحن نفعل ذلك، مثلاً نذهب إلى القرى، إلى المُدن، إلى المُدن الصغيرة ولا نظلّ في الجامعة أو في العاصمة ولا في المُدن الكبيرة بل نذهب إلى المدن الصغيرة لكي نلتقي بقرّائِنا، وهذا شيء جيِّد، ولذلك نذهب إلى الجامعات مثلاً. لذلك هناك الآن ظاهِرة المُذكِّرات الجامعية أو الماستر أو الدكتوراه. الروايات التي نكتبها، رواياتي مثلاً وأتحدث عن نفسي، هناك الكثيرون ممن يأخذونها

زاهي وهبي: تتحوّل إلى أُطروحات

ربيعة جلطي: تتحوّل إلى أُطروحات جامعية وتُناقَش ويُحتفل بها، وهذا شيء

زاهي وهبي: هذا أمر جيِّد

ربيعة جلطي: هذا شيء جيِّد جداً

زاهي وهبي: وعلى الجامعات أن تُشجِع الطلبة على مثل هذا

ربيعة جلطي: نعم، وتُنشَر هذه الأُطروحات في الأنترنت وهذا فعلاً انتصار

زاهي وهبي: روايتكِ "نادي الصنوبر" ربما تكون الرواية الجزائِرية الأولى التي تتطرّق إلى عالم "الصحراء"، إلى عالم "الطوارق"، هذا العالم الساحر غير المُكتَشَف كما يجب. تعمّدتِ الدخول إلى هذا العالم؟

ربيعة جلطي: هي أمور ذاتية أيضاً لأنّ جدّي لأُمّي هو من "الصحراء"

زاهي وهبي: نعم                                   

ربيعة جلطي: فاستيقظت "الصحراء" بي، لم تنم ولكنها كانت مُستيقِظة بي، وخرجت عن طريق هذه الرواية "نادي الصنوبر" التي تتحدث عن "الصحراء" وعن "الطوارِق". فعلاً هي الرواية الأولى وهناك روايات الآن بعد "نادي الصنوبر"، هناك تجارب في الحديث عن "الصحراء". تتحدث عن "الطوارِق"، عن عادات "الطوارِق" عن العادات في العلاقات الإنسانية، في العلاقات الاجتماعية، يعني كيفَ تُسيَّر العائلة الطارقيّة؟ كيف مثلاً كان "الطوارِق" في مواجهة الاستعمار الفرنسي؟ يعني هؤلاء "الطوارِق" الذين يعيشون حالة رواية قديمة، حالة فقر، بينما تحت أرجلهم في "الصحراء" هناك الثروات التي تمُرّ تحت أقدامهم وتنزلق مثل الرمال لتصل إلى آخِر الدنيا

زاهي وهبي: مثل الكثير من شعوبنا

ربيعة جلطي: تماماً

زاهي وهبي: في هذا الأمر لا يختلف واقع الحال في (ليبيا) أو في (العراق) أو في (السودان)، يعني بلدان كثيرة

ربيعة جلطي: صحيح

زاهي وهبي: ولكن هلّ تعتقدين أنّ عالم "الصحراء" سواء الصحراء الجزائِرية أو المغربية أو الليبية إلى آخره، العالم غير مُكتَشف إبداعياً كما يجب حتّى الآن، صحيح؟

ربيعة جلطي: صحيح، صحيح

زاهي وهبي: يعني لا نعرِف كثيراً عن الشِعر عن الرواية عن الفن عن الغناء؟ أنا صادفت بعض النماذج 

ربيعة جلطي: بالضبط. حتّى الغناء لا يُعرَف، يعني الغناء الطارقي هناك أدوات ووسائِل، أدوات موسيقية غير موجودة نهائياً في أمكنة أُخرى غير "الصحراء". هناك ألبِسة غير موجودة في مكان آخر غير "الصحراء". يعني "الصحراء" مثلما قلت حضرتك عالم جميل وغرائِبي ولكن لا نُريد أن نتحدث عنه كغرائبية

زاهي وهبي: لا، كمُجتمع

ربيعة جلطي: كمجتمع ننتمي إليه

زاهي وهبي: كمُجتمع لديه مُبدعون ولديه مثقفون

ربيعة جلطي: لأنّ جدّي لأمّي ينتمي إلى هذا العالم، إذاً أعرِفه حينما كنت صغيرة، أعرِف هذه الاحتفالات العامة الجماهيرية التي يجتمع فيها النساء والرجال ويُغنّون ويقرِضون الشِعر وأيضاً يتزاوجون إلى آخره. يعني عالم هو فعلاً إضافة إلى الأدب، إضافة إلى الحياة، إضافة إلى الحُلم لأنّ ما يعيشه الشمال أنه بدأ يصير فقيراً، فقيراً في العلاقات، فقيراً في الإحساس

زاهي وهبي: نعم، بسبب العولمة الاستهلاكية والحداثة وما بعد الحداثة والعلاقات الإنسانية ربما التي أصبحت أكثر برودة حتّى لا نقول شيئاً آخر. أنا أوجه دعوة من خلالكِ

ربيعة جلطي: ثمّ كلّ شيء يتشابه يعني Standardization

زاهي وهبي: لأيّ اقتراح، عفواً، أي اقتراح لاستضافة فنان أو كاتب من "الطوارِق"، فنحن نُرحِّب في "بيت القصيد" وفي "الميادين" بهذا الأمر

ربيعة جلطي: جميل

زاهي وهبي: نتمنّى أن تقترحي علينا لاحقاً بعض الأسماء

ربيعة جلطي: بكلّ سرور

زاهي وهبي: ترفضين ما تُسمّينه سيّدتي الاستلاب الغربي والمشرقي عند المُثقفين ربما الجزائِريين أو بعض الكتّاب. أليس من الإجحاف مساواة الغرب بالمشرِق؟ يعني في المعنى الثقافي والفِكري أليست الثقافة في (الجزائِر) في جزء كبير منها امتداداً، نحن ألسنا امتداداً لبعضنا البعض؟

ربيعة جلطي: تعرف أُستاذ "زاهي"، "كاتب ياسين" يقول، لو أنني قلّدتُ "أندريه مارلو" أو قلّدت "فولتير" لما نجحت. ثمّ "رسول حمزتو"، هذا الشاعر الداغستاني الجميل

زاهي وهبي: طبعاً، الشاعر الكبير

ربيعة جلطي: يقول: "العالم يبتدئ من عتبة بيتي"، بمعنى أنّه حينما يتحدث على (داغستان)، "كاتب ياسين" حينما يتحدث عن (الجزائِر)

زاهي وهبي: "نجيب محفوظ" يعني يتحدث عن الأزقّة المصرية والحارات الضيقة

ربيعة جلطي: أنا زرت الأزقة وكلّ الروايات عن تلك الأزقة الصغيرة. هذا غنى وليس رفضاً، هو غنى. بقدر ما تتحدث عن (بيروت) وعن الجنوب أو عن الشمال أو عن "الحارة" بقدر ما أتحدث أنا عن (وهران) أو عن العاصمة أو عن (قسطنطينا) فإنني أُغْني العالم بكتاباتي، أنت تُغني العالم بكتاباتك وأنت تتحدث عن منطقة صغيرة. إذا كنت أنا اتحدث عن (باريس) كمَن يبيع الماء في "حارة السقائين". يعني لا أتحدث عن (العراق)، لن أتحدث باسم "سعدي يوسف" صديقي أو مكانه أو مكان "الماغوط" أو مكان شخص آخر

زاهي وهبي: يعني في هذا المعنى دعوة لأن يكتب الإنسان ذاته وبيئته ومجتمعه

ربيعة جلطي: جداً، لأنّ فيه غنى

زاهي وهبي: والقضايا المحليّة التي يعيشها وهذا ما يوصله إلى العالمية ربما

ربيعة جلطي: نعم، في طبيعة الحال. "دارسيا ماركيس" تحدّث عن "ماكوندو" وهي قرية غير موجودة في الجغرافيا الآن، غير موجودة. هو تحدّث عنها لأنّه كان صغيراً ورآها والآن هي غير موجودة ولكنّها موجودة عندي وعندك وعند المُشاهدين وعند كلّ من قرأ "غارسيا ماركيس"

زاهي وهبي: مَن كتّابِك من (الجزائِر) اليوم؟ لمَن تقرئين من الروائيين والروائيات والشعراء؟

ربيعة جلطي: أقرأ لهم جميعهم

زاهي وهبي: مَن الأقرب؟

ربيعة جلطي: خاصةً الشباب. أُحبّ أن أقرأ لهؤلاء الشباب، يُسعدني، خاصةً عندما يهدونني رواياتهم. حينما يُهديني أحد روايته أقرأها، حتّى في طبيعة الحال أشتري، في معرض الكتاب أشتري. أنت تعرِف، معرض الكتاب حفل كبير جداً، فأُريد أن أكتشف هذه العوالم وأحياناً أقول بأنّه ليته انتظر قليلاً أو أقول والله هذه التجربة جميلة

زاهي وهبي: كيف تصفين المشهد الإبداعي على المُستوى الشِعري والروائي اليوم في (الجزائِر)؟

ربيعة جلطي: هو لا يختلف عمّا يحدُث في (بيروت)، ما يحدُث في (دمشق)، ما يحدُث في أماكن أُخرى، يعني هناك شيء من الغليان الأدبي. هناك شُعراء كُثر، شاعرات كثيرات وسارِدون كُثُر وروائيون كُثر وروائيات كثيرات وننتظر الزمن لأنه كما تعرِف دائماً تكون فترة هكذا مثل فصل الربيع يأتي هكذا ثمّ يأتي فصل الصيف ثم فصل الخريف لكي تبدأ الأمور تتصفّى وتبدأ الأسماء تتميّز. فالآن نحن في مرحلة مخاض كبير جداً وليس عسيراً بل على العكس، مخاض رائِع جداً وأسماء مُهمّة وكبيرة جداً

زاهي وهبي: للحقيقة أخذنا الحديث ولم نستمع إلى نموذج على الأقلّ من شِعركِ لأنّ الحديث شيِّق للحقيقة والموضوعات ممتعة. قبل أن يُداهمنا الوقت ممكن أن نستمع إلى شيء من تجربتكِ الشعرية؟

ربيعة جلطي: نعم

زاهي وهبي: وتقولين لي إذا كان هذا النص جديداً أو من الدواوين السابقة لو سمحتِ

ربيعة جلطي: هذا نصّ لم أنشُره

زاهي وهبي: غير منشور

ربيعة جلطي: غير منشور ولكنه مترجم إلى الألمانية لأنني قرأته في (ألمانيا)

زاهي وهبي: نعم، حضرتكِ مُترجِمة ومُتَرجَمة، يعني نصّكِ مترجم إلى لغات عديدة، تفضلي

ربيعة جلطي: جُلساء

تحت شرفتي ليلٌ

يميل بأغصانه على الطرقات

يمدُّ أذرعاً فوق المصابيح

يُدغدِغ النجوم

يراوغ الظلمة عن نفسها

ويعصر خموره في أُغنية

تحت شرفتي مقعدانِ من حجر

دونهما أغلق باب النعاس

وأشرع سماءهما للسهر

يضحكان حتّى انفراج السرّةِ منهما

يتغامزان، يتأففان، يحوقلان ويبسملان

يوشوشان أسرار الجُلساء وأموراً غريبةً في البشر

عن دلال البناتِ ومكر الذكورِ

عن اقتصاد السوقِ، عن دموع العشّاقِ

عن الدياناتِ، عن هول الحروبِ

عن غلاء المهورِ، عن الغربةِ 

عن أسرار العادةِ، عن الدسائِسِ

عن الماكياجِ، عن المُظاهراتِ

عن الجنونِ، عن القنابل الذكيّةِ

عن وباء التجاعيدِ، عن طاولات الحوار المُستديرِ

عن الانتحارِ، عن الديمقراطيّةِ

عن الفيزا، عن التاريخ

عن حبوب منع الحمل، عن الجغرافيا

عن الضجر، عن إلى آخره

عن إلى آخره وعن إلى آخره

تحتَ شرفتي المقعدان اللئيمان متوتّران

مثلَ وترينِ على صدرِ عود

بعيدان مثل نغمتين بينهما ريشة

قريبان، مثل قوسيّ قزحِ أو أدنى

يغرقان في عناقِ نومٍ

مثل نونٍ تحضُنُ بحرصٍ شديد ٍ نُقطتها

المقعدان الحكيمان يفتحان باب النوم، يتثاءبان

والله الكريم يحمدان لأنّهما من حجر

زاهي وهبي: جميل جداً، وجميل أنّ الشاعر لديه المقدِرة دائِماً على أنسنة الأشياء وأنسنة العلاقة مع الأشياء، صحيح؟

ربيعة جلطي: صحيح. أنا من هؤلاء الناس وأعتقد أنّك أنت أيضاً أُستاذ "زاهي". الأشياء عندها روح، أشعُر أنّ الأشياء عندها روح. أحياناً حتّى أنّك تشعُر بأنّ هذه أمّ هذه فبالتالي لا تُفرِّق بين الشيئين لأنّ بينهما علاقة. فالشاعر أحياناً لديه، الشاعر في شكلٍ خاص لديه، لأنّ الشِعر حالة داخلية والرواية تظلّ شغلاً وعملاً وإتقاناً، كأنك أمام آلة ولكن الشعر هو داخلي وجُوّاني

زاهي وهبي: صحيح، والقصيدة فيها ما أشرنا إليه في البداية، يعني فيها حكاية ما. يعني الذي يسمع يسترعي انتباهه ما سيُقال، ما الذي سيحدُث وكيف سينتهي هذا النصّ. سيّدتي تقولين حضرتكِ، من يُنصِت يعني تسألين، من يُنصِت لمن في هذا العالم المليء بالضجيج؟ لو سألتكِ أنا هذا السؤال وطرحته عليكِ، من اليوم يُنصِت لمَن؟ مَن يسمع مَن؟ مَن يُصغي لمَن؟

ربيعة جلطي: صحيح، هو في الأساس أنا أظنّ، أساس الأشياء أن يُنصِت الإنسان إلى نفسه. إذا أنصَتَ إلى نفسه يُدرِك ما يحدُث عند الآخر، لأننا بشر على الرغم من أننا نختلف. ليس بيننا شبه نهائياً، ليس هناك إنسان فوق هذه الأرض يُشبِه الآخر وليس هناك كوكب يُشبِه كوكباً آخر أيضاً حتّى الآن يعني. أنا أُتابِع العلوم وأُتابع التكنولوجيا إلى آخره

زاهي وهبي: كتبتِ في رواياتكِ عن الكوكب الآخر

ربيعة جلطي: نعم بالضبط

زاهي وهبي: كوكب العلماء والأدباء والشعراء

ربيعة جلطي: صحيح، "القارة السادسة"

زاهي وهبي: "القارّة الفاضلة" بدل "المدينة الفاضلة" لـ "أفلاطون"، نعم

ربيعة جلطي: في رواية "حليم بن نعناع". أعتقد أنّه حينما نستمِع إلى ذاتنا نستمع إلى الوجع الذي نشعُر به في هذا العالم الظالم الذي تنتفي فيه الإنسانية وتنتفي فيه الحريّة وينتفي فيه أيضاً احترام الآخر للآخر. حينما ننظُر إلى أنفسنا نستمع إلى أنفسنا فكأننا قمنا بالخطوة الأولى لاحترام الآخر والإنصات إلى أوجاعه

زاهي وهبي: نعم. "رامبو" يقول: الأنا هو آخر

ربيعة جلطي: صحيح

زاهي وهبي: أنا مستلهِم هذه العبارة وكتبت قصيدة حول هذا الموضوع عنوانها "أنا سواي". بما أشرنا إليه قبل قليل حول تمسُّككِ بالتفاؤل والأمل والجانب المُضيء من القمر إذا جاز التعبير. الأوضاع في (الجزائِر)، الحراك الجزائِري، عندكِ أمل أنّه سيصل إلى برّ أمان وسيحمل (الجزائِر) إلى أيام أفضل بإذن الله؟

ربيعة جلطي: نعم. كلّ الأدلّة، كلّ الأدلّة تقول بأنّ الشعب الجزائِري شعب واعٍ يُدرِك الخطوة التي يخطوها في الشارع ويعرِف ما الذي يُريده. لم يُكسَر إلى حدّ الآن حتّى فرع من شجرة، وأنت تعرِف المُدن الجزائِرية وكم من الأشجار في الشوارِع، فرع من شجرة لم يُكسَر، عشّ عصفور لم يسقُط، مع العلم أنّ ملايين لحدّ الآن مرّت في هذه الشوارع. إذاً الأمل موجود لأنّ بوادره موجودة. صحيح أنّ الطريق طويل ولكن الأُفق واضح تماماً

زاهي وهبي: على كلّ حال الشعب الجزائِري إسوةً بكلّ شعوب الأرض والشعوب العربية خصوصاً يستحقّ الحياة الكريمة والحريّة والعدالة الاجتماعية، ومن خلالكِ نُحمِّلكِ تحيّات إلى (الجزائِر) وشعب (لجزائِر) ومُبدعي (الجزائِر) ومناضلي (الجزائر) على كلّ الميادين والأصعِدة 

ربيعة جلطي: شكراً

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد.". يبقى الترجمة والتدريس الجامعي وشؤون أُخرى إن شاء الله في لقاءات مقبلة نتطرّق إليها

ربيعة جلطي: إن شاء الله. شكراً لك أُستاذ "زاهي وهبي" الشاعر الكبير مرّة أُخرى

زاهي وهبي: العفو

ربيعة جلطي: على هذه الاستضافات الرائِعة الإنسانية، كيف أقول يعني، التي فيها الشيء الكثير من الحضارة، حضارة كيف أن تستطيع أن تُعطي للكاتب الذي لا صوت له، تعطيه صوتاً لكي يتحدّث إلى قرّائه، يتحدث إلى الناس، يتحدّث إلى زُملائه، يتحدث إلى كلّ مَن ينصت إليه

زاهي وهبي: نعتزّ بالأصوات التي مثل صوتِك، نشكركِ ونشكُر مشاهدينا الكرام. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله