أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الدين والخرافة

خلال أربعة عشر قرناً والنتاج المعرفي الإسلامي قائم على المذهبية والطائفية, و بات الصراع بين الطوائف ينمو بطريقة معاكسة للقرآن الذي نسي الجميع أهدافه الكبرى وعلومه الغزيرة ... وكثير من المسلمين من مختلف المدارس الإسلامية يتعاملون مع ما وصلهم من حقائق الإسلام أو المذهب عن طريق التسليم المطلق لما وردهم, و تسليم عقولهم بالكامل لما بين أبين أيدهم ...والمصيبة الأكبر بعد النقد والتمحيص يتضح أن هذا الموروث ساهمت السياسة في صياغته, فمنذ أن دبت الفتنة الكبرى في العالم الإسلامي دأبت السلطات والسياسات على صناعة شرع ساست به الأمة, هذا ديدن الخلافة الأموية والعباسية و البويهية والعثمانية والصفوية والقاجارية وكل الأمبراطوريات التي توالت على الحكم وكرست وجودها بقدسية الشرع والذي كان حصان طروادة للحكم وديمومتها ...و إذا أردنا أن نطهر الموروث الإسلامي من الخرافات والمدلهمات والأشواب علينا أن نسحب القدسية من كل السلط والامبراطوريات لأنه لا يوجد واحدة منها كانت معصومة وكلها جيرت الإسلام لصالحها ....نحن مطالبون بالتمكين لعقلانية الإسلام وإسلام العقلانية, لأن الإسلام دين عقل بالدرجة الأولى والأخيرة ...كان بعض الرهبان يبيعون قطرات من الدم الساخن زاعمين انها دماء مقدسة، وما هي في الحقيقة إلا قطرات من دماء عنز ذبحت للتو في داخل المعبد. ويخرج الراهب باناء الدم زاعماً أن قطرة واحدة إذا خلطتها العاقر بشرابها، فسوف تنجب، واذا شربتها الحامل، فمن المؤكد ان جنينها سيكون ذكراً؟ وهكذا ابتليت كل الأديان بالخرافة والأسطورة.

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكم. خلال 14 قرنًا والنتاج المعرفي الإسلامي قائم على المذهبية والطائفية، وبات الصراع بين الطوائف ينمو بطريقة معاكسة للقرآن الذي نسي الجميع أهدافه الكبرى وعلومه الغزيرة. وكثير من المسلمين من مختلف المدارس الإسلامية يتعاملون مع ما وصلهم من حقائق الإسلام أو المذهب عن طريق التسليم المطلق لما وردهم، وتسليم عقولهم بالكامل لما بين أيديهم والمصيبة الأكبر بعد النقد والتمحيص يتّضح أن هذا الموروث ساهمت السياسة في صوغه. فمنذ أن دبّت الفتنة الكبرى في العالم الإسلامي دأبت السلطات والسياسات على صناعة شرع ساست به الأمة، هذا ديدن الخلافة الأموية، والعباسية، والبويهية، والعثمانية، والصفوية، والقجرية، وكل الإمبراطوريات التي توالت على الحكم وكرّست وجودها بقدسيّة الشرع. والذي كان حصان طروادة للحكم وديمومته.

وإذا أردنا أن نطهّر الموروث الإسلامي من الخرافات والمُدلّهمات والأشواك علينا أن نسحب القدسيّة من كل السلطات والإمبراطوريات لأنه لا توجد واحدة منها كانت معصومة، وكلها جيَّرت الإسلام لصالحها. حولّنا الإسلام إلى خرافة وأسطورة ولذلك لم يبنِ هذا الإسلام الخرافة والأسطورة أي دولة يعتد بها في الراهن البشري، بل إن الدول التي تقوم على الشرك والوثنية والطاوية، والكونفوشيوسية، تقدّم للمسلمين غداءهم ودواءهم وهواتفهم وملابسهم وسجّاداتهم ومسابحهم. غاب الدين وتجلّت الخُرافة، وتم تأويل الإسلام لصالح الأسطورة والخرافة والتضخيم. والمسلمون لم يتعاملوا بعقولهم مع الشرع، بل أدمنوا الخُرافة وانطلقوا منها لتفسير الدنيا والآخرة. ولو كانت الخُرافة والإسلام المممزوج بها سليماً منطقيًا وصحيحًا اليوم لبنى المسلمون أعظم نهضة.

الصين البوذية تقوم بتأسيس نهضة وإدارة النهضة العالمية، يقينًا ما بين يدي المسلمين شيء مغاير للفكر الربّاني أنشأنا فكرًا وقلنا هو من عند الله وبئس هذا الفكر الذي أضاع دنيانا وآخرتنا. حوّل المسلمون الدجّالين وقارئي الكف والرمل وفناجين القهوة والذين يعلمون تفاصيل التفاصيل بزعمهم إلى مُرشدين، وأدلاّء، وهؤلاء الدجّالون أثّروا بفضل غباء المسلمين. أمّة يقودها الدجّالون مكانها  الحضيض ويؤسفني أن أقول أن الدين الماثِل بين أيدينا اليوم وفي مختلف المذاهب فيه من الخُرافة ما لا يُحصى عدّه. الدين السماوي يقف ضد الخُرافة بينما تقوم بعض فهوم الدين على الخُرافة، طائفة تعتقد بان خُرافتها أكثر ذكاء من خرافة طائفة أخرى. نحن مطالبون اليوم بالتمكين لعقلانية الإسلام وإسلام العقلانية لأن الإسلام دين عقل بالدرجة الأولى والأخيرة أيضًا. وكان بعض الرهبان يبيعون قطرات من الدم الساخن زاعمين أنها دماء مقدّسة وما هي في الحقيقة إلا قطرات من دماء عنز ذُبِحت للتوّ في داخل المعبد. ويخرج الراهب بإناء الدم زاعمًا أن قطرة واحدة إذا خلطتها العاقِر بشرابها فسوف تُنجب وإذا شربتها الحامِل فمن المؤكّد أن جنينها سيكون ذكرًا، وهكذا ابتليت كل الأديان بالخُرافة والأسطورة.

"الدين والخُرافة" عنوان برنامج أ ل م ويشاركنا في النقاش من تونس الحبيبة المفكّر التونسي والعالِم الأنتروبولوجي الدكتور يوسف الصديق، ومن الأردن الحبيب الدكتور محمّد هشام سلطان نائب رئيس إتحاد علماء بلاد الشام.

مشاهدينا أهلًا بكم جميعًا.

كتاب "مفهوم المنهج العلمي" الدكتورة يمنى طريف الخولي.

المنهج العلمي بشكله الأوّلي لازم الإنسان منذ عصور سحيقة حينما كان أسلافنا يحاولون التنسيق بين أفعالهم البصرية وحركات أيديهم وهو النشاط العلمي التجريبي لإنتاج أدوات تساعدهم في حياتهم اليومية مثل البلطة وغيرها من الأدوات. في كتاب "مفهوم المنهج العلمي" تحاول الدكتورة يمنى طريف الخولي صاحبة كتاب "فلسفة العلم في القرن العشرين" أن تجمل لنا النظرة للمنهج العلمي في جوانب تاريخية وفلسفية وعلمية تساعدنا على فَهْم أشمل لموضوع المنهج العلمي. فالمنهج العلمي هو نمط من التفكير لا يخصّ العلماء وحدهم، بل يخصّ كل بشري يقوم بعمل ما، فيستخدم طريقة ما للوصول إلى غرضه. في البداية تتعرّض لمؤلّفات للعِلم والفن والأسطورة وللمنهج العلمي الذي ميّز العِلم عن الخرافة، فحتى لو ثبت خطأ النظرية العلمية فالمنهج العلمي ملزم بمحاولة التصحيح بعكس الخرافة التي ربما تتأصّل أكثر وأكثر برأي عقدي.

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف الصديق حيّاك الله، وبيّاك وجعل الجنة مأواك.

يوسف الصديق: أهلًا وسهلًا، والسلام عليكم.

يحيى أبو زكريا: كيف نشأت العلاقة بين العقل واللاعقل في تاريخ الفكر الإسلامي الدين كمصداق للعقل والخرافة كمصداق للاعقل؟ كيف التقيا؟ كيف اجتمعا؟ كيف باتا نصًا واحدًا للأسف الشديد وهو ما ورثناه من الأجيال السابقة؟

يوسف الصديق: أهلًا وسهلًا بك وفي بيروت وبالميادين وبهذه المقدّمة الجميلة والتي تضع المشكل في إطاره الصحيح.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

يوسف الصديق: المشكلة التي حدّدتها بـ 14 قرنًا فعلًا بـ 14 قرنًا لأن بعد الفتنة الكبرى جرى حدث كبير لم نستطع حتى الآن تأطيره والتدقيق فيه وهو أننا نبذنا شيئًا إسمه الفلسفة، نبذناه من البداية وأنت تعلم سيّدي ويعلم رفيقي في هذا المنبر أن أول مَن وضع كلمة فيلسوف في المعجم العربي هو إبن المقفّع، ومن بعد ذلك نبذت وصار حتى الفلاسفة يستحون من أن ينتسبوا للفلسفة خوفًا من أن يتّهموا بالزَندَقة والخ. وبالتوازي مع هذا النبذ للفلسفة صار نبذ للعبرة، كنت تقول الأسطورة والخرافة والأساطير لاحظ أن القرآن الكريم لا يستعمل كلمة أساطير إلا في الجمع قالوا أساطير الأوّلين كتبها الخ، ولا يستعملها أبدًا في المفرد، بل أن الله يقسّم بالأسطورة مفردًا "نون والقلم وما يسطرون" تدقيق لهذه الكلمة يورد إبن رشيق القيرواني في قرط الذهب بيتاً من أجمل الأبيات ينسبه لمرئ القيس يقول هذا البيت كما خطه عبرانية بيمينه بتيماء حضر ثم عرض أسطرًا السطر والشعر والقافية وتنظيم النص هو ما يسمّى بالأسطورة وقد استبدلها القرآن الكريم بكلمة القصص، القصص هي الأسطورة بالمعنى الإيجابي للكلمة، الأسطورة حدّدها بدقّة القرآن الكريم في صورة الكهف بأنها امتداد للمنبع، ثم ارتد على آثارهما قصصا.

لذلك أهملنا الأسطورة بمعناها الإيجابي، التراث الذي نستمد منه العبرة وأبدلناه كما قلت بالأساطير يعني بالخرافة، الخرافة التي تنفي العقل وتنفي الفلسفة وتنفي التدبّر الفلسفي، لذلك عشنا 14 قرنًا على هذه المأساة.

يحيى أبو زكريا: ويبدو أن المأساة مازالت مستمرة رغم أننا ولجنا  القرن الواحد والعشرين، وهكذا المسلمون أجسادهم ها هنا وعقولهم هناك، وهذا مصدر الكثير من البلاء الحاصل في خط طنجا جاكرتا.

دكتور محمّد حيّاك الله وبيّاك، وجعل الجنة مأواك. دكتور محمّد الخرافة كانت موجودة في المتون الإسلامية وفي الأسانيد الإسلامية ربما اقتبست من الإرث اليهودي، الإرث المسيحي لاحقًا، الإرث الهندي والفارسي عندما كبرت الإمبراطورية الإسلامية. هل كان هنالك انتباه إلى تحقيق ما يُسمّى بالأمن الثقافي والحفاظ على إسلام الوحي والنص المقدّس من دون أن يختلط بالخرافات والأساطير؟

محمّد هشام سلطان: بسم الله الرحمن الرحيم في البداية أحيّيك وأحيّي ضيفك الكريم.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

محمّد هشام  سلطان: في الحقيقة أن هذا الموضوع يا دكتور يحيى من المواضيع الواسعة جدًا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد هشام سلطان: لأننا عندما نريد أن نتحدّث عن موضوع الأسطورة وأصل الأسطورة وتاريخ الأسطورة يعني هذا تاريخ طويل، وهذا التاريخ كان موجودًا قبل الإسلام، وكانت كأنها نوع من التشريع كانت موجودة عند العرب أساطير وموجود عند اليونان، أساطير اليونانيين أيضًا كانوا يقومون بأشياء كلها لا يقبلها العقل على الإطلاق عندما ننظر في المجتمع اليوناني كان في فترة من الفترات يجوز للإنسان أن يبيع بنته ويبيع إبنه ويبيع زوجته، وكانت هناك أساطير كلها كأنها تروّج لذلك.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

محمّد هشام سلطان: نحن عندما تحدّثنا في هذا الموضوع نريد أن نركّز على القضايا الرئيسية التي أشرت إليها. طبعًا في البداية الوجود الإسلامي من بداية التحوّل الذي حدث في عهد معاوية هذا التحوّل الذي حدث في هذا العهد كأن الناس انقسمت إلى قسمين، قسم كما صوّره الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر، القسم الذي كان مع الإمام علي، وصوّر الذين كانوا مع الإمام علي أنهم مع النبوّة وقسم مع معاوية، وأن هذا القسم الذي كان مع معاوية هو مع الملك ومع الدنيا. ومن هنا بدأت القضية صراع ما بين الملك وما بين النبوّة الإسلام يريد النبوّة، السياسيون يريدون الملك، السياسيون يريدون إقامة الخرافات والأساطير، السياسيون المهم عندهم هو كيفية الحُكم وفي التاريخ الإسلامي كما نرى أن هناك 14 قرنًا، هذه القرون كلها مرت من دون أن يكون لنا الوضع الإسلامي العظيم سبب ذلك هم السياسيون. السياسيون هم الذين أرادوا تغيير المعاني الدينية، المعاني الدينية في الأصل هي معانٍ ثابتة. نحن عندما ننظر إلى المعاني السامية ننظر إلى الناحية العقائدية، إلى الناحية الأخلاقية، إلى الناحية التشريعية، إلى النواحي المختلفة. في الإسلام نرى أن هذه كلها قواعد ثابتة، ولكن للأسف الشديد السياسيون خرجوا عن هذه القواعد وأقاموا قواعد أخرى لتوطيد مُلكهم وسياستهم ووجودهم.

طبعًا الخرافة تبدأ كما أشرت، الخرافة أنواع وأشكال هذه الخرافة، الخرافة الكبرى هي أن يعتقد الناس أن هؤلاء الحكّام أنهم الآن هم الذين يسيرون على الإسلام وهم الذين يطبّقون الإسلام مع العلم أنهم لا يسيرون على الإسلام، ولا يطبّقون الإسلام والإسلام عبارة عن مظهرية فقط عند هؤلاء الحكّام. في نفس الوقت تركوا الشعوب أيضًا تعيش تحت قضية الخرافة لأن قضية الخرافة الآن نراها على المستوى الشعبي عند الرجال، عند النساء، مَن يريد أن يتداوى أو يتعالج يترك الناحية الطبية مثلًا ويّتجه إلى إنسان ساحر أو مشعوذ أو إلى غير ذلك، هذه نوع من الخرافات.

إذًا معنى ذلك نحن الآن في حاجة ماسة إلى تنقية المجتمع ال‘سلامي وفي تصوّري أن القضية تحتاج كيف نعود إلى الإسلام الحقيقي، يعني تصوّر مثلاً.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد دعني أتوقّف عند هذه النقطة رجاء لأمضي مجدّدًا إلى الدكتور يوسف الصديق. دكتور يوسف في المطلق نقول الإسلام دين عقل، ودين عقلانية، هذا في النظرية، في القراطيس، في الأوراق لكن في الممارسة معظم المسلمين يدمنون الخرافة أكثر من العقل، بل لعمري إن حدّثهم أحدهم بالعقل قيل عنه زنديق، ومن قال بالتحقيق قيل عنه زنديق. لكن إذا صار حكواتي يحكي لهم حكايات وخرافات ونزل جبريل على ظهر حمار مثلًا أو ما شابه من هذه الخرافات تجدهم يطمئنون، يسكنون، لا يتحرّكون بتاتًا وكأنهم يستمعون إلى شيء يُبلسِم قلوبهم، يُدغِدغ عواطفهم، فيعتبرونه الحقيقة فيما العقل عندهم زندقة. كيف نشأ هذا بربك؟ كيف نشأ هذا في تاريخ المسلمين؟

يوسف الصديق: إنما يعجبني في برنامجكم الذي استضفتوني فيه مرات عديدة هو أنك تجعل مجالًا كبيرًا للاختلاف، أنا أختلف مع  كل احترامي لرفيقي الأستاذ والدكتور الأردني في ما ذهب إليه، أعتقد أن المشكل أعمق وأقدم كما طرحته أستاذ يحيى أبو زكريا أكبر وأقدم، مثلًا أعتقد أن الأشياء التي لم يجئ بها القرآن أبدًا إلا رمزًا في بعض الأحيان أنها هي الحقيقة التي حفت بالتفسيرات وبالتأويلات الخ، مثلاً أكاد أكون الوحيد من بين المُثقفين وأعاني من هذا مُعاناة كبيرة حينما أقول إن كلمة الله وجِدَت قبل الإسلام بكثير، وأن التنزيل العزيز اكتفى بأنه وحَّد الآلهة فقد كانت الآلهة فيها ما نسمّيه الله الآن ومؤنثه اللات. وكان هناك إساف ونائل وغيرهما. لكن لا يرضى المسلم بأن يقول أن محمّد إبن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم كان إسم أبيه عبد الله وهو عاش في الجاهلية. إذًا لابد لنا من أن نستقي تاريخنا من قبل الإسلام وهو تواصل كامل وهو قطيعة بين الإسلام، مثلًا نرفض تمامًا أن يكون هناك اختلاط، ويكون هناك توافق مع الأساطير، ومع الخرافات ومع التاريخ الذي كان يحف بالإسلام من قبل والإسلام قال أُنزِل للناس جميعًا وأنزِل للناس كافة.

إذًا هذا مرتبط باللغات الأخرى، ومرتبط هذا هو الله هو إسم عَلَم لإله كان موجودًا في مكّة في بيت الآلهة لمكّة، وهذا ما يرفضه المسلم ويكتفي بأن القرآن وأن تنزيل نزل كما تنزل الحجارة من السماء والمطر من السماء. لابد من أن نؤسّس لتاريخنا كما هو متواصل من قديم الأزمنة إلى حد الآن، وبين أن نفرّق بين ما هو رمزي مثلًا، أعطيك مثلًا بسيطًا يرفض الناس على أن كلمة سنبلة كلمة يونانية وأن كلمة زخرف أخذت من الفارسية وعندما تفتح لسان العرب أصلها فارسي وهي كلمتان لحد الآن موجودة في اللغة اليونانية الحديثة زو يعني حياة ومنها حديقة الحيوان، زو وكرافي يعني خط. الحياة خط، وهو زخرف ويرفض الناس أن يقولوا هذا لأنه ليست لنا الفكرة بأن تاريخ الإسلام هو تاريخ متواصل، وإنما هناك قطيعة مع هذا التواصل والألوهية والتواصل بين التوحيد والتوحيد الموسوي والتوحيد المسيحي الخ.

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف وسنناقش بقية المحاور بُعيد الفاصل إذا سمحت.

مشاهدينا فاصل قصير ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

 

"نقد البدع والخرافات" الدكتور حمود بن جابر الحارثي.

لا ريب أن الدين الإسلامي قد كمل على لسان النبي صلّى الله عليه وسلّم كما قال تعالى في سورة المائدة "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا". وقال صلّى الله عليه وسلّم قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها. فعاش الصحابة والقرون المفضلة على السنة فخير القرون قرن النبي صلّى الله عليه وسلّم وفيه صحابته، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما أخبر بذلك المصطفى صلّى الله عليه وسلّم. وبعد القرون المفضّلة ظهرت البدع وبدأت تنتشر، لكن علماء الأمّة حاربوها وبيّنوا أمرها سائرين على منهج مُستنبط من الكتاب والسنّة في نقدهم تلك البدع والكتاب يبيّن البدع والخرافات، والأسلوب في نقدها بحيث يكون النقد مبنيًا على قواعد علمية ثابتة مصحوبة بأسلوب حسن. وفي المبحث التاسع تحدّث الكاتب عن الخرافة وعلاقتها بالبدع وبدأ بتعريف الخرافة وذكر عدّة تعريفات لها منها أنها عكس العلم والمنطق والعقل فهي كلام غير مترابط من دون معنى، ومنها أنها معتقد لا يعتمد على أساس من الواقع ولا من الدين. ثم ذكر الفرق بين الخرافة والأسطورة وأنه يطلق على الخرافة الأسطورة والأسطورة هي الحكاية التي ليس لها أصل فهي مُرادِفة للخرافة ولكنها تنفرد عنها أحيانًا.

 

المحور الثاني:

"دراسات في العقلية العربية، الخرافة" إبراهيم بدران وسلوى الخماش.

يحدّد إبراهيم بدران وسلوى الخماش الذهنية الخرافية في كتابهما المشترك "دراسات في العقلية العربية الخرافة" بأنها حيث تسيطر الخرافة على الفرد أو الجماعة فيكون للخرافة فيها مكان بارز سواء في نقل المعلومات أو تمثيلها وفي تفسير الأحداث او تعليلها. تزخر المجتمعات العربية بأنماط واسعة من التفكير الخرافي وتتنوّع بين مجتمع وآخر وبين طبقات وفئات اجتماعية وطوائف ومذاهب سائدة، بحيث تحمل كل واحدة ثقافتها الشعبية أو المحلية وتعبّر عن موقعها الاجتماعي وعن رؤيتها الخاصة لمجريات الحياة في بلدها، وعلى الرغم من أن العقود السابقة سجّلت تطورًا هائلًا على الصعيد العلمي والتكنولوجي في العالم قاطبة، وعلى الرغم من التحديث الكبير الذي شهدته المنطقة العربية على صعيد إدخال منتجات الثورة العلمية إلى العالم العربي ظلت المظاهر الخرافية على صعيد الممارسة تحتل مكانها المتميّز في كل الأقطار وعلى أكثر من صعيد، وهو أمر يعكس الانفصام العربي في علاقته بالثورة العلمية ومنتجاتها حيث نأخذ المنتجات المادية الحديثة وننحّي جانبًا العقل الذي كان وراء إنتاجها. كما أن العقود الماضية شهدت ازدهاراً لتجليات الخرافة من خلال التنجيم والتبصير وقراءة الكفّ وتحضير الأرواح، بل يمكن القول إن بعض هذه الممارسات اخترق العقل العربي أكثر بما لا يقاس بمراحل سابقة في تاريخ تطوّر المجتمعات العربية، وإن بعض منتجات الثورة العلمية قد جرى توظيفه في خدمة وسائل عمل الخرافة.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد َمن أدرك حلقتنا نحن نعالج موضوع الدين والخرافة القواسم المشتركة التي أقحمها البعض فيهما، وإلا الدين دين عقل يقينًا وقطعًا. ومن الكتب التي ألّفت في هذا السياق وهي كثيرة جدًا سواء في الأديان السماوية السابقة أو الخرافة في ظل المنظومة الإسلامية كتاب عصر الخرافة كتاب "أساطير مقدّسة" "أساطير الأوّلين في تراث المسلمين" "الإنسان والخرافة" للدكتور أحمد علي مرسي، "والخرافة الإيمان في عصر العلم، دراسات في العقلية العربية، الخرافة ومهزلة العقل الديني"، وما إلى ذلك من الكتب.

دكتور محمّد بالعودة إلى المشهد الثقافي العربي الذي بدأت تتأسّس فيه الخرافة، قلنا إن الانسان العربي في ما مضى لم يكُ عنده ما يشغله كان يعتمد على السماع لم تكُ هناك سيارات، قطارات، مدنية، حداثة. كان جلّ وقته يقضيه إما في المسجد أو في السوق وهناك كان الحكاواتي الذي كان يروي كل شيء وحتى الطبري في تاريخه أشكل عليه، لماذا تنقل عن اليهود كثيرًا؟ قال وماذا أفعل إذا كان الرواة الوحيدون لأساطير التاريخ هم اليهود. المقصود لماذا لم يلتفت المسلمون إلى أهمية الفصل بين الدين والخرافة؟ واليوم عندما تتأمّل الجغرافية الإسلامية في كل المدارس، في كل المذاهب الإسلامية، تجد 80 بالمئة خرافة وعشرين بالمئة دين. فأين الدين إذًا؟

محمّد هشام سلطان: بالنسبة إلى هذا الموضوع موضوع الخرافة وموضوع الدين يُعيدنا إلى موضوع العقل والفلاسفة. المسلمون من البداية الأولى كانوا هم الذين يحملون لواء العقل وحركة الاعتزال أيضًا كانت تحمل لواء العقل، الفكر الأشعري أيضًا كان يحمل لواء العقل، علماء الكلام بأجمعهم كانوا يحملون لواء العقل، لكن الذي حدث الآن انه صارت هناك تغيّرات من الناحية السياسية ومن الناحية الاجتماعية، هذه التغيّرات أراد البعض أن يستولي على عقول الناس، ولذلك نحن عندما ننظر في القرآن الكريم نرى أن هناك ما يزيد عن مئة وست آيات، هذه الآيات كلها تتحدّث عن العقل يعقلون، أولي الألباب، أولي النهى إلى غير ذلك وتوجّه الناس توجيهًا عقليًا.

وأكّد علماء الإسلام أمثال مثلاً أبي حامد الغزالي مثلًا وغيره من العلماء القدماء حتى إن الإمام  المحاسبي كان أول مَن وضع كتاب بعنوان مائية العقل يعني تكلّم عن العقل بصورة رئيسية لبناء العقل. وهنا نرى أن هناك مجموعة من علماء الإسلام أرادت أن تؤسّس المدرسة العقلية وأن تؤسّس هذه المدرسة حتى يخرج العالم الإسلامي في ذلك الزمان مما هو فيه، فما بالنا نحن الآن نحن الآن في تصوّري من الواجب علينا أن نفكّر في كيفية الارتقاء بالعقل العربي المعاصر، أو كيفية الارتقاء بالعقل الإسلامي الآني المعاصر، وكيفية الخروج من كل هذه الخرافات والضلالات التي أدخلت على بعض القضايا الإسلامية.

كيف نخرج منها؟ وكيف نوحّد هذه الأمّة على المفاهيم العقلية والقرآنية؟ مع العلم هنا إن القضية كأنها تشير إلى الآتي أن القرآن دين العقل في نفس الوقت. العقل هو الذي يفهم القرآن ليس العقل هو الذي يعطي للقرآن أشياء خارجة عن نطاق القرآن، بل يفهم القرآن ويؤصّل القضايا العقلية، والقرآن نفسه باعتبار لا يتناقض مع العقل على الإطلاق فالمدرسة العقلية مدرسة إسلامية عظيمة بما فيها، كما قلنا من فلاسفة الإسلام الكندي، الفارابي، إبن سينا، إبن رشد كل واحد له نمطه العام.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد لأنني أنتمي إلى مدرسة تحب الإشكالات، ولأن عقلي قائم على الإشكال أنت قلت إن الإسلام دين عقل وهذا جميل ورائع وحقيقي أيضًا. لكن السؤال للدكتور يوسف الصديق لماذا معظم فلاسفة الإسلام قتلوا وذبحوا من الوريد إلى الوريد؟ لا يوجد عندنا فيلسوف إسلامي إلا وقتل بالزندقة أو قتل بالردّة أو قتل بالتكفير كما جرى للسهروردي رحمة الله عليه. كان الفقيه الذي يتّكئ عليه السلطان يجزّ رقاب الفلاسفة، فكيف تقنع الجيل المعاصر أن الإسلام دين عقل مثلًا؟

يوسف الصديق: نقطة فقط تعقيبًا على ما قلته أستاذ يحيى وعن ابتزاز الفلاسفة سواء في حياتهم أو في نشرهم، كان المؤمن مثلًا عندما يريد أن يقبر فكراً كان ينادي الورّاق ويحرّم عليه بيع الورق للناسخ الذي سينسخ ذلك الفيلسوف أو ذلك المفكر. سؤال واحد لماذا؟ عندما كتب أهم كتاب في الموضوع الذي أثرتموه أستاذ يحيى أهم كتاب عندي في التاريخ وهو كتاب فصل المقال في ما بين الحكمة وشريعة الانتصار لأبي الوريد إبن رشد، لماذا بقي سبع قرون لا يتحدث عنه في العالم الاسلامي إطلاقًا؟ سبعة قرون من القرن الثاني عشر عندما صدر لغاية القرن التاسع عشر عندما أخرجه من قبره مستشرق ألماني. لماذا الفارابي ينفي عن نفسه التدخل في الدين؟ لماذا كل الفلاسفة بما في ذلك الذين أشار إليهم الأستاذ الكندي وإبن سينا والخ؟ كانوا يحترزون من أن يدخلوا في المسألة الدينية، وعندما دخل فيها إبن رشد بقي في الصمت  التاريخي، صمت العصر سبعة قرون إلى أن أخرجته من قبره النهضة في القرن التاسع عشر بمفعول أحد المستشرقين. لماذا أبو حامد الغزالي عندما كتب كتابه وجد له كلمة انهيار تهافت الفلاسفة، لماذا؟

لابد من أن نستنطق هذا المنطق الذي كان يقصي الفلسفة، وهي الساق التي يمشي عليها الفكر البشري الساق الأخرى الخرافة، وقد اكتفى بها الإسلام اكتفى برجل الخرافة فقط المفسرون كانوا يقولون أشياء لا يمكن أن تدخل في عقل عندما يفسّرون قضية الفتية في سورة الكهف وقضية الرجل الصالح الذي التقاه موسى الخ. كانوا يقولون أشياء لا يمكن أبدًا أن تدخل عقلًا، لذلك لابد من أن يكون الأشخاص الذين هم في الأزهر والذين هم مثلهم كمثل الدكتور الذي معي أن يبدأوا في نقد ذاتي لكل العصر للأزهر للزيتونة لهؤلاء الذين جنوا على الفكر الإسلامي. أعطيك مثلًا عندما يتحدّث القرآن الكريم عن عزير ولا يقول شيء آخر إلا تلك الآية التي في سورة التوبة "قالت اليهود عزير إبن الله" يفسّرها إبن كثير مثلًا عندما يقول قال رسول الله صّلى الله عليه وسلّم والله لا أدري إن كان عزير نبيًا أم مَلكًا. يعني أن الذي أوحي إليه بعزير لا يعلم لا يعلم مَن هو عزير، وعزير إن نحن دقذقنا البحث حتى أقولها لك هو أوزيريس الذي كان اليهود في المدينة يعتبرونه إبن الإله، أوزيريس لأن الإيز هي نهاية نحوية يونانية، وكان يسمّى عزير، ولكن الخرافة جعلتنا نخلط التفاسير، ونستنكف عن البحث ونصرف نظرنا.

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف دعوت إلى العودة إلى العقلانية، وتأجيج حركة العقل والنقد، لكن ألا ترى أن الفقهاء والأصوليين وأرباب المكانات الدينية بنوا مجدهم وبنوا سمعتهم على هذه الخرافة؟ وبالتالي إن هم هشّموها تهشّمت أمكنتهم ولذلك يحاربون العقل حتى يتحكّموا في الجماهير، في النواس، في العوام كما يقولون وما إلى ذلك. ولهذا تجد التمكين لكل خرافة في الحواضر العلمية التي ذكرتها وغيرها أيضًا.

يوسف الصديق: والله لا بدّ لنا نحن قلة إن نحن واصلنا هذا التحليل اتهمونا بالزندقة، وحتى الآن كما كان يقال عن إبن رشد وعن الكندي وعن الكل لم يتغيّر شيء لحد الآن. أنا في بلدي وفي بعض البلدان الأخرى العربية التي تسمعني أو تقرأني اتّهم بالزندقة، كما كان يتّهم الجاحظ وغيره في القرنين الثالث والرابع. وهذا لابد لمشايخنا في الأزهر من أن يعترفوا به وأن يجبروا السامعين لهم والطائعين لهم أن ينبذوه تمامًا، وأن ينتهوا عنه وأن نبحث لأننا مواطنون من بلادنا ونحب بلادنا ونحب وطننا ونحب ديننا وحضارتنا، ولابد لنا من أن نغيّر وجهة البحث تمامًا، وأن نعتقد أن الإسلام والقرآن والتنزيل هما في مسألة زمنية مرتبطين بالأكادية، والسومرية، وبالصين وبكل شيء، وإلا فإن الإسلام دين محلي وهذا حاشا أن أقوله ليس  دينًا محليًا، وإنما دين عالمي.

يحيى أبو زكريا:  ودعني أنقل هذا الإشكال إلى الدكتور محمّد هشام سلطان كونه من خرّيجي الأزهر الشريف، وكان زميلًا لكثير من مشايخ الأزهر.

دكتور محمّد لِمَ لا نرى فلاسفة كبارًا وقد تخرّجوا مثلًا من الأزهر والزيتونة وحوزة قم وحوزة النجف؟ يعني إذا ذهبت إلى النجف لا تجد إلا محمّد باقر الصدر، إذا ذهبت إلى قم لا تجد إلا محمّد حسين الطبطبائي، إذا ذهبت إلى الزيتونة لا تجد إلا الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه، إذا ذهبت إلى القرويين، لماذا هذه الحواضر العلمية تخرّج فقهاء أكثر مما تخرّج عقلاء؟

محمّد هشام سلطان: الحقيقة أن هذه الحواضر العلمية إقرارًا بفضلها خرّجت أناسًا على مستويات عالية من الناحية العقلية، هناك أساتذة على مستوى عالٍ جدًا مثلًا في الأزهر كان مولانا الشيخ عبد الحليم محمود، كان الدكتور سليمان دنيا، كانت هناك مجموعة من العلماء الكبار، وكان عدد كبير من العلماء. كما وأنه كان هناك أيضًا في المغرب الدكتور طه عبد الرحمن، هناك أيضًا أساتذة على مستوى عالٍ في المغرب، في تونس، في المشرق في كل مكان. لكن المشكلة أن الصراع القائم في المئة سنة الماضية أن الفكر الذي سيطر على الساحة العربية والإسلامية هو الفكر الوهابي أو السلفي، وهذا الفكر كان يحرم الفلسفة تصوّر كان هناك ممنوع دخول كتب الفلسفة والتصوّف والعلوم الإسلامية، وكتب أبي حامد الغزالي وإبن رشد مثلًا كان ممنوعًا دخولها إلى الجزيرة العربية، كان هناك فكر مسيطر، هذا الفكر أيضًا أصبحت له سيطرة في مصر، في المغرب، في كل مكان أنفق عليه المال بصورة كبيرة جدًا. عندما ترى العلماء الذين هم أصحاب الفكر، وأصحاب العقل وأصحاب القوة الحقيقية ليست لديهم أنا أعرف البعض منهم لا يستطيع أن يطبع كتابًا لأنه ليس لديه مال، نحن الآن نحتاج إلى دعم الحركة العقلية والفكر العقلي بصورة كبيرة.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، لكن قبل أن تنقلني إلى السعودية والمدرسة الوهابية، وأنا كانت لي حلقات كثيرة جدًا عن هذا الأمر. دعني أبقى في الحواضر العلمية، لماذا عندما يظهر مجدّد عقلاني عقلائي يطالب بالتحقيق يُزَندق؟ محمّد عبدو قال مَن قال بالتحقيق قيل عنه زنديق وقد نجسّوه في الأزهر جمال الدين الأفغاني نجس، السيّد محمّد باقر الصدر ما كان يسلم من الألسن وكان يبكي لذلك. ليس الوهابية هي مِن حارب هؤلاء العقلاء، هم أبناء المدرسة الواحدة، أبناء المذهب الواحد.

محمد هشام سلطان: كلامك لا شك فيه، لكن في نفس الوقت عندما ازداد الوجود الوهابي والوجود السلفي على الساحة زادت هذه القضية. نعم كان هناك في بعض الأوقات صراع ما بين المُحدثين وما بين المدرسة العقلية ما بين الفقهاء، بعض الفقهاء وبين المدرسة العقلية مع العلم أننا كنا نجد في الفقهاء أمثال الشيخ محمّد أبو زهرة كان رجلًا فقيهًا عظيماً وعالمًا وكان صاحب عقلية مفتوحة، لكن المشكلة هي الصراع القائم، هذا الصراع القائم الآن من الناحية العلمية يحتاج فعلًا إلى مَن يوجّهه أو إلى مَن يدعمه حتى يستطيع أن يقف على أرجله.

إذًا نعم الصراع هذا كان موجوداً من القديم لأنه مثلًا كثير من المحدثين أخذوا في قضية العمل بالحديث على اعتبار أن الناس  يعظّمون أو يقدّسون، أو يرون أنه مثلًا الإمام البخاري رجل عظيم، الإمام مسلم رجل عظيم، إذًا معنى ذلك العمل بالحديث هذا شيء عظيم مع العلم كان كل ما يريدونه الظهور أكثر مما يريدون خدمة الأمّة الإسلامية. كان هناك صراع هذا الصراع تأجّج في نفس الوقت الجامعات الإسلامية عليها دور كبير جدًا من الناحية الثقافية. مادة الثقافة الإسلامية التي تدرّس في الجامعات الآن، هذه المادة المفروض أن يكون فيها جزء من الناحية العقلية، جزء كبير من الناحية العقلية لتأسيس العقل العربي الإسلامي المعاصر. إسمح لي أن أقول العقل العربي الإسلامي والأمّة العربية باعتبار هي الحاضنة للإسلام الحاضنة الأولى للإسلام، لكن الحقيقة العقل الإسلامي هو الذي نريده أو نريد له الآن أن يخرج على الساحة، وأن يوجّه. وهذه القضية ليست سهلة لأن هناك بعض السياسيين...

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد قولك أن الأمّة الإسلامية والعربية حاضنة للإسلام، والله أنا أرى أنها حاضنة للانهيارات، والانكسارات، ثورة في العراق، وثورة في لبنان، وثورة في الجزائر، وثورة في تونس وشباب متمرّد على القديم ومتمرّد على الخرافة وشباب سرقته الحداثة والعولمة والحرب الناعِمة. نحن في أسوأ حال بلحاظ القرن الواحد والعشرين. دكتور يوسف؟

محمد هشام سلطان: اتفق معك في هذا لكن نحتاج الآن إلى بناء عقل إسلامي جديد معاصر معتمد على القواعد الإسلامية الأصلية هذا ما نحتاجه.

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف كأن في فمك ماء دكتور يوسف

يوسف الصديق: مَن يحدّد هذه الأصالة والقواعد الأصلية؟ مَن يحدّدها؟ يحدّدها المنطق، ولكن لنكن صرحاء مع بعضنا ولنعطي أمثلة تاريخية، أنا عندما أتحدّث في وسائل الإعلام التونسية أو عندما أكتب أو أنشر يتصدّى لي الفقيه وهو في علاقة عضوية مع الحاكِم، ويخاف من الحاكِم حتى وإن كان الحاكِم ديمقراطيًا كما هي الحال الآن في تونس، يفرض أن نسكت عن الأشياء أعطيك مثلًا كان لي حصة في الإذاعة الوطنية إسمها عيال الله، أتحدّث فيها بعقلانية وكما أرى، ربما أخطئ، وربما لا أخطئ فتصدّى أحد القياديين من الحزب الحاكِم وهو حزب النهضة ثالث القياديين وسأسمّيه عبد اللطيف المكّي وهو قيادي ثالث أو رابع، فتصدّى لي ومُنِعت من الغد مُنِعَ بثّ هذه الفترة، وكنت أقول فيها أشياء قد تحتمل الخطأ، وتحتمل الصواب كما قال الإمام إبن حنبل ولكن المشكل هو تعاطف وخوف الحكم مع الأزهريين والزواتنة والقرويين الخ. حتى لا يكون لأصواتنا نحن المدقّقين والعلمانيين والعلماء الذين ينظرون للإسلام كأنه ساحة أرضية كونية لا ساحة منغلقة عن ذاتها، وتهمّ المسلمين بالمدينة أو مكّة أو بتونس، أو بالقيروان، وإنما نعتقد نحن وأقولها في هذا المنبر نعتقد نحن أن قوّة الإسلام وحقيقته هو في كونيّته، وأن المسلم الذي يريد أن يكون مسلمًا في الإسكيمو القطب الشمالي أو القطب الجنوبي لابد من أن يكون في حذو العقل حتى لا يقبل الإسلام، ولا يمكن أن يقبله أحد في اليمن أو في الجزيرة العربية أو في السودان، وإنما هو دين كوني وحتى يكون دينًا كونيًا لابد من أن يكون حظوه العلم وأن يكون محافيًا للعلم، وأن يكون مدقّقًا في العلم. العلم كوني لا العلم الذي يصرفه إبن حنبل أو يصرفه البخاري أو كذا، ولابد من القطع مع ما حجب عنا فلسفة التنزيل، وأقولها فلسفة التنزيل.

التنزيل به كم هائل من الفلسفة، ومن العقلانية، ولكن حجبتها ما سمّيت بالسنّة بعد ذلك والتي قال عنها الأشعري أنه حلم برسول الله في رؤية معينة معروفة في كتاب إبن عساكر عندما جاءه وقال له احمِ كتاب الله بسنّتي الخ، ووقف عليه ثلاث مرات وفي ذلك أسّس لمذهبه الأشعري الذي هو مذهب برأيي مكبّل للعقل.

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف أنت بادرت بالحديث تعليقًا على الدكتور محمّد، لكن كان بودّي أن أسألك عن مصير الأجيال الآن. الأجيال اليوم باتوا مرتبطين بعولمة ثقافية وعولمة فكرية وعالم افتراضي سحبهم من الخارطة الإسلامية بالكامل. الدعاة الذين فرضوا سلطتهم على المنابر، الشيوخ الذين فرضوا أيضًا ديكتاتوريتهم على الناس، لا أحد بات يستمع إليهم وحتى حركة الردّة والإلحاد في العالم العربي والإسلامي في مصر وحدها ألحد ثلاثة ملايين شاب مصري.

من يتحمّل وزر سرقة الأجيال إلى دائرة ثقافية أخرى لا تؤمن بالإسلام؟ أليست الخرافة هي المسؤولة عن هذا التزحزح من دائرة الإسلام إلى دائرة فكرية أخرى؟ باختصار دكتور يوسف.

يوسف الصديق: الخرافة هي مشخّصة في أولئك الذين يحمون الفكر الخرافي في كل جامعاتنا التي تعتمد المسألة الدينية. لابد من تحطيم هذه الجامعات وتذويبها في جامعات علمية لا تقول إنها دينية، ليس هناك جامعة دينية، هناك جامعة للبحث العلمي العقلاني. لا يمكن أن يكون هناك أزهر جامعة مغايرة للسوربون أو مغايرة لجامعة تونس تسعة أبريل، أو لجامعة القاهرة العلمانية أو للجامعة الأميركية في بيروت لا يمكن. لابد من الإطاحة بالجامعات التي تختصّ بالدين لأنها جامعات دَجَل.

يحيى أبو زكريا: طبعًا نحن نحترم دكتور يوسف بعض الجامعات التي تحاول أن تقدّم الإسلام في صورة حضارية متكاملة. وللحديث صلة وسوف نكمل هذا الموضوع بحول الله تعالى وقوّته إذا أمدّ الله في أعمارنا. الدكتور يوسف الصديق المفكر التونسي من تونس الحبيبة شكرًا جزيلًا لك. الدكتور محمّد هشام سلطان من الأردن الحبيب شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.