الملف الكيميائي في سوريا

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا. الحرب السورية مليئة بالأسرار التي لم يُكشَف عنها بعد، لعلّ من أبرزها استخدام الأسلِحة الكيميائية. عادت القضيّة إلى الواجهة بعد تقارير مُسرّبة من داخل منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية حول حادثة (دوما) الشهيرة تُشير إلى تزويرٍ وتلاعبٍ في النتائِج، وهي الحادثة التي دفعت الحلف الثلاثي (بريطانيا- فرنسا- الولايات المتحدة) لتنفيذ عدوانٍ عسكريّ ضدّ مواقع الجيش السوري في نيسان/ أبريل عام 2018 وهذا طرح تساؤلات حول تنفيذ العدوان الثلاثي قبل التحقيق. تطوّرٌ لافت آخر طرأ على الملفّ وهو الميزانية الإجمالية للمنظمة الدوليّة لعام 2020 بزيادة 1.8 في المئة وتتضمّنُ تمويل فريق تقصّي الحقائِق الجديد وتجاوز مهمّته في التوثيق إلى توجيه الاتهام، فما هي مهمّة هذا الفريق تحديداً؟ (موسكو) اتّهمت (واشنطن) والغرب بتغيير نتائِج تحقيق (دوما) استناداً إلى رسائِل إلكترونية مُسرّبة نشرها موقع "ويكيليكس"، (أميركا) دافعت عن نفسها وأكّدت أنّها تملِكُ أدلّةً دامغةً من دون كشفها في حين أكّد الرئيس السوري "بشّار الأسد" بألا يوجد دليل واحد حتّى اللحظة على استخدام الجيش السوري للأسلِحة الكيميائية! فما هي حقيقة ما يجري داخل المنظّمة الدولية المعنيّة وما هي الأهداف السياسية التي تقف خلفَ هذا الملفّ؟ أهلاً بكم في "لعبة الأُمم" 

المحور الأول

كمال خلف: مُشاهدينا هذه الحلقة مُقسّمة إلى جزءين، في القسم الأول معنا من (دمشق) نائِب وزير الخارجية السورية الدكتور "فيصل المقداد" وفي الجزء الثاني من هذه الحلقة ستكون معنا السيّدة "فينيسا بالي" الصحافية والكاتبة من (كندا) التي ستطلّ علينا من (تورينتو)، أيضاً سيكون معنا الدبلوماسي "بيتر فورد" سفير (بريطانيا) السابق في (سوريا) الذي سيطلّ معنا من (لندن) في الجزء الثاني من هذه الحلقة. دكتور "فيصل" أسعَد الله أوقاتك، بدايةً نتحدّث عن ملفّ حسّاس بالنسبة لكم، ملف خطير وأيضاً بمثابة معركة دبلوماسية كبيرة تخوضونها الآن في (سوريا). إذا سمحت لي دكتور أن أبدأ في التسريبات الأخيرة التي طرأت على الملفّ في ما عُرِف بـ "ويكي ليكس" أو البريد المُسرّب لأحد أعضاء فريق التحقيق الذي أحدث ضجة كبيرة بسبب ما ورد فيه من أقوال لهذا الخبير من أنّ هناك تلاعباً في التقرير. ما هو موقفكم وكيف تنظرون إلى ما جاء في هذا التسريب؟                       

فيصل المقداد: شكراً أخي "كمال" على هذه الاستضافة وأُحيّي مُشاهديكم في كلّ مكان 

كمال خلف: حيّاك الله 

فيصل المقداد: كما ذكرتم، هذا الملفّ حسّاس ودقيق جداً ولم يبدأ في الحقيقة منذ الأمس ولا قبل الأمس بل بدأ في إطار المؤامرة الكُبرى على (سوريا). قبل أن أتطرّق إلى ما أردتم الحديث عنه وهو التسريبات أو "ويكيليكس" الأخيرة، أودّ أن أقول بأنّ هذا الملف بدأ في عام 2013، يعني بعد أن بدأت الهجمات الإرهابية على (سوريا) وبدأت بعض الدول الغربيّة تُفكِّر في الطريقة التي يُمكن أن تؤثِّر فيها على صمود (سوريا) وعلى تضحياتها ومواجهتها للحرب الإرهابيّة عليها. فبتاريخ 19-03-2013 قامت المجموعات الإرهابية المُسلّحة بإطلاق الأسلِحة الكيميائية في (خان العسل) جنوب (حلب)، وفي تلك الحادثة تم استشهاد حوالى 25 من عناصر الجيش العربي السوري. في ذلك النهار، وكنّا نتابع في وزارة الخارجية هذا الموضوع الخطير جداً، قمنا فوراً بإعلام الأُمم المتّحدة باستخدام الأسلِحة الكيميائية في (سوريا). ما الذي حدث؟ بدأنا نُتابع الإجراءات التي يُمكن للأُمم المتّحدة أن تقوم بها لنكتشف أنّ الدول الغربيّة حالت دون أن تقوم الأُمم المتّحدة بموجب ميثاقها وبموجب قراراتها بإعاقة أيّ دور للأُمم المتّحدة في هذا الملفّ وبدأنا مرحلة من التأجيل ومن المُماطلة حتّى وصلنا إلى 21-08، أعني من الشهر الثالث وحتّى الشهر الثامن من ذلك العام حتّى أتت البعثة الدوليّة التي كنّا نُطالب بها. أعني مضت خمسة أشهُر بالتمام والكمال على مضيّ هذا الحادث الذي تدّعي الدول الغربيّة أنّها أخلاقياً ملتزمة بمنع أيّ استخدام للأسلِحة الكيميائية لكن طالما أنه من الثابت، نعم 

كمال خلف: في هذا الهجوم تحديداً دكتور، وسنعود لموضوع التسريبات، لكن في هذا الهجوم تحديداً كانت هناك تحقيقات روسية من الخبراء الروس أشارت إلى إطلاق صاروخ غير موجّه من قِبَل ما يُعرَف في ذلك الوقت بـ "أنصار البشائِر" أو "بشائِر النصر"، جماعة "بشائر النصر"، والصاروخ كان يُسمّى "بشائر 3" ويحتوي على المواد الكيميائية المحظورة. لكن في ذلك الوقت الولايات المتّحدة رفضت أن يكون هناك أيّ استخدام أو هجمات للكيميائي، لاحقاً التحقيق ألقى باللوم على الحكومة السوريّة

فيصل المقداد: لا، في ذلك الحادث لم يُلقَ اللوم على الدولة السورية، نحن الذين طلبنا التحقيق في ذلك الحادث لكن لجنة التحقيق برئاسة البروفيسور "سيليستروم" وهو نروجي، حضرت بعد خمسة أشهُر بالتمام والكمال كما ذكرت. ما الذي حدث؟ لأنني أنا كنت أقود الفريق السوري المُفاوِض مع البروفسور "سيليستروم" وفريقه من الأُمم المتّحدة. تفاوضنا حوالى ثمانية أيام وقرّرنا أنّه في تاريخ 21 – 08 يجب أن يُسافر الوفد إلى (حلب) للتحقيق في هذا الحادث. في صبيحة ذلك اليوم بدلاً من أن يُخبرني البروفيسور "سيلستروم" أنه سيُسافر إلى (حلب) قال لي أن هنالك حادث استخدام سلاح كيميائي في (جوبر)، في (الغوطة) الشرقية السورية وأنا تلقّيت تعليمات من الأُمم المتّحدة ألّا أذهب للتحقيق في حادث (خان العسل) وعليَّ أن أذهب إلى المنطقة التي يُدّعى فيها بوقوع هجوم كيميائي. بصراحة نحن ذُهِلنا، لكن طالما أنّ الهدف الأساس هو أنّ الجمهوريّة العربيّة السوريّة موافقة على التحقيق في أيّة هجمات كيميائيّة لأننا نعتبرها جريمة حرب وجريمة ضدّ الإنسانية، وفي المناسبة هذه الأسلِحة لم تُستخدَم إلّا خلال الحرب العالمية الأولى في شكلٍ مُقيّد، استُخدِمت في الحرب العالمية الثانية واستخدمها الأميركيون كما تعرِفون في الحرب الفيتناميّة في طريقة ما زالت تؤثِّر على، أعني الأسلِحة الكيميائيّة وأنا لا أتحدّث هنا عن النووية التي استخدموها في (نكازاكي) و(هيروشيما)، لكن الأسلِحة الكيميائية التي قتلت غابات وشعب (فيتنام) وما زال الشعب الفيتنامي يعاني من آثارها حتّى هذه اللحظة 

كمال خلف: إسمح لنا أن نعود إلى التسريبات دكتور

فيصل المقداد: نعم؟ لم نذهب إلى (خان العسل) وذهبنا إلى (الغوطة) وآنذاك كانت المُهمّة هي عدم تحديد الجهة التي استخدمت الأسلِحة الكيميائية لكن نحنُ فوجِئنا بهذا الاستخدام. الآن أعود إلى قصة التسريبات

كمال خلف: التسريبات وماذا تعني بالنسبة إليكم، نعم  

فيصل المقداد: هذه التسريبات أخي "كمال" جاءت مُباشرةً بعد حادث (دوما)، ونحن في المناسبة قمنا أيضاً بدعوة فريق تحقيق من منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية لأننا انضممنا في ذلك التاريخ، قبيل نهاية عام 2013، إلى منظّمة "حظر الأسلِحة الكيميائية"، واسمح لي أحياناً أن أستفيض في بعض الشروحات 

كمال خلف: تفضّل

فيصل المقداد: لكن سأُجيب على كلّ الأسئِلة التي ستطرحها. انضممنا إلى منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية وقمنا بالسماح لكلّ فِرَق التفتيش التي قرّرتها منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية، وتعلمون أنّ السيّدة " كاخ" وهي هولندية ترأّست فِرَق التفتيش وأعلنت في نهاية مهمتها خلوّ الجمهورية العربية السورية من الأسلِحة الكيميائية حيثُ قمنا بتسليم كلّ هذه الأسلِحة إلى منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية. وهنالك سرّ أودّ أن أُذيعه، أننا خُيِّرنا في أن نُدمِّر هذه الأسلِحة على أرض الجمهورية العربية السورية أو أن ننقلها إلى خارِج الجمهورية العربيّة السورية وكان رأينا آنذاك ألّا نُدمّرها لأننا إن دمّرناها داخل (سوريا) فسيقولون: "لم تدمّروها"، لذلك قررنا أن نشدّ الهِمم وأن ننقُل كلّ ما يُسمّى بمكوّنات هذا البرنامج إلى خارِج (سوريا) وعلى ظهر سُفن غربيّة نرويجية وسويدية وفنلندية وأميركية 

كمال خلف: لكن دكتور أنت تعرف أنّ اليوم يوجد اتهام أو الاتهام الرئيسي اليوم للحكومة السورية في أنها احتفظت بجزء من هذا المخزون 

فيصل المقداد: هذا جنون! إذاً ليقولوا لنا أين هو هذا الجزء. هذا جنون! كلّ الكميّات التي استُخدِمت والتي لدينا سجلّات عندما دخلت إلى (سوريا) وعندما أُتلِفت في (سوريا) قدّمناها إلى منظمة حظر الأسلِحة الكيميائية. لكن الولايات المتّحدة والدول الغربيّة وخاصّةً (فرنسا) و(بريطانيا) هي الدول التي ارتكبت جرائِم حرب من خلال استخدامها لهذا النوع من الأسلِحة، رأت في هذه التُهم بقرة حلوب تستطيع أن تستخدمها. فتصوّر أننا نريد الآن مثلاً أن نُحرّر مدينة (إدلب) من الإرهابيين، يقولون: عليكم أن تحذروا لأنكم إن استخدمتم الأسلِحة الكيميائية في (إدلب) فسنقوم باتّخاذ الإجراءات اللازمة، أي ارتكاب اعتداءات على (سوريا). أعني هم قرّروا أن يستخدموا موضوع الأسلِحة الكيميائية 

كمال خلف: يعني وسيلة للابتزاز السياسي 

فيصل المقداد: وسيلة للابتزاز العسكري والسياسي. هم قاموا بهجومهم علينا مرّة على مطار (الشعيرات) ومرّة على مركز البحوث العلمية في (دمشق) تحت هذه الذرائِع ولم يُدمّروا سوى إمكانيات وفّرها الشعب السوري في عرقه وعرق جبينه للدفاع عن الوطن، لكن أنا أؤكِّد بصفتي رئيساً للجنة الوطنيّة السورية لتنفيذ الالتزامات المتوجِّبة على (سوريا) بموجب هذه الاتفاقية أنّ (سوريا) خالية مئة في المئة ومليون في المئة لمَن يريد أن يسمع هذا الكلام وليتذكّروا أنّ (سوريا) خالية من كلّ هذه الأنواع من الأسلِحة الكيميائية وأسلِحة الدمار الشامل الأُخرى، وأنّ مَن يمتلِك هذه الأسلِحة في منطقتنا هي (إسرائيل) التي تمتلِك الأسلِحة النووية والكيميائية والبيولوجية. وإذا كانت هذه الدول صادقة في أنها تريد تخليص منطقة الشرق الأوسط من هذه الأسلِحة فالعنوان الوحيد لهذه الأسلِحة هو (إسرائيل)، وإذا أرادوا الحفاظ على ما تبقّى من مصداقيّتهم فعليهم الذهاب إلى (إسرائيل). على كلٍّ، نحن نفّذنا التزاماتنا في إطار انضمامنا إلى منظمة حظر الأسلِحة الكيميائية 

كمال خلف: إسمح لي دكتور أن أعود إلى عمل المنظمة ورأيكم في عمل المنظّمة، أنا أشرت إلى التسريبات وأُحب أن أعود إليها لأسمع تعليقاً من حضرتك عليها. لكن قبل ذلك إسمح لي دكتور أن نعرِض للمُشاهِدين عمّا نتحدّث بالضبط، يعني ما هو البريد الإلكتروني! مُشاهدينا، صحيفة Daily Mail البريطانية نشرت عن المُبلِّغ، وهو أحد أعضاء الفريق، نشرت رسالة الكترونية تُصيب بالذهول! أُرسِلت كاعتراض على كبار المسؤولين في منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية. يُشير البريد إلى أنّ التقرير الرسمي الذي كتبه العُلماء المُستقلّون عمّا حدثَ في (دوما) جرى حظر أجزاءٍ كبيرة منه واختصارها إلى درجة: 

- تحريف الحقائِق من خلال حذف معلومات أساسية من التقرير 

- طمَسَ حقيقة أنّ آثار الكلور التي وُجِدت في الموقِع كانت مُجرّد آثارٍ ضئيلة وفي أشكالٍ يُمكن أن تتوفّر في أيّ مُبيِّضٍ منزلي 

- تحريف كبير عن التقرير الأصلي الذي قدّمه خبراء محايدون فتحوّل إلى تقرير مختلف تماماُ

- تغطية عدم التطابُق بين الأعراض التي يزعُم أنّها ظهَرَت على الضحايا في الموقع وآثار المواد الكيميائيّة التي وُجِدت بالفِعل. في بساطة لا تتماشى الأعراض التي ظهرت في مقطع الفيديو المُروِّعة مع الأعراض التي قد تُسبّبها أيّ من المواد التي وُجِدت في الموقع 

ربّما هذا تلخيص دكتور "المقداد" حولَ ما نُشِر من تسريبات لكن في تقديركم دكتور، هل يوجد انقسام داخل منظّمة حظر انتشار الأسلِحة الكيميائية حتّى يُسرِّب أحد أعضاء الفريق مثل هذه المعلومات عن التقرير؟    

فيصل المقداد: أكيد هنالِك انقسام. طبعاً قُدِّمت عدّة تقارير حول تنفيذ (سوريا) لالتزاماتها بموجب انضمامها إلى اتفاقيّة حظر الأسلِحة الكيميائية، وهذا الشخص شارك في العديد من بعثات التحقيق حيثُ أتاحت (سوريا) المجال بلا حدود من أجل التحقيق في كلّ هذه الأحداث. نحن كنّا نُرسل أخي "كمال" أحياناً في شكلٍ شبه يومي معلومات موثّقة إلى منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية وإلى مجلِس الأمن في (نيويورك) وإلى جهات صديقة وغير صديقة بمعلومات أمنية حولَ الاستعدادات التي كانت تقوم بها التنظيمات الإرهابيّة سواءً كان ذلك في الشمال السوري أم في منطقة (حلب) أم في غوطة (دمشق) أو حتّى في مُخيّم (اليرموك) وأماكن أُخرى كانت تتواجد فيها المجموعات الإرهابية واستخدمت المواد الكيميائية في حربها في بعض الأحيان ضدّ بعضها البعض، وقد أتحنا المجال أمام المنظّمة ومُحقّقيها للتحقيق في ذلك . لكن في (دوما) يبدو أنّ بعض المُحقّقين في منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية لم يعودوا يتحمّلون الكذب، هذا حقيقةً ما توصّلنا إليه في اللجنة الوطنيّة السورية وفي الجهات المعنية بمعالجة هذا الملفّ لأنّ الحقيقة كانت واضحة. الحقيقة كانت أنّ التنظيمات الإرهابية، نعم 

كمال خلف: دكتور، عرفتم مَن هو صاحب البريد المُسرَّب؟

فيصل المقداد: هنالك سيّد أعلن إسمه في شكلٍ واضح وهو البريطاني السيّد " يان هندرسون"، وقامت منظّمة الأسلِحة الكيميائيّة باستدعائه والتحقيق معه كما قامت بالتحقيق مع آخرين من نفس فريق التحقيق الذين قالوا أنّ وجهات نظرهم تجاه حادث (دوما) لم يتم عكسها في شكلٍ صحيح ذلك لأنّ القرار الموجود لدى المنظّمة هو دائِماً الانصياع للضغوطات الأميركية والغربيّة وإلاّ أن هذه الإدارة وهؤلاء المُحقّقين الذين وقفوا في الصفّ الآخر لن تُتَح لهم فُرصة العمل لهم في المُنظّمة وسيُطرَدون من عملهم. نحن في المؤتمر الأخير الذي انعقَد قبل عدّة أيّام بتاريخ الخامس والعشرين إلى السابع والعشرين من الشهر الماضي طرحنا إمكانيّة عقد اجتماع لهذا الفريق الذي حقّق في أحداث (دوما) وفوجِئنا برفض كلّ الدول الغربية الموافقة على إجراء هذا التحقيق

كمال خلف: أي أنتم طالبتُم بجلسة استماع خاصّة لفريق التحقيق وفق المادة 62 من اتفاقية المنظمة 

فيصل المقداد: بالضبط نعم، ولكي يتحدّث كلّ عضو في هذا الفريق عمّا رآه وعمّا حقّق فيه. لكن لو كانت المُنظّمة متأكِّدة من أنّ ذلك لن يُعرّيها ويُعرّي أعضاء الفريق الآخرين الذين كانوا منحازين دائِماً في تحقيقاتهم لكانت وافقت على ذلك. إضافةً إلى هذا كلّه أنا قد أرى في عمليّة التسريب طبعاً بعد ذلك كما ذكرتم أخي "كمال" تأتي صحيفة الـ Daily Mail وتنشر تقارير موسَّعة حول هذه الأكاذيب والاستنتاجات المُزيّفة التي خرجت بها المنظّمة، لم يخرُج بها المحقّقون بل خرجت بها قيادة المنظّمة ونحن نعرِف الأشخاص الذين قاموا بتحريف هذا التقرير وإعطاء الانطباع بأنّ الرأي الأميركي خاصّةً بعد قيام الولايات المتّحدة و(فرنسا) و(بريطانيا) بقصف مركز البحوث العلمية 

 كمال خلف: دكتور إذا سمحت لي لأنّ الوقت داهمني في شكلٍ كبير وعندي بعض الأسئِلة المُهمّة للغاية. المعركة التي حصلت منذ أيام بين الولايات المتّحدة و(روسيا) وكنتم موجودين في أروِقة المنظّمة الدوليّة لحظر الأسلِحة، الدول الغربيّة ثبَّتت الفريق وزادت من ميزانيته لكن اللافت أنّها أعطت فريق التحقيق مهمّة إضافيّة وهي تحديد أسماء المسؤولين عن الهجمات الكيميائية. كيف ستتعاملون مع هذا التطوُّر الذي يبدو بأنّه يُعطى لفريق تحقيق تابِع للمنظّمة كسابقة لأوّل مرّة ربما 

فيصل المقداد: هذا الملف أخي "كمال" ذو شجون، كما ذكرت هو بدأ في عام 2013 لكن هنالِك مُحاولات أُصيبت فيها الولايات المتحدة لاتّهام الدولة السورية بالأسلِحة الكيميائية واستخداماتها. مثلاً هم شكّلوا فريقاً أسموه JIM أوInvestigation Mechanism Joint، آليّة التحقيق المُشترِكة بين منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية ومجلِس الأمن. في نهاية المطاف اكتشف الكثير من الأصدقاء في مجلس الأمن أنّ هذا الفريق كاذب، كانوا يأتون إلينا أعضاء هذا الفريق ويقولون أنّه لا يُمكن اتّهام (سوريا) بأيّ شيء، وبعد ذلك عندما يذهبون إلى (نيويورك) ويُخبرون بعض الدول الصديقة في مجلس الأمن بأنّهم لم يجدوا أيّ شيء لكن كنّا نُفاجأ جميعاً نحن والأصدقاء في مجلِس الأمن بأنّ التقرير الذي يصدُر كان مُختلفاً عمّا يقول به المُحقّقون. هم استخدموا هذا في شكلٍ فاقع للدلالة على حقدهم وللدلالة على تزويرهم وهيمنتهم على المنظمة الدوليّة. متى انتهى هذا الفريق؟ انتهى عندما استخدم الاتّحاد الروسي مرّتين الفيتو في مجلِس الأمن وقضى على هذا الفريق. الآن، بعد أن تمّ القضاء على هذا الفريق جاءت الولايات المتحدة وشكّلت فريقاً آخر في مُنظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية وكنت أنا حاضراً في المؤتمر الرابع الاستثنائي الطارئ الذي عُقِدَ لهذا الغرض، بما يعني ما قلتموه حول تحديد هوية الأشخاص الذين وجّهوا وأمروا وقاموا باستخدام الأسلِحة الكيميائية. هذا القرار للمرّة الأولى منذ تأسيس منظمة حظر الأسلِحة الكيميائية في عام 1992 يكون هنالِك تصويت في هذه المنظمة للمرّة الأولى، بمعنى أنّ أسلِحة الدمار الشامل تُشكّلُ خطراً كبيراً على العالم ولا يجب التصويت عليها لأنّ كلّ العالم متّفق على ضرورة إنهائِها. ما الذي حدث؟ في ذلك الاجتماع الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلِحة الكيميائية 193 دولة وحضر فقط المؤتمر الاستثنائي الطارئ 106 دُوَل، صوّت منهم 82 دولة لصالح القرار واعترض 24 دولة من بينها دول كبيرة، وهذا القرار لم يحصل حتّى على نصف عضوية منظّمة الأسلِحة الكيميائية. بمعنى أنّه قرار ساقط وغير مُعترف به، ونحن قلنا بأننا لن نعترِف بهذا القرار ولن نتعاون في تنفيذه لأننا نعتقد أنّ التقارير قد صدرت، التُهم صدرت 

كمال خلف: دكتور، أفهم أنّكم لم تستقبلوا هذا الفريق وتتعاونوا معه

فيصل المقداد: لن نستقبله ولن نتعاون معه ولن نعترِف به وموقف (سوريا) في هذا المجال واضح لمنظمة حظر الأسلِحة الكيميائية ومع ذلك هم سيُقدّمون الآن تقريراً. لماذا لا نعترف به؟ أخي "كمال" كلمتان فقط. كلّ التحقيقات التي أجراها هذا الفريق، كان يُرسل فريقين فريق إلى المناطق التي تُسيطر عليها الدولة السورية ونتعامل نحن معه وفريق آخر كان يذهب إلى (تركيا) ليلتقي مع المجموعات الإرهابية ومع المُسلّحين ومع الخُوَذ البيضاء التي كانت تُلفِّق كلّ هذه التُهَم، واعتُمِدت من قِبَل الولايات المتّحدة و(بريطانيا) و(ألمانيا) كمُنسِّق لاستخدام الأسلِحة الكيميائية وإلقاء التُهمة على الدولة السورية. كانت الفِرق تأخذ بالتحقيقات التي تتم في (تركيا) والتي تتّهم الدولة السورية باستخدام الأسلِحة الكيميائية ولم يأخذوا حرفاً واحداً مما كنّا نُعلِمهم به، لذلك كيف لنا أن نعترِف وكلّ هذه التحقيقات مُزيّفة ولا يُمكن الاعتداد بها

كمال خلف: دكتور، أخيراً عندي سؤال لأنه انتهى الوقت، الحكومة السورية تتّهم الجماعات المُسلّحة والإرهابية باستخدام السلاح الكيميائي لكن عندكم معلومات من أين حصلت عليه وعن طريق مَن؟ وهلّ هناك تعاون بينها وبين أطراف أو قوى إقليمية لإدخال مثل هذه الأسلِحة؟ 

فيصل المقداد: نعم. حتّى بعض التنظيمات الإرهابية صوّرَت فيديوهات حول طريقة التجارُب التي أجرتها لبعض الأسلِحة الكيميائية، وكنّا قد عثرنا على براميل أتت من دول إقليمية وخاصّةً أنّ النظام التركي كان يُزوِّد هذه التنظيمات بهذه المواد، وهنالك بعض الدول العربية. لا أُريد الآن أن أعود إلى فضيحتها لكن (السعودية) واحدة من هذه الدول التي زوّدت هؤلاء الإرهابيين بمواد كيميائية ولدينا دلائِل على ذلك، والدول الغربيّة لم تُقصِّر نهائياً، فهي التي كانت تأمر هذه الدول بإيصال هذه المواد الكيميائية لتبرير اعتداءاتها على الدولة السورية ولإنجاح حربها الإرهابية على (سوريا) 

كمال خلف: دكتور "فيصل المقداد" نائِب وزير الخارجية السورية، طبعاً الملفّ الكيميائي والمزاعِم والهجمات الكيمائية هذا الملفّ أيضاً في عُهدتك وأنت تُتابع هذا الملفّ، أشكرك جزيل الشُكر على هذه المُشاركة في "لعبة الأُمم" 

فيصل المقداد: شكراً 

كمال خلف: مُشاهدينا، فاصل ننتقل بعده مباشرةً إلى الجزء الثاني من هذه الحلقة مع ضيوفنا

المحور الثاني                   

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا في القسم الثاني من "لعبة الأُمم" نستقبل فيها الصحافيّة "فينيسا بالي" من (تورنتو) والدبلوماسي البريطاني "بيتر فورد" سفير بريطانيا السابق في (سوريا). قبل أن نسأل الضيوف نستمع إلى ما قاله مُقدِّم البرامج في قناة "فوكس نيوز" "تيكر تيلرسون" الذي تحدّث في شكلٍ مُختلِف عمّا يُقال في الولايات المتحدة الأميركية على المُستوى السياسي وحتّى أحياناً الإعلامي في ما يخُصّ ملف الكيميائي السوري. سنُتابع ما قاله "تيكر تيلرسون" في هذا المجال

تيكر تيلرسون: في الربيع الماضي أشار التقرير الرسمي الذي أصدرته منظّمة حظر الأسلِحة الكيميائية، وهي المنظمة التي تُراقب استخدام الأسلِحة الكيميائية حول العالم، إلى أنّ هجومَ (دوما) جرى عبر استخدام قنبلتين من غاز الكلور أُلقيتا من طائرة، ما يقترح أنّ حكومة "الأسد" هي من يقف وراء الهجوم، حسناً. لكن في شهر مايو/ أيار الماضي أظهر مستند داخلي مُسرّب أنّ أحد كبار المُحلّلين في المُنظمة يُخالف هذا الاستنتاج. في رأيه، جرى زرع القنابل يدوياً من قِبَل أحدهم على الأرض ما يجعل الأمر حالة مُختلِفة كليّاً. وفي هذا الأُسبوع نشرت "ويكي ليكس" بريداً إلكترونياً من أحد أفراد تقصّي الحقائِق داخل المنظّمة، ذاك البريد الإلكتروني يتّهم المنظمة بتغيير النتائِج الأصلية التي توصّل إليها المُحققون لجعل الأدلّة على الهجوم تبدو قاطعة أكثر مما هي في الواقع، هلّ هذا مألوف بالنسبة إليكم؟ نعم! رأينا هذه الفيلم من قبل مع عواقب مأساويّة. مع ذلك، أفاد مبلِّغ آخر في المنظّمة أنّ الأدلّة على الأرض تنفي وقوع هجوم في الأساس. إذاً في كلامٍ آخر، كانت الولايات المتّحدة على وشك أن تُهاجِمَ بلداً وتقتل آلاف الأشخاص على خلفيّة هجوم ربّما لم يقع في المقام الأول، وربما كان أصحاب النفوذ يكذبون في شأنه 

كمال خلف: سيّدة "فينيسا بالي" حيّاكِ الله، أسعد الله أوقاتكِ. ونحن نستمع لـ "تيكر" على قناة "فوكس نيوز" وكنّا قد استمعنا إلى نائِب وزير الخارجية السورية، وكأن الذاكرة تعود بنا إلى فريق " هانز فليكس" في (العراق) حيثُ قتلت الولايات المتّحدة الأميركية آلاف العراقيين وفي نهاية المطاف قالوا: إنّما كان هذا الادّعاء مُجرّد كذبة وأن التقارير كانت تُحرّف، هذا ما قاله "هانز فليكس" وكشف عنه لاحقاً. لماذا تكرار مثل هذه المآسي وفي نفس السيناريو من دون أن يكون هناك حساب لأخطاء الماضي على سبيل المثال التي دفع ثمنها شعب (العراق)؟

فينيسا بالي: اللافت أنّ منظّمة حظر استخدام الأسلِحة الكيمائية أيضاً أثارت جدلاً في موضوع استخدام أسلِحة الدمار الشامل في (العراق). حينها كانت إدارة "بوش" وأيضاً "جون بولتون" شارك في هذا الموضوع، حتّى داخل المنظّمة نفسها هناك تاريخ من التلاعُب في المعلومات، دول من الناحية الفعليّة تُسيطر وتتحكّم في المنظمة. أعتقد أنّ هذا أيضاً توضَّحَ بعد التسريبات التي حصلت في شهر أيار/ مايو. أيضاً أحد العلماء في المنظّمة كما ذكرت سابقاً كشف أنّه على الأرجح لم يتمّ استخدام مادة "الكلور" في الهجوم المزعوم في (دوما) في عام 2018. هذه استراتيجية مألوفة يتّبعها التحالُف الأميركي وهذه الدول التي تدعم سياسات المُحافظين الجُدُد في المنطقة. نحن لم نشهد ذلك فقط في (العراق) كما ذكرت ولكن سابقاً أيضاً شاهدنا ذلك مع ما حصل خلال أو قبيل الحرب العراقيّة الأولى، وطبعاً في (ليبيا) تمّ الترويج من قِبَل منظّمات مثل منظّمة العفو الدولية وHuman Rights Watch التي تحدّثت عن استخدام أسلِحة في (بنغازي). أيضاً نشروا روايات أُخرى تبيّن أنها كانت مُزيّفة وغير حقيقية وذلك بعد عمليّة الاغتيال المروِّعة في حق "معمّر القذّافي". إذاً هذا مسار مألوف، واللافت في هذا الموضوع تحديداً هو أننا نستطيع أن نُحصي عدد الضحايا الذين يقعون

كمال خلف: سيّدة "بالي"، في المقابل هناك مسألة مهمّة في هذا السياق. اليوم عندما قُتِل مليون عراقي وتشرّدَ العراقيّون بسبب غزو الولايات المتّحدة الأميركية لـ (العراق) بزعم امتلاك أسلِحة الدمار الشامل. لا أحد اليوم يأتي إلى "كولين باول" ويقول له: لماذا كذبت؟ لا أحد يأتي إلى فِرَق تفتيش الأُمم المتّحدة التي كانت تُرسَل الـ (العراق) ليقول: ما هي مسؤوليتكمّ؟ الأمر ينتهي عند حدود الخطأ أو الفضيحة أو الكذبة ونكتشفها بعد سنوات ويكون كلّ شيء قد دُمِّر وانتهى. اليوم في ظلّ ما يجري في (سوريا) حالياً ألا يقف أو تقف قوى أو شخصيات سياسية أو حتّى نُخب إعلامية في الولايات المتحدة لتسأل: لماذا تُكرّرون ما جرى في (العراق) في (سوريا)؟ علينا أن نعرِف الحقيقة أولاً ثمّ تتحرّكون عسكرياً إذا اكتشفنا أو اقتنعنا بالحقيقة

فينيسا بالي: أعتقد أنّ هذا يُشير إلى أنّ وسائِل الإعلام المُتحالفة مع الدولة هي بالفِعل متحالفة مع الدولة وتعمل لحساب الدولة، تعمل كشركة علاقات عامّة تروِّج للسياسة الحكومية في (المملكة المتحدة) و(أوروبا) وفي (أميركا). نحن نرى أنّ وسائِل الإعلام هذه فقط تعكُس الآراء ومواقف السياسة الخارجيّة للحكومات الموجودة. وفي قضية (سوريا) دائِماً نعرِف أنّ السياسة عدائية تجاه الحكومة السورية وأيضاً تجاه الشعب وتجاه حلفاء (سوريا)، لا وجود لعمليّة مُحاسبة في موضوع تزييف الحقائِق وذلك من أجل الحصول على دعم الشارِع لحرب تدخّليّة وهذا ما شاهدناه على مدار تسعة أعوام. إذاً، غياب المُحاسبة يسمح لهم بارتكاب كلّ هذه الجرائِم وأنا أسمّيها جرائِم بالفعل لأنّ تواطؤ وسائِل الإعلام مع هذا الخطاب أيضاً تسبّب في تسعة أعوام من سيل الدماء في (سوريا) وهذا يُشكِّل جريمة، وكذلك الأمر بالنسبة للدول 

كمال خلف: سيّدة "فينيسا بالي" إسمحي لي أن أنتقل وآخذ رأي أيضاً السيّد "بيتر فورد". أسعد الله أوقاتك مستر "فورد"، الهجمات في نهاية المطاف نحن نبحث كلّنا عن الحقيقة. هناك هجمات حصلت بالأسلحة الكيميائية في (سوريا) يُقال أنّها في أكثر من منطقة، وأثناء حديثي مع حضرتك نعرِض الآن خارِطة لأبرز الأماكن التي زُعِمَ أنّ فيها هجمات كيميائية. نتابع الخارطة الآن، هذه أبرز المناطق مُشاهدينا التي تحدّث عنها من الشمال، من (حلب) (سراقب) في (خان العسل) و(خان شيخون)، في (حمص) أيضاً قاعدة (الشعيرات) طبعاً تمّ استهدافها من قِبَل الولايات المتّحدة الأميركية بـ 59 صاروخ "توما هوك" بزعم أنّه انطلقت منها الطائِرات لاستهداف الأسلِحة الكيميائية. طبعاً (دوما) و(الغوطة) الشرقية من ضمن المناطق. سيّد "بيتر فورد"، في نهاية المطاف أكثر من هجمة بالسلاح الكيميائي على امتداد الجغرافيا من الشمال إلى الجنوب. مَن هو الذي استخدم هذه الأسلِحة؟ إذا كانت الحكومة السورية تنفي والمُعارضة تنفي والأُمم المتّحدة تُرسِل فِرَق التفتيش، هلّ لديك تفسير خاص لما جرى في (سوريا)؟   

بيتر فورد: لا أعتقد أنّ الحكومة السورية استخدمت الأسلِحة الكيميائية في أيٍّ من هذه الحوادث المزعومة. هناك وكالات أُخرى تابعة للأُمم المتّحدة أشارت عدّة مرّات إلى استخدام "داعش" وإلى استخدام مجموعات أُخرى للأسلِحة الكيميائية، وبالتالي نعم وقع عدد من الحوادث ولكن الهجمات المزعومة التي تتحدّث عنها هي من الخيال وليست من الواقع ولم تحصل حقيقةً، ولكن كما كانت تقول "فينيسا بالي" تمّ استغلال هذا الموضوع كذريعة من أجل مهاجمة (سوريا)، وهذا الموضوع أيضاً هو جزء من حرب المعلومات التي تُشَنّ على (سوريا) من قِبَل القوى الغربية بالإضافة إلى الحرب العسكرية وأيضاً الحرب الاقتصادية. حرب المعلومات هذه ربما هي الحرب الأهمّ

كمال خلف: ما هي الدلائِل مستر "فورد"؟ ما هي ملاحظاتك التي يُمكن أن تستنِد إليها لبناء هذا الرأي؟ للقول بأنّ كلّ ما يحدُث هو عمل سياسي للضغط على الحكومة السورية؟ هل يُمكن أن تُعطينا مُلاحظات أو ما تعتبره أدلّة على أنّ كلّ ما جرى مزاعِم؟ 

بيتر فورد: لدينا نقطتان، أولاً ما كُشِفَ عنه من قِبَل مبلّغين داخل مُنظّمة حظر استخدام الأسلِحة الكيميائية حيثُ تمّ الكشف عن التلاعُب بالأدلّة وأيضاً تمّ الكشف عن تشويه مُحتوى التقرير، وثانياً أنّ في كلّ حالة مزعومة عن استخدام الحكومة السورية للأسلِحة الكيميائية في كلّ الحالات باستثناء (دوما) حيثُ تمكّنَ المُفتّشون من الزيارة ولكن في جميع الحالات الأُخرى لم يتمكّن المُفتّشون من زيارة الأماكن، لماذا؟ لأنّ هذه الأماكن كانت تحت سيطرة الجهاديين. إذاً كلّ الأدلّة في كلّ هذه الحالات جاءت من قِبَل "القاعِدة" وأيضاً جاءت من قِبَل مجموعات مُسلّحة أُخرى. إذا أردنا أن نصدِّق كلام "القاعدة"، آسف ولكن هذه ليست وسيلة جديّة لنحرِز تقدّماً. إذاً هذه أدلّة وهناك الكثير من الأدلّة لأيّ شخص بالفِعل مُستعِدّ 

كمال خلف: سيّدة "بالي" حضرتكِ زرتِ (سوريا) أكثر من مرّة وكنتِ مطّلعة وزرت أغلب المناطق السورية والتقيتِ بعدد كبير من الأشخاص، ولذلك أنا هنا أسألكِ في بعض التفاصيل. أولاً ماذا تعرِفين عن مُساهمة أو دور ما عُرِف بالخُوَذ البيضاء في حوادث الهجمات الكيميائية؟ هلّ فعلاً حقيقةً لهم دور وهلّ هُم فعلاً مرتبطون بأجهزة استخبارات كما يُتَّهمون؟ وما هي الأدلّة على هذه الاتّهامات؟

فينيسا بالي: لننظُر إلى الوضع في (دوما). قبل الهجوم الكيميائي المزعوم على (دوما) أصدر الرئيس "ترامب" بياناً جاء فيه أنّه سينسحِب من (سوريا)، بعد ذلك وعلى الفور تقريباً جاء الهجوم الكيميائي في (دوما) في نفس الوقت الذي كان يتقدّم فيه الجيش السوري في اتجاه التحرير الكامل لـ (الغوطة) الشرقية. إذاً الهجوم الكيميائي كان يخدُم فقط أهداف المجموعات الإرهابية التي نعرِف أنّها مدعومة من قِبَل الحكومات الغربيّة وأيضاً وسائِل الإعلام الغربيّة. أيضاً إذا لاحظنا، كلّ التقارير حول الهجمات الكيميائية في عام 2017 كانت مدعومة وأيضاً تمّ إنتاج الأدلّة من قِبَل الخوَذ البيضاء وهي منظّمة أُنشئت من قِبَل ضابط استخباراتي بريطاني سابق الذي قُتِلَ أو توفّى مؤخراً في (إسطنبول). ولكن إذا ما نظرنا إلى ما حصل في (دوما)، أصبحنا نعرِف بعد التقارير وبعد ما سُرِّب أنّه تمّ تركيب هذا الموضوع وأصبحنا نعرِف أنّ الخُوَذ البيضاء تقف وراء هذا التطوُّر. الأسئِلة التي يجب أن تُطرَح، ما الذي حصل لهؤلاء المدنيين الذين قُتلوا واستُخدموا كجزء من هذه الدعاية المتعمّدة من قِبَل الخوَذ البيضاء؟ مَن الذي قتلهم وأين هي الجُثث التي سقطت نتيجة هذا الهجوم الكيميائي؟ والآن المُبلِّغ قد نفى أو أشار بقوّة إلى أنّ ما حصل ليس حقيقياً وإذا ما نظرنا إلى المقلب الآخر هناك هجمات كيميائية يتمّ الحديث عنها في (سوريا) وأنا كنت موجودة في شهر آذار/ مارس، في الثالث والعشرين من شهر آذار/ مارس، في إحدى المُدن المسيحية السورية على الحدود مع (إدلِب) في شمال (قمع) حيث على بُعد حوالى عشرة كيلومترات من هذه المنطقة تعرّضت ثلاث قرى للهجوم من قِبَل جماعات تابعة لـ "القاعدة"، "أحرار الشام" وجماعات أُخرى، وتمّ استخدام مواد كيميائية ومواد سامّة وأنا في الواقع زرت الضحايا في المُستشفى وأيضاً تحدّثوا عن صعوبة في التنفُّس ومشاكل أُخرى كإلحاق الضَرَر في الأعيُن. أيضاً وحسب معلوماتي منظّمة حظر استخدام الأسلِحة الكيميائيّة لم تُحقّق في هذا الهجوم، بالتالي كلّ ما يُقال عن الهجمات التي يزعمون أنّ الحكومة السورية تقف خلفها، كلّ هذه المعلومات تأتي من "الخوَذ البيضاء". بالنسبة للأطراف التي تُموِّل الخوَذ البيضاء، الدول التي تنتظر الحرب، من الذي يُقدِّم أدلّة عن هذه الهجمات؟ "الخوَذ البيضاء"! "جيمس مازوري" الضابط البريطاني المعروف أنّه كان يلتقي مع مفتّشي المُنظمة في (إسطنبول) من أجل اتفاق على المجيء بشهود عِيان من الخوذ البيضاء وأيضاً من المجموعات المُسلّحة لتقديم الأدلّة. إذاً بالنسبة لي هناك تمويل من قِبَل هذه الدول التي تنتمي إلى التحالف بقيادة (أميركا)، تحالف التدخّل الذي يشنّ الحرب منذ تسعة أعوام، ولا يمكن أن نعتبر هذه الأدلّة شرعية ولا يُمكن أن نعتبر بأنها تحظى بمصداقية، وما كُشِف عنه من فساد داخل منظّمة حظر استخدام الأسلحة الكيميائية والأدلّة وما أدّى إلى الاعتداء على (سوريا)، كلّ هذا يجب أن يطرح سؤالاً حول كلّ التُهم الأُخرى التي وُجّهت على صعيد استخدام الحكومة السورية للأسلِحة الكيميائية. يجب أن تُطرَح الأسلِحة لأنّ الخُوَذ البيضاء تلعب دوراً محورياً في إنتاج كلّ هذه التقارير السابقة 

كمال خلف: لكن السؤال في المُحصّلة سيّد "بيتر فورد"، ما هو المطلوب؟ هلّ تعتقد سيّد "بيتر فورد" أنّ القوى الكُبرى، الولايات المتّحدة، تريد تكرار ما حصل في (العراق)، إسقاط النظام؟ أم تريد الضغط عليه في عمليّة ابتزاز سياسي كما قال الدكتور "فيصل المقداد" قبل قليل؟ بمعنى، ما هي الأهداف النهائيّة للولايات المتّحدة والقوى الأُخرى في ما يتعلّق بهذا الملفّ تحديداً؟  

بيتر فورد: أعتقد أنّ المسألة في شكلٍ أساسي مسألة معلومات. يُريدون أن يؤثّروا على الرأي العام في الغرب وفي العالم كي يقبل الشارِع بالمحاولات المستمرّة الهادفة إلى الإطاحة بالحكومة السورية. هُم في حاجة إلى شيطنة (سوريا) وشيطنة الحكومة السورية وذلك من أجل تبرير العقوبات وأيضاً من أجل تبرير الإجراءات العسكريّة وكذلك من أجل تبرير الاحتلال المُستمرّ لشمال شرق (سوريا) وكذلك من أجل تبرير المُساعدة العسكرية والمُساعدة الاستخباراتية التي يُقدِّمونها للجماعات المُسلّحة، أعتقد أنّ هذا هو الهدف الأساس لتزييف المعلومات. لننظُر إلى النتائِج، النتائِج العسكريّة لعمليّات القصف التي حصلت والتي قامت بها القوى الغربيّة، التأثير على الأرض لم يكن تأثيراً كبيراً بل كان صغيراً نسبياً وبالتالي هذه الضربات الغربيّة لم تكُن تهدُف إلى تأثير عسكري كبير ولكن كان لديها تأثير أكبر بكثير على صعيد الرأي، رأي الشارِع. يجب أن نتذكّر بأنّ الرأي العام لدى الشارِع بسبب تجربة (العراق) عنده شبهات كبيرة وبالتالي الرأي العام لا يُريد أن ينجرّ إلى حرب أُخرى في الشرق الأوسط ولكن إذا ما تمكّنوا من التلاعُب بالمعلومات من أجل القول أنّه تمّ استخدام الأسلِحة الكيميائية، حينها سيكون من الأسهل للحكومات الغربيّة بأن تفلت بما تقوم به

كمال خلف: هذا مهم للغاية. سيّدة "بالي" هلّ تعتقدين فعلاً أنّ هذه الأهداف هي الأهداف النهائيّة؟ أيضاً في ما يتعلّق في الرأي العام وما طرحه السيّد "بيتر فورد" هلّ هناك في الدول الأوروبية والغربيّة، سواء كان كرأي عام أو حتّى نُخَب إعلامية وسياسية، مَن بدأ يطرح تساؤلات جديّة حول الملفّ؟ في نهاية المطاف الناس تُشاهد عبر وسائِل الإعلام في الغرب ضحايا من الأطفال وقتلى يتعذّبون ويختنقون في أكثر من مكان وهذا يُثير المشاعِر الإنسانية ويُثير الغضب أيضاً والمُطالبة بالمُحاسبة، محاسبة مَن يقومون بهذا الفعل. هلّ مع وجود هذه الحقائِق أو هذه الوقائِع التي تُعرَض للضحايا والمشاهِد والفيديوهات التي تنتشر هل يُمكن القول اليوم بأنّ هناك تأثيراً لمَن يقول Stop، انتظروا، دعونا نُدقّق في ما يجري، دعونا نُدقّق في الصُوَر، دعونا نُدقّق في الأهداف؟ هلّ هناك مجال فعلاً للمُراجعة، للتدقيق؟

فينيسا بالي: أعتقد أن الأمر مهم جداً ويجب أن نوضِّح نُقطة وهي أنّ (المملكة المتّحدة) على سبيل المثال استثمرت 2.71 مليون جنيه إسترليني كمُساعدات إنسانية في (سوريا) وبالطبع تمّ الإثبات في العديد من المرّات بأنّ هذه المُساعدات أو ما يُسمّى بمساعدات إنسانية دخلت فقط إلى مناطق تحت سيطرة الجماعات الإرهابيّة وقت هيمنة "جبهة النُصرة"، وهناك 85 في المئة من الأراضي السورية التي أصبحت تحت سيطرة الحكومة، وهذه المناطق تتعرّض لعقاب جماعي من خلال الإرهاب الاقتصادي الذي تُمارِسه أو الذي يعود إلى العقوبات غير المشروعة من قِبَل الاتّحاد الأوروبي و(أميركا) وذلك نتيجةً للفشل في الانتصار وتحقيق هدف تغيير النظام. إذاً 2.7 مليون من (المملكة المتحدة) من أجل مُساعدة الجماعات الإرهابية الموجودة على الأرض والتي تعمل بالوكالة والتي تتسبّب في سفك الدماء والمُعاناة لدى الشعب السوري منذ تسعة أعوام. إذاً نعم، هم يستخدمون أُسلوباً مألوفاً وسلوكاً معروفاً من أجل إشعال المشاعِر ومن أجل الحصول على إجماع ودعم للحرب في (سوريا) وذلك من خلال صوَر صعبة جداً وصوَر مُروِّعة تُنتَج من الخوَذ البيضاء. ولكن كما قلت، هناك أسئِلة تُطرح ويجب أيضاً إجراء تحقيق حول منظّمة الخوَذ البيضاء التي تموَّل من دافعي الضرائِب، تموَّل من خلال أموال الوكالات الحكومية في الولايات المتحدة المملكة المتحدة وإلى حدٍّ أقل من الاتحاد الأوروبي. يجب أن نأخُذ في الحسبان أيضاً أنّ الحكومة الهولندية قامت بسحب التمويل في عام 2018 لأنها قرّرت بعد إجراء تحقيق مُستقلّ في المنظّمة وبعد إجراء تحقيق أيضاً في أمورٍ أُخرى وملفّات أُخرى تتعلّق بمنظّمة الخوَذ البيضاء، بعد كلّ ذلك قامت الحكومة الهولنديّة بسحب التمويل لأنّها قالت بعدم وجود شفافية وأيضاً لا يُمكن إعطاء ضمانات في أنّ المال والتمويل لا يذهب إلى المجموعات الإرهابيّة الموجودة في المنطقة التي لا تزال تحت سقف نفس هذه المجموعات والتي أيضاً محتلّة من الخوَذ البيضاء إلى جانب هذه الجماعات المُسلّحة المُتطرِّفة. إذاً، أعتقد يجب أن نقوم بتغيير الخطاب ونقول التالي: هذه المجموعة من الواضح أنّها مُرتبطة بالاستخبارات البريطانية والأميركية، والواضح أنّها تعمل أيضاً بالنيابة عن الجماعات الإرهابية وعن هذه الحكومات التي تنشط في شكلٍ غير قانوني وأيضاً في شكلٍ ينتهِك القانون الدولي ضدّ (سوريا) ويجب إجراء تحقيق علني بهذه المنظّمة كي نُحدِّد مَن الذي قتل هؤلاء الأطفال بالهجمات الكيميائية، وتبيّن بأنّ هذه الهجمات لم تحصل في الواقع، هذا مهم جداً. هجوم (دوما) لم يحصل وبالتالي يجب أن نطرح الأسئِلة، مَن قتل هؤلاء الأطفال؟ هذه الصوَر المُروِّعة التي شاهدناها، مَن هو المسؤول عن وفيّات الأطفال؟ هذا ما يجب أن يبحث عنه الرأي العام والغرب، أن يُركِّز على هذا، ويجب أن يقوم بالتوقّف عن ردود الفعل المُتسرّعة 

كمال خلف: إسمحي لي أن أطرح السؤال الأخيرة سيّدة "فينيسا بالي" على السيّد "بيتر فورد". سيّد "بيتر فورد"، في نهاية المطاف الكثير من المعلومات تتكشّف، "الدايلي ميل" و"الويكي ليكس" و"بيتر فورد" و"فينيسا بالي" وآخرون يتحدّثون، أيضاً مقال على سبيل المثال لـ "سيمون هيرش" يقول فيه في شكلٍ واضح وصريح إنّ (واشنطن) تعمّدت الدعاية الإعلامية التي هاجمت من خلالها الرئيس السوري واتّهمته باستخدام الأسلِحة الكيميائية. ويقول "سيمون هيرش" بأنّ أحد المُستشارين في الإدارة لأميركية قال له إنّ استخدام القوات السورية للسلاح الكيميائي هو مُجرّد قصّة مُفبرَكة، ورغم ذلك أعطى الرئيس "ترامب" أمراً بإطلاق صواريخ "توما هوك" على القاعدة الجويّة السورية. كثير من الأصوات تتحدّث لكن في المقابل ميزانية منظمة حظر انتشار الأسلِحة الكيميائية زادت هذا العام وللعام المقبل 2020 وفريق تقصّي الحقائق أُعطيَ مهمة جديدة وهي سابقة في تحديد الأسماء وينتظرون تقرير عام 2020. هلّ تعتقد بأنّ رغم كلّ ما تقولونه في الغرب ورغم كلّ ما يتكشّف من دلائل إلّا أنّ هذا لا يؤثِّر في نهاية المطاف بالمسار والقرار السياسي؟ أليس كذلك؟  

بيتر فورد: نعم، أعتقد أنّ الحملة التي نقوم بها حقّقت بعض التقدّم. تذكّروا، مرّ أكثر من عام منذ أن رأينا حادثة مزعومة وأعتقد أنّ ما قمنا به أجبر القوى الغربية على توخّي الحذر. كان في إمكانها أن تنظِّم هجوماً مُفبركاً آخر بسهولة في (إدلب)، وأعتقد ربما الجماعات المُسلّحة أرادت هذا السيناريو وكذلك أرادته منظمة الخوَذ البيضاء، ولكن هناك حال من الحذر وتتم السيطرة على هذه الجهات، لماذا؟ لأنّ القوى الغربيّة لا تثق بالرأي العام، لا تثق أنّ الرأي العام سيدعمها. من المهمّ أن نرى جهات مثل "فوكس نيوز" و"دايلي ميل"، ووسائل الإعلام هذه مهمّة على صعيد الرأي العام، وهي الآن جاءت ودعمت البحث عن الحقيقة، وأعتقد أنّ كلّ هذا يجعل القوى الغربيّة تتوخّى الحذر ولكن هي لا تُريد أن تتخلّى عن حرب المعلومات في شكلٍ كامل بل تُريد أن تستمرّ في الترويج لهذا الخيال أو هذه الأُسطورة. يريدون الاستمرار في شيطنة (سوريا) ورئيس (سوريا) وأيضاً يريدون أن يستمرّوا في نشر القصّة عن قيام الرئيس باستخدام هذه الأسلِحة ضدّ الشعب ولكن سأتفاجأ في حال قاموا بفبركة حادثة أُخرى 

كمال خلف: أشكرك جزيل الشُكر سيّد "بيتر فورد" سفير (بريطانيا) السابق في (سوريا) كنت معنا مباشرةً من (لندن). كلّ الشُكر للسيّدة "فينيسا بالي" الكاتبة والصحافية كانت معنا من (تورنتو) عبر الإنترنت. مُشاهدينا "لعبة الأُمم" انتهت، أشكُر منتِج الحلقة "زاهر أبو حمدة" وأيضاً المخرجة "بترا أبي نادر". ألقاكم في الأُسبوع المُقبل في نفس الموعِد بمشيئة الله. إلى اللقاء