أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

العدل في الإسلام

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم. العدل هو الانصاف وإعطاء المرء ما له وأخذ ما عليه، والقرآن يدعو باستمرار إلى العدل وتكريسه والحثّ عليه. يقول تعالى"إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى"، ويقول أيضًا"، "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل". والعدل والمساواة من أعظم القِيَم النبيلة التي أمر الله تعالى بها، وسعى الرسول إلى تطبيقها في المجتمع المسلم، فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى. العدل من أسمى القِيَم يسمو بنا إلى  القمم، فهو أساس ملكنا يرفعنا فوق الأمم والعادلون بيننا مثل النجوم في الظلمِ فاعدل ولو مع الذي جار عليك أو ظلم والعدل من أسماء الله الحُسنى ومن تجلّيات الجلال والكمال لرب الأكوان. أمر الله تعالى عباده به فقال: "إن الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله (نعمّا) يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيراً". والعدل يوفر الأمان للضعيف والفقير ويشعره بالعزّة والفخر والعدل يشيع الحب بين الناس، وبين الحاكم والمحكوم والعدل يمنع الظالم عن ظلمه والطمّاع عن جشعه ويحمي الحقوق والأملاك والأعراض. وحذر الله تعالى من الظلم فقال جلّ في علاه "ولا تحسبنّ الله غافلًا عمّا يعمل الظالمون، إنّما يؤخّرهم ليوم تشخص فيه الأبصار". إن السبب المركزي والأساس الذي أدى إلى سقوطنا الفظيع حضاريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا وعسكريًا هو الظلم بصريح العبارة، والعرب اليوم تُحرَق أوطانهم بسبب الظلم وتنهار دولهم بسبب الظلم. فمَن قتل أوطاننا العربية الجميلة، ومَن ذبحها من الوريد إلى الوريد ومن حوّل الشعوب إلى قطيع من الماعز ودكدك كرامتهم غير الظلم وتغييب العدل.

يقول إبن خلدون عندما تنهار الدول يكثر المنجّمون والمتسوّلون والمنافقون والمدّعون والكتبة والقوّالون والمغّنون النشاذ والشعراء النظّامون والمُتصعلِكون، وضاربو المندل وقارعو الطبول والمُتفقّهون، وقارؤو الكف، والطالع والنازل والمُتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون، وسبب سقوط الدول والمجتمعات في القرآن الكريم محصورة في الظلم وفي الوطن العربي الحاكِم يظلم والوزير يظلم والأمن يظلم والزوج يظلم والجار يظلم والتاجر يظلم، نتعنتر بالظلم فسقطنا جميعًا.

ذات يوم سأل الرسول أصحابه، فقال أتدرون ما المفلس؟ قالوا المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم إن المفلس من أمّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة يأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.

"العدل في الإسلام" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الدكتور محمّد بن سقاف الكاف الباحث في الفكر الإسلامي، ومن تونس الحبيبة الدكتور عبد الجليل بن سالم وزير الشؤون الدينية السابق والباحث أيضًا في الفكر الإسلامي.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

"العدل الإلهي، دراسة في فكر ليبانت والمعتزلة" أمل مبروك 

يتناول الكتاب المقارنة بين فكر جماعة من أهم الفِرَق الكلامية الإسلامية وهي المعتزلة والتي لعبت دورًا أساسيًا على المستوى الديني والسياسي، واحتلت مكانة بارزة في تاريخ عِلم الكلام وفكر الفيلسوف الألماني ليبانتس الذي مثّل الآمال المُتناقِضة لعالم بأكمله، فقد جمع في فلسفته بين الأفكار والمذاهب المتعارضة فنجده ملًّماً بالتراث القديم والوسطي، وتراث عصر النهضة والقرن السابع عشر، لذلك كان فيلسوفًا وعالمًا وسياسيًا، ولكنه كان قبل كل شيء لاهوتيًا وجّه كل اهتمامه إلى دراسة الوجود وإلى إبراز مفهوم العناية الإلهية في العالم. ويتناول البحث عدّة قضايا تتمثّل في العقل والإيمان، الخير والشر، أو الحزن والقُبح، الحرية أو الفَرادة الإنسانية، مبدأ الأفضل أو الصلاح والأصلح.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل دعني أبتعد عن التنظير قليلًا وأدخل مباشرة في صُلب واقعنا العربي تغنّينا كثيرًا بالعدل، أشرنا مرارًا إلى ورود العدل في القرآن الكريم والسنّة النبوية. إذًا لماذا يخلو عالمنا العربي من العدل؟

عبد الجليل بن سالم: في البداية أشكرك على هذه الاستضافة، وأشكر برنامج أ ل م، وأشكر قناة الميادين على هذه الثقة وعلى هذه الصلة بي. أحيي مشاهدي القناة في أنحاء العالم. طبعًا لماذا قلت في آخر سؤالك لماذا هذا الظلم في الواقع العربي؟

دعني أقول بداية وأشاركك في مقدّمتك الجميلة، وفي هذه الديباجة التي دبّجتها إن العدل هو مقصد الإسلام وهو وسيلته لقيام مجتمعات مستقرّة فاضِلة، ولكن الواقع ودعنا من التنظير كما قلت فلننزل إلى الميادين، فلننزل إلى الميدان أي إلى الواقع المعيشي الذي نراه في واقعنا العربي، وفي واقعنا الإسلامي. الآن الاضطرابات الموجودة والشعوب المُنتفضة دعنا نقول أو الشعوب الغاضِبة التي تبحث عن ماذا تبحث عن كرامة، وعن عدل وتبحث عن تنمية، وعن مكان لها في دولها، وفي مجتمعاتها. هذا الأمر لم يتحقّق، ولم تحقّقه تقريبًا تجربة الدولة الوطنية على مدى 60 عامًا على الأقل في ما أعرف في تونس ووقع الخلل لأسباب ممكن أن نأتي عليها في ما بعد، ولكن واقعيًا الآن ما نشاهده أن هذه الاضطرابات، وهذه الفوضى الخلاّقة كما يحلو للأميركان أن يسمّوها هي فوضى نتيجة مجتمعات قابلة لأن تعيش هذه الفوضى لأنها لم تجد استقرارًا، ولم تجد عدلًا، ولم تجد كرامة فما نحن فيه من واقع الآن نشاهده في كل أقطار العالم العربي هو في الحقيقة راجع إلى ضعف، وفشل النُخَب السياسية، وفشل الدولة الوطنية بنُخَبها السياسية وأحزابها في تحقيق ما تصبو إليه شعوبنا ما نشاهده الآن في مجتمعات راقية في اليابان، في الصين، في أوروبا ذاتها في البلدان الإسكندنافية من استقرار ومن تطوّر ومن تقدّم مادي واقتصادي وحضاري عامة هو نتيجة أن الإنسان يجد طموحاته تلبّي كرامته تُصان حريته يُصان وضعه الاجتماعي حسن، فينتج من ذلك هذا الاستقرار. في المقابل في العالم العربي هذا الظلم هو الذي سبّب لنا ما نحن فيه من اضطراب ومن فوضى.

يحيى أبو زكريا: طبعًا أشرت إلى البلاد الأوروبية والبلاد الإسلامية أذكّر هنا بكتاب للمرحوم جمال البنا "العدل في الفكر الإسلامي وفي الفكر الأوروبي".

دكتور محمّد بن سقاف الكاف تاريخنا الإسلامي مزدحم بالظلم تاريخنا الإسلامي مزدحم بالعدل، يبدو أن الإنسان المسلم لم يتأثر قيد أنملة بمفردات العدل، والله تعالى هو العدل جلّ في علاه وهو العادِل. لماذا لم يرتق المسلمون إلى مستوى العدل؟ حاكمنا طاغية ظالم، وزيرنا جبّار، مسؤولنا يحبّون المناصِب من أجل النَصب، وليس من أجل خدمة المواطنين.

هل العدل فكرة طوباوية مثالية لا يمكن أن تتحقّق في الراهن البشري وإننا عندما نتحدّث عن العدل إنما نتحدّث كحالمين، كشعراء، كفلاسفة لا علاقة لنا بالواقع نهائيًا؟

محمد الكاف: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا رسول الله وآل بيته الطيّبين الطاهرين. طبعًا في البداية أشكر قناة الميادين على هذه الاستضافة المباركة.

يحيى أبو زكريا: أهلًا وسهلًا.

محمد الكاف: فهذا ميزان دقيق، ولذلك هو ضد الجور وضد الظلم، العدل ضد الجور وضد الظلم، وأشكر فضيلة الدكتور يحيى أبو زكريا على هذه الإطلالة التي شرّفني بها وأحيّي جناب الدكتور الضيف الكريم. وأهنّئ الأمّة الإسلامية بحلول مولد سيّد الخلق، وإمام العدالة سيّدي ومولاي رسول الله محمّد ابن عبد الله صلى الله عليه وآله.

بداية الأمر الأمور تتعلق بمصاديقها أو بتعاريفها، فالعدل هو إسم جامع لكل فعّال وصفات الإنصاف، وإقامة الحقوق فهذا ميزان دقيق. ولذلك هو ضد الظلم وضد الجور، العدل ضد الجور وضد الظلم والأشكال الموجود عندنا في التاريخ الإسلامي وفي حضارتنا الإسلامية الذي يظهر صورة التناقض. العدل جلّ وعلا وضع هذا الكون وخلقه بنظام مُتراتب يقوم على العدل والمساواة لو اختلّ طرف شعرة لاختلّت موازين الكون أجمعها، وأنزل الله تعالى وأرسل الأنبياء كما قال جلّ وعلا وأرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان. فهنا لماذا قال ليقوم الناس بالقسط وتكلّم على عمومية العدل وشمولية العدل؟

فقال وممن خلقنا أنه وممن خلقنا ما قال مسلمين، أو وممن خلقنا أمّة يهدون للحق وبه يعملون، فهنا هذه موازين دقيقة سنّها الباري جلّ وعلا، هذه مقدّمة المسألة الأخرى. التناقض الذي ظهر في هذه الأمّة وملأها بالظلم وملأها بالعدل فهنا نقيضان، السبب في هذا هو الطغيان الذي حصل من بعض ولاة الجور واستأجرهم بمسألتين:

يقوم العدل الإنساني على مسألتين إنصاف الناس في حقوقهم في مسألة الرأي، ومسألة المال الثروة فإن اختلّ هذا الميزانين في الحُكم اختلّ نظام نظام الحُكم ونظام العدالة في هذه الدولة. فهنا عندما يأتي الحاكم يستأثر برأي أو مال يحصل الاختلال وتحصل مظاهر الفساد، ونجد من ولاة الجور أول مَن أسّس نظام الجور والأخذ بالظن والقتل بغير الرجوع إلى القضاء، وسلب أموال الناس في العهد الأموي عندما ظهر هذا في زمن معاوية كان في اختلاف كبير في الأمّة، وإن كان هناك في مظاهر ظلمية من قبل لكن نجد ان هذا أصبح نظاماً وأصبح قانوناً قانون الظلم عمّم على الأمّة.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد دعنا نبقى في الواقع قليلًا لأن في واقعنا الكثير من معطيات الظلم والدليل هو الانهيارات الكبرى في الشوارع العربية والميادين العربية. دكتور عبد الجليل العدل كما يقول الفلاسفة المُعتزلة وغيرهم الاإنسان يستحسن إذا ذهبت إلى الإنسان في الأسكيمو وسألته عن العدل يقول لك العدل حسن رغم أنه لم يحصل على شرعة ربّانية أو وحي ربّاني يستند إليه في معرفة الصواب والباطل أيضًا.

إذًا لماذا في بعض الجغرافيا التي لا تُدين بالإسلام تحقق فيها العدل؟ على الأقل إذا سرق المسؤول يُقصى من المسؤولية ويُفضح، إذا شخص تعدّى على آخر يقتّص منه بينما في البلاد التي تُدين بالإسلام الظلم يقول أنا ساكن في الوطن العربي إذا سألت الظلم أين يسكن؟ يقول لك ما شاء الله أنا سكني بامتياز في الوطن العربي والإسلامي. لماذا لا الشرع حصّننا ولا الاستحسان الفطري النفسي والعقلائي أدّى بنا إلى تحقيق العدل في واقعنا؟

عبد الجليل بن سالم: دعني أتفاعل مع الدكتور محمّد ضيفنا وأخينا من مصر دعني أقول فكرة أساسية إن العرب حَمَلة الرسالة الإسلامية الأولى، وأن المسلمين عامة في اعتقادي وفي تصوّري، ومن خلال فَهمي للتاريخ الإسلامي، ومن خلال فَهمي لتاريخنا الحضاري عامة المشكل لماذا وقعت الفتن حتى زمن الصحابة رضي الله عنهم؟ لماذا؟

في اعتقادي لأن العرب لم يستطيعوا أن يرتفعوا إلى مستوى الرسالة الإسلامية التي جاء بها محمّد صلّى الله عليه وسلّم، الرسالة جاءت بالتوحيد وجاءت بالعدل وجاءت بالارتفاع بالإنسان. واقعيًا العرب لم يرتفعوا بحكم بحكم أسباب تاريخية قبلية.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل فقط لديّ فاصل حتى لا أقطع فكرتك المهمة جدًا بُعيد الفاصل سأعود إليك مباشرة إذا سمحت.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

كتاب "أصل العدل عند المُعتزلة" هانم إبراهيم يوسف.

تقول الباحثة إن المُعتزلة هم المُحايدون أو العدليون الذين اتخذوا موقفًا وسطًا بين سائر الفِرَق في قضية المنزلة بين المنزلتين. كما عدّت هانم يوسف منطلق الفكر الاعتزالي هو الاختيار والحرية وتحميل الإنسان مسؤولية التكليف لأفعاله بموجب العقل، كما تطرّقت إلى تلازُم البُعدين الديني والسياسي لحركة الاعتزال، حيث مهّدت للحُكم العباسي وأحيت معه العصر الذهبي بين سنتيّ مئة ومئتين وعشرين للهجرة في زمن المأمون والواثقي والمعتصم. وتوسّعت الباحِثة في إبراز أهم أركان الفكر الاعتزالي وهو اعتماد العقل والإقناع ونبذ جميع أشكال العنف، ما منحهم قدرة مهمة على تجاوز ظاهرة النصّ إلى التأويل والفَهم بخلاف أهل السنّة والأشاعرة، فحاربوا الجمود ووسّعوا مجال المعرفة الدينية، ودعوا إلى الشكّ سبيلاً إلى اليقين وهو ما تبنّاه الجاحظ وأبو هاشم البصري. وعلى الرغم من تأسيس المُعتزلة عند تحديدهم عِلم الكلام على خمسة أصول هي على التوالي التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أصل العدل يعدّ لدى المُعتزلة أحد أهم الأصول الخمسة، وبذلك نعتت المُعتزلة بأنهم أهل العدل والتوحيد. وموضوع العدل عند المُعتزلة سبق بحثه في بعض الدراسات منها مفهوم العدل في تفسير المُعتزلة للقرآن الكريم لمحمود كامل أحمد.

 

المحور الثاني:

"موسوعة العدل الإلهي" المرجع السيّد كمال الحيدري.

"موسوعة العدل الإلهي" هي ثمرة طيّبة لمجموعة أبحاث ودروس للمرجع الديني سماحة السيّد كمال الحيدري ألقاها على جمعٍ من طلبة العلوم الدينية في مجال العقيدة الإسلامية ضمن مباحث العدل الإلهي. اشتملت الموسوعة على جزئيّات مبحث العدل وتفصيلاته بدءًا من تاريخ البحث في مسألة العدل الإلهي وبيان معناه ومظاهره وفرقه عن العدل البشري مرورًا بأبحاث مهمة من قبيل استعراض المناهج المُتبّعة في تحقيق مسائل العدل الإلهي، ومباحث الحُسن والقُبح، وبيان رأي المدارس الإسلاميةاالمختلقة في المسألة كالأشاعرة والمُعتزلة وحكماء مدرسة أهل البيت، والحُسن والقُبح في فعله تعالى وفي فعل الإنسان وقدرة العقل على اكتشاف الحَسن والقبيح إلى مبحث الغايات والاتجاهات المطروحة في تعليل فعله تعالى وإرادته سبحانه للتعاطي وكراهيته للمعاصي، ومباحث الجزاء الأخروي وعلاقته بمسألة العدل الألهي، ومسألة الألم ووجه حسنه والعوض ومنشأ الترجيحات والاختلافات في العالم الإمكاني، ومنشأ اختلاف الاستعدادات في الموجودات الإمكانية وروايات الطينة، ومعالجة إشكالية الشرور. هذا مضاف إلى البحث في بعض السنن المرتبطة بالعدل الإلهي من قبيل سنّة الابتلاء والاستدراج والمكر الإلهي، وسنّة الهداية والضلالة، ومباحث القضاء والقدر والبداء والجبر والتفويض والأمر بين الأمرين، ومباحث التكليف واللطف الإلهي وغيرها من المباحث.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع العدل في الإسلام، هذا العدل المفقود بالكامل في الوطن العربي والإسلامي. وهنالك بعض الكتب التي دوّنت في هذا السياق من جملتها كتاب العدل الإلهي للسيّد كمال الحيدري، والعدل دراسة مُعاصِرة للسيّد أبو القاسم الديباجي، ونظرية العدل في الفكر الأوروبي والفكر الإسلامي لجمال البنا، والعدل الإلهي دراسة في فكر ليبنز الفيلسوف الألماني والمُعتزلة للدكتور أمل مبروك، وأصل العدل عند المُعتزلة وما إلى ذلك من الكتب.

طبعاُ كُتبِت كتب نظرية عن العدل في القرآن والسنّة، لكن لا يوجد حديث عن العدل في الوطن العربي لأنها منطقة محظورة، وممنوع الحديث عن الظلم في العالم العربي ظلم الحاكِم وظلم المسؤولين والوزراء، وحتى ظلم الرعية لبعضهم البعض.

دكتور عبد الجليل كنت تتحدّث عن القابلية للفتنة لدى الجيل الأول من الرسالة.

عبد الجليل بن سالم: كنت أعبّر عن هذه الفكرة، وأردت أن أقول إن العرب وإن المسلمين الأوائل في الإسلام الأول فيه كل الإشكالات التي تطوّرت في ما بعد حتى فكريًا وسياسيًا لم يستطع العرب أن يرتقوا إلى مستوى الرسالة ومستوى المقصد الذي جاء من أجله وهو التوحيد، والعدل بلغة الاعتزال وهذا ما يفسّر لنا هذه الفِتَن  التي وقعت بين الصحابة، وحتى تجربة الإمام علي وتجربة الحسين في ما بعد في الفكر الإسلامي دلّت على أن هؤلاء الأعلام أرادوا أن يرسوا وأن يعودوا بالتجربة تجربة النبوّة ذلك المجتمع العادل، ذلك المجتمع الذي يعطي إنسانية الإنسان ويعطيه حريته ويعطيه مكانته أن يرتفع به كما أراد الشارع أن يكون، فتلك المحاولات التي باءت بالفشل بتقديري الخاص هي دلّت على أننا رجعنا إلى دولة الغَلَبة بعبارة إبن خلدون الدولة الأموية دولة الشوكة ودولة العصبية ودولة الظلم.

فتجاربنا في الحقيقة في تاريخنا عامة، ومحطات العدل فيه يسيرة مثل محطة النبي، ومحطة علي، ومحطة إبن عبد العزيز، وبعض التجارب، وما عدا ذلك فهي دولة الغَلَبة، دولة الشوكة، دولة العصبية، التي لا يشترط فيها أن يكون العدل وطبعًا هذا واقعي. دعنا نتحدّث عن المجتمعات الأوروبية الأخرى هي غير مسلمة لا تُدين بالإسلام، ولكن فيها عدل وفيها نظام وفيها انتظام وفيها تقدّم وفيها حضارة.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

عبد الجليل بن سالم: لماذا هذه المجتمعات بادئ ذي بدء يجب أن نلاحظ تاريخيًا أنها لم تصل إلى هذه المرحلة من هذه الحال من حال الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والحقوق الفردية إلا بعد صراعات وبعد حروب داخلية وبعد ظلم وبعد إقطاع، هذا بالنسبة إلى أوروبا، وبالنسبة حتى إلى المجتمعات الشرقية الصين واليابان هذه المجتمعات مرّت بظلم ومرّت بحروب ومرّت بظلم للإنسان، ولكن وصلوا على الأقل في أوروبا التي أعرفها جيدًا أنها وصلت إلى حال الديمقراطية، دعنا نقول ومنها الديمقراطية الاجتماعية وصلت بعد أن اقتنعوا بضرورة فصل بين ما هو إنساني قائم على نواميس، وقائم على قوانين وبين ما هو ممكن أن يكون متعالياً. هم وصلوا إلى حال الديمقراطية بعد صراعات وبعد حروب وتقاتل وآمنوا بأن هذه المرحلة لابد من أن تأتي بعدها مرحلة نؤوب فيها إلى أنفسنا وأن تقوم المؤسّسات، وتقوم الدولة الحديثة حتى لا ننساق وراء الحروب. الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، هي بماذا يمكن أن تفسّر؟ تفسّر بهذا الخلل وبهذا الطغيان للدول على أخرى. ولكن انتهوا إلى أن حسم المعارك وحسم المسائل بالحروب لا يؤدّي إلا إلى مزيد من الحروب فهم أرسوا تجربتهم من خلال تاريخ دموي وتاريخ أليم وتاريخ عنف حتى الغرب الذي فيه العدل الآن لم يصل إلى هذه الحال إلا بعد هذه المشاكل التاريخية.

ما أردت أن أقول إن مجتمعاتنا الآن أعتقد أنها بدأت تستفيق وبدأت شعوبنا تبحث عن العدل، وبدأت تؤدّي فاتورة العدالة، والحرية الحرية مهر الحرية مهرها الدم ومهرها التضحية. هذه الشعوب الآن هي غير مستعدّة لتبقى في حالها القديمة وحال التهميش وحال الظلم وحال نحن لماذا لا نعيش مثل الشعوب الأخرى؟ ولذلك هذه بداية المشوار وبداية التاريخ، وكأنني أقول الآن اكتشف على الأقل أنا من تجربتي في تونس الآن صعود حتى هذه التيارات الشعبية حتى رئيس الجمهورية التونسي بهذه النسبة العالية من الشعب التونسي دلّت على أمر واحد إن الدولة القديمة وإن الأحزاب القديمة ما عادت قادرة على أن تستجيب لطموحاتي، فتأتي بالوزير الذي يريد المنصب والمَغنم ويريد الغنيمة ولا تأتي بالوزير الذي يريد بدء العدالة.

فالشعب الآن على الأقل أعرف الشعب الآن التونسي، وربما الشعب اللبناني والشعب العراقي الآن يطالب يجب أن نفهم هذه الحركة كأنه خلق جديد بعبارة إبن خلدون هذا ما يجب أن أنبّه إليه نحن الآن أمام خلق جديد أو أمام ظاهرة تاريخية ومُنعرَج تاريخي جديد، فالحرب العالمية الثانية أتتنا.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل قدتني إلى مفهوم آخر سأطرحه على الدكتور محمّد في القاهرة.

دكتور محمّد جيل الشباب العربي اليوم جيل عابر للطوائف والأيديولوجيات والأحزاب لم يعد بالإمكان التحكّم في هذا الجيل من خلال شعارات وأيديولوجيات رأينا حتى الأحزاب الإسلامية عندما حكمت كفّرت الناس بالإسلام صارت تتاجر وتستثمر مثلما وقع في الجزائر وفي مصر، وفي أكثر من دولة عربية الذين رفعوا شعار العدل ذبحوا العدل من الوريد إلى الوريد. اليوم هذا الشباب العربي الذي يبحث عن العدل هل سيحقّق هذه المعادلة أو سوف يُعيد استنساخ تجارب الظلم والطغيان والاستبداد والديكتاتورية المقيتة في عالمنا العربي والإسلامي؟

محمّد الكاف: طبعًا الشباب لا شك هم أدركوا معاني العدل بسبب الانفتاح على الحضارات الأخرى، والشعوب الأخرى. يبقى أيضًا العدل نسبياً حتى في الغرب الملكة إليزابيت لا يمكن أن تُقاضى في بريطانيا، لكن نحن كمسلمين يمكن بناء على النظرية وليس على التطبيق نظريتنا أنه يمكن أن تُقاضي رأس الدولة بإمكاني الادّعاء على رسول الله صلّى الله عليه وآله.

وجلس أمير المؤمنين علي إبن أبي طالب مع يهودي يخاصمه في درعه إلى القاضي شريح والإمام علي كما يسميه جورج جرداق علي صوت العدالة الإنسانية، هذا النموذج للعدالة في النظرية، وفي التطبيق.

يحيى أبو زكريا: لكن يا دكتور محمّد رجاءً هل يمكن لحكّام العرب اليوم الذين تقدّر ثرواتهم بمليارات الدولارات والذين مصّوا الشعوب وبلعوا خيرات الشعوب أن يرقوا إلى ظفر علي إبن أبي طالب؟

محمّد الكاف: لا يمكن هذا نموذج سامٍ، لكن يؤخَذ منه علي إبن أبي طالب وضع قانوناً لأحد ولاته وهو مالك الأشتر كتاب علي إبن أبي طالب أمير المؤمنين لمالك الأشتر في نظام قابل للتطبيق، لكن نحن الآن مع الواقع الذي نحن فيه الأزمة الموجودة عند هؤلاء الحكّام وهؤلاء المُتسلّطين في عالمنا الإسلامي وعالمنا العربي هو الاستئثار بالثروة، وليس استئثارًا، بل نهبًا، وهذا ما يولِّد الثورة العارِمة في نفوس الشباب. كذلك حصل تيار معادٍ لكل أشكال علماء الدين أو علماء البلاط أو الكهنوات سواء كان إسلاميًا، أو مسيحيًا أصبح عندهم نوع من ردّة الفعل في الشارع من الشباب لأنهم رأوا أن هؤلاء يوظّفون الحاكِم في نهبه وفي فساده وفي إجرامه، فأصبح هناك غليان. 

لكن نحن نريد أن نجعل لا نفارق الإسلام كنموذج في نظريته وفي نموذج في تطبيقاته كما تفضّل سماحة الدكتور أنه ذكر نماذج موجودة هي قليلة أندر من الكبريت الأحمر أن يثور علي إبن أبي طالب على فساد الرعية والحاكم يثور على فساد الرعية ويتساوى في القضاء مع يهودي في مجلس القضاء، ويقول والله لا بتنا على حسّك السعدان مسهدًا أو أجر في الأصفاد مقرنًا على أن أظلم نملة في جلب شعرة ما فعلت، هذا نموذج، هذا صوت العدالة الإنسانية.

الإشكال الآن الذي يجب أن يقوم عليه الحاكِم في الرعية فليجعل من الغرب نموذجًا فرضًا، الآن نحن لا نرى أن العدل نسبي، ونسبية العدالة بين الغرب  والشرق في تفاوت. فليرجعوا إلى الغرب كنموذج.

يحيى أبو زكريا: يا دكتور محمّد اليوم النموذج لم يعد علي إبن أبي طالب للأسف الشديد لأنه لا أحد يرقى إلى مستواه، اليوم في الواقع العالمي الإنساني تجد نلسن مانديلا رحمه الله الذي تولّى الرئاسة في جنوب إفريقيا مرة واحدة ولما أرادوا إعادة انتخابه قال كفى أنا أخذت دوري فلنمنح الدور لآخرين. بينما الحاكِم العربي لو كان يقلّد علي إبن أبي طالب أصلًا لما بقي في الحُكم، يكفي أن علي إبن أبي طالب سِمته العلم، وكل حكامنا سِمتهم الجهل.

وهنا أذهب إلى الدكتور عبد الجليل، دكتور عبد الجليل أليس العدل يصون الدول والمجتمعات نتكلّم بصراحة الحاكِم العربي لو عدل لضمن بقاءه في السلطة. اليوم كل الشعوب تخرج إلى الشارع، وتقول للحاكِم العربي إرحل لا نريدك، للوزراء لا نريدكم، مع ذلك يطلّ علينا ضاحِكًا مُتبسمًا وكأنه حقّق العدالة الاجتماعية. أليس العدل ضمانة لعدم انهيار الدول والمجتمعات؟

عبد الجليل بن سالم: أكيد هذه قاعدة، وهذا قانون، وهذه سنّة من سِنن التاريخ وسنّة من سِنن الله الرحمن سبحانه وتعالى أقام كونه على أساس العدل نفسه، هو نفسه ألزم نفسه العدل وحرَّم على نفسه الظلم. فالآن الضمانة لاستمرار الحضارة وتحدّثنا عن الغرب الآن الغرب العادل هذا الكافر الذي ندّعي أنه كافر بعقيدتنا وربما هو عِلماني ومادي قل ما شئت في ذلك. ولكنه حقّق استقرارًا لمجتمعات نتيجة العدل بنى دولته وبنى نظامه على أساس القوانين، وعلى أساس العدالة الاجتماعية، وعلى أساس العدالة السياسية، وعلى أساس العدالة الفردية. هذا النموذج هو أمامنا، ولماذا نحن مجتمعات نحن مسلمون ومجتمعاتنا في فوضى لأن العدل غير موجود، لأننا من الجانب الحضاري والتاريخ لم نبنِ تجربة قائمة على العدالة وعلى الديمقراطية. نحن بنينا دولة الآن دعني أقول في العالم العربي كله الدولة الوطنية تتعرّض إلى حال إفلاس وحال انهيار نتيجة فشل هذا المشروع الوطني. فالآن إذا شئنا أن ننقذ أوطاننا وأن ننقذ أنفسنا، وأن نأخذ بها، وأن نأخذ بزمام الأمور ونكون في ركب الحضارة لا خارج الزمان والمكان فعلينا أن نبني نموذج الدولة العادلة وأن تشرك فيها الشعوب وتشرك فيها الطاقات والمجتمع المدني وهذا صعب، وليس بالأمر السهل. 

وأنا أقول لك إن طموحاتنا كبيرة، ولكن واقعنا مرير وصعب ثم لا تنسى الأمر الآخر أن هذه الظواهر الآن ربما تسيّرها وتغذّيها جهات أجنبية لتحرّك بها ربما من دون ألا نشعر أيادي خفية لتتحكّم فينا مزيد من التحكّم فينا. ثم من ناحية ثانية أنا أعتقد من ناحية نظرية المفكّرون والعلماء من كل الاتجاهات الفكرية والأيديلوجية يجب أن يتداعوا إلى مؤتمرات وإلى جلسات، وإلى مناقشات في قضية الشأن العام في قضية العلاقة بين الدين والسياسة ما معنى السياسة على ماذا نختلف في السياسة؟ حتى نستطيع أن نبني وإلا فسنبقى دائمًا نُعيد مشاكلنا.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل فلنكن واقعيين قليلًا الحاكِم العربي هو ينتمي إلى فئة الصُمّ البُكم العمي لا يسمع ولا يريد أن يسمع. أشرت إلى النخب ودورها في يقظة الأمّة ونهضة الأمّة أين هذه النخب؟ هناك مَن قضى حياته في المنافي للأسف بلا جواز سفر حتى يضيّقوا عليه وينزعون منه جواز السفر، ويبقى للأسف الشديد محتارًا في لقمة عيشه، بعضهم في السجن بعضهم قضى عشرات السنين في السجن من أجل كُليمة.

فكيف يمكن لهذه النخب أن تساهم في إحقاق النهضة ودولة العدل ولا يوجد هناك مناخ نهائياُ لتحقّق مثل هذه المقولة؟

عبد الجليل بن سالم: على كل حال الآن المناخ بدأ يتحقّق ما أراه الآن في تونس، وما أراه الآن ربما في لبنان وما أراه في العراق، وما أراه في الجزائر هو بداية أن تصبح للشعوب كلمتها بغضّ النظر عن الحيثيات وبغضّ النظر عن كل الملابسات. الآن هناك نهضة الشعوب هذه الشعوب أو ما عبّرت عنه أنت بالجيل العابر للأيديولوجيات الذي ينادي بالعدل بالكرامة، بماذا ينادي الآن الشعب في لبنان عندكم؟ ينادي الآن بغضّ النظر عن المذهبية وبغضّ النظر عن الخلافات السياسية يجب أن يسمعه الحكّام والقادة هو ينادي بالعدالة 40 بالمئة من المهمّشين من العاطلين عن العمل، هذا سبب الاختلال بغضّ النظر عن المذهب وبغضّ النظر عن الدين وعن الأيديولوجية أنت حقّق له كحاكم أو حقّق له أنت كمُتحكّم بالشأن العام، حقّق له مطالبه فسترى إن الشارع سيثوب لأن العدل هو أساس العمران، وهو أساس الاستقرار، وهو أساس الحضارة. فما نراه الآن من انتفاضات هو قلق يجب أن نفهمه أنا لا أريد ان أدين أحداً لا أريد أن أخوّن أحداً ولا أريد أن أكفّر أحداً، بل يجب أن نسمع لصوت الميادين لصوت الواقع. لماذا هذه الجماهير هادِرة وغاضبة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي؟ عوض أن نخوّنها أو أن نشتمها أو أن نسبّها كما أرى السبّ ونتعالى كمُثقفين ومفكّرين لنسمعها ولنستخلص القوانين والسِنَن حتى نتجاوزها. نحن في لحظة تاريخية فاصلة يا سيّدي نحن في تاريخ جديد لابد من أن نفهمه.

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الجليل أذكّرك بمقولة إبن خلدون الذي ينتمي إلى وطننا المغاربي أن الظلم مؤذن بخراب العمران حتى العمران يتصدّع من الظلم، وأذكّرك بمقولة أبي ذرّ الغفاري رضوان الله عليه عجبت لمَن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج شاهِرًا سيفه.

عبد الجليل بن سالم: هو الآن خارج شاهِر سلاحه الآن يطبّق في مقولة أبي ذرّ.

يحيى أبو زكريا: صحيح، دكتور محمّد اليوم كل الشوارع العربية من موريتانيا، الجزائر، ليبيا، تونس، صعودًا إلى المشرق العربي لبنان، العراق، فلسطين، وقريبًا دول الخليج. يقينًا الكل يطالب بالعدل، هل العدل مُفردة مستحيلة التحقّق في الواقع العربي؟ أي هل الأرض العربية تكره العدل؟ وتقول للعدل إفرنقع لا نريدك.

محمّد الكاف: العدل هو قيمة إنسانية عامة، والظلم مقبّح عقلًا، ومقبّحً شرعًا، ومقبّح عُرفًا عند البشر كلهم أجمعين، لسنا في البدعة نحن كعرب أو مسلمين من الخلق الذين يطلبون العدل ويريدون أن يخرجونا من حيّز الظلم، هناك نسبية واردة النسبية في هذا لكن كلام إبن خلدون قانون اجتماعي الظلم مؤذّن بخراب الشعوب بخراب الأمم هادم معول هدم الظلم، فنحن لسنا مغيّبين عن هذا الأمر عندما يكون نموذج الحاكم هو إنسان لص مُتسلّط على الشعوب، يغتنم أكلهم ويظهر طبقة من المُستكبرين ومن المُستعلين ويسحق المُستضعَف ويزيد في استضعافه لا شك أن هؤلاء سيخرجون إلى الشارع ويريدون المطالبة بالعدالة، يريد حقّه في الثروة هو كمواطن وهذا عندما نأخذ النموذج الإسلامي إمكانية التطبيق واردة، وإذا يريدون هم هؤلاء المتسلّطون النموذج الغربي ليكن مثل الإسكندنافي يكون مثل بريطانيا يكون مثل جنوب إفريقيا، مثل الكثير من الشعوب الموجودة الإسلامية استطاعت أن تنهض نسبيًا من هذا الجور والتسلّط المُطلَق للحاكِم خروج الشارع هي بيئة كما ذكرتم هي بيئة التحرّك. لكن هذا يفتقد إلى القيادة ويفتقد إلى الفكرة هو يصرخ من الظلم، لكن لم يضع قانون الخروج من الظلم. هل هو وضع نظاماً علمانياً؟ نظام قرآني؟ نظام إسلامي؟ بناء على ماذا لا يوجد عنده قائد يحرّكه هو صرخة صرخة ثائِر؟

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد سنظل في أوطاننا العربية نكرّر العدل أساس المُلك العدل أساس الحُكم، وستظل هذه الشعوب العربية والمسلمة تطالب بالعدل إلى أن يأذن الله ويُهيّئ للمسلمين للعرب قادة صالحين مُصلحين وليس قادة لصوص يؤثرون السلطة ويقتلون الشعوب.

دكتور محمّد بن سقاف الكاف من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك، الدكتور عبد الجليل بن سالم من تونس الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدا ودائعه.

"مفهوم العدل في الإسلام" مجيد خدوري

يشير المؤلّف منذ بداية الكتاب إلى الاختلاف البيّن في مفهوم العدل بين مدرسة فكرية وأخرى، بل بين مفكّر وآخر داخل المدرسة الواحدة، الأمر الذي جعل من غير الممكن ادّعاء أيّ شعب أنه يمتلك المعيار الأفضل للعدل لأنه يبقى في النهاية مفهومًا نسبيًا حيث يتحدّد هذا المفهوم وفقًا لنظام المجتمع العام والذي يختلف من مجتمع إلى آخر برغم القواسم المشتركة التي تربط بين هذه المفاهيم.

وعند الحديث عن مصادر العدل في الإسلام فإن الدكتور خدوري يحدّده في الوحي وفي الحكمة الإلهية كما تبلغهما النبي ما جعلهما يشكّلان مصدرين أساسيين نشأ عنهما مصدر ثالث مشتق من التفكير الإنساني دُعي بالاجتهاد، وإذا كان العلماء قد اتفقوا على طبيعة العدل الإلهي فقد اختلفوا في طريقة تحقيقه على البشر وقد كان لتسييس هذا المفهوم دور في جعل الشرعية والعدل يدّلان على معنى واحد من أجل تبرير الشرعية في وجه الخصوم السياسيين.