بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

بيير داغر - ممثل لبناني

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. بلا صخبٍ ولا ضجيجٍ راكَمَ ضيفنا تجربةً متميّزة وبنى عمارةً متينة الأُسس بطبقاتٍ متراصّةٍ من الأدوار المُتقنة والأعمال الناجِحة التي شاهدناها على مدى سنواتٍ لم تكُن أبداً عجافاً بل أثمرت حصاداً وفيراً لفنّانٍ لم يخشَ أداء أيّ دورٍ سواء أكان دوراً إيجابياً أو سلبياً، فغايته في نهاية المطاف إمتاع المشاهِد ومؤانسته من خلال مهنةٍ لا يُمكن لها أن تكون فقط مورِدَ رزقٍ أو مُجرّد عملٍ تجاري . لذا رأيناه أيضاً في أعمالٍ ملتزمةٍ بقضايا وطنه وشعبه ومُسلسلاتٍ تلفزيونية سطّرت بطولات المُقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي حتّى لو أدّى فيها أدواراً تُناقض أفكاره وقناعاته كما هو حاله في دورِ ضابطٍ إسرائيليٍّ في مُسلسل "الغالبون". ومثلما برَعَ هنا بَرَعَ أيضاً في الأعمال التاريخية والاجتماعية وسواها وظلّ مثالاً للفنان الجميل المتواضع المُنحني مثل سنبلةٍ ملأى. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحِّب بالممثل اللبناني اللامع الأُستاذ "بيار داغر" أهلاً وسهلاً، شرّفت "بيت القصيد"

بيار داغر: شكراً يا "زاهي"، شكراً حبيبي

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً نوّرت

بيار داغر: شكراً لك

زاهي وهبي: مُقِلٌّ عموماً في إطلالاتك الحوارية، لماذا؟ خصوصاً التلفزيونية

بيار داغر: أجل مُقِلّ، أحس أنّه إذا لا شيء عندي أقوله لا أرغب أن أظهر، والأعمال المهمّة التي نستطيع أن نتوفّق بها ونستطيع أن نشتغلها نادرة وقليلة في هذا الزمن، لهذا السبب أُحاول أن أتحاشى. لا أدري هذا طبعي وهذه قناعاتي

زاهي وهبي: على كلّ حال، إن شاء الله هذه الليلة نستطيع أن نُضيء على بعض المفاصل الأساسية في شغلك. شعوري، مثلما بدأت في التقديم أُستاذ "بيار"، أنك بنيت تجربتك في هدوء من دون صخب ومن دون الكثير من المشاكل ومن دون حضور إعلامي مُكثّف مثلما قلنا. هذا الشيء مُتعمَّد أم طبيعتك هكذا؟ يعني تلقائياً جاءت القصة؟  

بيار داغر: هذا يعود إلى طبيعتي وهناك أناس يلومونني على هذا ويقولون لي: " خطأُك ربما أنّك لا تظهر كثيراً على الإعلام ولا تُجري اتصالات ولا تشارك في حفلات لتكوِّنَ علاقات مع المُخرجين والمنتجين من أجل أن تكون عندك استمرارية وتكون عندك فُرَص أكثر. أنا من جهتي أحسّ أنّ هذا الشيء يُخالِف قناعاتي

زاهي وهبي: لستُ شاطراً في ما يُسمّى العلاقات العامّة

بيار داغر: ليس لست شاطراً     

زاهي وهبي: نعم، لا تُريد

بيار داغر: لا أُريد، أنا لا أريد هذا لأنني أعرِف أنّ في التمثيل الدور المناسب يكون للشخص المناسب أو العكس، لماذا أُكوِّن علاقاتي وأدخُل في بازار من أجل أن أنال الفُرَص

زاهي وهبي: حضورك في الدراما السوريّة أو في الدراما المُشتركة إذا أمكننا أن نسمّيها أيضاً في بعض الأعمال السورية اللبنانية أكثر من الدراما اللبنانية، هلّ هذا الانطباع صحيح؟

بيار داغر: انطلاقتي بدأت بها متأخراً لأننا اشتغلنا مسرح في البداية وكانوا أساتذتنا أطال الله في أعمارِهم يقولون لنا، لا تظهروا على التلفزيون لأنّ التلفزيون لن يُقدِّم شيئاً جيداً

زاهي وهبي: نعم كانت النظرة دونية للتلفزيون عند أهل المسرح

بيار داغر: لكن أنا اكتشفت لاحقاً أنّ هذه نظرة خاطئة وفي إمكان الإنسان أن يدخُل إلى مكان حتّى لو لم يكن مثالياً، أعني العمل أو المسلسل لم يكن مثالياً، وفي إمكانك أن تعطي من ذاتك وتُحسِّن وتُساهم في رُقيّ هذا العمل

زاهي وهبي: والبرهان أن الكثير من أبناء المسرح هاجروا إلى التلفزيون أو على الأقل بين المسرح والتلفزيون

بيار داغر: بداياتي كانت هنا وجاءتني فرصة وطُلِبت إلى (سوريا) مع الأُستاذ "نجدت أنزور"

زاهي وهبي: في "العوسج" ربما

بيار داغر: نعم في "العوسج" وقال لي حينها، وهذه جملة لا أنساها، قال لي: "بيار " إذا أردت أن تبقى في (لبنان) ستبقى في (لبنان)، أذهب إلى (سوريا) ستجد أنه أصبح عندك جمهور عربي كبير وواسع

زاهي وهبي: قبل أن نتحدّث عن أبرز الأعمال التي حضرتك قدّمتها، ما رأيك بالدراما اللبنانية، إيجابياتها وسلبياتها؟

بيار داغر: كان عندي نظرة سلبية كبيرة في مرحلة السنوات الخمس الماضية وقبلها وهذا شيء أحدث لي مشاكل مع المنتجين ومع المُخرجين ومع الكُتّاب في البلد، يعني لم يعُد أحد يقترب منّي، وأنا كنت أنتقدهم عن حُسن نيّة

زاهي وهبي: أثناء العمل؟ أعني في أعمال تشارِك بها، أم لا في حوارات صحافية؟

بيار داغر: لا، أكون في (سوريا) مثلاً، أشتغل في (سوريا) أو في مكانٍ آخر في (المغرب) أو في (تونس) ويكن عندي مقابلة صحفية فأنتقد الأعمال من غيرتي. لماذا أُسافر إلى الخارِج ولماذا لا أشتغل في بلدي أعمالاً جيدة وناجحة ومهمة وعظيمة وأنا حقّي هنا؟ لماذا أضطر للسفر إلى الخارِج كي أنال كامل حقوقي؟ فاعتبروا الموضوع أنه شخصي لكن لا، لم يكن الموضوع شخصياً

زاهي وهبي: تحسّنَت منذ خمس سنوات إلى الآن الإنتاجات اللبنانية؟

بيار داغر: الذي صار أنه في بداية الحرب السورية دخل منتجون جُدد على البلد ودخل ممثلون من (سوريا)، يعني علينا ألا ننكر ونكون واقعيين أن النجوم السوريين كانوا باباً لتسويق الأعمال في العالم العربي

زاهي وهبي: صحيح، وربما وجود مُنافسة حتّى ضمن العمل نفسه عندما يشعُر الممثل أنّ في مقابِله 

بيار داغر: طبعاً، هذا شيء يُحسِّن العمل ويرفعه. اللهمّ أن يكون الشيء في محلّه ولا يكون الوالد مصرياً والابن لبنانياً والأمّ سورية، عرِفت كيف؟          

زاهي وهبي: في اللهجة على الأقل

بيار داغر: في اللهجة وفي كلّ شيء أعني. هؤلاء المنتجون الذين دخلوا على البلد حسنوا والآن رفعوا لكن هؤلاء المنتجين، أو ربما يوجد منتجون أو ثلاثة منتجين كحد أقصى، لكنّهم أحدثوا

زاهي وهبي: أحدثوا تغييراً معيناً للأفضل

بيار داغر: طبعاً

زاهي وهبي: كم نحتاج فعلاً نحن في (لبنان) دراما الواقع إن أمكنني تسميتها هكذا، بمعنى دراما تُشبهنا؟ أعني يشعُر المُشاهِد اللبناني أو المُشاهِد العربي أنّه يُشاهد شيئاً يختلف عن قصص الكليشيهات

بيار داغر: صحيح، تحتاج إلى القليل من الوقت لأنّه ينقصنا كُتّاباً، ينقصنا كُتّاباً وينقصنا رأس المال، وينقصك أيضاً أوضاع

زاهي وهبي: أوضاع مُستقرّة

بيار داغر: أوضاع مستقرة لأنّه صِدقاً "زاهي" عندنا أجمل استديو في العالم وأنا أعرِف من خلال تجوالي في العالم العربي، كلّهم يتمنون أن يأتوا ويصوِّروا في (لبنان) ورغم ذلك لغاية الآن تحس أن المصري يأتي ويُحب أن يشتغل هنا وأن يُصوِّر هنا والسوري أيضاً الشيء نفسه

زاهي وهبي: هذا ربّما يحتاج أيضاً إلى أن ينفتح المخرجون قليلاً على النصوص الأدبيّة اللبنانيّة، بمعنى الروايات، عندنا روائيون كبار نحن في (لبنان)

بيار داغر: عندنا تاريخ عظيم، عندنا تاريخ غني جداً جداً. أوكي عندك كاتب أو كاتبان أو عدد من الكتاب لكنهم لا يكفوا السوق، لا يكفوا السوق المحلّي أو السوق العربي

زاهي وهبي: نتمنّى أنّ يكون هذا التحسّن إلى الأمام دائِماً وأن تساعِد الظروف العامة. قبل أن نتحدّث عن بعض الأعمال والأدوار التاريخية والدينية التي قدّمتها حضرتك ولمعت فيها دعنا نذهب برفقة زميلتنا "سحر حامد" ونرافقك على (جبيل)، على موقع التصوير

قطع وصل- بيار داغر

- في بداية هذه المهنة، كنت أعتبرها هواية وأعتقد أنّ القدر جاء بي إلى هذا الجوّ. أعني في الأساس لم أكن قرّرت أن أكون ممثلاً لكن لاحقاً أحببت المهنة وتعلقت بها

- أنا في الحرب اشتغلت الكثير من الأشغال إذا عددتها لكِ تتفاجئين، تعرفت على أشياء كثيرة غيرها

- راض على ما وصلت إليه لكن دائماً الإنسان يطمح إلى الأفضل، ونحن الظروف التي نمر بها في عالمنا ليست ظروفاً مثاليّة تسمح لكِ أن تحققي طموحاتكِ

- أنا اكتشفت أنّه في عُمر ما بعد الخمسين أحسّ أنّ الإنسان يكون في كامل نضوجه وأقول ليتني في هذا العُمر كان عندي خبرة هذا العُمر لكن في الفترات السابقة. ما بعد الخمسين يختلف عمّا قبل الخمسين، أنا أعتبر الإنسان ينضج ما بعد الخمسين خاصةً الرجل ولا أتحدّث عن المرأة

- كلّ إنسان في إمكانه اختيار هذه المهنة لأنّ في كلّ إنسان توجد مليون شخصية وشخصية. ما يُميِّز الممثل عن الإنسان العادي أنّه يستطيع أن يبرز ويُظهِر الشخصيات ويستطيع أن يتحكم بها ويُطوِّعها. هذا هو الفرق بين الممثل وبين الإنسان الآخر لكن كلّ إنسان عنده هذه الطاقات

- أنا الآن في (جبيل) في Location في منزلي، يُفتَرض منزلي، والعمل هو "ما فيي" الجزء الثاني نصوِّره، من إخراج "رشا شربتجي" وكتابة "كلوديا مارشليان" وإنتاج "الصبّاح" 

زاهي وهبي: إذاً استمعنا إلى جزء أوّل من "قطع وصل" ولا يزال عندنا جزء ثاني نراه بعد قليل. نتمنّى لكم التوفيق طبعاً ولجميع العناصر والقيّمين على العمل في جزء ثان من "ما فيّي" بسبب نجاح الجزء الأول

بيار داغر: أجل طبعاً   

زاهي وهبي: معقول أن يكون سلسلة؟

بيار داغر: إذا لاقى نجاحاً ممكن، لماذا لا؟ لكن على شرط أن يظلّ محافظاً على إيقاعٍ مُرتفِعٍ ومشدود

زاهي وهبي: خصوصاً أنّ العناصر وأيضاً الممثلين في العمل بينهم اختلاط

بيار داغر: نعم، ودخلت عناصر جديدة وممثلون أيضاً على الخط

زاهي وهبي: أبرزهم؟

بيار داغر: الذي عرفته مشاركة "كارمن لبّس" وغيرها أيضاً

زاهي وهبي: العمل مع "رشا شربتجي" كمُخرِجة كيف يختلف مثلاً عن العمل مع آخرين؟

بيار داغر: "رشا" أنا أول مرة أشتغل معها في هذا العمل

زاهي وهبي: ماذا اكتشفت؟ ماذا وجدت؟

بيار داغر: عن جد، في كلّ يوم يأخذ الإنسان خبرته ويتعلّم شيئاً جديداً في الحياة. أعتبرها من أهمّ المُخرجين الذين اشتغلت معهم في حياتي، هي وكمّ قليل، لكنهم قليلون جداً. ما يُميِّز "رشا" أنّها إنسانة مثقفة كثيراً وتلتقط خيوط اللعبة كلّها كما يُحرِّك المرء الـ Marionette، تدخُل في أدقّ التفاصيل عن الممثل. أنا اشتغلت مع مُخرجين يتركون الممثل يفعل ما يريده مهما قال ومهما صار، وهذا شيء غلط لأنّ المُخرِج هو ربّ العمل وهو الذي يملك النظرة الشموليّة للعمل، أعني هو يعرِف أدقّ التفاصيل وكيفية معالجتها ومن اللازم أن يوجِّه أحياناً الممثل. في بعض الأوقات لا يكون الممثل في حاجة

زاهي وهبي: تعني لا يرى نفسه في نفس العين التي يراه فيها المُخرِج

بيار داغر: أوكي يحدث نقاش، إمّا تقنعني أو أُقنعها عندما توجِّه لي مُلاحظة لكن من الضروري أن يكون المُخرِج، أعني عندك مخرجون مثل مخرجي الإعلانات، يهمهم "كادر" جميل

زاهي وهبي: وليُدبِّر الممثل نفسه

بيار داغر: أجل

زاهي وهبي: في النقاش بينك وبين المُخرج هلّ يُمكننا أن نعتبرك ممثلاً مطواعاً مرناً بين يدي المخرِج أم مُشاكساً؟

بيار داغر: لا، أكيد مطواعاً، إما أُقنعها أو تُقنعني. أحياناً أكسُر قليلاً من حقّي وأحياناً لا أكسُر

زاهي وهبي: تميّزت في الأدوار، أديت كثيراً في مسلسلات تاريخية ودينية. كم إتقانك للغة العربية الفُصحى ساهم في أن تُطلَب دائِماً على هكذا نوع من الأدوار؟

بيار داغر: إذا أردت، أنا بداياتي كانت أعمال تاريخية وفي (سوريا) حينها لم تكن هناك أعمال مودرن، كانت كلّها أعمال تاريخية وفنتازيا

زاهي وهبي: خصوصاً مع "نجدت أنزور" وآخرين

بيار داغر: لغتي العربيّة السليمة اكتسبتها من الدبلجة، والحمد لله "الله" أعطاني مخارِج حروف جيدة

زاهي وهبي: لأنه أيّة مُشكلة في التمثيل عفواً، أنا لماذا أسأل؟ لأنّ أحياناً نكون نتابع عملاً، ومع بعض الممثلين نجد صعوبة في التقاط آخِر كلمة قالها أو آخر حرف!

بيار داغر: كثير من الممثلين حاولوا أن يلعبوا أدواراً تاريخية ولم ينجحوا. ربما تمرّسي في الدبلجة مكّنني، وأنا أُحب الفُصحى وأُحب الموسيقى التي فيها وهي لغة جميلة

زاهي وهبي: طبعاً اللغة العربية من أجمل لغات العالم تُعتبر

بيار داغر: صحيح، ولاحقاً لكثرة ما أدينا في أعمال تاريخية طبعاً

زاهي وهبي: طبعاً، دورٌ يلي دور وعملٌ يلي عمل

بيار داغر: المرء يترسّخ ويصير عنده ثقة بنفسه

زاهي وهبي: ما هي أهمّ الأعمال التاريخية التي تعتزّ بها؟ من جملة الأعمال التي قدّمتها طبعاً "العوسج"، له ذكرى خاصة

بيار داغر: كلّ عمل "زاهي"، كلّ عمل تشتغله عنده ذكرياته وعنده المرحلة التي أنت تكون فيها. في كلّ عمل وفي كلّ عُمر هناك مرحلة تعيشها وليس في إمكانك تخطّيها. تُفكر مثلاً أنه في العمل السابق كان من اللازم أن أفعل هكذا، أوكي لكن في تلك الفترة ربما كانت إمكانياتي إلى هذا الحد ونظرتي إلى الأمور إلى هذا الحد. أعني كلّ عمل له خصوصيّته

زاهي وهبي: من هم أهم المُخرجين الذين اشتغلت معهم في هذا الإطار؟

بيار داغر: في (سوريا) في تلك الفترة أعتبر أنّ "نجدت" له فضل كبير

زاهي وهبي: دائِماً تذكُر هذا الشيء

بيار داغر: له فضل كبير على الدراما العربيّة وعلى الدراما السورية لأنّه كان

زاهي وهبي: فتح باباً واسعاً

بيار داغر: هو الذي فتح باباً واسعاً

زاهي وهبي: صحيح. وضعتُ صوتك على شخصيّة النبي "يعقوب" في مسلسل "سيّدنا يوسف"

بيار داغر: صحيح

زاهي وهبي: ولكن عُرِضَ عليك أيضاً أن يكون صوتك لشخصيّة "النبي محمّد"

بيار داغر: نعم

زاهي وهبي: ولم يحدث ذلك، لماذا؟

بيار داغر: لم تحدث مفاوضات، هم حينها أجروا Casting وشاركنا فيه وكان يريدني أن أذهب إلى (ألمانيا) لأسجِّل هناك وهناك أشياء لم نتفق عليها واعتذرنا

زاهي وهبي: هلّ توجد رهبة مُختلفة عندما يريد الممثل أن يؤدّي شخصية ولو في الصوت أحياناً لشخصيّات عظيمة مثل الأنبياء والرُسل أو شخصيّات تاريخية كبيرة؟

بيار داغر: طبعاً. تحتاج إلى كلّ حواسك

زاهي وهبي: نعم، ليست مسألة إتقان لغة فقط ومخارج الحروف

بيار داغر: لا لا، أبداً. في النبي "يعقوب" عدت والتقيت بالمُخرج، أثناء تصويرهم العمل كنت في (إيران) وذهبنا ورأينا تصويرهم للعمل وتعرّفت على المُخرِج الذي توفّى للأسف بعد أن أُصيب بذاك المرض الخبيث. أذكر أنه قال لي: "بيار" أنت لعبت دوراً كبيراً في إنجاح هذا العمل"، هذه شهادة لا أنساها

زاهي وهبي: لك شُهرة واسعة في (إيران) من خلال بعض الأعمال الإيرانية التي شاركت بها. ليس بسهولة يدخُل عنصر غير فارسي على الذائِقة الإيرانية، ما هو السرّ؟

بيار داغر: لا أدري، هذا السؤال لهم وليس لي

زاهي وهبي: ما هو أكثر دور دخلت من خلاله إلى المشاهِد الإيراني؟

بيار داغر: جاء مخرج إسمه "حسن فتحي"، هو كاتب وأحب أن يُخرِج عملاً، جاء إلى (لبنان). قاموا بـ Casting لفيلم واختاروني. في نهاية العمل وبعد أن عُرِض الفيلم اتصل بي وقال لي: "بيار" عندي دور أول عند كاتب مُسلسل وعندي دور أرغب أن تؤديه أنت، والآن المفاوضات بيني وبين المحطات ليقبلوا بك كشخص لبناني يؤدّي دور مُحقق فارسي. قلت له: أنا جاهِز فأرسل لي شخصاً لنوقِّع العقد. وعندما ذهبت إلى هناك قال لي: "بيار" يوجد تحدّ بيني وبين المحطات على نجاح هذا العمل وعلى نجاحك أنت، يوجد تحدّ

زاهي وهبي: بسبب وجود مسألة عائِق اللغة

بيار داغر: فإمّا أقضي على نفسي أو أنت تدفعني. هذا العمل "زاهي" اسمه "مدار صفر درجة"، كيف "باب الحارة" حقق في العالم العربي هنا؟ هذا العمل حقق مثل "باب الحارة" وأكثر

زاهي وهبي: كان من عدة أجزاء؟

بيار داغر: لا، كان من جزء واحد لكن ارتداداته لا زالت لغاية الآن، ربما منذ عشر سنوات لا أدري، ارتداداته لا زالت لغاية الآن "زاهي" صدقاً. لا زال الجمهور هناك لغاية الآن مأخوذاً به

زاهي وهبي: أنت كنت تحكي فيه؟

بيار داغر: لا، هم عندهم مسألة أن كلّ ما يُصوِّرونه يدبلجونه، هم ماهرون جداً في الدبلجة، كلّ شيء يُصوَّر للسينما أو للتلفزيون يُدبلج، ربما لنظافة الصوت لا أدري. أنا صوّرته وتحدثت باللبناني لكن التحدّي أين؟

زاهي وهبي: مسألة الإحساس

بيار داغر: التحدّي أعني إذا أنا موجود في قاعة وأتعاطى مع ممثلين وأتحدّث معهم في موضوع معيّن، التحدّي هو كيف سأتفاعل معهم ويتفاعلون معي، هنا كان التحدّي

زاهي وهبي: إن لم تكن تفهم اللغة هناك عائِق كبير

بيار داغر: لم أكن أفهم اللغة. في النص معي الترجمة وأفهم المعنى لكن الشيء نفسه عندما كنت أتحدث بالعبرية

زاهي وهبي: في "الغالبون" وفي الفيلم

بيار داغر: في "الغالبون" وفي فيلم "33 يوم". هذا أصعب شيء مررت به

زاهي وهبي: في "الغالبون" أدّيت دور شخصيّة الضابط الإسرائيلي بكلّ براعة. عادةً هذا النوع من الشخصيات بعض الممثلين يتجنبونها. يقول لك: يا أخي، الآن سيكرهني المُشاهِد في طريق كرهه للشخصية. هلّ قبلت بسهولة أن تؤدّي هذا الدور؟

بيار داغر: لا مُشكلة عندي، المهم أن أُحبّ الشخصيّة لو مهما كانت. أوكي، هناك ممثلون يخافون ولكن من غير اللازم أن يخافوا بل على العكس، المهم هو ما تنوعّه في أدوارك، حتّى الكوميدي أدّيته، أعني ما تنوّعه في أعمال تُغني نفسك بها وتُغني ثقافتك

زاهي وهبي: كيف تُحضِّر شخصياتك؟ هل تتجه إلى كُتُب، هل تذهب إلى مراجِع؟ أم الحياة والمشاهدات

بيار داغر: أنا أشاهد سينما كثيراً ولا أشاهد محلّياً سوى القليل، حتّى الأعمال التي أُصوِّرها أشاهد عملي لأرى كيف سأُحسِّن. أشاهد القليل من العمل ثم أنتقل

زاهي وهبي: بين هلالين، قاس على نفسك عندما تُشاهِد الأعمال التي تُشارِك بها؟

بيار داغر: أُحاول أن أُحسِّن طبعاً

زاهي وهبي: تكون صريحاً مع نفسك

بيار داغر: طبعاً. أنا أُشاهد كي أُحسِّن، لا أشاهد كي أتمتع بنفسي

زاهي وهبي: لك الحق حتّى لو كان ذلك من جانب الامتاع

بيار داغر: أهم شيء أن أُحب الدور، أعني عندما يأتيني الورق أقرأ وإذا أحببت الدور، wow

زاهي وهبي: هذه الأعمال مثل "الغالبون" و"33 يوم" و"قيامة البنادق" ولو كانت عن مرحلة مُختلفة، هل هي مُجرّد أعمال بالنسبة لك؟ أم فيها البُعد الوطني، بُعد القناعة في رسالة العمل؟

بيار داغر: في البداية كلّا، في البداية يكون حبّ العمل، قدرتي على تحقيق ذاتي وقدرتي على إعطاء شيء جديد، قدرتي على تطوير نفسي وأن أُضيف شيئاً ما. أوكي، تعود رسالة حبّ الوطن والرسائِل الأُخرى السامية إلى الدخول في العمل إذا كانت موجودة، إذا كانت موجودة في العمل أكيد شرف لي أن أقوم بها

زاهي وهبي: قلنا أنّك أدّيت شخصيّات إيجابية وشخصيات سلبية في الوقت نفسه ولا مشكلة عندك مع طبيعة مضمون الشخصيّة التي تؤدّيها، وهكذا كسرت التنميط. هلّ كان هذا الشيء عن وعي، لأنه كما تعلم دائِماً المنتجين أو المُخرجين عندما ينجح ممثل في إطار مُعيّن

بيار داغر: يعلّقون عليه في تنميط هذا الإطار

زاهي وهبي: يضعونه في ذاك الكادر وهكذا دواليك

بيار داغر: يا عيني عليك. ماذا صار معي في الدور العبري؟ في الدور العبري صوّرت "الغالبون" جاءني عمل من بعده إسمه "33 يوم" ذاك الفيلم الإيراني، صوّرته أيضاً بالعبرية وصرت أقول في إطلالاتي الصحافية والإعلامية: "لا يقترب أحد منّي في أدوار بالعبرية". ثمّ جاءني عرض لا أدري من أين واعتذرت منه. أعني عليك أن تأخذ قراراً وتكسر هذه القاعِدة عند بعض المنتجين أو المُخرجين الذين يعتقدون

زاهي وهبي: أجل يستسهلون الأمر ويضمنون إذا وجدوا ممثلاً ناجحاً 

بيار داغر: هذه غلطة ممثل، هذه تعود أيضاً إلى أنّ على الممثل واجبات وهي أن يعرِف كيف يُحافظ على نفسه ويُطوِّر نفسه

زاهي وهبي: لك شخصياً كممثل، الشخصية السلبية تُغويك أكثر أو الشخصيّة الإيجابية؟

بيار داغر: حسب. الشخصية السلبية

زاهي وهبي: فيها تحدّ أكثر ربما

بيار داغر: لا، هي مغرية لكن لماذا؟ لأنها فوراً تلتقط الجمهور. عند الجمهور ضعف تجاه هذه الشخصية، تتملّك به فوراً

زاهي وهبي: ربما الشخصيات الأُخرى مُتعارَف عليها وهي مألوفة أكثر بالنسبة للمُشاهِد

بيار داغر: مألوفة أكثر الشخصية السلبية، هذه من إيجابياتها

زاهي وهبي: منذ أن كنّا صغاراً مزروع في ذاكرتنا مثلاً "توفيق الدقن"، "محمود المليجي"، "عادل أدهم" أعني هذه الشخصيات التي لعبت أدواراَ شريرة في الكثير من الأفلام العربية

بيار داغر: صحّ

زاهي وهبي: تحفر هذه الشخصية

بيار داغر: صح، حلوة وأنا أتمتّع بها، لكن بالنسبة لي الشخصية العادية فيها صعوبة أكثر في الأداء

زاهي وهبي: طبعاً

بيار داغر: في أن تكون طبيعياً وقريباً إلى القلب فيها صعوبة في الأداء، نعاني منها ونشتغل عليها كثيراً بينما الشخصية السلبية في إمكانها أن تأخذ أنماطاً معينة من صوَر كثيرة في مُخيّلتك تُمكِّنك من الارتكاز عليها

زاهي وهبي: ما أكثر الشخصيات التي أدّيتها وتستعيدها في اعتزاز؟

بيار داغر: الكثير من الشخصيات

زاهي وهبي: نماذج

بيار داغر: لعبت شخصيّة "أمين الريحاني"، حلوة جداً، قصّته حلوة كثيراً وهي كانت من حلقة واحدة للكاتب الكبير "أنطوان غندور". وهناك شخصيّة مثلاً "بيليو ويف" قائِد "الفايكنغ" التي أدّيتها مع "نجدت" في (سوريا). أديت شخصية قائِد مجموعة من المُحاربين يحاولون إنقاذ قرية من الوحوش التي تأتي لافتراسهم وكذا، من كتابة الكاتب الكبير " حسن م. يوسف". هناك شخصيّات أثناء قراءتها تذوب بها "زاهي"، تذوب. تكون مكتوبة في لغة غير طبيعية. أحياناً تمُرّ على نصوصٍ وتُعاني

زاهي وهبي: طبعاً. من أجل هذا، الورق كما يقول المصريون هو ركيزة أساسية في أي عمل وتذكُر حضرتك أسماء كبيرة ككتاب ومخرجين، نحييهم جميعاً. إسمح لنا أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثاني: 29:27              

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا نُشاهد مقتطفات ومشاهد من أعمال ضيفنا الكريم الممثل اللبناني القدير الأُستاذ "بيار داغر". شاركت في مُسلسل      "أثر الفراشة" الذي عُرِض في (سوريا) والمأخوذ من الرواية الشهيرة لـ "ماركيز" "الحب في زمن الكوليرا". سؤالي هو عن علاقتك بالحبّ والعُمر. لأنه كما تعلم "الحبّ في زمن الكوليرا" يدور حول هذه العناوين

 بيار داغر: حلو، سؤال جميل. الحبّ والعُمر، دخلت على عنوان. أجمل شيء في الحياة هو الحبّ، من دون حبّ لا معنى لوجود الإنسان. العُمر ضروري، العُمر

زاهي وهبي: كنت تقول قبل قليل في "قطع وصل" أنّ بعد عُمر الخمسين وما بعد هو الأجمل والأنضج بالنسبة للرجُل

بيار داغر: نعم

زاهي وهبي: وقلت لك تحت الهواء أكيد بالنسبة للرجل لأنّ المرأة لا تصل إلى الخمسين، فما هو الأمتع، قبل أن تُجيبني على سؤالي الأول، ما متعة سنّ الخمسين عند الرجُل؟  

بيار داغر: هذه لا أحد يعرِفها سوى من يصل إليها أو يفوق عمره سنّ الخمسين، أنك تصير تُقدِّر اللحظة، تصير تُقدِّر النسمة ويصير لها معنى. كلّ شيء في الحياة تصير تتمتّع بوجوده

زاهي وهبي: في نظرة مختلفة

بيار داغر: نظرة مُختلفة لم تكن تعيشها من قبل

زاهي وهبي: تصير تتمنّى لو أنّك كنت تُفكِّر هكذا

بيار داغر: حرام، المرء يمر في خمسين سنة ليبدأ في الإحساس بهذه اللحظات، تتضايق

زاهي وهبي: لكن هذا طبيعي، مستحيل في سنّ العشرينات أو الثلاثينات أن تُفكِّر في نفس الطريقة

بيار داغر: حتّى في الأربعين، هنا أيضاً كيف الحب؟ غير معقول، فظيع العُمر وتصير تتمنى ليتك كنت في العشرين لكن عندك إحساس الخمسين

زاهي وهبي: صعب، صعب، هذا يبدو له علاقة بالزمن، تكتسبه مع الوقت. أنا على كلّ حال باسم الخمسينيين كلّهم أشكرك على مديح الخمسين. تحدّثت عن الشيب أيضاً في "قطع وصل" وأنت من الناس الذين شابوا باكراً

بيار داغر: أجل صحيح

زاهي وهبي: وهذه لا علاقة لها بالعُمر، لها علاقة بالجينات ربما

بيار داغر: لها علاقة بالجينات والنقزات التي نلناها

زاهي وهبي: في الحرب، في زمن الحرب

بيار داغر: إحداهنّ قالت لي: "حقّاً شبت يا أحلى الشبابِ وغطّى الثلجُ رأسك في غيابي، ظنّ الناس أنّك صرت كهلاً بما ضيّعت من عمرٍ في بابي، فدعني أحضُن الشيبات دعني أُحدِّثهنّ عن شيخ الشباب، فحتّى لو بلغت القرنَ عُمراً فعشرين أنت على حسابي

زاهي وهبي: لمن هذه الأبيات؟

بيار داغر: لا أدري، لكن إحداهنّ قالتها لي. أنا شبت في الثلاثين

زاهي وهبي: هلّ أحدث لك الشيب مُشكلة؟

بيار داغر: لا، المُشكلة أنني اضطررت إلى صبغه، الآن ما عدت أصبُغ لكن كنت أزيله سابقاً لأنني لم أطق نفسي في شعرٍ أسود، لم أحب ذلك

زاهي وهبي: على كلّ حال، عموماً النساء على عكس ما يظنّ بعض الرجال

بيار داغر: يُحبّون الشيب

زاهي وهبي: لا يحبّون الصبغة. حتى إن كنّ لا يحبون الشيب لا يحبّون الرجُل الذي يصبغ شعره

بيار داغر: هناك صبغات عن صبغات تفرِق، إذا كانت طبيعية قليلاً تكون مقبولة أكثر

زاهي وهبي: نعود إلى موضوع الحبّ والعُمر. هل تتغيّر علاقة الإنسان بمشاعره بعد الخمسين؟

بيار داغر: طبعاً

زاهي وهبي: تجاه الذين يُحبّهم؟

بيار داغر: أكيد، في كلّ شيء

زاهي وهبي: هلّ يستمر الحب؟

بيار داغر: أوكي، يستمر الحب ويصير عنده طُرق مُختلفة أو خطوط مُختلفة. لكن توجد نُقطة حلوة ولا أدري أن كنت أرغب أن أُضيء عليها وأقولها

زاهي وهبي: قل لي

بيار داغر: أيضاً يصير عندك نقاء روحي أكثر. أنا منذ سنتين أخذت قراراً بأن أصبِح نباتياً، أحسست أنّ هذا الشيء أعطاني رُقيّاً في كلّ شيء أراه أمامي

زاهي وهبي: نباتي في المُطلق؟ يعني تقاطع كلّ أنواع اللحوم وكلّ الأشياء الحيّة؟

بيار داغر: أنا بدأت في مقاطعة اللحم الأحمر وكلّ شيء مُرضِع

زاهي وهبي: يعني Vegan ولستُ فقط نباتياً

بيار داغر: لا، الآن ما زلت آكل القليل من السمك والدجاج لكن سأصل إلى مرحلة أتوقف عنها

زاهي وهبي: ما الذي غيّر هذا الشيء بك، أن تكون نباتياً؟

بيار داغر: عفواً أحببت أن أمرر هذا لأنني أُحب في خلال إطلالاتي أن أشجع عليها، أقول هذا لأنني أحب أن أوجِه رسالة لا تكون أنني أتحدث عن نفسي. أنا أعتبر الحيوان مثله مثلي "زاهي"، أعتبره مخلوقاً من عند ربنا، الله أوجده وعنده أحاسيس، يُربّي ويُرضِع ويبكي ويقهر ويتعذّب. فأنا وصلت إلى مرحلة صرت أتضايق كثيراً بحيث لا أستطيع أن أدخل ملحمة ولا أن أرى لحاماً أو أشاهد أحدهم يذبح. لكن أقول لك، هذا الشيء أعطاني نظرة مختلفة للحياة وأتأسّف أنني قطعت كلّ هذا العُمر حتّى وصلت إلى هذه المرحلة حتّى اتخذت هذا الخيار، وأتأسف وأقول ليتني أخذت هذا الخيار منذ زمن بعيد. ربما هنا أنا ألوم أنه لا ثقافة عندنا في الإعلام ولا توعية ولا توجيه للناس في عدم صيد العصفور والطير، الطير شيء جميل جداً

زاهي وهبي: تجد أناساً يتعاملون مع الحيوانات البريّة في طريقة غير جيدة، وهناك بلديات تقتل الكلاب والقطط

بيار داغر: فقط أحببت أن أوجِه هذه بين قوسين

زاهي وهبي: حلو ما تقوله

بيار داغر: أحببت أن أوجِه هذه الرسالة في حال أحدهم يسمعني، أنا في إمكاني أن أؤثِّر على الناس، وإذا في إمكاني التأثير على شخص واحد أحس بأنني أكون قد قمت بمسألة حضارية مهمة أكثر من مسائل كثيرة تُقام في الكنيسة وفي الجامع

زاهي وهبي: دعنا مرةّ أُخرى أيضاً نذهب برفقة "سحر حامد" على (جبيل)، على موقع التصوير ونسمعك في "قطع وصل" ثم نعود إلى إكمال حوارنا

قطع وصل - بيار داغر:

- الحياة أكبر أُستاذ لي، كلما بزغ فجر جديد كلّما تعلّمت أشياء جديدة

- الصبر والحِكمة يكتسبهما الإنسان على مرّ الأيام والسنين، جدياً. أعني وهذه جراء خبرتي، كلّما كبِرنا في هذا العُمر نصير نرى الحياة في طريقة مُختلفة

- لا أدري إذا الشعر الأبيض خدمني أم لا، ممكن أن يكون خدمني وممكن ألّا يكون خدمني لأن شعري شاب حين كنت في عمر الثلاثين سنة

- أذكر أن أوّل عمل لي هو "العوسج" الذي صوّرته في (سوريا) وكان بالفُصحى، كان عُمري ثلاثين سنة واضطررت إلى صبغ شعري ولاحقاً لم أقتنع بالأسود فاضطررت إلى أن أحلقه تماماً لكي ينمو شعري الطبيعي. لا أدري، ربما يخدمكِ في أنك كبيرة في العُمر أو ممكن شيء آخر أيضاً، ممكن أن يُعطيكِ نوعاً من الـ Style أو من الجاذبية، لا أدري

- من أين آتي بالطاقة الإيجابية؟ أحاول. أعني صعب أن تتواجد هذه الطاقة في ظروف حياتنا في هذه البلاد، أحاول أن آتي بها من عائِلتي من زوجتي، من أولادي، من الكلب الذي أقتنيه، من الطبيعة، من البحر، ومن الجبل، أعني من الأشياء الحلوة

- تسألينني عن أي دور مستعد أن أؤدّيه من دون مقابل، أنا مُستعِد أن أؤدّي أدواراً من دون مقابل على شرط أن تخدُم قضيّة وتكون هادِفة، لا مشكلة عندي وأنا جاهز

زاهي وهبي: لربما تكون قضية النباتيين طالما أنت مهتمّ بهذا الموضوع، إذا أحدهم قرّر أن يقوم بفيلم توعوي وثائقي معيّن

بيار داغر: يا ليت، أقدِّم ما أمكنني. أحس أنها رسالة من اللازم أن أوفيها ومن اللازم أن أُعطيها، عرِفت كيف؟

زاهي وهبي: "بيار" أنت إبن المسرح، صحّ؟ أينك من المسرح؟

بيار داغر: أنا ابتعدت عن المسرح حينما تزوّجت وصار عندي عائِلة

زاهي وهبي: نعم، وزوجتك خرّيجة معهد أيضاً

بيار داغر: صحيح

زاهي وهبي: لكنّها لم تُكمِل

بيار داغر: لا، لم تُكمِل وأخذَت خيارات أُخرى

زاهي وهبي: نمسّيها بالخير على كل حال

بيار داغر: شكراً. ظروف الحياة تُصبِح أصعب عندما يتزوّج المرء ويصير عنده عيال، وأنت تعرف مسرحنا هنا، لا استمرارية طويلة فيه يمكنها أن تؤمِن لك لقمة عيش، وأنا كنت دائِماً في تجوال وفي سفر دائِم في أعمالي. كنت خارِج البلد ولم أكن هنا، لا يُمكنني أن أرتبط

زاهي وهبي: والمسرح يحتاج إلى نوع من الاستقرار، أعني على المرء أن يقطن في البلد على الأقل في فترة التمرين والعروض. والسينما؟ السينما قدّمت وشاركت في عدة أعمال

بيار داغر: أجل

زاهي وهبي: لا أدري إن كان آخرها "طريق النحل" مع "عبد اللطيف عبد الحميد" أم لا

بيار داغر: لا، قبل آخر فيلم، آخر فيلم هو "رحلة دمشق 271" أو 2701 مع المُخرج الكبير " حتمي كيا" المخرج الإيراني "حتمي كيا". عمل ضخم جداً جداً يحكي عن

زاهي وهبي: أجل، عُرِض في (بيروت)، نعم

بيار داغر: ‘عُرِضَ هنا أجل، يحكي عن هجوم "داعش" على مطار (تدمُر)، وهذا العمل صوِّر بأكمله في (إيران)

زاهي وهبي: كيف هي علاقتك بالسينما في شكلٍ عام أعني؟ هل تجد نفسك أكثر أمام كاميرا السينما أم أن كاميرا التلفزيون أريَح وأسهَل بالنسبة لحضرتك؟

بيار داغر: مهمة جداً السينما، مهمة جداً. شغلها حلو

زاهي وهبي: من المخرجين الذين استمتعت في العمل معهم؟ نحن ذكرنا "عبد اللطيف عبد الحميد" وهو أحد أهم المُخرجين السوريين السينمائيين

بيار داغر: رائع رائع، غير معقول كم هو إنساني

زاهي وهبي: شاركت مع "ليال راجحة" في "شي يوم رح فلّ" وأديت دور مثليّ الجنس

بيار داغر: أجل، لم يكن الدور واضحاً جداً

زاهي وهبي: لكنّك لم تتردّد ولم تكن عندك مُشكلة في أن تؤدي هذا النوع من الشخصيات

بيار داغر: لا، لأنّ هذه الأمور مرّت في لحظات ولم تظهر

زاهي وهبي: لم يكن واضحاً هذا الأمر

بيار داغر: لم يكن واضحاً كثيراً. ربما حتى لو كان واضحاً كثيراً وأحببته أكيد لما كان عندي مُشكلة، أؤدّيه، أعني لا قيود عندي، المهم أن أُحبّ الدور وأحسّ أنّ في إمكاني أن أشتغل عليه. لكن "عبد اللطيف عبد الحميد" رائِع، إنسان رائع وخلوق والشغل معه حلو كثيراً

زاهي وهبي: أحييه وأُمسّيه بالخير. ما الذي تعطيه لك السينما ولا يعطيه لك التلفزيون؟

بيار داغر: المسرح والسينما والتلفزيون، كل مجالٍ عالم في حدّ ذاته. شغل السينما مختلِف عن شغل التلفزيون وعليك أن تكون حرفياً أكثر وأن تشتغل بصنعة كما يقولون، عرفت كيف؟ أن تعرِف كيف تختار كيف تنظُر بخلاف التلفزيون. في التلفزيون عليك أن تكون طبيعياً وتشتغل كما أنت تريد، أعني لا يوجد فيه قيود أما في السينما فتوجد قيود. المسرح يختلِف

زاهي وهبي: ظاهِرة تحويل الأفلام السينمائية إلى أعمال تلفزيونية كيف تجدها؟

بيار داغر: لا يمنع أكيد، لِمَ لا؟ المواضيع واحدة في كلّ العالم وفي إمكان المرء استغلالها. أعني حتّى كُتابنا هنا في إمكانهم أن يأتوا بنصوص أو أفكار من المسرح العالمي

زاهي وهبي: ليس غلط طبعاً

بيار داغر: لا ليس غلط، ثم يعاد تجميلها لأنّ كلّ الأشياء الإنسانية هي نفسها أينما كان

زاهي وهبي: نعم، الانفتاح على الآخر مطلوب ولكن في نفس الوقت نحن نقول دائِماً الاهتمام أيضاً بالكتّاب اللبنانيين والروايات اللبنانية لأنه فعلاً عندنا روايات متميِّزة طرحت قضايا لبنانية وعربيّة مهمة، هذا مرجع ودائِماً إلحاحي على هذا الموضوع. نقابة الفنانين السوريين منحتك بطاقة فنان وطني، أو بمعنى كأنك فنان إبن البلد، أي معاملتك قانونياً وكأنك فنان سوري

بيار داغر: صحيح

زاهي وهبي: لماذا؟

بيار داغر: صحيح، نلته في "أثر الفراشة" وكانت لفتة حلوة جداً ومبادرة حلوة منهم. أنا عندي تاريخ في نشأة الدراما السورية

زاهي وهبي: كانت كنوع من تحية وتقدير

بيار داغر: كانت نوع من ردّ الجميل. كان يُفتَرَض أن أدفع ضريبة للنقابة لكن تم توجيه كتاب من وزير الإعلام للنقابة، ثم أعادوا الرد على هذا الكتاب في أنّ "بيار" هو أحد أفراد النقابة

زاهي وهبي: حلو هذا الشيء

بيار داغر: هذا شيء رائِع وأنا شكرتهم وحين كنت في (سوريا) دعاني وزير الإعلام وتجالسنا

زاهي وهبي: من خلال مشاركتك في الكثير من الأعمال السورية كيف تجد أثر الحرب في (سوريا) على الدراما السورية سواء من حيث الإنتاج أو من حيث طبيعة الأعمال نفسها؟

بيار داغر: مُدمِّرة

زاهي وهبي: حتّى على الدراما؟

بيار داغر: طبعاً

زاهي وهبي: رغم أنّ الدراما قدّمت أعمالاً كثيرة وتناولت

بيار داغر: مُدمِّرة لأن رأس المال هرب

زاهي وهبي: في النهاية هي صناعة وفي حاجة إلى رأس المال

بيار داغر: رأس مال خجول ودائماً الصناعة تتطلب رأس مالاً كي ترتقي بالأعمال إلى مُستوى عالٍ. للأسف، نتمنّى أن تعود وتقوى ونضع كلنا كتف على كتف ونصعد

زاهي وهبي: المنتج العربي عموماً سواء السوري أو اللبناني أو المصري إلى آخره في رأيك يتدخّل كثيراً في مضامين العمل، أعني هو المتحكّم الأساسي؟ المنتِج هو الذي يُقرّر فقط؟

بيار داغر: صحّ، نعم. هذا ما نعرِفه، أنا أحكيك بعد تجربة لأن المنتجين في النتيجة عليهم أن يضعوا رأسمال ليستثمروه ويشتغلوا به. فهذه أمثل طريقة وأنسب طريقة لأجل أن نسترِدّ أو أن نحقق كسباً في هذا الظرف. لكن لو أنّ الظرف عادياً لكان المنتجين صاروا أكثر ولكان أصبح هناك

زاهي وهبي: تنافُس

بيار داغر: تنافُس وحينها تتكسر القيود. عندما يحصل التنافُس تتكسر القيود

زاهي وهبي: أنا لماذا أُحاول أن ألفت نظر المنتجين من خلال حواراتي إلى الأعمال الأدبية، بمعنى أهم أعمال قدّمها مثلاً "دريد لحّام" كانت نصوصاً من "محمد الماغوط" أليس كذلك؟ في (مصر) أهم أفلام من نصوص روايات "نجيب محفوظ" و"إحسان عبد القدّوس" إلى آخره

بيار داغر: صح

زاهي وهبي: أنا أحب أن المنتج اللبناني أو العربي عموماً

بيار داغر: في فترة صاروا يعتمدون على الشكل أكثر، أعني على شكل الصبيّة

زاهي وهبي: نعم، وسامة الممثل وجمال الممثلة

بيار داغر: لكي يسوّقوا العمل، أعني ماذا تلبس وخلافه، عرفت كيف؟ فهذه المسألة اعتمدوها في فترة لكنها مسألة آنيّة ورخيصة وتموت مع الوقت

زاهي وهبي: وفيها استسهال

بيار داغر: عندنا عُظماء

زاهي وهبي: في البرنامج هنا، الأُستاذ "سيف السباعي" قال لي: صرنا نشتغل خيّاطين كمخرجين، بمعنى نُفصِّل أعمالاً على قياس هذا النجم أو هذه النجمة. كم هذه الظاهِرة فعلاً مؤذية للإنتاج الدرامي التلفزيوني؟ أن يكون العمل يتفصّل على قياس أشخاص

بيار داغر: العمل هو وِحدة متكاملة وهذا سبب نجاحه. في الخارِج لا يتّكلون على شخص واحد، من أجل هذا عندهم استمرارية

زاهي وهبي: حتّى ميزانية العمل، 50 في المئة منها على الأقل تكون على النجم أو على النجمة

بيار داغر: صح، للأسف

زاهي وهبي: فبالتالي، الممثلون الآخرون يُظلمون في هذه الطريقة

بيار داغر: للأسف. خذها من ناحية الكتابة، في الخارج فيلم السينما يتعاون عليه ثلاثة كتّاب مثلاً أو كاتبان لمدة ساعة ونصف الساعة، فيلم مدته ساعة ونصف أو ساعتين يتعاونوا إما كاتبين أو ثلاثة مثلاً. بينما هنا في شهر "رمضان" كاتب يكتب لك ثلاثين حلقة على ثلاثين ساعة ربما خلال شهرين. هذا أين نتيجته؟ حينما يُعرض على المحطّات ستكون النتيجة مؤذية

زاهي وهبي: ربما أكثر المُخرجين الذين اشتغلوا على ما يُسمّى بطولة جماعية وكلّ العناصر تبرُز معه كان الله يرحمه خسرناه مؤخراً الأُستاذ الراحل "شوقي الماجري"، وحضرتك شاركت معه في "هدوء نسبي". كيف تلقيت خبر رحيل "شوقي الماجري"؟ وكيف وجدت العمل معه الله يرحمه؟

بيار داغر: تفاجأت

زاهي وهبي: أجل كان موته مباغتاً

بيار داغر: لأننا كنّا نُصوِّر وأخبرونا بذلك. غريبة الحياة، الله يرحمه. كان لي شرف أنني اشتغلت مع "شوقي" واشتغلنا في (سوريا) وكانت أول مرة أشتغل فيها مع مُخرج. "شوقي" من المخرجين العظام، أعني فظيع

زاهي وهبي: رغم أنه رحل في عُمرٍ كان من الممكن لو عاش

بيار داغر: كان لا يزال شاباً، وأنا اشتغلت معه قبل ربما عشر سنوات، منذ عشر سنوات اشتغلت معه "هدوء نسبي". اشتغلنا "حرب العراق" في ظروف وفي إمكانيات هائِلة، أعني تحسّ أنك في قلب المعركة. كم كان خلّاقاً هذا الإنسان

زاهي وهبي: مُعظم الأعمال التي قدّمها أعمال ناجِحة ونالت نجاحات كبيرة. حالياً ماذا تفعل بخلاف تصوير الجزء الثاني من "ما فيي"؟ هلّ بين يديك نصوص أو مشاريع؟   

بيار داغر: لا، لا نصوص بين يدي. كان هناك عمل وانسحب المنتج منه ربما بسبب الظروف التي نمر بها. في الوقت الحاضر هذا فقط ما أُصوِّره

زاهي وهبي: نعم. أتمنّى لك التوفيق على المستوى الشخصي وعلى المستوى المهني وأُحمّلك سلامات للسيّدة زوجتك ولابنتك وابنك وإن شاء الله تظلّون عائلة سعيدة

بيار داغر: شكراً، وصلت السلامات، شكراً لك

زاهي وهبي: ونحن نعتزّ بممثلين مُحترمين مثل حضرتك

بيار داغر: شكراً

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً، نوّرت "بيت القصيد". شكراً لمُشاهدينا الكرام في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله