أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

السقيلبية... مدينة الحياة العنيدة

السقيلبية مدينة تحب الحياة واستطاعت إليها سبيلا، فبعد آلاف الصواريخ والقذائف وعشرات الشهداء تتوشح بفرح الأعياد وأنوار الأمل... واقعها اليوم،شبابها وماذا يريدون.

المحور الأول:

غسان الشامي: أحييكم، عندما أتينا قبل سنوات إلى السقيلبية استقبلنا الإرهاب بالصواريخ، لكن أهل المدينة الصغيرة الذين صمدوا وقاتلوا الإرهاب سرعان ما ضمّدوا الجراح وتابعوا الحياة وعاد شبابهم وشاباتهم إلى مشوارهم اليومي، لذلك أسميتها حينها مدينة الحياة العنيدة. ستة آلاف صاروخ وقذيفة نزلت على السقيلبية المأهولة في مساحة أربعة كيلومترات مربّعة في محاولة لتركيعها أو تهجيرها، لكن ارتباط أهلها بسوريّتهم ودفاعهم عن إرثهم وترابهم جعلهم قدوة في فن البقاء على الحياة، أطفال وأهل هذه المدينة يعيّدون ميلاد المسيح ورأس السنة للمرة الأولى منذ ثماني سنوات بعد أن منعهم الإرهاب وقذائفه عنه. السنة وبفضل تحرير محيطهم من الإرهاب من قِبَل جيشهم ودفاعهم الوطني يرفعون شجرة الميلاد ويلبسون ثياب العيد ويذهبون إلى كنائسهم. أجراس المشرق تأتي لتحتفل معهم وترصد أحوالهم، قبل أن نحاور قائد الدفاع الوطني نابل العبد الله وكاهن الرعية ديميتريوس حداد والطبيب موسى النادر من السقيلبية، من تلّها التاريخي نقدّم لكم تقريراً عن المدينة والعيد فيها.

تقرير:

ليس عبثاً أن نطلق على السقيلبية إسم مدينة الحياة العنيدة، فهذا التلّ الواقف مواجهاً لأفاميا العظيمة كباشقٍ على سهل الغاب بات مدينة أحد معاني إسمها في الآرامية هو العنيد والمعنى الآخر هو المقاوِم وهما ينطبقان عليها.

السقيلبية مركز منطقة الغاب شمال غرب حماه أمضى أهلها الذين يبلغ تعدادهم 20 ألفاً أمضوا ثمانية أعوام على تماس مباشر مع الإرهاب والتكفير والقذائف والصواريخ، ولم يتزحزح إلا القليلون منهم وهذا ليس غريباً، فسلوقوبيلوس أو بوابة صقلية التي عُرِفت منذ العهد السلوقي تعرَّضت للكثير من الغزوات وكانت تعود إلى الحياة، وأتى عليها زلزال في القرن الثاني عشر وهوجِمَت أيام سفر برلك ومطلع الحرب على سوريا، أما السقيلبية الحديثة فتعود إلى مطلع القرن التاسع عشر.  

لا يزال التلّ الذي يضمّ الكنيسة محوراً لحكايات أهلها الذين بنوا عليه بيوتهم الأولى من الطين والخشب وفيه عُثِرَ على قطع فخّارية ومعاصر زيتون من العهد الروماني، ويذكر أحد الباحثين أن عددهم كان في مطلع القرن ألفي نسمة من الروم الأورثوذكس يعتمدون على زراعة أراضيهم الخصبة التي حُرمِوا معظمها  جرّاء القصف والألغام.

ستة آلاف صاروخ وقذيفة بلغت حصّة السقيلبية خلال السنوات الماضية لم توفّر أهلها في أعياد الميلاد ورأس السنة والفصح، ولكل بيت في حاراتها الأربع: التلّ وسلطانيّة وسهم البيدر والعبرة حكاية ألم وشهداء وجرحى، ومشفاها شاهدٌ نال حصّته.

إن عناد شعبها يعني ميلاداً جديداً لسوريا.

غسان الشامي: تحية لكم، الأب ديميتريوس حداد دعني أحدّثك كما يحدّثك أهل المدينة، الأب ماهر حداد، ديميتريوس هو إسمك الكَنَسي، هذه السنة كيف يعيش أهل المدينة فرح الميلاد ورأس السنة؟

ديميتريوس حداد: بدايةً أهلاً بكم أستاذ غسان، أهلاً بكم وبقناة الميادين في مدينة السقيلبية، هذه المدينة التي تكلّمت عنها اليوم، هذه المدينة التي عانت فترات صعبة ولكن كما قلتم هي مدينة الحياة.

غسان الشامي: ليس حياة فقط، أنتم عنيدون من أجل الحياة. 

ديميتريوس حداد: تماماً، نحن موجودون معكم اليوم وفي ضيافتكم وأنتم في ضيافتنا.

غسان الشامي: أهلاً بك.

ديميتريوس حداد: بالتأكيد نحن موجودون اليوم في تلّ السقيلبية وفي رِحاب دير رقاد السيّدة العذراء.

غسان الشامي: الذي قُصِف ودُمِّر وما يزال.

ديميتريوس حداد: تماماً، وهذا الدير هو المكان الذي تجتمع فيه الشبيبة، الذي تجتمع فيه أسرة التعليم الديني والمؤسَّسات الكنَسية، هذا الدير الذي هو خليّة العمل الأساسية التي يعمل فيها الشباب ومنها يخلقون الأفراح والإنجازات في مدينة السقيلبية. أستاذ غسان كان لديّ ملاحظة بسيطة على المقدّمة أنكم قلتم إننا نحتفل للمرة الأولى بعيد الميلاد ولكن نتيجة العناد الذي تحدّثتم عنه نحن كنا نحتفل دائماً بعيد الميلاد.

غسان الشامي: لا أظن، أنا كنت هنا وكانت الاحتفالات بسيطة، طبعاً الميلاد هو عيد لكل البيوت ولكن الآن شجرات الميلاد، الإضاءة، الناس.

ديميتريوس حداد: تماماً، حتى السنة الماضية كان هناك شجرات وكان هناك إضاءة وفي نفس اليوم قُصفِت المدينة، واليوم وضعنا الشجرة في مكان سقوط الصواريخ، لا يزال مكان سقوط الصاروخ موجوداً تحت الشجرة حتى اليوم ولكن ثقافة الحياة، حب الحياة، هذه الثقافة التي ننشدها لا يمكننا أن نتخلّى عنها، نحن موجودون في هذه الأرض كي ننشر هذه الثقافة لأنه من دون ثقافة الحياة يكون هناك مشكلة في وجودنا، مشكلة في تعليمنا، مشكلة في إيماننا، لذلك نحن صامدون، وهذه السنة كانت الاحتفالات بالفعل فيها المزيد من البهجة لأن الناس شعرت قليلاً بالأمان، وهذا الشعور بالأمان جعلهم يتحرّكون أكثر، صحيح أننا لم نصل إلى الأمان المُطلَق، الإرهاب لا يزال قريباً منا ولا زلنا مُعرّضون للقصف إلى حد ما.

غسان الشامي: لا تزال بعض الأصوات تُسمع بالمناسبة ولكن بعيداً.

ديميتريوس حداد: تماماً ولكن لا مشكلة لدينا مع هذه الأصوات، نحن نحبّ الحياة، نحبّ أن نعبِّر عن إيماننا، عن مسيحيّتنا.

غسان الشامي: الذين بقوا في هذه المدينة هل بقوا فقط لأنهم يحبوّن الحياة والأرض؟ لماذا بقوا؟  

ديميتريوس حداد: بقوا لأنهم يحبّون مدينتهم ويحبّون الحياة، حتى أننا نسمع من الأشخاص الذين غادروا المدينة أنه ليس هناك أجمل من المدينة، وهناك مَثَل في السقيلبية يقول "ما في أحلى من القعدة عالتلّ الغربي" الذي نجلس فيه حالياً، فكلّ شخص في مدينة السقيلبية يحبّ أن يكون موجوداً في هذه المدينة.

غسان الشامي: أخي نابل العبد الله لمَن لا يعرفك أنت الآن مدني جداً، أهل المدينة يعرفونك بالزيّ العسكري. نحن تشرَّفنا في المرة الماضية وتحت قصف الصواريخ باللقاء معكم ونتذكّر الآن مؤرِّخ المدينة الذي ارتحل الأستاذ أديب قوندراق. ثماني سنوات أخي نابل دفاع وقتال وجرحى وشهداء تنتشر صوَرهم في هذه المدينة،  كثيرٌ من أهل المدينة قالوا لي إن هذا العيد عيدان: عيد انزياح الإرهاب عن المدينة وعيد فرح الأطفال. أنت الذي لم تنم أنت وشباب الدفاع الوطني طيلة السنوات الماضية كيف ترى السقيلبية الآن غريبة عنك أم أنك اعتدتَ على الصواريخ والقذائف؟

نابل العبد الله: بدايةً باسم مدينة السقيلبية الصغيرة بحجمها الجغرافي والكبيرة بصمودها الأسطوري الذي كان بهمَّة الجيش العربي السوري البطل وحكمة الرئيس بشار الأسد، إسمحوا لنا أن نشكر قناة الميادين وأجراس المشرق على إيصالها الحق السوري بقتال الإرهاب العالمي إلى العالمين، وهذا ما تكلّم عنه أيضاً السيّد الرئيس في انتصارات الغوطة بأن كل طلقة تخرج من بندقية كل جندي تقتل الإرهاب العالمي. إسمح لنا أن نتشكّر شخصك الكريم الذي واكبتنا تحت زخّات الصواريخ.

غسان الشامي: أنا قمت بأقل من واجبي سيّدي، قناة الميادين وأجراس المشرق برنامج في هذه القناة دائماً نحاول أن ننقل واقع الناس كما هو.

نابل العبد الله: نترحّم على شهدائنا الأبرار الذين كانوا سبباً في بقائنا هنا، ونتمنّى في هذه الأيام المباركة الشفاء لجرحانا وعودة المفقودين والمخطوفين والغائبين وعلى رأسهم الحبيبان مطرانا حلب. العيد بالنسبة للسقيلبية في هذا العام هو عيد الانتصارات وتقدُّم الجيش العربي السوري، ويتم العيد ويزول الخطر بإزالة الخطر عن كل أراضي الجمهورية العربية السورية، العيد ليس غريباً على السقيلبية، السقيلبية مدينة الفرح، مدينة الحياة والتسمية أتت من إسمها المقاوِم والعنيد. نحن نحب الحياة ونحب الفرح، نحب السلام وسنبقى كذلك.

غسان الشامي: حين أتجوّل معك في المدينة أرى كيف تتعامل مع الأطفال، هناك أطفال للمرة الأولى ينعمون بهذا الأمان، كما قال أبونا أنه في العام الماضي كانت الصواريخ تسقط والميلاد ما يزال قائماً، ماذا تقول لهؤلاء الأطفال؟  

نابل العبد الله: الأمان في سوريا قادم قريباً جداً بهمّة الجيش البطل والأصدقاء جميعاً، الأمان قريب جداً. الأطفال مرّوا بفترة قاسية، قرب المدارس من الإرهاب واستهدافها كان يخلق لنا حالة صعبة حين نسمع صُراخ الأطفال واستنجادهم عند سقوط الصواريخ على المدارس أو على أماكن التجمّع كان أمراً صعباً ويعطينا دافعاً أشدّ للبقاء في عملنا وفي سهرنا وفي ترادفنا للجيش لإزالة هذا الإرهاب.

غسان الشامي: أيضاً أخي نابل ما يزال شباب الدفاع الوطني أبناء هذه المدينة يقاتلون الآن الإرهاب في أماكن أخرى من سوريا، يشاركون مع جيشهم فيه، هم لم يأتوا إلى الأعياد، هؤلاء ماذا تقول لهم؟

نابل العبد الله: حماهم الله وردّهم سالمين منصورين مع جيشنا الوطني، هؤلاء الأبطال هم رديف للجيش العربي السوري، الجيش العقائدي الذي قاتل في كل سوريا، في كل شبر احتاج إعادة الأمن والأمان كنا نجد الجيش الذي أحاطنا بدمائه وتضحياته وبفدائه، نتمنّى لهم العودة سالمين وأنا متشوِّق لنهاية الحلقة لكي أكون معهم، حماهم الله وأعادهم في هذه الأيام المباركة، وقبل أن يكون الإرهاب قريباً  من مدينة السقيلبية شارك أبطالنا في جميع الجبهات في ريفي حلب وإدلب.

غسان الشامي: يعني أنت جهَّزت ثيابك العسكرية وستذهب فور انتهاء الحلقة.

نابل العبد الله: سنمشي فوراً.  

غسان الشامي: كان الله معكم. دكتور موسى النادر أهلاً بك سيّدي، نحن نعرفك سابقاً، أنت غادرت المدينة كما غادر كثيرون سوريا عندما بدأ الإرهاب والضغط عليها ولكن أنت لم تتأقلم في الغرب، حملتَ  كل أغراضك وعدتَ إلى المدينة، هل هي عودة حنين؟ هل هي عودة وطنية؟ هل هي عودة إلى الأهل؟ أولاً لماذا غادرتَ ولماذا عدتَ؟ 

موسى النادر: أهلاً وسهلاً، سافرت لتحقيق رغبة قديمة منذ أيام الدراسة الجامعية وأعتقد بأنها رغبة موجودة عند جيل الشباب بشكل عام خاصة في المشرق، هناك صورة وردية موجودة لدول الغرب في أذهان جيل الشباب، لم يحصل ذلك ودارت الحياة وجاءت الأزمة بالضغوطات من كل الجوانب المعنوية والمادية والاقتصادية والأمنية. أتيحت لي فرصة جيّدة للسفر بشكل كريم من خلال وجود أخي في دولة أوروبية، تأمّنت لي فيزا بسهولة ووجود أخي مع عائلته شكّل لي حاضنة اجتماعية ومعنوية ومادية فقرّرت أن أخوض هذه التجربة مع عائلتي.  

غسان الشامي: هذا يسمّونه في الغرب لمّ شمل، هي طريقة مداوِرة لتفريغ أهل هذه البلاد لإخراجهم من أرضهم.

موسى النادر: قد يكون ذلك، أتيحت لي بعض التسهيلات، خضنا هذه التجربة وبعد أشهر قليلة في الغرب، الموضوع لا يتعلّق بأنني لم أتلاءم مع الواقع المعيشي في الغرب بل بأنني تمكّنت من قراءة الواقع لأنني لم أسافر في عمر الشباب، قرأت الواقع وقرّرت بعد أشهر قليلة أن يعود قسم من أبنائي ليتابعوا تحصيلهم العلمي في سوريا، وأنهيت التزامي بعقد مع مسشفىً وعدت مع عائلتي إلى سوريا، لماذا عدت إلى سوريا؟ هذا السؤال الذي أجيب عليه منذ حوالى سنتين ونصف السنة لجميع الناس والغريب أن الكل يسأل لماذا عدت وهو مستغربٌ.

غسان الشامي: أن تعود لتعيش بين الصواريخ والقذائف.

موسى النادر: نعم يبدو ذلك شيئاً غريباً بالنسبة لهم.  

غسان الشامي: هل هو قَسَم أبقراط؟

موسى النادر: كلا، بكل بساطة عدت لأتابع مسيرة حياتي مع عائلتي بشكل كريم، ولكي أتيح المجال لأولادي أن يتابعوا تحصيلهم العلمي وينهلوا من ثقافة بلدهم كي يتشبّعوا بها ويأخذوا هم القرار المناسب لحياتهم. إنتابني شعور في الغربة، أنا أعتقد أن كلمة الغربة في الوقت الحالي قد فقدت معناها أستاذ غسان، الغُربة كانت قديماً عندما كان السفر صعباً وبغياب وسائل التواصل، حالياً أنا أستبدلها بكلمة السفر، كما تسافر إلى الخارج تستطيع أن تسافر إلى بلدك، أنا لست ضد فكرة السفر بهدف تحقيق هدفٍ ما.  

غسان الشامي: إسمح لي أنا ليس لديّ مشكلة مع مَن يسافرون ولكن سؤالي الأساسي فعلاً هل توصّلت لماذا عدتَ لأن هذه رسالة يجب أن تكون لكل مَن ترك؟

موسى النادر: لمتابعة حياة كريمة مع عائلتي، أعتقد أن هذا الجواب يحمل في طيّاته الكثير.

غسان الشامي: إسمح لي أن أسألك سؤالاً يتعلّق بمهنتك دكتور، أنت عدتَ والمدينة تتعرّض لكل أنواع القصف والقذائف، هل كانت المُعاناة الطبية كبيرة عندكم هنا أم أن هناك الكثير من الأطباء الذين اندفعوا أيضاً ليقوموا بواجبهم الأبقراطي الذي تكلّمنا عنه؟ 

موسى النادر: في الواقع خلال مسيرة الأزمة كان الواقع صعباً ويزداد صعوبة حتى على الأطباء، والأطباء هم شريحة من المجتمع لا يختلفون عن غيرهم. الحاجة إلى الواقع الطبي في سوريا خلال الأزمة كانت ماسّة، شعوري في الخارج وأنا بعيد بأنني لا أفعل شيئاً تجاه وطني، تجاه بلدي، شعرت بهذا الكلام عندما عدت، المشاعر التي استُقبِلت بها من كافة أبناء البلدة والبلدات المجاورة الموجودة في سهل الغاب الواسع هي كافية بأن تعطيني دافعاً أكبر للأمام وتجعلني أقول بأن قراري بالعودة شكّل لي جانباً من جوانب السعادة تحت قصف الصواريخ، عشت في حال من النشوة وأنا أرى التفاعُل في وجوه الناس وهي ترحِّب بهذه العودة. خلال مسيرة الأزمة حاجة الناس إلى الواقع الطبي كانت ماسّة جداً، الضغوط شديدة، قيامي بعملي في عيادتي ولو ليوم واحد صعب والقذائف تنهال على السقيلبية أعطاني شعوراً بالسعادة أكبر من سنة ونصف السنة قضيتها في بلاد أخرى.  

غسان الشامي: شكراً، أبونا ماهر أنا أعرف أنك تتعاطى مع الشبيبة وقد دعوتني عدّة مرات إلى هنا، طبعاً نحن للأسف لم نتمكّن من تلبية دعوتك ولكن نحن نعرف ذلك، أولاً ما هي علاقتكم ككنيسة بالشبيبة؟ وما هي علاقة هذه الشبيبة بالكنيسة لأنك تعرف أن الحروب أحياناً تبعد الشباب عن دور العبادة؟

ديميتريوس حداد: أولاً أستاذ غسان ندعوكم مرة ثانية للقاء مع الشبيبة من خلال هذا البرنامج.   

غسان الشامي: أنا أتشرّف.

ديميتريوس حداد: الحقيقة أن الشبيبة هم جزء من هذا المجتمع، هم الجزء الذي تعرّض أو الجزء الذي تأثّر أكثر، هو الخاسر الأكبر، هو الذي فكّر بمستقبله ووجد أن المستقبل يهرب من بين يديه. الشبيبة هم الذين عاشوا هذه الفترة والبعض منهم كبروا وأصبحوا شباناً وكانو أطفالاً منذ ثماني سنوات، فكان دور الكنيسة مهماً جداً وأساسياً في احتضان هؤلاء الشباب، كي تكون لدينا مساحة من التعامل معهم. الحقيقة أن شبيبتنا كانت متفاعِلة جداً معنا ونحن كنا متفاعِلين معهم في هذا الدير الذي تحدّثنا عنه والذي اجتماعاتنا دائماً فيه. الشباب قدّموا كل أفكارهم وكل جهدهم وكل عملهم ليكونوا موجودين في الكنيسة وفي الوقت نفسه الكنيسة قدّمت لهم قدر إمكانها.

غسان الشامي: كلمة قدر إمكانها تعني أنها قد تكون مُقصِّرة في حقهم قليلاً. 

ديميتريوس حداد: بالتأكيد، الكنيسة يا أستاذ غسان ضمن هذا المجتمع وطموحات الشباب كبيرة والكنيسة غير قادرة على تحقيق كل طموحات الشباب، دول ومنظمات دولية تعجز عن تحقيق كل طموحات الشباب ولكن ضمن الإمكانيات المُتاحة في الكنيسة حاولوا أن يعملوا بالطريقة التي قد يكون جزء من هذا الشباب راضٍ عن هذا العمل.   

غسان الشامي: في الشباب أغلب الذين قاتلوا معكم أخي نابل هم شباب مندفعون وأعتقد أنه لا توجد عائلة في المدينة لم تقدّم مقاتلاً أو شهيداً، الحرب ستنتهي سيّدي العزيز عاجلاً أم آجلاً، هؤلاء الشباب ماذا يحتاجون؟

نابل العبد الله: الشبيبة في الحقيقة في الفترة الزمنية الطويلة للحرب خسروا أغلى سنوات حياتهم في تأدية واجبهم في الدفاع عن هذه الأرض، مَن كان منهم من الطبقة الجيّدة أصابه ضيق وفقر بسبب بُعده عن عمله، بُعده عن التعليم أو عن العمل وانتسابه إلى الجيش أو إلى المؤسّسات الرديفة. الشبيبة بشكل عام في سوريا تحتاج إلى تكاتف المجتمع المدني والحكومي بإيجاد فُرَص عمل لأن هذا النوع من الشباب مع احترامنا للباقين ولكن هذا النوع الذي حمل السلاح هو الشباب الأقدر وطنياً والأوفى ونحن بحاجة إليه في المستقبل لمواجهة أية مؤامرة أخرى لا سمح الله على هذا البلد، نحتاج إلى فُرَص عمل لهذه الشبيبة خوفاً من أن يقعوا في مطبّ الهجرة الذي لم تستطع تحقيقه جبهة النصرة والعصابات الإرهابية من تهجيرهم من خلال الصواريخ ومن خلال القصف والهجمات وثبتوا، أنه بعد انتهاء هذه الحرب بسبب عدم وجود فُرَص عمل نخسرهم عن طريق الهجرة، الأمر يحتاج إلى تكاتف مدني وحكومي بإيجاد فُرَص عمل لهذه الشبيبة.

غسان الشامي: أنتم لم تستطيعوا طيلة السنوات الماضية رغم الحرب كمجتمع أهلي أن تقيموا بعض المشاريع الصغيرة لإبقاء الشباب؟

نابل العبد الله: أمورٌ صغيرة لا تُذكَر، حالات شخصية من خلالنا نحن وشبيبتنا، نحن مترافقون ونتناقش أحياناً في أوقات الفراغ بمشاريع صغيرة لسدّ الرَمق ولا تكفي للشباب بشكل عام وخاصة أن كلّ شاب يريد أن يتزوّج ويؤسّس أسرته وبيته، الشباب حماهم الله مُتكاتِفون حتى في هذه المواقف. 

غسان الشامي: نحن مدعوّون إذاً إلى الأعراس القادمة.  

نابل العبد الله: بالطبع. 

غسان الشامي: إسمحوا لنا أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار من السقيلبية التي الآن في وضع أكثر راحة يجب أن نقول بعد ثماني سنوات من الحرب على سوريا، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، سندعكم عن ماذا يقول أهل السقيلبية، الناس في المدينة بعد زمان من القصف والصواريخ وكيف يذهبون إلى الميلاد ورأس السنة.

مواطن: منذ تسع سنوات إلى حدود 25-12-2018 في كل عيد هناك شهيد وجريح، هناك قصف وهجرة، هناك وفيّات، هناك شحٌّ في كل شيء، لم يكن هناك عيد، العيد كان حين يعود أبناؤنا سالمين من الجبهات والخطوط الأمامية، هذا هو العيد الذي كنا نشعر به.

مواطنة: كنا نخاف من قدوم العيد لأنه يأتي معه بثلاثة أضعاف الصواريخ التي كان يلقيها المسلّحون. العيد كان كابوساً نتمنّى مروره كيفما كان لنتخلّص من القصف وكأننا في أعيادنا نعطّل ما يحضّرونه.

مواطن: الناس كانت تمشي في الشارع وهي خائفة من الصواريخ.

مواطنة: كان هناك خوف ورُعب، صواريخ، لم نكن نتجرّأ على الخروج إلا للحظات وبعد ثوانٍ تنهال علينا القذائف.

مواطنة: كانت تسع سنوات صعبة، أضاعوا علينا فرحة العيد، كنا نعيِّد بالرغم من كل هذا لكن بقلق.

مواطنة: لا شيء يوقفنا في مكاننا لا الصواريخ ولا القصف ولا الأوضاع ولكن هذه السنة تختلف كثيراً عن التسع سنوات السابقة التي مرّت علينا، نعيش الآن بأمان، ارتحنا من الصواريخ والقصف والقذائف.

مواطنة: في هذا العيد وكأن الشعب السوري خُلِقَ من جديد وبالأحرى الشعب المسيحي خُلِقَ من جديد بزينته وبفرحه وبسعادته، كنا واثقين دائماً بأننا سننتصر يوماً ما وسنعيش كما عشنا قبل ذلك وسنفرح.

مواطن: بالنسبة لي السقيلبية هي الروح ولا أفكّر بأن أتركها إلا حين أموت، هي الهواء الذي أتنفّسه وكل ما هو جميل في هذه الدنيا يتمثّل بالسقيلبية.

مواطنة: خُلِقنا هنا وتربّينا هنا، هذه هويتنا، أولادنا سيكبرون وسيبقون في هذه الأرض ومن المستحيل أن نتركها أو نتخلّى عنها.

مواطن: هذه الأرض سوريا، هذه بلاد الشام، أراضٍ مُقدّسة، لمَن نتركها؟ لجبهة النصرة وداعش الذين لا نعلم من أين هم ليأخذوها؟  

مواطنة: هذه سقيلبيّتنا، هكذا هو إسمها ونحن لا نتخلّى عنها بسهولة.

مواطنة: سيظلّ لدينا الأمل وغداً أجمل.

غسان الشامي: مرحباً بكم مجدّداً، دكتور موسى مدينة السقيلبية هي مركز منطقة وعلى سهل الغاب، هذا السهل الذي يكاد يكون سلّة غذائية كاملة لسوريا. بالمناسبة للسادة المشاهدين سهل الغاب مساحته أكبر من مساحة هولندا ولكن أنا أريد أن أسألك في ما يتعلّق بما تقوم به، ما هي احتياجات المدينة وسهل الغاب طبياً؟ 

موسى النادر: في مدينة السقيلبية يوجد عدد كبير من حَمَلة الشهادات العلمية منذ بداية السبعينات، ونسبة حَمَلة الشهادات الجامعية قياساً بتعداد سكان هذه المدينة يجعلها من ضمن المدن المُتعلّمة جداً وعدد كبير من الأطباء موجود في هذه المدينة من ذوي الكفاءات العالية، فشكّلت السقيلبية نقطة جذب طبي لهذه البقعة الجغرافية التي هي سهل الغاب وجوارها. عندما بدأت الأزمة أصبحت صعوبة ممارسة المهنة كبيرة، الطبيب يمارس عمله في عيادته ليلاً نهاراً ويلبّي الحالات الإسعافية. المشفى الوطني في السقيلبية حمل العبء الأكبر في هذه الأزمة، مُعاناة كبيرة في هذا المشفى ظهرت خلال الأزمة وهي نقص الكادر الطبي الموجود سواء على صعيد الأطباء المقيمين والكادر الفني والكادر التمريضي لأن المشفى يعمل 24 ساعة على 24 ساعة ويستقبل المرضى العسكريين والمدنيين بأعداد كبيرة. ما تحتاجه هذه المدينة طبياً هو زيادة الدعم لهذا المشفى الوطني الذي يتحمّل العبء الأكبر، وهنا أريد أن أنوّه إلى أن الأطباء في هذه المدينة والكادر الفني الموجود كانوا رديفاً قوياً جداً وراء صفوف الدفاع الوطني والجيش العربي السوري، عندما كانت تنهال القذائف في مدينة السقيلبية أستاذ غسان كان الناس المدنيّون يلجأون إلى الأماكن الآمنة والكثير من الأطباء والكادر الفني يركبون سياراتهم ليذهبوا إلى المشفى الوطني بانتظار وصول الحالات الإسعافية. يحتاج هذا المشفى الوطني برأيي إلى وجود مركز بنك دم، على سبيل المثال مشفى يستقبل عدداً كبيراً من الجرحى والمرضى لا يوجد مركز لنقل الدم أو للتبرّع بالدم، يحتاج هذا المشفى إلى وجود كفاءات وأخصائيين من اختصاصات مختلفة كي لا نضطر إلى نقل المريض إلى مدينة أكبر أو إلى مدينة أخرى، يحتاج إلى عدد من الأطباء المقيمين لأن الأطباء الأخصائيين يقومون بدور الأطباء المقيمين، المشفى يعمل 24 ساعة متواصلة، هناك نقص في عدد الأطباء المقيمين.

غسان الشامي: أبونا ماهر أنا لا أكشف سراً إذا قلت للناس أنك كاهن وقريب من العسكر، كنت قريباً من الدفاع الوطني، أنت رافقتهم وأنا شهدت ذلك في أحلك الظروف وما زلت، إلى أين ستذهب؟ ما أهمية أن يكون رجل الدين قريباً من رجال العسكر؟

ديميتريوس حداد: أستاذ غسان بالتأكيد العسكر الموجود في المدينة هم أبناء المدينة، هم أبناؤنا، هم شبابنا، فأن تكون قريباً منهم فهذا من ضمن عملنا ومن ضمن رسالتنا، بالتأكيد كنت قريباً منهم ولكنني لم أحمل السلاح.

غسان الشامي: أنا لم أقل أنك كنت تحمل السلاح ولكن على قاعدة الصورة عن المسيحية أن رجل الدين "مَن ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر" من دون الدخول في الشأن اللاهوتي ولكن هذه هي الصورة عن رجل الدين، تفضّل إلا أنني لم أرك تحمل كلاشينكوفاً.  

ديميتريوس حداد: بالتأكيد أستاذ غسان إن المسيحية هي رسالة تسامح، وحين يكون رجل الدين قريباً من هؤلاء الشباب الذين حملوا السلاح ودافعوا عن المدينة فهو يكون يوجّه لهم رسالة تسامح أيضاً، حينما يكونوا قادرين أن يعفلوا فليعفلوا، حينما  يكونوا قادرين أن يقوموا بعمل إنساني كعسكر فقد فعلوا، وهذا الأمر يشهده هذا المكان الذي نحن فيه، حين كانت تصل إلينا حالات إنسانية كان العسكر يقومون بنقلهم إلى الدير، هذا الدير الذي نحن فيه استقبل الآلاف من إخوتنا الذين لجأوا إلينا من المناطق الشمالية، استقبلهم، قُربي من العسكر سمح لهم بأن لا يتعاطوا مع هؤلاء الأشخاص كأشخاص غير سوريين بل جعلهم يتعاطون معهم كأشخاص سوريين يحبّون بلدهم وكأشخاص يجب أن نهتم بهم وهذا ما تمّ في الحقيقة. فكرة أن مَن ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الأيسر هي فكرة حقيقية ومسيحية ونحن مؤمنون بها تماماً.   

غسان الشامي: ولكن العسكر يقول إذا ضربك أحدهم على خدك الأيسر فاضربه على الأيمن والأيسر ربما، ما رأيك أستاذنا؟

نابل العبد الله: مئة بالمئة.

ديميتريوس حداد: ولكن فكرة الضرب كمسيحية هدفنا هو عدم ردّ الضربة بضربة بل هدفنا حين يُضرب أحدهم أن يردّ الضربة بثقافة، بفنّ، بحبّ، حينها يكون الرد حضارياً جداً وراقياً أستاذ غسان.   

غسان الشامي: دائماً شعوب كثيرة خضعت للصلف والعنف والإرهاب والاحتلال ونحن نعلم ولدينا تجارب من شعوب مسيحية قاتلت وشاركت في أعمال ودول مسيحية وحشية، كيف يجب أن تقارب برأيك الكنيسة مفهوم القتال من جهة؟ وهل هناك فرق ما بين مفهوم أن تقاتل للقتال ومفهوم الدفاع عن الأرض؟

ديميتريوس حداد: بالتأكيد، أولاً أستاذ غسان لا توجد دول مسيحية قاتلت، أية دولة تسمّى مسيحية ولكنها ليست مسيحية.

غسان الشامي: يعني كل هذا الاستعمار الغربي وليسوا مسيحيين؟ مجيء الفرنجة إلى هذه البلاد، كل شعوب العالم كان فيها توحُّش.

ديميتريوس حداد: تماماً ولكنهم ليسوا مسيحيين، هم مسيحيون بالهوية ولكن بالإيمان هم أشخاص استخدموا المسيحية أو وُلِدوا من أبوين مسيحيين فسمّوا أنفسهم مسيحيين ولكن المسيحي هو بعيد عن الوحشية. هذا أولاً، الآن كيف تقارب الكنيسة القتل، بالتأكيد أن الكنيسة ضد القتل ولكن كل القوانين تشرّع الدفاع عن النفس، تشرّع الدفاع عن الوطن. أنا حين أرفض الاعتداء على أحد ولكن لا أحد يمكنه أن يمنعني من أن أدافع عن نفسي، هذا حق تكفله كل القوانين والشرائع، إذاً التوجّه المسيحي هو للدفاع وليس للأذى، وفي الأوقات التي يمكنك أن تدافع أن وتسامح تكون للمسامحة والمحبة، هذه هي الرسالة كي نواجه الفكر الذي يوجب القتل نواجهه بفكرة أننا يجب أن نسامح وأن نحبّ، حينها يكون دور الكنيسة واضحاً بشكل حقيقي.  

غسان الشامي: أخي نابل أنت كنت مصّراً أن القذائف وهي تنهمر وأنا حضرت عندما استشهدت مجموعة من الأطفال على أن تقرع أجراس المدينة، وأيضاً أنت والشباب في الدفاع الوطني ذهبتم إلى أمكنة عديدة من سوريا، قاتلتم، جُرحتم وأنت من الذين جُرحوا عدّة مرات، الآن وأنت ترتدي الزيّ المدني هل انتهت الحرب بالنسبة إليكم بعد أن باتت المدينة بأمان؟

نابل العبد الله: نحن نقول إن المدينة بأمان عندما تنتهي الحرب في كل أراضي الجمهورية العربية السورية، وسنبقى متأهّبين ومستعدين وحتى الآن شبابنا هم مع الجيش العربي السوري حماه الله لإزالة الإرهاب في كامل أراضي الجمهورية العربية السورية نستطيع أن نقول إن الحرب قد انتهت، وسنبقى مقاتلين تحت أوامر قيادة الجيش في أي مكان من سوريا لإزالة هذا الإرهاب الذي ذقنا منه الكثير، وستبقى أجراس الكنائس تُقرَع الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين بهمّة جيشنا وحكمة الصابر السيّد الرئيس بشار الأسد وبصبر وثبات أهلنا في هذه المدينة. رحم الله الأطفال، كان يوماً قاسياً يستدعي دقّ الأجراس في تلك اللحظات لإعطاء المزيد من الصبر والثبات لأهالي هذه المدينة بما تعطيه هذه الأجراس من تراتيل وترانيم ورسائل سلام ومحبة وهدوء للقلوب، ولتغطّي على أصوات قذائف الغدر والحقد التي كانت تنهال على هذه المدينة.   

غسان الشامي: أنا رأيتك هنا ورأيتك في مؤتمر عن المسيحيين في روسيا وألقيتَ كلمة دافعت فيها عن المسيحيين، ربما كانت المرة الأولى التي تغادر فيها سوريا قبل أشهر.

نابل العبد الله: صحيح.

غسان الشامي: هل أنت في سبيل أن تقول إن المسيحيين يدافعون عن أرضهم أم أنكم تتعاطون حتى مع مَن يأتي إلى الغرب أنكم سوريون تدافعون عن أرضكم؟

نابل العبد الله: بالتأكيد نحن كسوريين ندافع عن أرضنا لأن كل السوريين شاركوا معنا في القتال في هذه الأرض كما شاركنا نحن في معارك في كل أرجاء سوريا. أما بخصوص حضوري في موسكو كان يشرّفنا تمثيل المشرق والمسيحيين وخاصة أنه يوجد من كل بلدان العالم وخاصة الغرب وأوروبا الذين ننظر إليهم نظرة الذين تآمروا على هذا البلد، وأن نوصل رسالة ما قدّمه الجيش الذي أحاطنا بتضحياته وفدائه ودمائه ومحبته حتى استطعنا البقاء في هذه الأرض واستمرت أجراس كنائسنا بالقرَع بهمّة ذلك الجيش البطل، ولنوصل رسائل ما يوجد لدى المدينة من هواجِس صحية وتعليمية واقتصادية للثبات وللحفاظ على مَن تبقّى من أهلنا لتجذرّهم في هذه الأرض.

غسان الشامي: ماذا رأيت من الروس تجاه الكلام الذي قلته لهم؟

نابل العبد الله: وُجدت لجنة مشتركة سورية - روسية لمتابعة نتائج هذا المؤتمر لما فيه مصلحة البلدين، الروس أصدقاء ومحبّون وهم يحقّقون السلام مع الجيش العربي السوري، يقاتلون الإرهاب المدعوم من العالم، سوريا تقاتل عن العالم، عن أطفال العالم، عن الإنسانية، عن الاستمرار في ظل تواجد هذا الإرهاب الذي تجمّع في إدلب، واسمح لي أن أذكر الاتصالات التي تردنا من معارفنا وأصدقائنا وأهلنا الشرفاء الذين استقبلتهم مدينة السقيلبية.

غسان الشامي: هل تردكم اتصالات من إدلب؟

نابل العبد الله: أربعة آلاف نسمة من أهلنا الشرفاء يسكنون في السقيلبية وتأتينا اتصالات من داخل إدلب يوجّهون رسالة استغاثة للعالم لتحرير قراهم من هذا الإرهاب البشع والتكفيري والذي يحاول تشتيت سوريا.

غسان الشامي: دكتور موسى ما علاقتك بالجيل الجديد في المدينة؟

موسى النادر: علاقة ممتازة، أولادي شباب وأنا أعيش بينهم سواء كان بالحال الاجتماعية أو الحال المهنية، علاقة جيدة جداً.

غسان الشامي: كيف ترى مستقبل هؤلاء الشباب في مدينتهم الآن وبعد انتهاء الحرب؟ ما المطلوب لهم؟

موسى النادر: المطلوب تشكيل حاضنة جيدة ثقافية توعوية، محاولة التخلّص من بعض الرواسب والأفكار المزروعة في أذهانهم سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر تناقل أفكار معينة موروثة، تسليط الأضواء على الواقع والحقيقة، إتاحة المجال لهم لمتابعة تحصيلهم العلمي، وأنا أصرّ على موضوع التشبّع من ثقافة بلدهم ووطنهم. وأنا انطلاقاً من تجربتي الشخصية عندما ذهبت إلى الخارج كان لديّ حلم وردي وعندما أصبحت في الخارج أصبحت أعشق وطني أكثر فأكثر، الشعارات التي كنا نعيش فيها في الداخل نعتبرها كلاماً قد يكون روتينياً لا نعرف قيمته، لا تعرف قيمته إلا عندما تراه من الخارج، وأنا عشت هذه التجربة. أنا حريص أن يستكمل الشباب دراسته التعليمية في بلده وأن يتشبّع من ثقافة بلده لأنها تشكّل له الحصانة حتى إذا قرّر أن يسافر يوماً ما، أما أن يسافر جيل الشباب وهو بلا جذور متينة فهو لن يحصل على آفاق واسعة أينما ذهب. 

غسان الشامي: دكتور موسى من دون أدنى ريب إن الحرب تشقلب القِيَم وهناك قِيَم عظيمة تجترحها الأمم في مسيرتها عبر التاريخ، هل تهتّكت القِيَم؟ وما القِيَم المطلوبة الآن برأيك من الجيل القادم؟

موسى النادر: لا شك أنه خلال الأزمة تهتّك قسم من القِيَم إنما القِيَم الإنسانية الأساسية لم تُمسّ والدليل هو استمرار الناس بالتعامل مع بعضهم في الداخل. في بداية الأزمة كان لي فرصة حضور اجتماع في مكتب محافظ مدينة حماه وكان ذلك في بداية الأزمة في 2011، وكان هناك ممثّلون عن منطقة الغاب الواسعة بقراها الرائعة وأجمل الكلمات التي قيلت يومها في هذا الاجتماع أن سهل الغاب ومنطقة الغاب ومركزها مدينة السقيلبية هي أشبه بلوحة فسيفسائية تضم كافة الطوائف والأديان والمذاهب، إنما ما يجمع جميع الناس هي العادات والتقاليد الجميلة الإنسانية الرائعة، وكلمات أخرى قيلت إن المسيحي لا يشعر بالسعادة في عيده إلا عندما يزوره أخوه المسلم والمسلم لا يشعر بالسعادة في عيده إلا عندما يزوره أخوه المسيحي.

غسان الشامي: البعض يقول إن هذا نوع من المُحاباة. 

موسى النادر: يبدو في الظاهر كلاماً شاعرياً إنما أنا أؤكّد بأن ما قبل الأزمة هذا هو الواقع في مناطقنا.

غسان الشامي: أبونا أنت أيضاً ماذا ترى وأنت تتابع الشباب؟ ماذا يجب أن يأتيهم؟ ماذا يجب أن ينتظروا من كنيستهم؟ ما هي القِيَم التي يجب أن تسود الآن في بنية مجتمع مثل هذا المجتمع الذي تعرّض للضغط والحصار والتجويع وإلى ما هنالك؟ 

ديميتريوس حداد: أستاذ غسان طموحات الشباب كبيرة، لا أخفي عليكم اليوم أن نسبة كبيرة من الشباب كما قال الدكتور موسى لديها هاجس وحبّ الاطلاع أو السفر أو مغادرة البلد لأن برأيهم أن هناك حلماً وردياً موجوداً في الخارج، والحقيقة أن الكنيسة غير قادرة على تقديم البدائل الحقيقية والكاملة لبقاء الشباب ولكن الكنيسة تتمنّى وتحبّ أن يبقى الشباب في بلدهم، تحبّ وتتمنّى وتعمل ضمن إمكانياتها، وكما يُقال "العين بصيرة واليد قصيرة"، الكنيسة بإمكانياتها المتواضعة الموجودة تعمل بشكل كبير في المحافظة على هؤلاء الشباب، ولكن حين يتّخذ الشاب قراره بالسفر فلا يمكن للكنيسة أن تقول له لا تسافر وإنما تقول له كان الله معك ولكن حافظ على عاداتك وتقاليدك، حافظ على إيمانك وفكّر بالعودة، والحقيقة أنه في مدينة السقيلبية هناك الكثير من الشباب الذين سافروا. 

غسان الشامي: أريد أن أنهي معك أخي نابل، أنت أيضاً هاجر أخوك وبقيت أنت، ماذا تقول للشباب؟ هل يبقون أم يرحلون؟

نابل العبد الله: بالنسبة لنا كشباب مقاتل الهجرة هي نوع آخر من الحرب التي نتعرّض لها، تشابه السفارات الأوروبية والغربية التي فتحت أبوابها للهجرة هي الوجه الآخر لجبهة النصرة، هي حقّقت غاية جبهة النصرة وغاية العصابات التكفيرية، ما لم تستطع العصابات الإرهابية والفكر العالمي تحقيقه بتهجيرنا من الأرض تحقّقه هذه السفارات.

غسان الشامي: بقليل من الوقت أين تجد نفسك بعد أن تنتهي الحرب؟ أين ترى نفسك كمقاتل؟

نابل العبد الله: مع الشباب بهمومهم.

غسان الشامي: ألن تعود إلى الأرض؟

نابل العبد الله: بالتأكيد سنعود إلى مصالحنا وأعمالنا ومع شبيبتنا لأن لدينا عبء كبير للمستقبل من أطفال الشهداء ومن معاناتهم ومن معاناة الجرحى وبمصالحنا، ومحافظون على ما تملّكناه من قدرة قتالية نضعها بأمر القيادة في أي مكان يتعرّض للخطر.

غسان الشامي: دكتور موسى أنت أشرت لي أنك تريد أن تقول شيئاً تفضّل.

موسى النادر: نعم شيء سريع أستاذ غسان، أنا أريد أن أقول إن الحال المسيحية في سوريا معركتها القادمة هي معركة دستورية، نحن نطمح أن نعيش في ظل دولة مدنية لكي نبني لأبنائنا وشبابنا مستقبلاً مشرقاً.

غسان الشامي: ونحن أيضاً. الحياة تليق بمَن يريد الخير للناس، بمَن يحتفل بالمحبة، بالذين يدافعون عن أرضهم ويزيحون الحقد عن صدورهم، بمَن يذهبون إلى عيدهم وعاداتهم وتقاليدهم طافحين فرحاً كفرح النسوة حاملات الطيب بالقيامة والأطفال بهدايا الميلاد والشباب العائد من الجبهة ليبدأ حياة جديدة. شكراً للأب ديميتريوس حداد، لقائد الدفاع الوطني الذي قاتل وشباب المدينة دفاعاً عنها وتركوا صوَر الشهداء قناديل شجرة الميلاد، للدكتور موسى النادر، الشكر لزملائي الأحباء في الميادين الذين قرعوا معي أجراس المشرق من السقيلبية في سهل الغاب: جهاد نخلة، هشام الهاشم، جمال حيدر، غسان نجار، أيامكم فرح الحياة، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.