بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الفنان ميشال معيكي

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. قرابة عقدين ونصف عقدٍ من الزمان وهو يُقدِّم لمُشاهديه ومستمعيه وجبةً ثقافيّةً دسِمة. يومها لم تكن الشاشات قد تكاثرت كالأرانب وغزت الأرض والفضاء معاً ولا اعتلى منبرها مَن يراها فقط وسيلة للشهرة والاستعراض، ومع أنّ الزمن آنذاك كان زمن حروبٍ ومحنٍ إلّا أنّ صاحبنا استطاع أن يخلُق فسحةً على الشاشة للمادّة الثقافيّة الأدبيّة والفنيّة في وطنٍ نقول أنّ معناه الثقافي هو علّة وجوده وجوهر كيانه، سقى الله تلك الأيام. ضيفنا اليوم رسّام وتشكيلي خبّأ موهبته ردحاً من عُمرٍ أمضاه برفقة الفنّانين والأُدباء الذين تركوا في ذاكرته ووجدانه الكثير الكثير، وهو أيضاً مثقّفٌ حاملٌ لمشعل الكتاب ومُبشِّرٌ بضرورته وديمومته مهما تقدّمت التكنولوجيا واجتاحت ما تبقّى من فسوحاتٍ لا تزال على الفِطرة والسليقة لأنّنا وإياه نؤمِن بأنّ لا خلاص ولا نهوض لأُمّةٍ لا ترفع كتابها بيمينها. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُسعَد باستقبال المُثقّف والرسّام والإعلامي اللبناني الأُستاذ "ميشال معيكي"، أهلاً وسهلاً شرّفت ونوّرت

ميشال معيكي: شكراً، وشكراً على هذه المُقدّمة، بحْبحْتها لي 

زاهي وهبي: لا على العكس، أنا أعترِف، أنا من الجيل ومن الناس الذين تعلّموا منك الكثير عندما كنا نجلس ونسمعك على الشاشة في لغتِك السلسة وصُوَرك الحلوة وإضافاتك، ولا أُجاملك، تُضيف على المادة التي تتحدث عنها سواء أكانت معرضاً تشكيلياً أو أُمسية أو ندوة أو كتاباً أو أي شيء آخر. لكن أينك؟ ما سبب ابتعادك عن الشاشة التي أمضيت فيها ربع قرن من الزمن تقريباً؟

ميشال معيكي: صحيح. الواقع هو أنّ الانقطاع الذي حصل سببه توقف "تلفزيون لبنان" في عام 2000. توقّف "تلفزيون لبنان" لأسباب كثيرة لا نريد أن نخوض فيها الآن، وتركت التلفزيون عملياً واتّجهت إلى أمور أُخرى 

زاهي وهبي: لكن عندما استأنف "تلفزيون لبنان" برامجه؟ 

ميشال معيكي: استأنف "تلفزيون لبنان" في شكلٍ خجول كما تعلم

زاهي وهبي: ولا يزال خجولاً 

ميشال معيكي: لا يزال، وإذا أردت نتحدّث قليلاً عن هذا الموضوع لاحقاً في سياق الحلقة

زاهي وهبي: طبعاً 

ميشال معيكي: فلمْلموا التلفزيون بما تيسّر بعد الإقفال القسري ثمّ استأنف بقَفَر، بقَفَر وتقتير إذا جاز التعبير  

زاهي وهبي: تقشُّف، وتقشُّف شديد 

ميشال معيكي: أجل، وكأنّه سبق الوضع 

زاهي وهبي: لكن ما السبب؟ في زمنك، ولا يزال الزمن زمنك، ولكن آنذاك كانت المادة الثقافية حتّى في عناوين نشرة الأخبار تظهر إذا كان هناك حدث ثقافي أو خبر ثقافي، تظهر في عنوان نشرة الأخبار. لماذا غابت عن الإعلام العربي إلى حدٍّ كبير؟ هناك استثناءات طبعاً، وفي الإعلام اللبناني تقريباً المادة الثقافية غائبة كلياً!

ميشال معيكي: عملياً في سنة 1977 تحديداً التقيت بالصدفة بأُستاذ "كميل منسّى" الذي كان يُحضِّر لبرنامج "هذا الأُسبوع"، الذي كان مجلّة كبيرة فيها فِكر وفيها سياسة واقتصاد وبيئة، أعني كبيرة. فصُدفةً قلت له، "لماذا لا يكون في البرنامج شيء له علاقة بالتراث مثلاً أو بالثقافة التراثية أو شيء في هذا المعنى؟ فوافق ودخلت معه وبدأنا. كنت أُقدِّم فقرة في برنامج "هذا الأُسبوع" مع صديقنا "كميل منسّى" الله يوجّه له الخير، وأنا بالمناسبة أحترمه كثيراً 

زاهي وهبي: نحييه 

ميشال معيكي: طبعاً نُحييه، نُحييه كثيراً. وبناءً عليه بدأنا نُقدِّم فقرات خارجة قليلاً عن المألوف، مثلاً "أهرامات مصر" "مثلّث برمودا" ثم انتقلت إلى عالم الريف، شخصيّة المكاري، شخصيّة البيطري، حلّاق الضيعة إلى آخره، كنّا ما زلنا متأثرين قليلاً بـ "مارون عبّود" في تلك الفترة. ثمّ فجأةً يقترح عليّ الأُستاذ "جان خوري" الذي كان مدير الأخبار حينها في "تلفزيون لبنان" بقوله: "ما رأيك أن تُقدِّم لنا أشياء طريفة وخفيفة في نشرة الأخبار"؟ قلت له: "لا، إذا كنّا سنتعاون نقدِّم صفحة ثقافية في شكلٍ منتظِم وسليم ونُتابع الحياة الثقافية ونُقدِّم كلّ الأنشِطة والفعاليات التي تحدث في البلد، وبناءً عليه بدأنا منذ تلك الفترة، يعني سنة 1980 تقريباً، وكانت تكريساً لشيء اسمه الثقافة في نشرات الأخبار، وتأسّس قسم للثقافة كنت أنا مسؤولاً عنه على امتداد حوالى خمس وعشرين سنة 

زاهي وهبي: سؤالي، لماذا تراجع هذا الشيء اليوم في الإعلام اللبناني؟ 

ميشال معيكي: أنا لا تؤاخذني يُحرجني هذا الكلام لكن سأقوله، لأنني تركت التلفزيون ولم يعُد أحد يقدِّم ما هو ثقافي 

زاهي وهبي: ليس فقط "تلفزيون لبنان" 

ميشال معيكي: في الأساس لم يكن في (لبنان) سوى "تلفزيون لبنان" يُقدِّم ما هو ثقافي لسوء الحظّ. صارت هناك بعض الأشياء الخجولة في المحطّات لكنها لا تُشكِّل الوجبة الأساسية في نشرة الأخبار. كان العنوان الثقافي يُقدَّم في نشرة الأخبار

زاهي وهبي: في رأيك هلّ هذا وقف علينا أم هو سِمة عالمية اليوم في زمن العولمة وفي زمن تحوُّل الكوكب لـ Super Market كبير، بمعنى استهلاكية؟ هل التراجع الثقافي في العالم كلّه أم الوضع أسوأ في بلادنا؟

ميشال معيكي: لا، ليس أسوأ في بلادنا أبداً لدرجة أنّ في (باريس) مدينة الثقافة والنور كان هناك برنامج مهمّ جداً للكتب وخلافه اسمه "بويون دو كولتير" مثلاً

زاهي وهبي: صحيح، كان مشهوراً

ميشال معيكي: وبعد ذلك جاء "ميتران"، ليس "ميتران" الرئيس 

زاهي وهبي: "فريدريك" 

ميشال معيكي: "فريدريك" طبعاً، وصار البرنامج يتأخّر وقته من العاشرة إلى الحادية عشرة إلى الثانية عشرة وفي الآخِر قالوا لنا "اذهبوا وناموا لأنّ هذا البرنامج توقف". تراجع الطرح الثقافي في رأيي أكلته مسألتان، الوجبات السريعة للرسائل النصية القصيرة في التلفونات 

زاهي وهبي: الميديا الجديدة 

ميشال معيكي: الميديا الحديثة ووسائِل التواصل التي أبعدت الناس في شكلٍ ما عن البركان الثقافي الذي كان قبلاً من الممكن أن يحصل وحصل، نتذكّر جيداً فترة "ديغول" سنة 1952 حينما جاء إلى السلطة وكان أول ما فعله هو استحداث وزارة للثقافة

زاهي وهبي: صحّ 

ميشال معيكي: فنحن اليوم أين؟ نحن نتراجع، أكيد نتراجع لأنّ صخب الحياة وإيقاعها السريع أبعَد الناس عن القصيدة والفِكر واللوحة إلى آخره، إلى الإيقاع السريع السطحي أحياناً

زاهي وهبي: تأكيداً على كلامك، منذ فترة كنت أسأل الشاعر الكبير "أدونيس" إذا كان حال الشِعر هكذا عندنا فقط أم أيضاُ في (فرنسا) فقال لي: "لا يوجد شعر هناك"! إلى هذه الدرجة التراجع عِلماً أنّ (فرنسا) بلد الشِعر والشعراء 

ميشال معيكي: والشِعر المُغنّى والقصائِد الكبيرة، كلّها تتراجع وسؤالك مُقِضّ وموجِع لكن هذه هي الحقيقة

زاهي وهبي: قبل أن أُكمِل طرح الأسئِلة نذهب برفقتك ورفقة زميلتنا "سحر حامد" لنستمع إليك في "قطع وصل" 

ميشال معيكي: يعني منّي إلي 

زاهي وهبي: منك إليك نعم 

ميشال معيكي: أوكي 

قطع وصل- ميشال معيكي:  

- قبل الحرب كانت هناك هناءة العيش، كانت حلوة، كانت لذيذة، كنّا نستمتع بكلّ شيء نقوم به، لم يكن هناك همّ كبير. كانت الحياة حلوة وكنّا فرِحين أكثر وكان هناك أمل في الحياة وأهمّ شيء كان عندنا حلم تغيير العالم، لاحقاً مع الوقت تصبحين أكثر واقعيّةً وتصبحين تبحثين عن الممكن وعن المُستطاع وعن المعقول، تتغيّر الأمور كلياً، تشتغلين مع الحياة كما هي مع قناعاتكِ ومُثُلكِ التي لا تزالين، إذا كانت موجودة، تؤمنين بها

- بعد الحرب صار عندنا أسئِلة كبيرة جداً خاصّةً الناس الذين عندهم قلق وجودي في الحياة، تتضاعف قوة السؤال، والمُزعِج في الموضوع هو عدم إيجاد الجواب الشافي. لهذا السبب مرحلة ما بعد الحرب هي مرحلة جديدة أُخرى وخاصّةً الفترة اليوم التي يمرّ فيها البلد، فترة قلق عام جداً وعلامة استفهام كبيرة 

-  شكّل التلفزيون مرحلة مُهمّة جداً في حياتي المهنيّة على مدى سنوات طويلة جداً، تلفزيون (لبنان) وسواه، أكيد الكاميرا والجمهور شكّلا مرحلة مهمّة في الحياة ربما قد أعود إليها

- مع كلّ ما حصل في (لبنان) سواء قبل الحرب أو خلال فترة الحرب أو حالياً لا يزال عندنا نتاج ثقافي على كلّ المُستويات جيِّد. طبعاً الهدوء يؤمِّن هذا المناخ المطلوب للإبداع وفي غياب هذا المناخ الهادئ نسبياً تتراجع نسبياً كثافة العطاء الإبداعي الثقافي 

زاهي وهبي: علاقتك مع البحر والطبيعة ليست جديدة، علاقة قديمة 

ميشال معيكي: علاقة ولادة إذا أردت، أنا 

زاهي وهبي: إبن (الضبيّة)

ميشال معيكي: شاطئ (الضبيّة) إذا أردت، كأني وُلِدت على موجة ماء 

زاهي وهبي: بقيَ من هذا الشاطئ الكثير اليوم؟ 

ميشال معيكي: لسوء الحظّ هذه الحضارة مسحت 

زاهي وهبي: إسوةً بكلّ الشاطئ اللبناني، نعم 

ميشال معيكي: مسحت الشاطئ ومسحت شيئاً من ذاكرتنا للأسف الشديد. اليوم حين تذهب إلى الشاطئ تجد بلوكات حديد وحجارة 

زاهي وهبي: لا تجد مرابع طفولتك، لا تجدها 

ميشال معيكي: لا، حين أنزل إلى البحر أغمض عيناي وأسبح في الذاكرة

زاهي وهبي: كم هذا حلو، نسبح في الذاكرة، مؤلِم لكنه تعبير جميل. أيضاً جدّك المُزارع والطبيعة والزراعة لك صلة حميمة مع هذا العالم  

ميشال معيكي: شوف، جدّي كان مُزارعاً يحبّ الأرض وكان يُرغمني على مُساعدته في زراعة الحبوب وقطف الليمون والخضار، البندورة والخِيار ولا أدري ماذا، وكانوا يلقّحون شجرة البلح

زاهي وهبي: صحيح لأنّ شجرة البلح تحتاج إلى ذكر وأُنثى، صح 

ميشال معيكي: كان هناك شخص إسمه "هومبرتسوم" أرمني ضخم الجثة وقبضاي، يضع حبلة ويصعد إلى أعلى شجرة النخيل، يصعد لفترة طويلة ويُنفِّض عنها الغبار الذي يُلقّحها، وأصير مهموماً في أن يقع لكنه ولا مرّة وقع 

زاهي وهبي: لماذا الإنسان عندما يكون إلى هذا الحدّ قريباً من الطبيعة ومن الأرض ومن التراب تصير لغته أفضل، ريشته إذا كان رسّاماً تصير أحلى، موسيقاه إذا كان موسيقياً تصبح 

ميشال معيكي: لأنّه يُصبح صادقاً أكثر. لا يُمكنك أن تزغل مع الطبيعة، يعني تضع حبّة على الأرض ويكون الطقس غائِماً وتُمطِر وتعود بعد أُسبوع تجد ضوءاً أخضراً صغيراً يخرُج من التراب فتتساءل" كيف نمت هذه؟ وبعد قليل تصير تكبر وتُعطيك البندورة والخيار ولا أدري ماذا. فتتساءل، ما سرّ هذا الوجود؟ من حبة تنمو عندك نبتة كبيرة تستمتع بها؟ هي إذا أردت لعبة الفصول، أن تتماهى مع تراتبيّة الفصول من خريف وصيف وشتاء وشوب وشمس ومطر إلى آخره فتخلِق لك حالة وتُصبح كأنّك جزء من إيقاع الفصول وهذا شيء جميل 

زاهي وهبي: على كلّ حال أتذكّر كيف كان ينعكِس في لغتك هذا العالم، لغتك التلفزيونية. قبل أن ننتقل إلى الحديث عن الكتاب، التلفزيون بين زمنين أو أزمنة بين أواخر السبعينات واليوم اختلف كثيراً وتغيّر وتطوّر، كيف تجد هذه التحوّلات التي شهِدها عالم التلفزيون؟ وهلّ عندك حنين إلى زمنٍ مضى؟ 

ميشال معيكي: أكون كاذباً إذا قلت لك ألّا حنين عندي، لا يوجد عندي سوى الحنين لنكُن واقعيين 

زاهي وهبي: "أنا عندي حنين ما بعرِف لمين" لكن أنت تعرِف لمَن 

ميشال معيكي: ستزعل السيّدة "فيروز" الآن. أكيد الحنين إلى ذلك الزمن الذي كان بسيطاً، كان فيه نظافة، كان فيه حلم، كان جميلاً، كنت تفرح. إذا سألت بصدق صديقي، هل في داخلك فرح اليوم؟ 

زاهي وهبي: عندما ترى بلادنا وترى العالم العربي وما يحدث فيه، عندي جملة أقول فيها "فرحي حزين، تُزهِّرني عيناكِ وتكسرني عيون الضحايا"، يعني حتّى فرحنا 

ميشال معيكي: طبعاً، إذا أكملنا هكذا لا يعود المشاهِد يعرِف مَن يسأل مَن 

زاهي وهبي: علاقتك بالكتاب؟ 

ميشال معيكي: علاقتي بالكتاب نرجع إلى زمن الطفولة 

زاهي وهبي: حضرتك رئيس النادي اللبناني للكتاب 

ميشال معيكي: صحيح    

زاهي وهبي: ورئيس لجنة التحكيم في وزارة الثقافة، تحكيم الرواية، جائِزة الرواية 

ميشال معيكي: جائِزة الرواية باللغة العربية صحيح. بماذا تريد أن نبدأ؟

زاهي وهبي: ابدأ بالكتاب في شكلٍ عام 

ميشال معيكي: أنا درست في مدرسة فرانكوفونيّة، يعني مع الإخوة "المريميين" وكانوا كلّهم أجانب وفرنسيين، وهذه المدرسة كانت مُلاصقة لمنزل الرئيس "فؤاد شهاب" في (جونية)، إذا أردت نحكي كلمتين عنه إذا أحببت لا أدري، فكانوا يعطونا شيئاً اسمه Signal، خشبة يمررونها للذي يتحدّث العربية في الملعب وفي آخر النهار مَن تظلّ معه الخشبة يزربونه نهار الخميس 

زاهي وهبي: لأنّه تحدّث العربية 

ميشال معيكي: لأنّه تحدّث العربية وهذا كان قمعاً، وأنا كنت ضدّ هذا القمع 

زاهي وهبي: فأحدث عندك ربما ردّة فعل ربما عكسيّة 

ميشال معيكي: جداً، وأنني أريد أن أتحدّث العربية مهما ستفعلونه، وصرنا نقوم بتظاهرات في شوارِع (جونية) وكانا يحملاني إثنان من آل "الخازن" طويلان وأنادي ضدّ الاستعمار وضدّ لا أدري ماذا وإلى آخره. المهم، كان عندنا أكثر من أُستاذ لغة عربيّة شجّعونا على كتابة اللغة العربية في داخل الصفّ (الحصّة)، وكنت عندما أكتب موضوعاً إنشائياً يقرأ الأُستاذ "فرحات"، هذا كان إسمه، المادة التي كتبتها من إنشاء وخلافه في صفوف أُخرى أعلى من صفّي، وكان يقول لهم" هذا إنشاء فلان وهكذا يكتبون العربيّة، من اللازم أن تكتبوا العربيّة هكذا" 

زاهي وهبي: جرّاء إعجابه بالنص الذي كتبته حضرتك

ميشال معيكي: جرّاء إعجابه به يقرأه. لاحقاً صدرت في المدرسة مجلّة حرّرناها أنا وصديقي الذي صار مدير اللغة العربيّة، عميد اللغة العربية، اللغات في "جامعة القديس يوسف" وإسمه "هنري عويس" 

زاهي وهبي: طبعاً الإسم معروف 

ميشال معيكي: كان صديقي الحميم، فأصدرنا مجلّة اسمها "صوت الطلّاب". كانت "صوت الطلّاب" مجلّة نُطبعها ونصدرها على "الستانسل " ونكبسها ثم نبيعها بربع ليرة، تصوّر، وكنت دائماً أكتب فيها

زاهي وهبي: في قراءاتك الأولى مَن كانوا الكتّاب المؤّثرين أو الكتب؟ أي نوع من القراءات كانت قراءاتك؟ 

ميشال معيكي: كان خالي شخصاً مثقفاً ويُحب الكتب وعندما لم يعُد عنده مكان للكتب في البيت صار يضعها على درج البيت وصرت أجلس بين هذه الكُتب وأقرأ. قرأت "الأجنحة المتكسّرة لـ "جبران" مثلاً عندما كان عمري حوالى عشر سنوات تقريباً ولم أفهم كثيراً ما كان يُريده، قرأت "النبي" ولم أفهم شيئاً على الإطلاق

زاهي وهبي: نعم، لأن "النبي" صعبة لهذا العُمر وخصوصاً أنّ عالم "جبران" عالم خاص جداً  

ميشال معيكي: لاحقاً بدأت الأمور تأخذ منحىً آخر. قرأت لـ "جرجي زيدان" "روايات تاريخ الإسلام" كلّها، قرأت لـ "توفيق يوسف عوّاد" كلّ كتبه، قرأت "عالم الضيعة" لـ "مارون عبّود" والرواية وإلى آخره. لاحقاً دخلت إلى عالم الشِعر وقرأت لـ "نزار قباني"

زاهي وهبي: مَن هم شُعراؤك؟ من الشعراء الأحب إلى نفسك؟ 

ميشال معيكي: "محمود درويش" شاعر أُحبُّه، "أدونيس" شاعر أُحبّه، محاولاتك الأولى عندما كنت تأخذ كتبك وتذهب إلى "تلفزيون لبنان" وتتحدّث عنها كنت اُسرّ بها وأقول" هذا الشاب الطالع يكتب هكذا؟  كتابات فيها صدق وصادرة من جنوبه، صادرة من أرضك إلى حدٍّ بعيد

زاهي وهبي: المحاولات الأخيرة لم تُحبّها

ميشال معيكي: تستدرجني كي أتحدّث

زاهي وهبي: لا، أمزح معك 

ميشال معيكي: أحببتها وأحببت شعراء الجنوب الذين كتبوا وجع الإنسان ووجع الأرض وألم الاحتلال الإسرائيلي 

زاهي وهبي: هلّ كتبت الشِعر؟ 

ميشال معيكي: لا، كتبت خواطر، أنا لا أحب أن أكتب الوزن، أحسّ أنتّ الوزن يقيّدني مثل محبس الزواج 

زاهي وهبي: لكنك تستطيع كتابة قصيدة نثر أو شعر حرّ 

ميشال معيكي: كتبت أشياء خصوصاً في فترة "حرب الإلغاء" التي حدثت في التسعينات، كنت أكتب في كلّ ليلة كما وأنني أتحدّى الحرب ونشرت القليل مما كتبته حينها وكان ينشرها لي صديقنا 

زاهي وهبي: أُستاذ "شوقي"؟ 

ميشال معيكي: أستاذ "شوقي أبو شقرا" في "النهار" 

زاهي وهبي: له أياد بيضاء علينا جميعاً 

ميشال معيكي: جدّا جدّاً، وهذا الشخص جدير بالمحبّة والتكريم 

زاهي وهبي: طبعاً 

ميشال معيكي: وكنت عندما أتأخّر قليلاً يقول لي، "ما بك يا ميشال؟ أكتب شيئاً يا عمّي"، وأنا أحياناً كنت أكتب أشياء ساخِرة عن الحرب، "السخرية السوداء" إذا أردت عن كلّ ما كان يحدُث 

زاهي وهبي: كم الكتابة أثناء الحرب هي شكل من أشكال الإصرار على الحياة، تحدّي الموت، أو المرء كأنّه يؤكِّد لنفسه "ما زلت حياً وأرى إسمي في الجريدة، عندما أُرسل نصاً أرى إسمي في الجريدة في صفحة الشعر والثقافة وليس في صفحة الوفيّات" أطال الله في عُمرك 

ميشال معيكي: فترة الصفحة الثقافية بدأناها سنة 1980 وكانت الحرب في عزّها حينها، كنت أُحارِب الحرب بالثقافة، بما أكتب أنا وبما يكتبه الآخرون ويرسمه الرسّامون، "ريمون جبارة" في المسرح وغيره من الناس الذين كانوا يُبدعون تحت القصف إلى درجة أنه أحياناً حين تشتد الجولات إذا أردت، كنّا نُسمّيها الجولات، لا يعود في إمكاني أن أصل إلى "تلفزيون لبنان" لا إلى (تلّة الخيّاط) ولا إلى (الحازمية) وكنّا نمكث في المنزل لمدة أسبوع أو عشرة أيام. عندما أشعر أن الجولات خفّت قليلاً أذهب إلى التلفزيون وأُقدِّم الصفحة الثقافية فيقول لي "جان خوري"، "يا عمّي مَن يهتم بالثقافة"؟ فأقول له "لا بأس، نُعطي القليل من الأوكسيجين للناس كي يتنفّسوا 

زاهي وهبي: هذا السؤال لغاية اليوم يواجهنا، وهل الآن وقت ثقافة ووقت شعر ووقت فنّ؟ 

ميشال معيكي: طبعاً وقت ثقافة ووقت فنّ لأن "تشرشل" في زمن الحرب خاطب مواطنيه بقوله " نريد أن نستحدِث وزارة ثقافة" فقالوا له " لكن الآن زمن حرب"! فأجابهم، "لا يُمكننا أن نُعمِّر (بريطانيا) مُجدّداً إلّا من خلال الثقافة والمُثقّفين والمُفكِّرين وأصحاب الأدمغة وإلّا لماذا نخوض الحرب"؟ 

زاهي وهبي: وهذا ما نُحاول إيصاله دائِماً من خلال "بيت القصيد" 

ميشال معيكي: هذا الذي من اللازم أن يُعمل به 

زاهي وهبي: فعلاً ما من بلدان تُبنى ولا أُمم تتقدّم إذا احتقرت الثقافة ولم تعرِف أهميّتها وقيمتها. قرأت أُستاذي أنّ حضرتكَ في صدد إصدار كتابين. رغم هذه التجربة الطويلة لم تُصدِر لغاية اليوم كتاباً مطبوعاً

ميشال معيكي: نعم تفضّل 

زاهي وهبي: أين هذان الكتابان وما هما وأيمتى سيصدران؟ 

ميشال معيكي: سأقول لك. أولاً أنا جداً كسول في حقّ نفسي، جدّاً كسول وإذا استطعت أن تُشجّعني أكون ممتنّا لك 

زاهي وهبي: ها أنا أُشجِّعك 

ميشال معيكي: شجّعني وأكثِر من تشجيعك. أنا لم أنشُر كتباً لكن عندي الكثير من المقالات في الصحف والمجلّات وفي برامج تلفزيونية وإذاعيّة

زاهي وهبي: هيّا اطبعها لكي نقدِّم جزءاً ثانياً من هذا اللقاء 

ميشال معيكي: نقدِّم جزءاً ثانياً، من اللازم، الوقت حان أكيد. ثمّ لا أخفي عليك أنّ التلفزيون يسرقك 

زاهي وهبي: طبعاً، يسرق طبعاً 

ميشال معيكي: وأنت إبن هذه المهنة وتعرِف اليوم أنّه يبتلِعك ولا يعود في إمكانك أن تلحق 

زاهي وهبي: مثل النار، الإعلام التلفزيوني كلّما رميت فيه حطباً يريد المزيد 

ميشال معيكي: مطحنة حقيقية. فأخذني التلفزيون مع الأسف

زاهي وهبي: مع أنّك رافقت مرحلة من الإنتاج الإبداعي اللبناني بكلّ مستوياته وأنت شاهِد على زمنٍ كامل ولا يجوز ألا نقرأ 

ميشال معيكي: صحيح. عندي صديق صاحب دار نشر يقول لي دائِماً، "أعطني المقابلات المُدوّنة". أنا كتبت في الكثير من الصحُف والمجلّات اللبنانية في فترة الحرب، كتبت عن المسرح والقصة والرواية والموسيقى والغناء و"مارسيل خليفة" و"ريمون جبارة" و"يعقوب الشدراوي" وكلّ شباب المرحلة الذين تعرفهم من أصحابك. هناك مراكمة كبيرة جداً في هذا المعنى

زاهي وهبي: توجد مفارقة، قبل أن أضطر إلى أخذ استراحة، أنه في زمن الحرب كان الإنتاج الإبداعي اللبناني في ازدهار 

ميشال معيكي: كنت أريد أن أقول لك شيئاً قبل قليل وغاب عن بالي، كنت حينما أُقدِّم نشرة الأخبار الثقافية، الصفحة الثقافية، أو البرنامج الثقافي كان الناس يقولون، "يبدو أن الأوضاع ستهدأ، يبدو أنّ عنده معلومة حتّى جاء ليُقدِّم" وأنا لا يكون عندي معلومات عن شيء لكن كنت أقدِّم لكي أقول لهم، "لا بأس سيأتي الموت فدعونا نحتفل ببهاء الحياة" 

زاهي وهبي: مسرح "ريمون جبارة" في الحرب، "يعقوب الشدراوي"، "الحكواتي"

ميشال معيكي: "مارسيل خليفة" 

زاهي وهبي: "مارسيل خليفة"، "زياد الرحباني" ولا أُريد أن أنسى أحداً، "روجيه عسّاف" طبعاً قلنا "الحكواتي" و"رفيق علي أحمد" والشباب، كلهم في زمن الحرب

ميشال معيكي: و"أنطوان ملتقى" 

زاهي وهبي: و"أنطوان ملتقى" و"شكيب خوري" 

ميشال معيكي: كثيرون

زاهي وهبي: "جلال خوري" 

ميشال معيكي: طبعاً 

زاهي وهبي: وماذا سنُحصي لنُحصي 

ميشال معيكي: كانوا الناس أيضاً 

زاهي وهبي: وكأنهم يقاومون  

ميشال معيكي: كانوا يحاربون الحرب 

زاهي وهبي: يحاربون الحرب بالفنّ، بالأدب، بالِشعر 

ميشال معيكي: وأكبر مثال على ذلك مسرحيات "ريمون جبارة" وأنت تعرِفها كلّها، كانت كلها إدانة." Picnic على خطوط التماس" مثلاً 

زاهي وهبي: سأُتابع مع حضرتك وسنتحدّث عن الكتاب في شكلٍ عام ونظرتك، هلّ يبقى الكتاب في زمن التكنولوجيا؟ والرسم، ولديك مئات اللوحات كرسّام ولكن بعد استراحة سريعة نتابع "بيت القصيد" 

المحور الثاني

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا نُتابع "بيت القصيد" مع الكاتب والإعلامي والرسّام اللبناني الأُستاذ "ميشال معيكي". أُستاذي قبل أن نتحدّث في الرسم، لا تزال حضرتك رئيس النادي اللبناني للكتاب مثلما قلنا ورئيس لجنة تحكيم جائِزة الرواية العربيّة في وزارة الثقافة اللبنانية إلى جانب عملك كمُستشار في هذه الوزارة. لا تزال تؤمن بالكتاب؟ اليوم في زمن أدوات التواصل وكلّ هذه التكنولوجيا التي اجتاحت حياتنا وتفاصيلها اليومية لا يزال الكتاب ضرورة في رأيك؟ 

ميشال معيكي: الكتاب ضرورة نعم، إيماني في الكتاب أكيد، ثمّ نحن ورقيين وأتحدث هنا عن جيلنا ولكن الورق هو حُطّ، كانوا منذ زمن يرسمون على الحائِط أليس كذلك؟ 

زاهي وهبي: صحّ، بدأوا في الكهوف في البداية 

ميشال معيكي: منذ 15،000 سنة في (فرنسا) رسموا على الجدران، في (وادي الملوك) في (مصر) الشيء نفسه 

زاهي وهبي: ثمّ لاحقاً على الجِلد وعلى ورق البُردى 

ميشال معيكي: على ورق البُردى إلى آخره، والطباعة نعرِف كيف تدرّجت. إذاً وسائِل النشر المكتوب أو المحفور 

زاهي وهبي: تغيّرت

ميشال معيكي: تغيّرت أدواته من الصخرة إلى الجِلد إلى الورق إلى أن وصلنا اليوم إلى الصفحة الإلكترونية مثلاً على الإنترنت

زاهي وهبي: حسناً، القراءة لا تزال عامل جذب في زمن الصورة وعصر الصورة؟

ميشال معيكي: أنت همّك القصيدة والكتاب

زاهي وهبي: أجل طبعاً

ميشال معيكي: وأنا همّي مثلك. أكيد هناك تراجُع في اقتناء الكتاب، عندي في البيت حوالى عشرة آلاف كتاب لا أدري أين أضعها، على الدرج أو في الحمّام أو أينما كان عن جدّ، وليس في استطاعتي أن أتخلّى عن الكتاب لأنني أُحبّه

زاهي وهبي: حلوة العلاقة مع الكتاب 

ميشال معيكي: أحسّ أنّه جزء منّي 

زاهي وهبي: دائِماً أقول أُستاذي إنّ العلاقة مع الكتاب هي علاقة في الحواس الخمس 

ميشال معيكي: طبعاً تشمّ وتلمس وتسمع كلاماً 

زاهي وهبي: عندك هذه العلاقة الرومانسيّة مع الكتاب؟

ميشال معيكي: كثيراً وتُعذّبني هذه المسألة. مثلاً لا أستطيع رمي كتاب مع أنّه كتاب وسطيّ إذا أردت، لا يمكنني أن أرميه، أو كتاب تجعّدت أوراقة أو أعرته لأحد فأرجعه لي مع رسوم ومخربشات أو الصفحات مطويّة! يا أخي احترموا الكتاب، هذه مسألة كبيرة جداً 

زاهي وهبي: يقولون أنّ السرقة الحلال الوحيدة هي سرقة الكُتُب، صحيح؟ 

ميشال معيكي: ماذا تريد، أن أسرقك أو أن تسرقني؟ 

زاهي وهبي: أنا أُريد أن أسرقك، عندك عشرة آلاف كتاب  

ميشال معيكي: تريد أن تسرقني، شرّف على بيتي وأنا أُقدِّم لك، لستُ في حاجة لأن تكون لصّاً. لكن لصّ الكتاب أنا أُحبّه على فِكرة، مهضوم 

زاهي وهبي: نعم. رئيس النادي اللبناني للكتاب، ما هو النادي اللبناني للكتاب؟ ناد لتشجيع القراءة والكتابة؟ ما هو؟ 

ميشال معيكي: النادي اللبناني للكتاب تأسّس منذ عشر سنوات. أسّسته مع الأب "مارون عطا الله " الذي أسّس الحركة الثقافية في (انطلياس) وهو له أفضال على 

زاهي وهبي: نعم، وهو منبر وصرح ثقافي يُمكننا أن نقول وليس فقط منبراً 

ميشال معيكي: فالنادي اللبناني للكتاب تأسّس منذ عشر سنوات تقريباً والهدف منه، أكيد كان الهدف الأساسي هو الكتاب. نشر الكتاب، توقيعات الكُتب، مناقشات ومُحاضرات حول كتاب صادِر حديثاً إلى آخره، هذه كلّها موجودة إنّما طوّرنا الكتاب لأننا نعتبر الكتاب حقّاً مثل السي دي حقّ، مثل التي نضعها في ما أسمه

زاهي وهبي: الـ USB

ميشال معيكي: الـ USB أيضاً التي هي حقّ للمعرِفة. فطوّرناه وصار النادي اللبناني للكتاب ليس فقط للكتاب. عندنا نادي السينما ضمن النادي اللبناني للكتاب وCine Club، تقريباً كلّ خمسة عشر يوماً عندنا فيلم مع نقاش

زاهي وهبي: مُعظم أنشطتكم أين؟ أين المركز؟ في (الجديدة)؟ 

ميشال معيكي: في (الجديدة) في بلديّة (الجديدة) 

زاهي وهبي: في بلدية (الجديدة) التي تفتح أبوابها لهذه الأنشطة 

ميشال معيكي: جداً وأريد أن أُحيي رئيس البلدية "أنطوان جبّارة" الذي هو زميلك، شاعِر 

زاهي وهبي: نمسّيه بالخير ونشدّ على يده 

ميشال معيكي: طبعاً نشدّ على كلتا يديه 

زاهي وهبي: طبعاً، طبعاً 

ميشال معيكي: وناد للسينما وموسيقى وغناء وندوات متنوِّعة. هذا هو معناه

زاهي وهبي: ما هو الكتاب الأحب إليك؟ أيّ نوع من الكُتب أحبّ إلى نفسك؟ كتاب شِعر كتاب رواية كتاب فلسفة، أيّ نوع أدبي أو فِكري؟  

ميشال معيكي: أنا لست الشخص الصالِح لأعطيك نموذجاً واحداً، أنا متعدّد. هذه مُشكلة 

زاهي وهبي: لكن أحلى  

ميشال معيكي: أجل لكنها تُتعِب. أنا أقرأ شِعراً، أقرأ رواية، أقرأ فلسفة، أقرأ تاريخاً 

زاهي وهبي: لكن المُتعة الأجمل أين؟ 

ميشال معيكي: بين الشعر والرواية والتاريخ لأنّه دائِماً عندما تقرأ التاريخ 

زاهي وهبي: تفهم الحاضر أكثر 

ميشال معيكي: تفهم المستقبل أكثر

زاهي وهبي: ليس فقط الحاضر

ميشال معيكي: لأنّ التجارُب التي خاضتها الشعوب في الماضي، أحياناً دورة الدنيا تتكرّر في أحيانٍ كثيرة لكن في لباسٍ مُختلِف، في أقنعة مُختلفة إذا صحّ التعبير 

زاهي وهبي: صحيح. نقول نفس الأشياء التي قالها أسلافنا في طريقة مُختلفة، الحبّ والموت والفراق والولادة والحزن هي نفسها لكن الأسلوب من عصر إلى عصر ومن زمن إلى زمن يتغيّر

ميشال معيكي: يتغيّر، والصورة تتغيّر والشكل يتغيّر وملمس الكتاب يتغيّر من صخرة إلى ورقة إلى شاشة بيضاء صرت تحملها في جيبك 

زاهي وهبي: صحيح. كانت تحملنا صرنا نحملها. لو سمحت لي، قبل أن نسأل عن الرسم نذهب مرة أُخرى برفقتك ورفقة "سحر حامد" زميلتنا إلى "قطع وصل" 

قطع وصل - ميشال معيكي: 

- الكتابة أو اللوحة الفنيّة هي تعبيرات، يُمكنك أن تُعبِّر في الكلمة تُعبِّر في اللون إلى آخره وهناك أناس يعبّرون في النحت أو في السينما أو في الموسيقى. الذي يوحي هو الحال النفسيّة التي أنت فيها، إذا فرح، إذا غاضب، إذا معصّب، إذا مرتاح نفسيّاً أو كذا، هي التي تأخذنا إلى أماكِن أُخرى  

- أُحبّ فصل الشتاء فصل الشتاء والعواصف، أستمتع في المشي في الغابة أو في مشاهدة أمواج البحر وفي الرعد وصوت الرعد، والبرق في الليل يُذكّرني بالطفولة ويوحي، يسرّني كثيراً. أيضاً الربيع عندما يبدأ يُزهِر زهر اللوز وغيره وهذا أيضاً يعطينا نفحة فرح في الطبيعة. لا أحبّ الشمس كثيراً               

- المرأة هي أساس الحياة، مثل المياه، مثل الأوكسيجين، مثل الهواء، من المقوّمات الأساسية للحياة. أنا لا أتخايل وجوداً للحياة إذا لم تكن فيها المرأة موجودة، والمرأة هي الأُخت هي الأُمّ هي الحبيبة هي المُلهِمة وهي المناضلة، هي ينبوع الحياة إذا أردتِ من دون مبالغة، هذه الحقيقة 

- جيل اليوم هو جيل التواصل السريع، هو جيل يقبض العالم بيديه على الطاولة أو في جيبه في التلفون. هو جيل مُطّلِع عنده أحلام كبيرة، حتّى إيقاع حياته جداً سريع والمستقبل لهذا الجيل طبعاً  

زاهي وهبي: إن شاء الله يكون مستقبل هذا الجيل أفضل من حاضرنا ومن حاضره أيضاً 

ميشال معيكي: لأنّ أسوأ من هكذا اليوم لا يمكن كثيراً 

زاهي وهبي: أتعلم، أثناء سماعي لك لا أُريد أن أُكبِّرك في العُمر كثيراً لكنني أحس بوجود شخصية كأنها خرجت من كتب "مارون عبّود" و"ميخائيل نعيمة"، تذكّرني في ذاك الزمن حينما كان (لبنان) يختلف عن (لبنان) الآن 

ميشال معيكي: في البداية أخفتني 

زاهي وهبي: لا، ليست من "ليلة الغطاس" مثلاً، نعم 

ميشال معيكي: شوف، الزمن الحلو إذا عشت زمنين، ونحن عشنا زمنين، أنا عشت زمنين 

زاهي وهبي: نعم، مُخضرم 

ميشال معيكي: مُخضرم نعم، عشت زمن فترة ما قبل الحرب بكلّ مشاكلها وجمالاتها. عشنا الحرب ولا أدري إن انتهينا من الحرب 

زاهي وهبي: لم ننتهِ 

ميشال معيكي: هذا السؤال 

زاهي وهبي: لم ننتهِ. عُلِّقَت الحرب في بداية التسعينات وحتّى السلم كان هشّاً وتخللها حروب صغيرة 

ميشال معيكي: كان السلم مزغولاً زغلاً ولم يكن نقيّاً. اليوم أكيد لا يوجد نقاء بالمرّة. أكيد زمن الماضي كان أجمل في هذا المعنى وهذا لا يعني أن نظلّ نعيش في الماضي، أبداً 

زاهي وهبي: وإلّا نصير ماضويين وعالقين ولا نعرِف كيف نتقدّم 

ميشال معيكي: عليك أن تشوف الغدّ 

زاهي وهبي: حسناً، انطلاقاً من مقولة "ربّ ضارّةٍ نافعة"، كم الحرب رغم كلّ مساوئها وضحاياها أنضجتنا أكثر من أعمارنا؟ كبّرتنا قبل أواننا، جعلتنا نحن ربما الجيل الذي عاش هذه الحرب بكلّ مآسيها ننحاز للمعنى الأعمق للحياة وليس فقط لقشورها 

ميشال معيكي: في العُمق وفي المُطلق تعرّفنا على الموت في شكلٍ قريب

زاهي وهبي: ترافقنا معه 

ميشال معيكي: نمشي معه على الطريق وفي السيّارة وقصف وقنص وما تُريده، وصار الموت إذا مات أحدهم، أوكي مات وهذه هي الحرب، هكذا الحرب 

زاهي وهبي: للأسف

ميشال معيكي: لكن هذا التآخي إذا أردت مع فكرة الموت أعطانا أكيد نضجاً أكثر وأعطانا مناعة أكثر وعلمنا الكثير من قصص الحياة. كنّا نقرأ عن الحروب في الكُتب ونُشاهدها في الأفلام، لكن في الحرب عرِفناها في بيوت الناس وفي الشوارِع وفي الساحات وهذا أمر خطير. أكيد تعلّمنا؟ هناك أناس تعلّموا وأُناس 

لا، أنا أتحدّث عن الذين يكتبون، على مستوى النصّ الإبداعي لأنّ على المُستوى الآخر السياسي والحزبي لو تعلّمنا لما كنّا في هذا الواقع الذي نحن فيه الآن 

ميشال معيكي: حضرتك كاتب وتعرِف، ثلاثة أرباع الروائيين اللبنانيين اليوم أو نصفهم أو إلى آخره ماذا تعالج كتبهم؟ 

زاهي وهبي: نعم، يغرفون من 

ميشال معيكي: يغرفون من تجربة الحرب ومن تداعياتها وذيولها 

زاهي وهبي: حسناً، هذه التجربة التي عشتها وأعود إلى موضوع الكتابة والنشر والطباعة، أليس حرام ألّا تكتب تجربتك إذا إلى هذا الحدّ عندك وعي لما عشته وهذه النظرة وهذه اللغة التي تُعبِّر فيها؟ حرام ألّا تُكتب هذه التجربة بصراحة ولست أجاملك 

ميشال معيكي: لا لا، معك حق 

زاهي وهبي: يمكنني ألّا أقول هذه المُلاحظة، لو لم أحسّ بها لما قلتها بصراحة 

ميشال معيكي: أنا أشكرك على كلّ الأحوال. أنا في هذه الناحية مُقصِّر لكنني اتخذت قراراً منذ فترة قريبة جداً 

زاهي وهبي: من اللازم

ميشال معيكي: وبدأت في الشغل 

زاهي وهبي: في الرسم، حضرتك تردّدت طويلاً أو أخفيت ربما طويلاً هذه الموهبة عندك التي هي موهبة الرسم. أولاً لماذا تأخّرت إلى هذا الحدّ حتّى أخرجت ألوانك وأشكالك إلى النور؟ 

ميشال معيكي: في صغري كان عندنا حصّة إسمها الرسم وكان مَن يعلّمنا الرسم شخص إسمه "جان خليفة" الرسّام الكبير المعروف، كيف ترسم أرنباً وكيف ترسم زهرة وكيف ترسم إلى آخره وكذا فأذهب أنا إلى البيت وأحاول الرسم. هذه القصة قديماً، لاحقاً التلفزيون أدخلني في مدار آخر، يعني الصفحات الثقافية التي كنّا نشتغلها ألزمتني بالاطّلاع على معارِض وعلى رسّامين وعلى محترفات كلّ الرسّامين الكبار وكذا وكنت على تواصل يومي معهم، واستُحدِث نوع من الصداقة بيني وبينهم وكانوا يرسمون أمامي في محترفاتهم لوحات وأعمالاً تلوينية فتكّونت عندي فكرة الاتجاهات التشكيلية في شكلٍ عام. أيضاً في رحلاتي الثقافية وخلال فترة الحرب كنت أُدعى إلى مناسبات ومهرجانات فكرية وثقافية وغيرها في العالم العربي وفي العالم كلّه. يعني رأيت متاحف (بريطانيا) و(فرنسا) و"الاتحاد السوفياتي" سابقاً و(الولايات المتّحدة الأميركية) ومتاحف كثيرة في العالم العربي، الكثير من المتاحف، وتعرّفت إلى الكثير من الشخصيات التشكيلية في العالم العربي وفي خارج العالم العربي. 

زاهي وهبي: كلّه شكّلَ مخزوناً 

ميشال معيكي: كلّه شكّل مخزوناً وعندي مكتبة تشكيلية عربيّة وفرنسية وإنكليزية هائِلة، كلّ هذه العناصر كانت موجودة 

زاهي وهبي: واختمرت 

ميشال معيكي: وكنت أؤجِّل. كنت أؤجِّل لأنك كما تعلم التلفزيون يُدلِّع. في يوم منذ خمس عشرة سنة تقريباً استيقظت ووجدت ورقة بيضاء أمامي فالتقطت قلماً ورسمت شكلاً بسرعة البرق وكان الشكل جميلاً، فرسمت أخرى وثانية ورابعة وخامسة فقلت لنفسي أنّ هذه الشغلة يجب ألّا أقوم بها كتسلية لأنها ليست تسلية، هي تعبير حقيقي. مثلما تُعبِّر في الكلمة تُعبِّر في اللون وفي الموسيقى تُعبِّر، في حركة المسرح تُعبِّر، في الشعر تُعبِّر فدخلت في هذا الموضوع وكانت التجربة جميلة 

زاهي وهبي: صار عندك مئات اللوحات حسبما قرأت 

ميشال معيكي: صحيح 

زاهي وهبي: وألوانك صاخبة وتُسمِّيها ألواناً فاجرة 

ميشال معيكي: كيلا نقول عاهرة 

زاهي وهبي: نعم، لماذا هذا الميل للألوان الصاخبة؟  

ميشال معيكي: لأنني أولاً في الداخل لست ناعماً وهادئاً طوال الوقت، لا أنا لست هكذا. على التلفزيون كانوا يقولون، " هذا الرجل الهادئ" وكذا وأنا لستُ هكذا في الحقيقة، لكن ضرورات العمل كانت تقتضي ذلك. لا، أنا أحسّ بتفجيرات داخليّة أُعبِّر عنها في هذه الألوان الخام إذا أردت Brut، خام مثلما هي أضعها. هناك رسّامون كُثر في العالم، وأنا لا أدّعي أنني رسّام عالمي بل أنا أقوم بما أعرِفه وبما أقدر عليه، استعملوا هذه الألوان وفي عكسهم يوجد رسّامون آخرون مزجوا الألوان وأضافوا ألواناً أُخرى 

زاهي وهبي: نعم. الألوان الصاخبة أو الألوان القويّة أصعب في التعامل معها من الألوان الهادِئة، الألوان الترابيّة

ميشال معيكي: أصعب معي أو معك كفنان تشكيلي وأصعب مع المتلقّي أيضاً 

زاهي وهبي: طبعاً 

ميشال معيكي: لا يتحمل المتلقّي دائماً تفجيراً لونيّاً

زاهي وهبي: قد يرفض اللوحة وينفر منها 

ميشال معيكي: يخاف منها أو لا يستمتع باستقبالها إذا أردت 

زاهي وهبي: ما هي المواد الأحب إليك في الرسم؟ 

ميشال معيكي: الأكريليك. الأكريليك مادة حلوة وعمليّة، يعني تشتغل لوحة وخلال ساعتين أو ثلاث تنشف الألوان فيما لو اشتغلت في الألوان الزيتية وخصوصاً في فترة الشتاء والرطوبة تحتاج الألوان إلى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أو أربعة أو أكثر لتنشف 

زاهي وهبي: كم الطبيعة اللبنانية، التي قلنا في البداية أنّ عندك علاقة معها من خلال جدّك المُزارع ومن خلال اشتغالك معه، كم هي موجودة في أعمالك التشكيليّة؟ كما تعلم نحن بلاد ضوء وبلاد شمس ولسنا بلاد كآبة وغيم وشتاء  

ميشال معيكي: طبيعي شوف، ألوان الطبيعة انطبعت بي. كان يمرّ منذ زمن بائع يحمل سلّة ومعه خواتم ولا أدري ماذا، خردوات يعني

زاهي وهبي: ألوان 

ميشال معيكي: خردوات، وكنت أشتري منه كلّما أتى، في إحدى المرات خاتم لونه أحمر ومرة أُخرى لونه أصفر وفي مرة لونه أزرق لكن طبعاً لا أضعها في يدي لكن فقط أنظر إليهم. أُريد أن أقول لك شيئاً أكثر من هذا

زاهي وهبي: تفضّل 

ميشال معيكي: ليتك سألتني مثلاً لماذا ترسُم تشكيلك Abstract؟  

زاهي وهبي: أجل أسألك 

ميشال معيكي: أسألني 

زاهي وهبي: تفضل، لماذا؟ 

ميشال معيكي: في صغري في المدرسة كنّا نلعب الكلّة Marbles وبلبل ولا أدري ماذا 

زاهي وهبي: كلّنا لعبنا الكلّة 

ميشال معيكي: وكنت أفوز، أربح وأُمزِّق جيبتيّ ولاحقاً تصرخ والدتي المرحومة عليّ قائلة، "تملأ جيبتيك كلل من كلّ جهة وتمزقهما"؟ المهم، آتي في المساء وأتمدّد على السرير وكان عندنا في البيت لمبة وليس مثل اليوم ضوء نيون ولا أدري ماذا

زاهي وهبي: أجل لمبة وبجانبها نوّاصة إذا تذكر 

ميشال معيكي: نضيئها في الليل 

زاهي وهبي: أجل في الليل وقت النوم وتكون إمّا حمراء أو زرقاء أو خضراء 

ميشال معيكي: أو خضراء إلى آخره 

زاهي وهبي: وتكون غرفة النوم في الليل لونها أحمر دائِماً

ميشال معيكي: صحيح، غرفتنا كانت صفراء. إذاً ألتقط الكلّة، وكما تعلم كلّ الكلل ألوان، فأنظر فيها وآخذ في برمها لملاحقة الألوان فيها والضوء يعكس على الكلّة وتصير ترى وكأنه سطح القمر أو قاع المحيط والبحر وتصير تتخايل أشياء غريبة عجيبة تستمتع بها وكأنك تشاهد فيلماً غرائبياً 

زاهي وهبي: من الجيّد أن والدتك لم تتهمك بأنك جننت 

ميشال معيكي: ربما اتهمتني ولم تقل لي كيلا تعقّدني ربما

زاهي وهبي: على كلّ حال "الفنون جنون" أليس كذلك؟ نشأنا على هذه المقولة 

ميشال معيكي: هذا شكل من أشكال الجنون. هذا الشيء لربما أدخلني أكثر في لعبة التجريد في اللون، اليوم إذا أردت أن ترسم مشهداً طبيعياً 

زاهي وهبي: ترسمه الكاميرا أحسن منّي ومنك 

ميشال معيكي: أحسن منك بكثير 

زاهي وهبي: والتجريد فيه حريّة أكثر صحيح؟ 

ميشال معيكي: جدّاً، حريّة لك وحريّة للمشاهد المتلقّي 

زاهي وهبي: ليفسِّر مثلما يريد، ليحس مثلما يريد. حسناً، سألناك عن الشعراء الأحب إلى نفسك، هل هناك رسّامون أثّروا أكثر من غيرهم بك؟ تركوا أثراً في وجدانك وفي ذاكرتك؟

ميشال معيكي: أُحب أعمال "ميرو" الإسباني الشهير، أُحب هذا النوع 

زاهي وهبي: "ميرو" الذي عنده شيء من الطفولة في أعماله 

ميشال معيكي: كثيراً، وجماليّته في هذه البساطة الصعبة، يعني ليس من السهولة أن تشتغل مثله 

زاهي وهبي: يعتقد المرء أن في إمكانه أن يرسم مثله ويحاول لكن لا يستطيع، السهل الممتنع 

ميشال معيكي: أستمتع باللوحات القديمة لـ "مونيه" و"مانيه" وما تريده

زاهي وهبي: ومن العرب أو اللبنانيين؟

ميشال معيكي: عندي صديق أُحب شغله، ولا نريد أن نُزعِل أحداً من أصدقائنا، كلّهم أصدقاء 

زاهي وهبي: لا، على سبيل المثال؟ 

ميشال معيكي: "شوقي شمعون" 

زاهي وهبي: الإسم معروف في عالم التشكيلي في (لبنان) 

ميشال معيكي: هو صديق كبير وأُحب شغله، "حليم جرداق" أُحبّ شغله، طبعاً الرسامون القُدامى مثل "مُصطفى فرّوخ" و"أمل الأُنسي" 

زاهي وهبي: طبعاً الروّاد

ميشال معيكي: روّاد النهضة الأولى في الرسم طبعاً أستمتع بهم لكن لا أُحب أن أرسم مثلهم 

زاهي وهبي: مثلما قلنا، كلّ جيل أو كلّ زمن يعبِّر في أسلوبه

ميشال معيكي: طبيعي، يُعبِّر تعبيراته التي يُحسّها والتي تكون موجودة. لكن ذلك لا يمنع أنّ التجريد كلغة تشكيلية عُرِفت منذ مئة سنة في (أوروبا). أعني واجهوا بعد الحرب العالمية الأولى الدادئيّة والسريالية وغيره وظهرَ هذا الفنّ الذي يُعبِّر عن رفضه لفترة الحرب ومآسي الحرب وقال إنّنا نريد أن نُشكِّل العالم

زاهي وهبي: رفض الإطار الرسمي لكلّ شيء تقليدي 

ميشال معيكي: كسّر التشكيل كلّه حتّى في الشعر وأنت تعرِف وأدرى الناس وحاول أن يخترع عالماً جديداً يختلِف عن العالم المأساوي الذي عاشه بين حربين دمّرتا خاصة (أوروبا) وخلّفتا ملايين الضحايا في (ألمانيا) وفي (روسيا) وفي كلّ (أوروبا)، فاتّجهوا لهذا العمل التجريدي 

زاهي وهبي: حضرتك أُستاذ جامعي في نفس الوقت، صحيح؟ 

ميشال معيكي: صحيح أنا أستاذ في "جامعة القدّيس يوسف" 

زاهي وهبي: ماذا تدرِّس في الجامعة اليسوعية؟ 

ميشال معيكي: أجل المعروفة بالجامعة اليسوعية، نعطي شهادة ماستر في التواصل والمادة التي أُعطيها هي مادة الإعلام التلفزيوني والعلاقات الدولية، وهما مدمجان في مادة واحدة لأنك لا تستطيع أن تقدِّم برنامجاً وتفصله عن بعضه البعض، إذا كنت تُقدِّم Talk Show مثلاً عليك أن تعرف جيو سياسية المنطقة 

زاهي وهبي: إذا كان الأُستاذ يُعلِم طلّابه، وهذا أمر بديهي، هلّ يتعلّم من طُلّابه؟ 

ميشال معيكي: أجل طبعاً. أحياناً الطالب 

زاهي وهبي: أجدك ابتسمت!

ميشال معيكي: لأنها تجربة حلوة، الطالب يفكِّر في أفكار أحياناً وفي أسئِلة 

زاهي وهبي: لا على البال ولا على الخاطر 

ميشال معيكي: أبداً، يُفاجئك في حشريّة هذه الأفكار ويُحرِّضك على التفكير. من أجل هذا أنا لا أتوقف عن القراءة في كلّ الاتّجاهات كي لا يحشرنا هؤلاء الطلّاب 

زاهي وهبي: نعم. على سيرة التواصل، كيف هي علاقتك بوسائِل التواصل الحديثة؟ 

ميشال معيكي: أنا أُمارسها كلّها، "الواتس أب" و"الفيس بوك" 

زاهي وهبي: ليس لأنك مثلاً 

ميشال معيكي: لا 

زاهي وهبي: لأن هناك الكثيرين من جيلنا ومن جيلك موقفهم حذِر إذا لم أقل رجعياً 

ميشال معيكي: أبداً أنا على العكس ممارِس نشيط على "الفيس بوك" وعلى "الواتس أب" وأُتابع الدنيا. اليوم يمكن أن تصلك مليون خبريّة ومليون قصّة من خلال هذا التواصل. يعني حسب طريقة استعمالك لهذه اللغة الجديدة الموجودة بين يديك، هذه الإمكانيّة التي وفّرتها لك الحضارة أو التكنولوجيا الحديثة استفد منها يا إنسان وتعلّم. أنا شعاري، "كن غداً أقلّ جهلاً من اليوم" 

زاهي وهبي: حلو، أنك في كلّ يوم يجب أن تضيف إضافة جديدة إلى معرِفتك  

ميشال معيكي: أن تتعلّم، من اللازم. هذا واجبك كإنسان لأنّ التطوُّر لا يتوقف 

زاهي وهبي: أشعر أحياناً أن الإنسان اليوم الذي لا يجيد التعامل مع وسائِل التواصل الحديثة مثل الإنسان الأُمّي الذي لا يجيد القراءة والكتابة في خمسينات أو ستّينات القرن الماضي 

ميشال معيكي: الأمر نفسه 

زاهي وهبي: أُستاذ "ميشال معيكي" إلى جانب العمل التلفزيوني والكتابة الصحافية والتعليم الجامعي هناك العمل الإذاعي أيضاً، عندك تجربة العمل الإذاعي ولا تزال إلى اليوم تُقدِّم "على مسؤوليتي" في "صوت لبنان". ما متعة العمل الإذاعي في عصر الصورة، في زمن التكنولوجيا التي نتحدّث عنها؟ 

ميشال معيكي: يخال البعض أنّ زمن الصوت انتهى مثلما انتهى زمن الكتاب. في الحقيقة لا الكتاب انتهى ولا الصوت انتهى بل على العكس، الصوت باق بقوّة. أعني أنت اليوم أثناء قيادتك لسيارتك، كم يمضي المواطن اللبناني من الوقت في السيارة في النهار؟ 

زاهي وهبي: وفي عجقة السير

ميشال معيكي: تقود حوالى ساعتين أو ثلاث كلّ يوم فماذا تفعل في السيارة؟ تسمع، السمع، إذاً الراديو أساسي، هذا أولاً. ثانياً، يوجد سحر في الإذاعة بينما كلّ شيء مُعرّى أمامك في التلفزيون، تشاهِد المذيعة والمُذيع بالصوت والصورة وتشاهد لون ربطة عنقه، فلا تتخايل

زاهي وهبي: يعني لا تزال الأُذن تعشق قبل العين أحياناً؟ 

ميشال معيكي: أولاً لأن الأمر أسهل، ثانياً لأن الصوت يحرِّك المخيلة عندك وهذا سحر فظيع. أعني أن تتعامل مع مخيّلتك أو تستعمل مخيّلتك لتفهم أكثر، ثم أيضاً تسمح لك أن تتعامل مع الصوت. هناك صوت إذاعي مُريح وهناك صوت إذاعي منفِّر ويؤذي 

زاهي وهبي: يكون قاسياً أو حادّاً 

ميشال معيكي: يؤذيك أجل، تحسّ كأنه مطرقة على رأسك وتريده أن ينتهي أو تطفئ الراديو عنه مثلاً. لا، الإذاعة مسألة جميلة جداً وتجربة جميلة. ألم تجرِّب الإذاعة على فِكرة؟ 

زاهي وهبي: نعم؟ 

ميشال معيكي: حضرتك ألم تجرِّب الإذاعة؟ 

زاهي وهبي: بلى جرّبتها طبعاً في "إذاعة الشرق" 

ميشال معيكي: متعة، فيها متعة للأُذن كبيرة جداً 

زاهي وهبي: طبعاً، والصوت يحلّ مكان حواس أُخرى كثيرة

ميشال معيكي: تماماً 

زاهي وهبي: أنا سُعِدت جداً في لقائِك وفي الحوار معك والإصغاء إليك  

ميشال معيكي: لو تدري كم أنا سررت لأننا رأينا بعضنا 

زاهي وهبي: وإن شاء الله يتكرّر اللقاء حين صدور كتابك 

ميشال معيكي: والله أنا أشكرك لأنك تدفعني للكتابة بسرعة لكتابي الشخصي 

زاهي وهبي: شرّفت أُستاذ "ميشال" 

ميشال معيكي: أنا ممتنّ لهذه الاستضافة وأُريد أن أُحييك وأُحيي جمهوركم وقناة "الميادين"  

زاهي وهبي: سعداء بوجودك، شرّفت 

ميشال معيكي: شكراً 

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. شكراً لفريق العمل والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله