حسن المطروشي - كاتب وشاعر عماني

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. شاعر متميّز مرموق يُعتبر من أبرز الأصوات الشعبيّة في سلطنة عُمان ومن الأسماء الحاضرة بقوّة في المشهد الشعريّ العربيّ المُعاصِر. تنوّعت موضوعاته وانشغالات قصيدته ضمن مروحةٍ واسعةٍ من القضايا والعناوين تبدأ بهواجس الكائِن الفرد ولا تنتهي باستحضار البيئة العُمانيّة الثريّة الواقعة على تقاطع حضاراتٍ وثقافاتٍ وصراعاتٍ لا تنتهي. بحّارٌ قرويّ غير متصالح مع المُدن كما يصف نفسه لكنّه جال الكثير من العواصم والمدائِن ونال الكثير من الجوائِز في (عُمان) والعالم. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُسعد باستضافة الكاتب والمُترجِم والشاعر العُمانيّ المتميِّز الأُستاذ "حسن المطروشي"، أهلاً وسهلاً شرّفت "بيت القصيد" 

حسن المطروشي: أهلاً وسهلاً، شكراً أُستاذ "زاهي". شكراً على هذه المُقدِّمة التي أعتبرها شهادة كبيرة في حقّي، شكراً جزيلاً 

زاهي وهبي: بكلّ حبّ واحترام. منذ طفولتك عاشِق للغة العربيّة حسبما قرأت، كيف بدأت علاقتك في اللغة؟ من أيّ باب دخلت إلى الكلمات والأحرُف؟ 

حسن المطروشي: كما تفضّلت حضرتك، هي منذ بواكير الطفولة جداً وبدايات المدرسة. أذكر أنني لم أكن طالباً ناجحاً بامتياز، ربّما من الطلبة الذين كانوا أقرب إلى الفشل في الدراسة، لكن كنت أنجح ولكن مع ذلك رغم إهمالي أحياناً وانشغالي عن المقرّرات الدراسيّة كلّها كنت أذهب خلسةً إلى مكتبة المدرسة

زاهي وهبي: وتقرأ ما هو غير مُقرر للدرس 

حسن المطروشي: أقرأ ما هو غير مقرر للدرس وكنت آخذ الكُتب الصغيرة عن "المُتنبّي" والشعراء العظام الكبار وأختلي بها في حين أهمِل المقرّرات، هذه كانت البداية 

زاهي وهبي: مَن أبرز الشعراء الذين تركوا أثراً عندما بدأ الوعي يتفتّح وبدأت تفهم اللعبة الشعريّة والصياغة الشعريّة؟ 

حسن المطروشي: في البدء كنت مفتوناً بـ "المُتنبّي"، فُتِنت جداً بحياته وشعره في البدء، ثمّ دخل على الخطّ أيضاً لاحقاً "أبو النواس" 

زاهي وهبي: أحببت شجون "أبو النوّاس" أم شيء آخر؟

حسن المطروشي: ليس الغرض وإنّما التقنيّة الشِعريّة، التجديد. شعرت أنه بدأ يُدخِل مفردة جديدة وبدأ يُطوِّر في قالب القصيدة ويُدخِلها طبعاً بثراء وتحوُّل، فشعرت عند "أبو النوّاس" تحولاً جديداً لم يكن قبلاً 

زاهي وهبي: نعم يعني جذبك وشدّك، شدّ انتباهك 

حسن المطروشي: نعم

زاهي وهبي: "مُكتفياً بالليل" عنوان أحد كُتُبك المتميِّزة وكُتِب عنه الكثير. أيّ "ليل"؟ ما هو ليل الشاعر؟ أيّ ليلٍ يكفي شاعراً مثلك؟

حسن المطروشي: سؤالك حقيقةً مُفخّخ، هو سؤالٌ واسع ومتشعِب ولكن الليل في تصوُّري هو هذه المساحة الشاسعة من الغموض ومن الانفتاح ومن السكون والهدوء التي تمنح الشاعر متّسعاً وفضاءً روحياً ربما يضيق عنه باقي الأوقات، الوقت المليء بالضجيج والحركة وصراع الإنسان هذا يُضيِّق قليلاً أمّا الليل في معناه الروحي والمعنوي هو ما يتّسع لأن أقول وأُمارِس كلّ إنسانيّتي وشِعري وتخيُّلي أيضاً 

زاهي وهبي: في المعنى الواقعي حضرتك كائن ليلي؟ يعني تكتب قصيدتك في الليل؟ طقوس كتابة أحكي

حسن المطروشي: القراءة عندي في الليل، أمّا القصيدة فلا طقس لها. ربما طقسها هو ما أشرت إليه حضرتك في البداية أنّني كائن أو إنسان قُروي. ربّما خرجت من بيتنا حين كنت صغيراً في عُمر الأربع عشرة أو الخمس عشرة سنة وما زال الطريق من قريتي في الشمال إلى (مسقط) الممتدّ حوالى ثلاثمئة كيلومتر أحد منابع القصيدة، فأشعُر دائِماً كلّما سلكت هذا الخطّ أنّ الذاكرة تعود إلى الوراء ثمّ تبدأ القصيدة. الكثير من القصائِد نبتت في هذا الطريق

زاهي وهبي: حضرتك من الجزء العُماني الأقرب إلى (الإمارات)، وحتّى علاقتك في الموروث الإماراتي والفولكلور والشِعر الشعبي أعلم أنها علاقة جيّدة. هلّ علاقة الشاعر عندك بالليل يجعلني أفهم أنّك تميل إلى العُزلة على عادة الكثير من الشعراء؟ بمعنى بعيداً عن صخب المُجتمع والعلاقات العامة والأقنعة الاجتماعيّة؟ غالباً ما ينفر الشعراء من هذه الأمور 

حسن المطروشي: نعم، فعلاً أنا شخصيّاً أميل إلى العُزلة وهذا شيء لم يأتِ من الآن ولم يستجِدّ معي، بمعنى أنني أصبحت أميل إلى العزلة او أنه خيار بإرادة، لا، حتّى منذ كنت صغيراً في القرية كنت دائِماً أشغُر أنني أحب العزلة وأنفر من الصخب. ليس لديّ أعداء كما يقول "الطرُمّاحة" بمعنى بُغض العامّة، ليس لديّ بُغض للعامّة وإنما أشعُر أنني في حاجة إلى الخلوة الخاصّة، فهذا كنت أُمارسه بحرفيّة تامة وفي دقّة منذ أن كنت طفلاً، وكانت خلوتي الكُبرى دائِماً مع البحر 

زاهي وهبي: اللحظة الشعريّة هي إبنة الواقع أم لحظة خارِج المكان والزمان؟  أعني عندما تأتي أو تهبط القصيدة أو الجُملة الشعريّة أتشعُر أنّها نوعٌ من الإلهام؟ 

حسن المطروشي: هي فعلاً كما أشرت حضرتك، اللحظة الشعرية هي خارِج الزمان والمكان، هي لحظة تجلّ، هي ربما تكون جزءاً من النبوءة إلى درجةٍ ما، يعني هي لحظة انسلاخ، لحظة انفلات قد يُشعِلها أو يقدحها أو يوقظها شذرة واقعيّة هنا وهناك ولكن لحظة الكتابة، هذا الانفجار الروحي وهذا التحوُّل، أنت تشعُر أنّ هناك بدأ يخرُج من داخلك إنسان آخر، يتولّد عالم في فضائه الخاص، في صخبه، في نوازعه، يعني لا تملِك إلّا أن تستسلم له. فعلاً هو شعور خارِج الزمان والمكان وفوق الطبيعة 

زاهي وهبي: في هذا المعنى، علاقة القصيدة في المكان، في البيئة، في بيئتها، وحضرتك مثلما أشرت في المُقدِّمة تتلمّس الكثير من عناصر البيئة العُمانيّة في شِعرك إضافةً إلى تنقّلك بين أمكنة متعدّدة وسَفَرك في مُدن وبلدان كثيرة. كيف ينعكس المكان في قصيدتك وفي نصّك؟ 

حسن المطروشي: المكان يأتي من الروح، المكان لم يعُد، حتّى المكان الذي أتحدّث عنه لم يعُد ذلك المكان كما هو وإنّما ربما أنا خُلِعت أو خرجت من هذا المكان ولكنّني حملته، حملته معي، حملته في تفاصيله. القرية الأولى في عصافيرها، في بحراتها في فقرائها في دراويشها في أمّهاتها وأغانيها ومواويلها وأحزانها وآلامها 

زاهي وهبي: كلّه مخزون 

حسن المطروشي: كلّ هذا مخزون، فهو يأتي من الداخل. ففي لحظة التجلّي الروحي ولحظة كتابة القصيدة تجده كلّه يثور متفاعِلاً في لحظةٍ ما 

زاهي وهبي: من المُدن التي علاقتك فيها جيّدة (بيروت) ولديك الكثير من الأصدقاء الشعراء والمُثقّفين. دعنا نذهب خارِج الاستديو في فقرة "قطع وصل" مع زميلتنا "سحر حامد" ونُصغي إليك معاً 

قطع وصل - حسن المطروشي: 

- الشِعر هو الشِعر لِذاته، الشعر لا يقبل الشُركاء. ليس من الضرورة أن يصطدِم الشعر أو الشاعر في السياسي أو في الواقع. الشعر هو أقرب إلى النبوءة، أقرب إلى الروح، أقرب إلى ما هو داخلي وعميق أمّا السياسة فلها ناسها، لذلك لا يُمكن أن نُقارِن هذه بتلك وهما فضاءان مُختلفان جداً وكثيراً ما يكونا على طرفيّ نقيض أو ربّما متصادمين 

- إلى أيّ مدى يستطيع الشاعر أن يُثوِّر اللغة، أن يُفجِّرها، أن يبتكر منها عوالِم خاصّة، هذا مرهون بقُدرة الشاعر وموهبته وإيمانه بالقضيّة أو بالمعنى الذي يشتغل عليه 

- أنا من الذين يصعُب عليهم التعبير عن مشاعرهم في الحياة العامّة. لا أدري سبب ذلك طبعاً ولكن ربّما هذه ترجع إلى طفولتي وكذلك ميولي للعُزلة فأنا قليل الكلام كما هو معروف عنّي، قليل الكلام خاصّةً في ما يتعلّق بمشاعري الخاصّة، وأحاسيسي كثيراً ما ألجمها وتظلّ حبيسةً في نفسي 

سأعود إلى الملكوت 

ليس ثمّة ما يُغري في هذا العالم يا أُمّي 

لا الحرب ولا الكهنوت 

هيّا قومي سنعود لبطن الحوت 

- الكلمة التي أُحبّها أكثر من كلّ الكلمات هي كلمة الأُمّ وذلك لأسباب كثيرة حقيقةً ربّما تعود إلى بدايات طفولتي وارتباطي بأُمّي في غياب والدي وكذلك مُغادرتي المنزل من قريتنا المتواضعة بحثاً عن لُقمة العيش وأيضاً ربما مدفوعاً بجنون الشعراء المُبكر، وبالتالي ظلّت الأُمّ مُفردة عميقة في دلالاتها، في ذاكرتها، في حنينها، في حزنها، في كلّ جماليّاتها. عندما أقول الأُمّ أشعُر بأنّ كلّ عذوبة اللغة وحنينها وجمالها هو التجسُّد في هذه المُفردة 

زاهي وهبي: الأمّ واللغة، ليس بالصدفة نقول اللغة الأُمّ عن لغة الإنسان الأولى. هلّ يُعوِّض الشِعر، قبل أن نطلب منك أن نستمع إلى شيء من ِشِعرك، هلّ يُعوِّض الخسارات؟ هل يوجد تعويض ما؟ 

حسن المطروشي: هو حقيقةً، عادةً عندما يكتُب الإنسان لا يوجد في ذهنه تعويض، وأعتقد في الكثير من الأحيان تكون الكتابة هي ارتكاب لخسارات أكثر مما هي أرباح أو شيء آخر

زاهي وهبي: هلّ نسمع لو سمحت شيئاً من الشِعر؟  

حسن المطروشي: إن شاء الله، حاضر 

زاهي وهبي: من أيّ ديوان؟ "مكتفياً بالليل"؟ 

حسن المطروشي: دعني أقرأ القصيدة، نعم "مكتفياً بالليل" هو الذي بدأت من السؤال عنه، القصيدة في عنوان " مثلُ لصٍّ يُغرِّر باليائِسات" 

زاهي وهبي: تفضل 

حسن المطروشي: 

أنا المتعاظم في وِحدتي            سمّني خاتمَ الأشقياء

أنا الخارجيّ المُطاردُ              من ورَدَ اسميَ في العهد 

من طوّرَ الفِرقة الناجية 

سكنتُ الذرى                     وكبرت مع الريح والماشية 

ولخفّة الضبعِ قرب الينابيع         لي في النوائِح مُرضِعةٌ 

والعواصف أرملتي الثانية 

نهاري بلا جهةٍ                   مثلُ لصٍّ يُغرِّر باليائِسات 

وأُمسي على وجلٍ                 أحرِس الهاوية 

أنا رجلٌ طيِّبٌ                    أتلفّتُ عند عبور الطريق 

حذارَ التصادم بامرأةٍ في الزحام          لئلّا يزلّ الرصيف 

ويُربِك خطوتها الصافية 

أتيتُ إلى أرضكم                 من جروح أصابع أُمّي 

وأدركتُ في مولدي الغاشية        تجول الجيوش بصدري 

جيوشٌ تُطارد طيف إلهٍ مُسنٍّ       وأُخرى مُدجّجة بالكلاب السمان 

تُفتِّش عن طاغية 

زاهي وهبي: جميل. دائِماً الشعراء علاقتهم بالأُمّ والأمومة، وما تعنيه الأُمومة من قِيَم من معان، علاقة مُختلفة. ما السرّ؟ 

حسن المطروشي: السرّ هو شيء من الصعب الحديث عنه، شيء عميق جداً 

زاهي وهبي: لا يُفسَّر؟ 

حسن المطروشي: صعب تفسيره أعتقد لكلّ شاعر، حتّى أستحضر الآن الكثير من نوابع العالم صنعتهم الأُمّهات. طبعاً لا نُنكِر دور الآباء في طبيعة الحال ولكن أنا شخصيّاً ربّما في مرحلة من طفولتي، وهذا ذكرته سابقاً، طبعاً بحُكم حياة العُمانيين سابقاً كان الوالد يبحث عن الرزق 

زاهي وهبي: كان بحّاراً 

حسن المطروشي: بحاراً وأيضاً كان يسافر لدول أُخرى بحثاً عن الرزق. مما أذكره نومي مع الوالدة على رمل البحر أمام بيتنا البسيط وكانت تُغنّي كلّ ليلة للقمر بأن يذهب ويرجع بوالدي، فكنت أنام على هذا الحُلم 

زاهي وهبي: مخيّلة شعريّة تعني 

حسن المطروشي: طبعاً مخيّلة شعريّة نعم، فكنت أُشاهِد النجوم، تحسِب لي النجوم والأقمار والبحار وتُحدّثني عن الأمواج وكلّ الحكايات المغروسة في ذهني. ما يحدَث فقط أنني عندما أصحو في الصباح الباكر أُصاب بهذه الخيبة التي يكابدها الطفل مع أمّه لأنّ الوالد لم يرجع والقمر غادر. كنت أعيش هذه الصورة 

زاهي وهبي: ولم يُلبِّ هذه الأُمنية، أمنية الوالد        

حسن المطروشي: هذه من بعض الأشياء المغروسة في الداخل طبعاً

زاهي وهبي: هلّ تفعَل القصيدة؟ بمعنى أنّها تأتي بالغائِبين؟ تصنع المُستحيل؟ هلّ تصنع المُستحيل القصيدة؟ 

حسن المطروشي: طبعاً القصيدة هي البوّابة العُظمى في نظري التي تخرُج إليك فجأة منها كلّ هذه الوجوه الغائِبة 

زاهي وهبي: نعم 

حسن المطروشي: وتستحضر هذه الأرواح والأصوات والمُدن في لحظة التجلّي التي تحدّثت حضرتك عنها في السابق، ففعلاً القصيدة بركان عظيم يُخرِج كلّ هذه الأصوات من عُمق ذاكرتك ووجدانك، من خلف الزمان ومن قلب المكان والسنين، فتطلّ معك في القصيدة. فالقصيدة باب عظيم وفعلاً هي لا تُعوِّض ولا تُحضِر ولكن في شكلٍ أو آخر تستحضر هذه الوجوه، تعيش معها، والقصيدة تعيش 

زاهي وهبي: نعم. رغم أنّك تصف نفسك، مثلما قلنا في المُقدِّمة ومثلما ذكرت حضرتك، بحّار قروي غير متصالِح مع المُدن لكن يبدو أنّ (مسقط) استطاعت أن تُصالِحك معها. أنا من مُحبّي هذه المدينة والعاصمة الجميلة وكتبتها، كتبت (مسقط) في قصيدة "شروق" مثلاً، يعني (مسقط) حاضرة بقوّة. هلّ قادرة (مسقط) على أن تجعلك تُحبّها؟ 

حسن المطروشي: (مسقط) لها علاقة خاصّة، و(مسقط) إلى الآن ورغم كلّ شيء، رغم التقدُّم الهائِل الذي حصل فيها

زاهي وهبي: لم تغزِها الحداثة المُشوّهة كما أُسمِّها

حسن المطروشي: إلى الآن ما زالت متمسّكة بروحها القديمة، وهذا طبعاً ضمن الخطط التنمويّة لـ (مسقط) التي تعتمدها الجهات الرسميّة لدينا في أن تحتفظ هذه المُدن بروحها وأصالتها، ولذلك حتّى جزءاً من طفولتي، من عمر أربع عشرة أو خمس عشرة سنة في (مسقط)، هي جزء من هذه الذاكرة ويبقى حنيني دائِماً خارِج (مسقط)

زاهي وهبي: مع ذلك

حسن المطروشي: نعم

زاهي وهبي: بحر (مسقط) عوّضك بحر القرية؟

حسن المطروشي: لا

زاهي وهبي: أبداً  

حسن المطروشي: أبداً

زاهي وهبي: لأن شواطئ مسقط صخرية؟ 

حسن المطروشي: فيها صخور، في أماكن ما تلتقي الصخور بالبحر. القضيّة ليست وجود الماء والرمل والبحر، القضيّة وجوديّة روحيّة إنسانيّة لأنّ البحر الذي أتحدّث عنه في القرية الصغيرة مكان مسكون بأصوات ومسكون بذاكرة ومسكون بأُناس ومسكون بوجوه وبأحداثنا وأولى الخطوات، أوّل نسيم، دعني أقول أوّل صوت سمعته بعد ولادتي، ربما كان والدي حينها مُسافِر، سمعت صوت 

زاهي وهبي: الموج والبحر

حسن المطروشي: نعم، أول ما سمعته في هذا الوجود وفي هذه البقعة وبالتالي صخبه ما زال، يعني لا يعوّضه أيذ بحرٍ من البحار 

زاهي وهبي: تُميِّز هذا الصوت عن أيّ صوتٍ آخر في أيّ بحرٍ آخر أو مدينة  

حسن المطروشي: نعم، رائِحته وكلّ شيء 

زاهي وهبي: رغم شعوري بأنّ نظرتك الشعريّة وأفكارك الشعرية أقرب إلى منظّري الحداثة الشعريّة ومنظّري الشعر الحرّ وقصيدة النثر ولكن اكتفيت حضرتك بأن تكتب فقط الشِعر التفعيلي والشِعر العامودي التقليدي، لم تقترب من الشِعر الحرّ أو ما يُعرَف باسم "قصيدة النثر". هذا موقف منها رافِض لها أم ماذا؟ 

حسن المطروشي: لا أُحب المواقف الرافِضة إطلاقاً لأنّ هذا فضاء إبداعي والإبداع يتّسع للجميع. في المناسبة ربما قراءاتي خلال العشر سنوات الماضية أغلبها، لا أقول كلها، أغلبها في قصيدة النثر 

زاهي وهبي: لاحظت ذلك 

حسن المطروشي: طبعاً 

زاهي وهبي: لاحظت من المُفردات التي تستخدمها بصراحة 

حسن المطروشي: صحيح، وأنا عاشِق لقصيدة النثر، أحبها وهي فضاء جمالي وإضافة إلى الشِعريّة العربيّة. شخصياً لا أشعُر أنّ عندي الإمكانيّة ورحم الله امرئٍ غرف قدر نفسه، أشعُر أنّ قصيدة النثر تحتاج إلى تقنيّة قويّة جداً في اللغة ولا أجد نفسي في كتابتها ولديّ الإمكانيّة للخوض في هذا الغمار. هذا فقط بكلّ صراحة

زاهي وهبي: من شعراء التفعيلي، شعرت وأنا أقرأ بعض قصائِدك، وأنا أسمع قبل قليل القصيدة التي ألقيتها، كأنّ "محمود درويش" ترك أثراً فيك، صحيح هذا الانطباع؟      

حسن المطروشي: والله هذا الأثر ربما قيل لي حتّى قبل أن أقرأ. أحد النُقّاد قرأ مجموعتي الأولى التي هي "وحيداً كقبر أبي"، كتبتها قبل أن أطّلِع حتّى على تجربة "درويش". ربما هناك تقارُب في اللغة، نحن نكتب بلغة روحيّة فيها شيء من الغنائِيّة، فيها من التجديد، وحتّى لغة "درويش" عندما أقرأها أجدها تجدّدت، من مرحلة إلى مرحلة مختلفة جداً 

زاهي وهبي: طبعاً اختلفت المراحل بين وجوده داخل (فلسطين) وبين وجوده في (بيروت)

حسن المطروشي: أنا تأثرت في البداية لنكون صريحين، يعني في بداية قراءاتي تأثرت بـ "نزار قبّاني" 

زاهي وهبي: نعم

حسن المطروشي: وربّما حتّى "درويش" هو من الناس الذين أيضاً تأثّروا بـ "نزار قبّاني" وقالها أيضاً 

زاهي وهبي: على كلّ حال جميعنا تأثرنا، أنا أسميه ممراً إجبارياً "نزار قبّاني". في مرحلة من المراحل لا بدّ لأي شاعر أن يمُرّ بـ "نزار قبّاني" 

حسن المطروشي: نعم، وأيضاً "الماغوط" تأثرت به كثيراً طبعاً وبالمُترجِم "فودلير" وغيرهم. فبالتالي هؤلاء خليط من اللغة الروحيّة التي فيها أيضاً حنين وفيها غنائية وهذا الاشتغال، نحن في جوارهم أعني 

زاهي وهبي: يعني متأثر حضرتك بـ "نزار قبّاني"، امرأة "نزار قبّاني" امرأة محسوسة وملموسة، امرأة من جسد وقوام مادّي، مئة في المئة القصيدة حسّية 

حسن المطروشي: صحيح 

زاهي وهبي: بينما المرأة في شعرك نشعُر أنّ فيها شيء من الطيفية الأثيريّة، مسحة قداسة في بعض الأحيان. هلّ صحيح هذا الأمر؟ 

حسن المطروشي: صحيح نعم. طبعاً أنا مرجعيّاتي أولاً وطبعاً تأثّري الأول، وإن ترك بعض آثاره على تجاربك، لكن أنت بوعيك وتقدُّمك في التجربة تتخلّص من الكثير من هذه الجوانب، لكن أنا أتيت بها في سبيل الاعتراف أنني في لحظةٍ ما أنا من الناس الذين تأثّرت بهم نعم. ربما أعود مُجدّداً لطبيعة الحياة والسفر والغياب

زاهي وهبي: والأم ربّما

حسن المطروشي: غياب الأمّ دائِماً ظلّ أشبه بالطيف ولم تكن لديّ تلك العلاقات أو ربما حتّى على مُستوى الواقع الاجتماعي لا يُهيّئ، كيلا يكون المرء يكذب على نفسه، لأن يكتُب في الطريقة التي يكتبها "نزار" وأنا أعيش في مُجتمع، حتّى وإن سافرت ورحت وأتيت وكذا لكن الكتابة يجب أن تكون إلى درجةٍ ما صادقة ومتصالِحة 

زاهي وهبي: يعني "نزار" ربما ينتمي إلى طبقة مُخمليّة أرستقراطيّة 

حسن المطروشي: طبعاً 

زاهي وهبي: بينما نحن أتينا من منابت مختلفة دعني أقول. نسمع قصيدة قصيرة قبل أن نتوقف مع استراحة؟ 

حسن المطروشي: إن شاء الله، حاضر

زاهي وهبي: لو سمحت 

حسن المطروشي: 

يمُرُّ طريق الحرير على بابنا       قاب سبّابتين

تجيء القوافل من جهة الشرق           مكتظّةً بالتوابل والهاربين

تجيء الفيالق من (حضرموت)          محمّلةً بالرصاص وبالقات 

تأتي البوارج من مُدن الليل        آهلةً بالغُزاة وبالمُبعدين 

لكي يرثوا أرض أجدادهم           عندما يصلون إلى الشرق 

تجيء القوافلُ قادمةً من بلادٍ هناك  مُحمّلةً بفتاوى التمتُّع والرجمِ 

تأتي البواخرُ مُبحِرةً من (سمرقند)        مُكتظّةً بالجواري لقصر الخليفة 

تأتي النيازكُ من قارةٍ لستُ أذكرها  وتدِكّ الطريق على رأسنا 

وتمرّ التواريخُ محمولة             فوق دبّابتين 

أمُرّ أنا نازِحاً من كهوف التواريخ   أثغو ككبشٍ تزوّج من غابتين 

زاهي وهبي: جميل. نُتابع ولكن لو سمحت لي بعد استراحة سريعة نتابع "بيت القصيد" 

المحور الثاني

قطع وصل - حسن المطروشي:

- اضطراراً أعيش في المدينة ولكنّي من الفئة دعنا نقول الذئبيّة البريّة التي لا تتصالح كثيراً مع المُدن وإن اضطررت للعيش فيها

- أكثر ما أحنّ إليه في مسقط رأسي هو البحر. البحر هو رفيقي الأزلي، هو جدّي وكان والدي في غيابه وأخي أيضاً الأكبر، هو الحكيم الذي ألهمني الكثير من الجمال والحِكمة والآن يُلهمني الحنين   

- الطفولة ربما كانت ممهورة كثيراً بطابع الحُزن، الحُزن الغامض الذي كان يتسرّب إلى الروح. لسبب أو آخر عندما أُراجِع نفسي الآن أقول" ما الذي كان يدفعني في ذاك اليوم وتلك اللحظة التي كنت أجلِس فيها في المكان الفلاني لأشعُر بذلك الحزن العظيم"؟ هي طفولة فيها الكثير من الشقاء وفيها جزء من البؤس أيضاً وفيها جوانب جميلة أيضاً لا أُنكرها ولكن ربّما كان طابعها الأبرز هو الحُزن

- أوّل قصيدة لي كتبتها في عمر مبكر جداً، وأنا دائِماً أعتقد أنّ الشاعر يولَد شاعراً. أتذكّر الآن الإرهاصات الأولى والبدايات الأولى للقصائِد التي رافقت مرحلة البحر، أعود مجدّداً، وربّما كأيّ طفل في سنّ مراهقة أولى يبدأ بطبيعة الحال في قصيدة أقرب إلى العاطفة أو شيء من هذا القبيل، قصيدة عاطفيّة 

- بكلّ تأكيد أُحبّها، هي تُمثِّل لي المُغامرة الأولى في الشعر وهي أشبه بأيّة مُغامرة جميلة في الحياة تبدأها للمرّة الأولى وتستشعر عذوبتها ولذّتها، قصيدة أُحبّها وتعني لي الكثير، نقشتها على رمل البحر وهي أثق أنّها ما زالت موجودة في المكان الذي نقشته فيه وأيضاً في وجداني

زاهي وهبي: دائِماً البدايات يحملها معه الإنسان، خصوصاً الشعراء، يحملون طفولتهم كما يُقال. إلى أيّ حدّ دائِماً تحمُل معك ذاك الطفل، وإلى أيّ حدّ الطفولة ضروريّة؟ 

حسن المطروشي: استحضر الآن قول أحد الفلاسفة، "لكي نظلّ أطفالاً لا بدّ أن نلعب" 

زاهي وهبي: نعم 

حسن المطروشي: الطفولة هي رغبتك الدائِمة في الكشف والبحث والمعرِفة. هي في نظري وفي المعنى الشعري لا تقتصر على مرحلة زمنيّة مُعيّنة وإنّما أنت تصطحبها في شكلٍ أو آخر، تصطحبها في رغبتك في الاكتشاف، في الدهشة، رغبتك في المعرِفة وفي الجمال أيضاً لأنّه عندما تفقد كلّ هذه المُقوِّمات تجفّ تماماً كلّ ينابيع الشِعر من داخلك وبالتالي مُمكن أن تكونَ أيّ كهل على مقعَد في مكانٍ ما ولكن تماماً ليس هو الشاعر       

زاهي وهبي: قلنا في القسم الأول إنّ الشاعر يكتب الخسارات أكثر مما يكتُب الانتصارات، ربّما يكتب الأتراح أكثر مما يكتب الأفراح. سؤالي الآن لماذا؟ 

حسن المطروشي: والله أنا مرّة كنت أقرأ لأحد الأعراب، كانوا يسألونه "ما بال رثاءكم أجود أشعاركم عندما تكتبون الرئاء"؟ يقول، "نكتبها وأكبادنا تحترق". فهذا يُفسِّر ربما جزءاً من طبعاً الشاعر. الشاعر ليس مهرِّجاً، أعني التهريج له مجاله بينما الشِعر له فضاؤه الذي 

زاهي وهبي: لأنه ليس عملاً ترفيهياً فقط 

حسن المطروشي: أحسنت، ليس عملاً ترفيهياً وإنّما أنت فعلاً تؤرِّخ لهذا الجانب الإنساني الموجود فيك، ربما هي الخسارات، الفتوحات، الآلام ربّما، هي ما تفرضه عليك الكتابة. ربما لا تجد الإنسان وهو يرقُص ويُغنّي ويبتهِج يذهب ويكتب قصيدة حقيقية 

زاهي وهبي: ربّما يُفضِّل حينها أن يستغرِق في الحال التي هو يعيشها إن كانت سعيدة  

حسن المطروشي: طبعاً، لكن نحن لا نقول إنّ الشعراء يكونون في ضرورة الواقع مكتئبين، هم يعشقون ويُحبّون الجمال وهُم في تصوّري يُكمِلون جزءاً من الرسالات العُظمى للفلاسفة والنبوءات في خلق الخير والجمال وبناء الجمال في داخل الإنسان، وهم يسعون إلى هذا مقابل مُحاربة الشرّ والقباحة في الوجود، وبالتالي رسالتهم عُظمى لكنّهم يحزنون وفي اللحظة هنا ربما تكون أكثر وقعاً 

زاهي وهبي: يُقال أنّه مثلاً لو "قيس" تزوّج "ليلى" لما كان ربّما كتب أو قال كلّ ما قاله، لم تكن كتابة حينها، أعني لما أنشد كلّ القصائِد التي أنشدها أو آخرين 

حسن المطروشي: و "المُتنبّي" أيضاً، لو نال حظّه من الحُكم

زاهي وهبي: للوصول إلى ما يبتغيه 

حسن المطروشي: صحيح، وبالتالي هذه المُكابدة والهاجس تبقى تُلِحّ وهي ما يخلق ويُبقي جذوة الإبداع حيّة وطازجة 

زاهي وهبي: أشرت إلى عنوان كتابك "وحيداً كقبر أبي"، لماذا هذا الشعور؟ لماذا وحيداً؟ هلّ غياب الأب ترك كلّ هذا الأثر؟ 

حسن المطروشي: هو ربّما من أكثر دواويني حزناً، تجد الدواوين الأُخرى تخلّصت من هذه النبرة 

زاهي وهبي: معقول المرحلة الزمنيّة التي كتبتُ فيها؟ 

حسن المطروشي: نعم، في تلك اللحظة، وأخذت العنوان ربّما من لحظة كئيبة جداً، كيلا أُحوِّل البرنامج إلى لحظات بؤس. ولكن العنوان ذاته جاء من قصيدة وهي للأسف غير موجودة الآن، جاء من قصيدة في هذا العنوان، وأتيت بها لحظة ودّعت والدي في الضريح، فنظرت إلى القبر في تلك اللحظة، نظرت في رؤية مُختلفة، شعرت أنه على الرغم من كلّ الموجودين

زاهي وهبي: شعرت أنّك وحيد 

حسن المطروشي: أنني وحيد وشعرت بوِحدة الكائِن أيضاً 

زاهي وهبي: بوحدة المتوفّى 

حسن المطروشي: نعم برغم كلّ الذين حوله. هنا في لحظةٍ ما تُصبِح هذه العزلة والوِحدة أبدية وقاسية ومظلمة ومتّسعة، شاسعة في شكلٍ هائِل. شعرت فيها وحصل عندي نوع من التماثل، فجاءت القصيدة "وحيداً في قبر أبي" 

زاهي وهبي: نعم. "كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة"، المقولة الشهيرة لـ "النفّري". هلّ تعيش لحظات مُشابهة؟ بمعنى أنّك تشعُر أنّ اللغة أعجز من أن تقول ما لديك؟ ما يعتمِل في نفسِك وداخلك؟ 

حسن المطروشي: نعم. في حالات كثيرة أنت تشعُر أنّ هناك قصوراً وهناك عجزاً وأنّه مهما عبّرت وقلت، وحتّى وأنت تقرأ لشاعر عظيم رغم قدرته على تثوير اللغة وتفجيرها تشعُر أنّه ربما ما كان يدور في ذهنه وما يعيش في داخله شيء أقوى وأعظم مما قاله، حتّى ليس فقط الشاعر "حسن" بل عظماء الشعراء، أشعر أنّه ربما ما كان في داخلهم لو أُعطوا وسائِل أُخرى من التعبير خلافاً للغّة ووسائِل أُخرى غير اللغة ، لربما خرجوا بأشياء أعظم 

زاهي وهبي: من أجل هذا نرى شُعراء يذهبون أحياناً إلى الرسم، شعراء يذهبون إلى كتابة الرواية. هلّ فكّرت في كتابة الرواية؟ بمعنى أنّ الرواية يستطيع الشاعر أن يقول فيها أشياء ربّما القصيدة لا تتّسع لها 

حسن المطروشي: أنا قراءتي في الرواية قليلة جداً، ربما أشياء محدودة جداً وقديمة، لستُ متابعاً جيّداً للرواية مع احترامي، بمعنى أنّني لا أقرأها كثيراً هذا لا يعني أنني ضدّ هذا الفنّ أو غير ذلك، ولكن أنا قراءاتي ربّما أُحب أن أقرأ أكثر في الفِكر، في الفلسفة، في اللغة، في التاريخ، في الشِعر. أنا أُمارِس القراءة كمُتعة فأجِد متعتي في هذه القراءات أكثر مما أجدها في الرواية

زاهي وهبي: تستخدم تعابير مثل "تثوير اللغة" و"تفجير اللغة"، يعني مُصطلحات "أدونيس" وجماعة "مجلّة شِعر"، "يوسف الخال" و"شوقي أبي شقرا" و"أنسي الحاج". كيف هي علاقتك ليس كشاعِر تكتب قصيدة نثر، علاقتك بالإنتاج، يعني ما أنتجته الحداثة الشعريّة العربيّة في هذا المجال 

حسن المطروشي: نحن لا نستطيع إلّا أن نكون أبناء الحداثة، نحن نعيش في عصر الحداثة شِئنا أم أبينا رغم أنّه في نظري مشروع الحداثة وصل إلى مرحلة متقدِّمة جداً ولكن ضمن سياق اللحظة والتاريخ تراجع الآن وللأسف أقولها طبعاً 

زاهي وهبي: أنا أوافقك هذا التوصيف

حسن المطروشي: نعم 

زاهي وهبي: من أجل هذا إذا تُلاحِظ عاد الشِعر التقليدي اليوم مع مرحلة التراجع، عدنا يعني نكتب كما كتب الأسلاف ولكن أقلّ ودون ما كتبه الأسلاف 

حسن المطروشي: طبعاً. فعلاً هذه ضمن سياق منظومة حضارية متكاملة، تراجع هذا ولكن علينا أن نكتب. "بريخت" يقول: " لن يقولوا أنّه كان زمناً رديئاً إنما سيقولون صمَتَ الشعراء". يجب ألّا يستسلم الشاعر وأن يكتب وأن يواصل مشروعه كما هو 

زاهي وهبي: أشرت في "قطع وصل" إلى أنّ السياسة في معناها المُباشر قد لا تعنيك، لكن هذا الواقع الذي نعيشه، الواقع العربي خصوصاً، بما فيه من خراب ومن دمار ومن حروب ومآسٍ وتراجُع ألا ينعكِس عليك كشاعِر وعلى نصّك الشِعري؟ 

حسن المطروشي: طبعاً بكلّ تأكيد. ربّما ينعكِس في شكلٍ آخر لأنّ القصيدة هي مرآة، أنت تُفتّت الواقع عليها وتنعكِس في شكلٍ مُختلِف. ربما يقولون أنت لم تهجو فلاناً ولم تمدح فلاناً ولم تتحدّث عن القضيّة الفلانيّة. لو نظروا بعين الشاعر تجاه هذا الواقع المفتّت والمُشتّت والبائِس لرأوا انعكاس هذا الواقع في القصيدة وفي النص، وبالتالي نحن أبناء اللحظة سواءً بصفتي إنساناً ومواطناً عربياً وبصفتي إنساناً متابعاً للشأن الثقافي وأزعُم أنّني في هذا المركب، وكشاعِر. كيف لا أشعُر بطفل يجوع؟ كيف لا أشعُر بأُمّهات يُغادرن أبناءهنّ ويبتنَ الآن في العراء من دون كساء ومن دون مأوى، تتلقّفهم البُلدان والمهاجِر 

زاهي وهبي: والغرقى في البحار 

حسن المطروشي: والغرقى في البحار يموتون يومياً. لا يعنيني معارضاً أو مع نظام أو ضده، يعنيني الإنسان، هذا بكلّ تأكيد يعنيني ولكن أُحاول ألّا أنزلق في هذه 

زاهي وهبي: المتاهات السياسية 

حسن المطروشي: في نصّي الشعري. النصّ في نظري 

زاهي وهبي: لا تحوِّل القصيدة إلى بيان أو مقال سياسي 

حسن المطروشي: نعم هذا فضاء آخر وإنما نحن نُحاول أن نبتكر من هذه الروح كلّها جنساً من الجمال 

زاهي وهبي: قبل أن أطلب أن نستمع إلى نصٍّ آخر، المشهد الشعري والثقافي في (عُمان) و(مسقط) العاصمة، هل تنظر إليه في عين الرضا أم تتمنّى لو كان أكثر ربما حيويّة وازدهاراً؟ 

حسن المطروشي: المشهد الحمد لله عندنا في (عُمان) مشهد نابض جداً وفيه شعراء مهمّون على كلّ المُستويات سواء قصيدة النثر التي فيها رموز وشعر التفعيلة والقفّة وغيره. أيضاً في الرواية 

زاهي وهبي: الفائزة في جائزة "بوكير" العالمية 

حسن المطروشي: نعم مع الأُخت الصديقة الدكتورة " جوخة الحارضي" طبعاً، هي رمز عربي أصبحت وعالمي 

زاهي وهبي: أيضاً السيّدة "بُشرى خلفان" روائِيّة ممتازة 

حسن المطروشي: وروائيون مهمّون جداً مثل السيّد "محمود الرحبي" وغيرهم. لا يسعني في هذه العُجالة أن أُعدّد أسماء في الشِعر وفي الرواية

زاهي وهبي: نعم، وكان لنا شرف استضافة بعض الأسماء العُمانية 

حسن المطروشي: حقيقةً لدينا في (عُمان) مُشكلة واحدة، أنّ العُماني في طبيعته، وهذه مسألة تاريخية 

زاهي وهبي: هادئ وخجول 

حسن المطروشي: هادئ وزاهد، حتّى أحياناً 

زاهي وهبي: حلو الزُهد على كلّ حال

حسن المطروشي: صحيح. هذا الذي لا يجعل الصوت العُماني يبرز وربما أنا لستُ من أفضل الشعراء في (عُمان) حقيقةً، هناك من هم أفضل منّي بكثير ولكن ربّما أنا صوتي ظاهر لأنني أُشارِك وتأتيني دعوات وأحصل على فُرَص وهكذا، يعني أشتغل على تجربتي في شكلٍ آخر لكن حتماً هناك في (عُمان) من هو أفضل بكثير

زاهي وهبي: نحن في "الميادين" وفي "بيت القصيد" في شكلٍ خاص نُحاول الإضاءة قدر المُستطاع على الأصوات الإبداعية العُمانيّة، وكانت "شميسة النعماني" من الأصوات الجميلة في هذا البرنامج 

حسن المطروشي: صحيح

زاهي وهبي: ونقول هذا الشيء من دون منّه أو جميل، واجبنا، ونحاول دائِماً، إن شاء الله أيضاً في المستقبل يكون لنا مزيد من الضيوف ونتعرّف على تجارب وعلى مبدعين عُمانيين 

حسن المطروشي: إن شاء الله     

زاهي وهبي: تفضّل لو سمحت 

حسن المطروشي: ننوِّع 

زاهي وهبي: طبعاً. من ديوان "لديّ ما أنسى"  

حسن المطروشي: قصيدة بعنوان "سواد"

ليس بيني وبين الملوك سوى خادمين

أُعيرهما كسلي في الحلاقة         

 أو سكرتي في المِداد 

الرياح دوابّي                      

إذا مسني طائف الشعر      

أطلقتها في مراعي الفؤاد                 

الجبال حمير أبي                 

مات من قبل أن يبلغ الحقل

أسقطنه يابساً وشهقن   

الغيوم جناحيّ في سلّم العثرات 

أو الطرقات القصيرة نحو البنوك 

النساء دروبي التي حنثت بالدليل 

قبيل وصول البلاد

البحار قميصي المُذهّب 

علّقه الظاعنون الأوائِل 

في مسجب الريح 

واقتتلوا تحته نحو مائة عام 

فكنتُ وصيّ الحِذات 

ولذا لن يُباغتني 

إن جرى مالِح الكلمات عتيّاً

وأغرقَ حنجرتي بالسواد 

زاهي وهبي: جميل. نلت الكثير من الجوائِز داخل (عُمان) وخارِجها، ومن بينها جائِزة في (إيطاليا)، في مهرجان شعر عالمي أو مُسابقة شعر مهمّة. الجوائِز ماذا تعني لك كشاعِر؟ 

حسن المطروشي: في الحقيقة ربما أكون أنا من صنيع الجوائِز، من الأسماء الذين صنعتهم الجوائِز حقيقةً فالجوائِز قدّمتني. أذكُر في أولى الجوائِز كانت مسابقة "المُبدعون" في (دبيّ) التي تحوّلت في ما بعد إلى جائِزة (دبيّ) الثقافية. عام 1999 ربما فزت أنا ومجموعة من الشعراء، أذكُر هذه القصّة. ذهبت إلى (بغداد) عام 2000 في مهرجان (المربد) فوجدت شيخاً معمّماً، قال لي: "أنت حسن المطروشي" العُماني؟ كنت حينها 

زاهي وهبي: نعم، في البدايات 

حسن المطروشي: قال: "أنت من مجموعة "المبدعون" الذين فازوا في (دُبيّ)؟ 

زاهي وهبي: إذاً الجائِزة تُساهم في تسليط الأضواء على الشاعر 

حسن المطروشي: تماماً 

زاهي وهبي: أو تعريف الناس والقرّاء به

حسن المطروشي: جداً، هذا ما أردت أن أقوله، أنّ الجوائِز تُساهِم في شكلٍ كبير جداً في التعريف عليه. حقيقةً أنّ للجوائِز فضل كبير على تجربتي الشخصيّة، والإعلام أيضاً استثمرها وروّجها وهكذا، لكن الجوائِز أعتقد أنها مهمة. أنا شخصياً عندما أُشارِك خاصةً خارِج الوطن العربي، نريد أن نقول للعالم إنّنا نحن أُمّة الشعر وأُمّة كتابة وهذه رسالة، ليست فقط رسالة 

زاهي وهبي: نحن أُمّ الصبي كما نقول 

حسن المطروشي: ليس فقط أنني ذاهب لأُحضِر جائِزة وأرجع، نريد أن نحمل الصوت العربي والوجه العربي والثقافة العربيّة لأننا نحن مصنّفون من الشعوب المتأخّرة أو لدينا الإرهاب أو التطرُّف للأسف وغير ذلك، ولكن عندما نُخاطبهم بلغة الحداثة ويرون شعرنا وآدابنا ونُقدِّم لهم موسيقانا يكتشفون الجانب الحقيقي من حضارتنا، وهذه رسالتي التي حاولت أن أنقلها ضمن الجائزة 

زاهي وهبي: أُستاذ "حسن المطروشي" حضرتك ترجمت إلى العربية وتُرجِمت إلى لغات أُخرى، الترجمة كم هي اليوم في زمن العولمة هذا خصوصاً وزمن انفتاح الثقافات على بعضها كجسر ضروري للعبور أو للتبادل الثقافي بين البشر؟

حسن المطروشي: أذكُر مقولة لأحد الأُدباء العظام، الآن لا يحضرني إسمه، يقول: الكتّاب يصنعون الآداب الوطنية والمترجمون يصنعون الآداب العالمية. أعتقد هذه تختصر المشهد. أنا اشتغالي على الترجمة، ترجمت كتُباً تخصّ (عُمان) بعيدة عن الشِعر ولكن اللحظة الآن تفترِض على العرب في شكلٍ عام أن يهتمّوا الاهتمام الحقيقي لأنّ الدول والحضارات تتقدّم في شكلٍ مُرعب وهائِل في الوقت الذي نحن دخلنا في عالم التكنولوجيا مُحمّلين بإرثنا، بخصامنا، وعكَسنا أسوأ ما لدينا. قلت سابقاً أنني أخشى في يوم من الأيام أن نرى أنّ الآخر والغربي وكأنهم كائنات فضائية غريبة عنّا وهم ينظرون لنا على أننا مخلوقات خارِج التاريخ للأسف

زاهي وهبي: مخلوقات بدائية 

حسن المطروشي: بدائية. إذا لم نهتم فعلاً بالترجمة، نُترجم أنفسنا وحضارتنا وما لدينا وأيضاً ننقُل

زاهي وهبي: نهتمّ بالثقافة وتثقيف الإنسان والوعي. أُستاذي يُقال، طبعاً المقولة شائِعة، أنّ الترجمة خيانة للنص وإلى آخره، أنا سؤالي ليس هنا لأن الموضوع حُكي عنه الكثير، كم المُترجِم يحُطّ من نفسه في ما يُترجمه؟ 

حسن المطروشي: هذا يعتمد على إمكانيّة المُترجِم وقدراته ومهارته وبراعته في التعامل، لأنّ الترجمة نظريّات أيضاً، هناك النظرية الأدبية والإعلامية والطبية والإلكترونية إلى آخره. نجد مترجمين للأسف، هو يقرأ وعنده بعض الإلمام بالشعر، وجدت مترجمين وهُم شعراء كبار للأسف، وجدت أنّ معرِفتهم وإلمامهم باللغة التي يترجمون منها ضعيفة وهزيلة جداً 

زاهي وهبي: ليست على ما يُرام 

حسن المطروشي: وهذا ينعكس طبعاً على ترجمته، لكنّ المُترجم الحقيقي، المُترجِم الذي درس النظريّة الأدبية وأحبّ شغله وهو في الأساس أيضاً مُبدِع، سيُضيف بكلّ تأكيد إلى النص حياة مُختلفة 

زاهي وهبي: نعم. نختُم لو سمحت، أولاً شكراً على تشريفك "بيت القصيد"، نُحمّلك تحيّات لـ (عُمان) وأهل (عُمان) وللشعراء والمُثقفين العُمانيين وجلّهم من أصدقائي ونختُم شعراً لو سمحت 

حسن المطروشي: إن شاء الله. أنت أشرت إلى أنني أكتب المُقفّى أيضاً، دعني أختم بقصيدة مُقفّاة قصيرة. "سقوف الليل"

ماذا يدلّ عليّ الآن يا قلق               كِلا دليليّ أعمى، الطيرُ والأُفقُ 

نسيتُ أنّي هنا من هكذا سنةٍ            يغيبُ بعضي فألقاني ونفترِقُ 

وأنني هاربٌ منّي ومن طُرقي            ومن دمائي يمرّ الليل والطرقُ 

كناسكٍ خرّ من فردوس حِكمته                يفيضنا صوته شكّاً ويحترقُ

فكم تثاءب طفلٌ صامتٌ بدمه                 سيفلقون سقوف الليل لو نطقوا 

زاهي وهبي: شكراً لك أُستاذ "حسن المطروشي" شرّفت "بيت القصيد"، شكراً لفريق العمل، والشكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم، نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله 

 

         

            

   

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل