العنصرية في زمن كورونا

العنصرية في زمن الكورونا... أسبابها وأضرارها وعلاجها؟ كيف عمّت العنصرية وشاع التنمّر؟ وما هي المآسي التي ترتبها الأفعال العنصرية على مستقبل البشرية؟

المحور الأول:

غسان الشامي: مساؤكم خير، تأتي العنصرية على ما يبدو ملازمةً للجنس البشري وتظهر عبر تاريخه منذ أيام الصيد والرعي والتقاط الحبوب وصولاً إلى أسبرطة وثقافة الاستعباد، وتعتمد على اعتقادٍ مرضيٍّ بفروقٍ موروثة في طبائع الناس وقدراتهم وانتماء البعض إلى عرق أو دين. يبدو أنها مرضٌ يصيب العقل البشري لا بشرة الإنسان أو جلده، مرضٌ يصل إلى حد القتل ويتبدّى جلياً في أزمنة النوائب والجوائح وكورونا إحداها. مع الدكتورة باسكال لحود سنحاول الغوص في أسبابها وأضرارها وعلاجها وتفشّيها خلال جائحة كوفيد 19، وعن انتشارها في الدول المتقدّمة والمتخلّفة على السواء وفي لبنان، وموقع حقوق الإنسان وما ينجم عنها من تنمّرٍ ضد النساء والأطفال خلال الجائحة والعزل. قبل أن نوغل في الحوار مع الدكتورة لحود تقريرٌ عن العنصرية في زمن الكورونا.

تقرير:   

لم تتخلَّ البشرية عن آفة التمييز العنصري، ومنذ ظهور جائحة فايروس كورونا في كانون الأول ديسمبر عام 2019 في مدينة ووهان الصينية وثّقت التقارير التحيّز والعنصرية وكراهية الأجانب والتمييز ضد ذوي الأصول الآسيوية، وانتشار الاعتداءات الجسدية والتنمّر في المدارس، والتهديدات والتمييز في أماكن العمل، والازدراء وحصول جرائم كراهية في بريطانيا والولايات المتحدة وإسبانيا وإيطاليا ضد هؤلاء.

وأجّج مسؤولون كبار منهم دونالد ترامب مشاعر العداء للصين بالإشارة إلى كورونا ب "الفايروس الصيني"، ووصف مسؤول في البيت الأبيض الفايروس ب "كونغ فلو"، فيما استغلّ المجري فيكتور أوربان والإيطالي ماتيو سالفيني الوباء لتأجيج كراهية الأجانب.

وفي فرنسا اقترح طبيبان شهيران ومسؤولان تجربة لقاح كورونا في أفريقيا لافتقارها إلى المواد الضرورية للتصدّي للفايروس.

وفي الصين نفسها ظهرت حالاتٌ من التمييز العنصري ضد الأفارقة بعد تسجيل عدد من الإصابات لدى الجالية النيجيرية في مدينة كانتون وطرد العديد من منازلهم، كما انتشرت في سريلانكا دعوات لمقاطعة الشركات المسلمة بعد ادعاءات بنشر المسلمين للفايروس.

وعانى الفلسطينيون من التمييز حيث وصلتهم الفحوصات متأخرة عن المجتمع اليهودي وتأخرت المساعدات عنهم أيضاً، فيما أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش أن لبنان أهمل الأشخاص ذوي الإعاقة وأن ثماني بلديات قيّدت حرية اللاجئين السوريين، فيما اشتكى شابٌ آسيوي من التنمّر.

هذا غيضٌ من فيض مع الإشارة إلى مواجهة المصابين وأسرهم حالات من التمييز والوصم.

غسان الشامي: تحيّة لكم، مساء الخير دكتورة لحود.

باسكال لحود: مساء النور. 

غسان الشامي: حوار في هذا الزمان حول هذه الجائحة أعتقد أنه يجب أن يكون حواراً مفصلياً بمعنى أن نقدّم للناس ما يحصل، وأعتقد أن هذه جزء من مهمّة الإعلام، سيّدتي بالمباشر برأيكِ ما هي أسباب العنصرية؟ 

باسكال لحود: كلمة عنصرية هي كلمة عامة جداً، بالمعنى الواسع لكلمة عنصرية كما ذكرت لم يوجد مجتمع من دون حد أدنى من العنصرية أي من اللاتناظر أو اللاتكافؤ الحقوقي بين مَن هم داخل الجماعة وخارجها، هنالك قواعد لمَن هم في الداخل وقواعد أخرى لمَن هم خارج هذه الجماعة، هذا فعلٌ مؤسّس في الحياة الاجتماعية. التضامن داخل الجماعة ضد أو من دون الآخرين كان في أزمنة الرعي والقطاف شرطاً أساسياً للحياة وللاستمرار. العنصرية بالمعنى الذي نعرفه اليوم والذي يقوم على الاعتقاد بأن هنالك بشريات متفاوتة داخل الجنس البشري، لها طبائع مختلفة ولها بالتالي حقوق وممكنات مختلفة، هذه هي العنصرية التي نتحدّث عنها اليوم والتي نعتبرها مرضاً أو خطراً يتهدّد ديمقراطيّتنا وحقوق الإنسان لأنها كامنة فينا، إنها في علاقتنا بالآخر، ولدينا غريزياً في بعض الأحيان موقفٌ من الآخر الغريب المختلف، وفكرة المساواة ما بين البشر ليست فكرة قديمة بل هي فكرة حديثة العهد لذلك هي هشّة، عند أول خطر، عند أول إشاحة نظر تعود الأفكار العنصرية لتبرز ولتعبّر عن نفسها. 

غسان الشامي: إذاً في الأسباب هل هي جزء من الجين البشري أم هي أساس في التكوين الإنساني؟ بهذه الصورة يبدو وكأنها مرافقة لبدايات البشرية. 

باسكال لحود: بأي معنى؟ بمعنى التمييز بين مَن هم قريبين وبين مَن هم بعيدين. حالياً نحن في بشرية معولمة، حالياً نحن في أنماط من التفكير وفي قيَم مختلفة عن قِيم القبائل ولكن حالياً أيضاً لدينا أفكار متقدمة أكثر عمّا نعتبره فروقاً ما بين الناس. لن نقول بأنها ملازمة للطبيعة البشرية لأن فكرة الطبيعة البشرية هي فكرة عنصرية، الإنسان هو الكائن الذي لا طبيعة له، هو الكائن الذي يخترع طبيعته، الذي بإمكانه أن يطوّر هذه الطبيعة، تحديده هو أمامه وليس خلفه. لدينا في موروثنا الجيني وموروثنا التاريخي الكثير من الأمور التي نختار أن نفعّلها أو ألا نفعّلها، هل نختار أن نكون عنصريين، أن ننظر إلى الآخر على أنه مختلف، على أنه دوني، هذه فكرة، هذا قرار، هذه مسألة ثقافية وليست بيولوجية، ليست مسألة علمية، هل نحن عنصريون؟ هل العنصرية لها أسس بيولوجية؟ هذه مسألة قيَمية، هذا قرار سياسي نأخذه بالنظر إلى الآخرين على أنهم مساوون لنا في الحقوق أم لا.   

غسان الشامي: المتنبّي قال كلاماً ملفتاً قبل أكثر من ألف عام، يقول: "والظلم من شيَم النفوس، فإن تجد ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلم"، هل إذا رفضنا أن تكون العنصرية عنصراً بيولوجياً ولكن يبدو أنها عنصر ثقافي بهذا المعنى أي أنها مترافقة مع الثقافة البشرية. 

باسكال لحود: لا نختلف على هذه المسألة، هل هنالك أسس ليس بالمعنى التأسيسي وإنما بمعنى الأسباب المادية في البيولوجيا الإنسانية للعنصرية، ربما يتحدّث البعض عن ال Amygdala في الدماغ عند رؤية الغرباء، ردّة الفعل الأولية هي الخوف، هناك الكثير من التفسيرات حول هذا الموضوع ولكن هل هذا يعطيها مشروعية؟ كلا، بالعكس نحن نعرف أن لدينا الاستعداد الغريزي لرفض المختلف. 

غسان الشامي: أنا لا أتكلّم عن مشروعيّتها وإنما عن توصيفها. 

باسكال لحود: من الطبيعي أن يكون الإنسان حذراً من الآخر، من الطبيعي أن يكون حذراً من الاختلاف ولكن كونه إنساناً عاقلاً هو ما يسمح له أن يضبط هذا الخوف، وأيضاً هناك قِيَم مستجدّة هي قِيَم المساواة البشرية، هذه القيمة هي التي يجب أن تحكم نظرتنا إلى الآخرين.   

غسان الشامي: مررتِ على أمر سأحاول مع حضرتكِ أن نتعمّق فيه هو بالتأكيد في الجذور، الخوف الغرائزي، مفهوم الغريب انطلق منذ الجماعات البدائية ويبدو أنه أحد أسباب العنصرية وأسباب رئيسية، ولكن كيف يُقرأ استمرارها وتناميها عبر سياق الجنس البشري أي عبر تطوّره دكتورة لحود؟ 

باسكال لحود: لأن له وظيفة، هذه الأفكار لها وظيفة ولها فائدة اجتماعية وهناك مَن لديه مصلحة في استمرارها فتستمر، بالنهاية نظام العبودية أو نظرية تفوّق العرق الأبيض على الأعراق الأخرى لها وظيفة اقتصادية، اجتماعية، سياسية، هذه الوظيفة هي التي تسمح باستمرارها وهي التي تحرص على أن تنتشر وأن تأخذ الصفة العلمية، لذلك الموضوع ليس تصوّراً أو تمثّلاً مجرّداً للطبيعة الإنسانية كأن أجلس في بيتي وأسأل نفسي هل البشر متساوون أم لا وإنما الموضوع يأتي من مجموعة مصالح، أنا لديّ مصلحة بأن أفترض أن هذا الإنسان الآخر ليس مساوياً لي وليس قادراً على العمل الإبداعي بل هو مجرّد كائن بهيئة بشرية قابل للتدجين كأي حيوان آخر، وبالتالي من حقّي لأن هذه طبيعة الأشياء أن أستعبده، من حقّي أن أستفيد منه كطاقة عمل لا ترتّب عليّ تجاهه أية واجبات أخلاقية سوى واجبات الإطعام والإيواء، إذاً مجموعة المصالح هذه هي التي تغذّي التصوّرات التي تدعمها. 

غسان الشامي: ما هي الأضرار التي تلحقها العنصرية بالاجتماع البشري؟ 

باسكال لحود: العنصرية هي ظلم وهي عنف تجاه الآخرين، هي مقدمة للعنف لأن الآخر الأدنى ليس لديه نفس الحقوق، والأمر الأساسي في عالمنا الحالي هو تصوير المشاكل على أنها مشاكل ما بين بشريات متفاوتة الحقوق أو تصوير الاختلافات أو الفقر أو التفاوت الاجتماعي على أنه نتيجة لتفاوت أنتروبولوجي هو إعاقة للتحديث، إعاقة للتغيير، إعاقة للتحرير لأننا لا نرى أن المشكلة متأتّية من الفقر وبالتالي يمكن معالجتها إذا اتّبعنا سياسات اجتماعية مختلفة، هذه المشكلة متأتّية من الجهل ويمكن معالجتها إذا عمّمنا التعليم وإنما تصبح المشكلة في طبيعة الإنسان ويصبح قدره، وبالتالي هذا يخدم كل أنواع المحافظة والستاتيكو وعدم التغيير. 

غسان الشامي: إذا أخذنا هذا السياق التاريخي كما قلنا من قبل أسبرطة بمعنى تغوّل الأقلية في أسبرطة على الأكثرية الموجودة في المدينة وصولاً إلى مرحلة العبيد وثوراتهم إلى الفصل العنصري، هذا يطرح سؤالاً هل تمأسست العنصرية؟ هل أصبحت مؤسّسة موجودة في بلدان متعدّدة أو في أنظمة معينة؟  

باسكال لحود: أظن أن ما تمأسس حالياً هو رفض العنصرية، هناك وعيٌ متنامٍ عالمياً لهذه المسألة، الخطوة الأولى على طريق محاربة العنصرية هي الاعتراف، لذلك الدول المتقدّمة أكثر من سواها على صعيد مكافحة العنصرية هي الدول التي ترى بداخلها العنصرية أكثر من غيرها في حين أنه في دول أخرى يُنكَر الموضوع وكأنه غير موجود وكأن الناس أُعطيوا حقوقهم. هناك وعيٌ متنامٍ في العالم لهذه المسائل ولكن هذا لا يعني أن العنصرية اختفت ولكن حقوقياً نحن في تقدّم مضطرد على هذا الصعيد، كل محاولات إلغاء التمييز على أساس الدين، العرق، الجندر. في التطبيق بالتأكيد لا بد من التطوير، هناك الكثير من النواقص ولكن هذا الوعي بأنه لا يحقّ لنا أن نميّز على أساس هذه القضايا أصبح وعياً عالمياً وهذا أمر جيّد. 

غسان الشامي: هل مفهوم الطبقات أيضاً هو مفهوم عنصري؟ هل الصراع الطبقي أيضاً جزء من رؤية عنصرية بطريقة معكوسة؟

باسكال لحود: كي نكون أدقّ يجب أن نتكلّم عن التمييز، هناك تمييز بالطبع ولكن ليس بالضرورة تمييز سلبي، التمييز جزء أساسي من العملية المعرفية، لا نستطيع أن نقارب جميع الموضوعات كما لو أن لا فرق بينها. أهمية الحذر بتناول مسألة العنصرية وغيرها من القضايا هي ألا تتحوّل إلى مُحرّم نظري أي ألا يكون ممنوعاً القول بأن هناك فقراء لأن هذا تمييز على أساس المال أو يُمنع القول بأن هذه مسألة نسائية لأنه يصبح هناك تمييز على أساس الجندر، هناك خيط رفيع بين أن تقارب الواقع الاجتماعي وبين أن تعترف به وتسمّيه وبين أن تبني سياسات لتأبيده، إذا أردتُ أن أحارب الفقر يجب أن أعترف به وإذا أردتُ أن أحارب ما يترتّب على الفقر من قلّة الفرص يجب أن أعترف بأن الفقر في هذا المجتمع يقلّل من إمكانية إيجاد فرص عمل لائقة أو النجاح في الحياة. إذاً هناك مستويان، لا يجب أن تتحوّل محاربة العنصرية إلى محرّم نظري، أنه لا يجب أن نفكّر أن هناك أقلية، كلا هناك أقلية، هناك مجموعات غير محظوظة بمعنى أنها لا تُعطى ما يجب أن تُعطاه من الفرص كي تكون متكافئة مع الآخرين، إذا لم نعترف بهذا اللاتفاوت الفعلي فإننا نكرسّه كتفاوت معياري. 

غسان الشامي: العالم يتعرّض وما يزال لجائحة كورونا، أعداد متنامية من الموتى، من المصابين، فايروسيّة الجائحة أظهرت كماً وتنوّعاً في الممارسات العنصرية، ما علاقة العنصرية بالأوبئة وبالجوائح، تكون العنصرية نائمة وتصحو فجأة. 

باسكال لحود: هذه ميزة الأزمات، كنا نتحدث عن أن فكرة المساواة، فكرة النوع البشري الواحد، فكرة الكرامة الإنسانية التي هي واحدة لكل البشر مهما تنوّعت أعراقهم وأديانهم ومعارفهم إلى آخره هي فكرة حديثة. الغريزة فينا، غريزة الخوف، غريزة القبيلة أقدم بكثير فبالتالي خلال الأزمات تظهر الغريزة، ثانياً في الوباء أنت تكون أمام أمر غير منظور، أمام خطر كبير ولكنه يبدو هشاً، لا يمكننا الدفاع عن أنفسنا تجاهه بشكل فعّال، هنا تحصل التعميمات، كيف يمكنني أن أحمي نفسي؟ لا يمكنني حماية نفسي من كل شيء، الفايروس في الصين وإذا لم أقترب من الصينيين فأنا هكذا أحمي نفسي. العقل البشري لا يستطيع أن يعيش من دون هذه الأنواع من التعميمات، نحن نعمّم في كل لحظة ولكن حينما يجري التعميم على الإنسان نسمّيه تمييزاً وظلماً ويجب أن نتنبّه إليه أخلاقياً لكن هذا أمر يحصل. هذا لا يعني أن ننجرف وراء موجة الكره في العالم تجاه الآسيويين بشكل عام، تجاه الإيطاليين في بعض دول أوروبا. 

غسان الشامي: الأفارقة. 

باسكال لحود: الأفارقة في الصين نفسها، للمفارقة في الصين في المكان الذي انطلق منه الفايروس كان الكره تجاه الأفارقة. عادةً في الأزمات هناك آلية تجعلنا نصبّ الغضب على الأقلية التي كُرهها غير مكلف، لا نختار أقلية قوية وإنما أقلية نستطيع تحميلها الذَنْب وهي لا تستطيع الدفاع عن نفسها. هناك الكثير من الدراسات في أميركا في زمن العبودية تبيّن كيفية ازدياد نسبة العنف ضد السود حينما تتدنّى محاصيل القطن، حينما تكون هناك مشكلة نلصقها بأحدهم وغالباً ما نختار أقلية كما يحصل في أوروبا حالياً، كل الأزمات المترتّبة على العولمة وعلى الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذهن بعض الأشخاص هي مُتأتّية من هذا اللاجئ الموجود في البلد وهو المسؤول عن جميع المشاكل.

غسان الشامي: راقب كل الناس تبديات العنصرية في العالم وتحديداً في العالم الذي يقول عن نفسه أنه مُتقدّم لكن كما قلتِ هذه التصرفات عمّت كل الأرجاء، في فرنسا اقترحوا تجربة لقاح على الأفارقة، في لبنان أيضاً حصل نوع من العنصرية حيث شاهدنا على وسائل التواصل شاباً آسيوياً، لماذا العنصرية في مجتمعٍ لبناني والجائحة تعمّ على كل اللبنانيين، أما كان يُفترض باللبنانيين أن يفكّروا في كيفية محاصرة المرض بدلاً من أن يرموا به على اللاجئ أو القادم من السفر؟  

باسكال لحود: في لبنان وغيره من بلدان العالم يجب العمل على الثقافة وعلى التضامن الإنساني وعلى أن المخاوف وإن كانت غريزية يجب ألا تتخطّى المستوى، هناك ردّة فعل أولية للإنسان ولكن يجب أن يفكّر بها وأن يضبطها. للأسف حينما تكون مواقع التواصل الاجتماعي هي مواقع للتفكير الانفعالي، كي يتكلم الناس من دون أن يفكروا في ما يقولون، في هذه المواقع توجد عدوى الخطاب الذي ينتشر ويفضّل الأمور السهلة، ليس أسهل من أن نحكم أن المشكلة من الآسيوي، في اللاجئ، في العاملة الأجنبية لأن التفكير بحجم المشكلة هو أكبر من هذا بكثير. إذا فكرنا فعلياً بعولمة الاقتصاد، بكوننا مرتبطين بالصين، إذا فكرنا أن هذا الخطر الفايروسي هو خطر يومي، لا أعرف لماذا يعتقد الناس أن ما حصل هو استثنائي، كلا الأمر ليس كذلك وإنما قد يتكرّر. بحسب التقديرات هناك 800 ألف فايروس قد يعبر الحاجز ما بين الأنواع وينتقل من الحيوانات إلينا، وبالشكل الحالي للتنظيم العالمي، للرحلات الجوية، للاتصالات سوف تنتشر هذه الفايروسات وتصبح أوبئة، هذا الأمر لصيق بحياتنا البشرية وليس استثنائياً. نحن محظوظون أننا لم نصل لأكثر من هذه المرحلة، إذاً قدرة على الإنسان على أن يحيط بهذا الموضوع من دون أن يلقي بالذنب على أحد تحتاج إلى الكثير من النضج خاصة أننا في مجتمعات بتقديري لديها ذهنيّة التنافر بين منظومتين، منظومة الحداثة التي نحن ضمنها في التكنولوجيا والمعيشة والاستهلاك ومنظومة دينية أسطورية، لا نستطيع تقبُّل فكرة أن البلاء كما نسمّيه هو شيء يحصل، هو شيء تافه في العالم يحصل وليس بالضرورة أن يكون هناك مغزى منه أو سبب أو مذنب. 

غسان الشامي: سآتي إلى المنظومة الدينية ولكن بدقيقة إذا بقيتُ في الموضوع اللبناني، هل الخوف التاريخي لدى اللبنانيين من الغريب على دور لبنان وأخيولة التفوّق الفينيقي واحدة من أسباب الأفعال العنصرية؟ 

باسكال لحود: لا أودّ أن أمارس عنصرية إزاء اللبنانيين، اللبنانيون مثلهم مثل جميع البشر لديهم تصوُّر عن أنفسهم قد يكون في بعض الأحيان تعويضياً، الحديث عن العبقرية اللبنانية ونجاح اللبنانيين أينما حلّوا في العالم ومؤخراً عن الجين اللبناني قد يكون تعويضاً أيضاً عن فشلنا في أن ننشئ دولة كدول الآدميين، رؤيتنا لأنفسنا كأشخاص متفوّقين، نحن لا ندّعي بأننا متفوّقون، فكرة الغريب موجودة في كل دول العالم. في الجائحة يجب النظر إلى الخلفية السياسية للأمور، عندما يأتيك المرض من أوروبا يكون مختلفاً عمّا إذا أتاك من الشرق إلى آخره، هذه عوامل اجتماعية متعدّدة أدّت إلى هذه الأنواع من التعبيرات ولكن لا أظن وصحِّح لي أن في لبنان أصبحت هناك سلوكيات عنصرية بحكم الكورونا بشكل ملفت.

غسان الشامي: نحن لن نصحّح، سنترك الأمور تجري بشراعها ولكن بعد الفاصل سنعاود الحوار معكِ دكتورة لحود، أعزائي انتظرونا بعد الفاصل.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، دكتورة لحود فقط لكي نتابع تفتيت العنصرية في زمن الجائحة، هناك مقارنة لا أعرف كم هي محقّة، سابقاً كان الاصطفاء القطيعي أو مناعة القطيع أن مَن ينجو يمكن أن يتنمّر على الذي نجا وهو ضعيف، الآن هناك نوع من النظر إلى مرضى الكورونا بهذه الطريقة أو الابتعاد عنهم، أنا فقط أريد أن أربط بين ما كان يحدث سابقاً، أنتِ تعلمين أن مَن كان ينجو من الولادات كانوا قلّة وما يحدث حالياً، هل من رابط في العقل البشري؟ 

باسكال لحود: ذكّرتني باختبار شهير في عِلم النفس اسمه اختبار "العالم العادل"، في هذا الاختبار وضعوا مجموعة من الطلاب أمام طالب يُفترض أنه يتعلّم وعندما يخطئ بما يتعلّمه يتلقّى صدمة كهربائية موجعة، وهؤلاء الطلاب متى استمر هذا الاختبار لفترة طويلة يصبحون أمْيل إلى القول بأنه هو المخطئ، بأن الضحية هي المخطئة ويتحوّلون من التعاطف مع الضحية إلى إدانتها وتحقيرها لسببين: الأول بأن احتمال فكرة أن الضحية بريئة وتتعرّض للعذاب هي فكرة معذّبة للشخص ويفضّل أن يتغاضى عنها، ثانياً لأن لدينا قناعة جبانة إذا جاز التعبير أو محافظة بأن العالم بحد ذاته هو عادل وبالتالي نحن نحصل على ما نستأهله ونستأهل ما يحصل لنا، لذلك يكون هناك تصوّر بأن هؤلاء الذين مرضوا هم إما لم يهتمّوا بنظافتهم الشخصية بما يكفي أو أنهم كثيرو الولادات أو أنهم لم يراعو التباعد الاجتماعي، ندخل في نوع من تخطئة الضحية، إذا كانت هذه الضحية تنتمي إلى جماعة لدينا مركّب تمثّل اجتماعي حولها بأنها دون فهذا يضاعف المشكلة. هذا الأمر حصل في أميركا حينما أثيرت مسألة نسبة مرضى الكورونا ضمن المجتمع الأميركي من أصل أفريقي أعلى من نسبة المرض والموت بكورونا عند البيض كانت هناك إجابات حتى من المجتمع العلمي تقول إن السبب هو عدم اهتمامهم بصحّتهم ولأن لديهم نسبة عالية من البدانة ونسبة أعلى من السكري إلى آخره، كان يجب أن يقال إن السبب هو أنهم في حال هشاشة اجتماعية، لأنهم أكثر فقراً، لأنهم يعيشون في حال اكتظاظ، ليس أسهل من أن ألصق المشكلة بالآخر لأن هذا يعفيني من مسؤوليتي، هو بحد ذاته المشكلة وليست المشكلة في إدارتي للاجتماع الإنساني، ليس من اللاعدالة المفتعلة وإنما هي نتيجة لعدالة طبيعية، هذه هي الآلية التي تجعل أحدهم يشمت أو بدلاً من أن يستوجب المرض التعاطف فإنه يستوجب النفور من الآخر. 

غسان الشامي: واللاعدالة تجاه المصابين؟ في الجوائح والنوائب إذا جاز التعبير كل الناس معرّضون، شاهدنا في هذا المرض رؤساء ورؤساء وزراء، ألم ير العقل البشري أنه في هكذا زمن لا يفرّق كورونا بين غني وفقير؟ لا أعلم لماذا لا يريد أن يقرأ هذا العقل الوقائع، جزء من العقل البشري دكتورة؟ 

باسكال لحود: السلوكيات العنصرية كانت سلوكيات استثنائية، صحيح أننا شاهدنا تنامياً للمواقف العنصرية ولكننا شاهدنا أيضاً عبر العالم الكثير من التضامن الإنساني. نحن أمام أزمة والأزمة تبيّن أسوأ ما في الإنسان وأفضل ما فيه، لسنا مستعدون جميعاً للتفكير بفكرة النوع البشري، هذه فكرة للكثير منا هي فكرة مجرّدة، لو كانت فكرةً أقل تجريداً لما كنا نتصرّف كما نتصرّف على صعيد البيئة، على صعيد محاربة الفقر، على صعيد محاربة الجهل، فكرة التضامن الإنساني لا تزال فكرة مجرّدة. أظن بأن واحدةً من نتائج الجائحة الممكنة إذا عملنا عليها هي جعل فكرة وحدة النوع البشري فكرة أقرب إلى الحياة، لا نستطيع أن ننجو بمفردنا، إذا بقي الفيروس في مكان واحد من هذا العالم لا نكون قد نجونا.  

غسان الشامي: يمكن أن يعود ويتكرّر في كل أنحاء العالم، ولكنك قلتِ قبل قليل أن البعض يفكّر في إجراء تحديث لحقوق الإنسان ولكن المؤسّسات العالمية أثبتت فشلها، الأمم المتحدة التي لطالما طالبت بعدم التمييز وضد الأفعال العنصرية وهي موجودة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هذه انكفأ دورها، فشلت، لا تكاد موجودة، هل انتهى في العالم عصر ما بعد الحرب الكونية الثانية؟ هل نحن أمام عالم جديد، عصر جديد؟

باسكال لحود: لا شك أننا أمام تغيّرات كبرى ولا شك أيضاً بأن نموذج الأمم المتحدة خيّب الآمال على أكثر من صعيد ولكننا تقدّمنا كثيراً على صعيد الأفكار وهذا ينبغي أن نتوقف عنده، أن تصبح العنصرية شيئاً مقيتاً فهذا تقدُّم، أن تصبح الأفكار العنصرية أفكاراً يُخجَل بها ويُعتذر عنها فهذا تقدُّم على صعيد الثقافة. على الصعيد السياسي لا يزال هنالك الكثير لنقوم به، صحيح أن الأمم المتحدة نفسها تكيل بمكاييل متعدّدة، تتعامل مع البشر على أنهم غير متساوين، فلنأخذ كورونا نفسها، كورونا ليست أكثر مرض يفتك بالبشرية، السلّ ما زال يحصد سنوياً ما بين مليون ونصف مليون ومليوني ضحية ولكن معظم هؤلاء الضحايا يموتون في بلدان فقيرة لذلك موتهم ليس له القيمة نفسها كموت البشر في الدول المتقدمة. لا يكفي أن نقول بأننا متساوون، هذه فكرة، في الواقع نحن لا نعطي للحياة البشرية القيمة نفسها بصرف النظر عن البلد، بصرف النظر عن القوّة السياسية للبلد الذي ينتمي إليه الفرد إلى آخره، بالتالي ما هو جديد في كورونا هو أن نسبة كبيرة من الموتى هي في العالم المنظور، العالم الذي يظهر على الشاشة، العالم الذي يتحدّث، العالم الذي يثير الشفقة. 

غسان الشامي: هناك عدّاد أمام البشر.   

باسكال لحود: يثير الشفقة، موتهم كما لو أنه أكثر قيمة من موت سواهم، هذه هي المشكلة، ما زلنا في بشريات متفاوتة. ما أقوله هو أنه على صعيد الأفكار كوننا ندين هذه الأفكار فهذا تقدُّم، لم نعد ننظر إلى فكرة أن هنالك بشرية متفوّقة على بشرية أخرى على أنها فكرة طبيعية، صارت فكرة نخجل بها وهذا بحد ذاته تقدّماً.  

غسان الشامي: ولكن أنتِ أيضاً غضّنتِ في جوابكِ مقولة أن موت الفقير لا أحد يدري به بينما موت الشعوب الغنية معولماً، وهذا في الوقت عينه يتضمّن عنصرية مخيفة سيّدتي.  

باسكال لحود: أنا أميّز بين مستويين، المساواة بين البشر ليست واقعاً، هذا ما يجب أن نتذكّره دائماً، التفاوت والظلم والإقصاء هو الواقع، علينا ألا نتخيّل بأن المساواة هي واقع، هي ليست واقعاً، نحن لسنا متساوين، نحن نريد أن نكون متساوين، نريد أن نعامل بعضنا على أننا متساوون، المساواة هي قيمة وليست واقعاً وعلينا كي نحترم هذه القيمة أن نشدّ بالواقع تجاهها لا أن ننكر الواقع، في الواقع لسنا متساوين، إذا خُطفت أنا ليس كما لو خُطف أميركي في العالم، إذا احترقت "نوتردام دو باري" ليس كما لو هُدمت حلب، ليس له المفعول ذاته، ما نريده هو أن يصبح له المفعول ذاته، أن يصبح الإنسان قيمةً حيث كان هذا الإنسان ولكن هذا ليس الواقع حالياً وعلينا أن نعترف بأنه ليس الواقع إذا أردنا فعلياً أن نكون أمناء.

غسان الشامي: لمحاولات تغييره.    

باسكال لحود: نعم. 

غسان الشامي: أريد طرح مسألة العنصرية والدين، هل تبدّت مسألة التمييز ضد جماعات دينية محدّدة؟ هل أيضاً هناك تمييز ديني في أزمنة الأوبئة كما في أزمنة الرخاء، هناك تمييز ضد مسيحيين، ضد مسلمين، كيف تقرأين هذا دكتورة لحود؟ 

باسكال لحود: في المسألة الدينية هنالك تداخل ما بين الاجتماعي والتاريخي والسياسي إلى ما هنالك، هنالك من جهة مَن اعتبر أن الجائحة أو الوباء هو قصاص ألمّ بالكافرين، في أماكن أخرى هنالك أقليات دينية تعرّضت بحد ذاتها لاضطهاد أو لتنميط بأنها مسؤولة عن انتشار المرض أو بأنها أخطر من سواها على المرض. مسألة العنصرية مرتبطة بمكوّن ديني في الأخلاقيات البشرية إذا اعتبرنا أن الأخلاقيات قائمة على خمسة محاور هي: الأذى والرعاية، التكافل الاجتماعي والخيانة، السلطة، العدالة والطهارة، هنا الغريب يصبح لوثةً، بفكر الطهارة والنجاسة في الفكر الديني عادةً إذا كنتَ من غير ديانتي فلا تدخل إلى مكاني المقدّس، لا تتزوّج ابنتي، لا آكل من طعامك، أنت النجس بالفكر الديني المنغلق، وبالتالي فكرة التنجيس وفكرة الفايروس والوباء إلى آخره هي مرتبطة بالمخيال الديني الذي له علاقة بالنجس والطاهر، هذا يعيد إلى الذاكرة أن الغريب هو الذي يأتي بالمرض، المشكلة يأتي بها الآخرون سواء أتوا من الخارج أو هم جماعة ليسوا مثلي، هذه هي الأفكار.    

غسان الشامي: برأيكِ أن الدين يحمل في طياته جذوراً عنصرية؟ 

باسكال لحود: جذور هي كلمة كبيرة ولكن بالتأكيد هناك مكوّن في كل دين، الأديان القديمة كانت أديان شعوب ومن ثم جاءت الأديان السماوية التي لديها توجّه عالمي ولكن يبقى الفرق بين مَن هم في الخارج ومَن هم في الداخل في كل الأديان، ما من دين يقول بأن البشر سينتهون وإلا فإن وظيفته كدين لا تعود ذات قيمة، إذاً هو يميّز بين مَن هم في الخارج ومَن هم في الداخل ويعطيهم قيمة مختلفة. العنصرية هي كلمة كبيرة ولا نستطيع القول بأن الأديان عنصرية لأن الدين حالياً في العصر الحديث يعتبر أن الناس متساوون في الكرامة وفي الحرية الدينية، ولكن فكرة النجاسة والطهارة هي فكرة قريبة جداً من المخيال الديني. 

غسان الشامي: وأن الوباء هو امتحان للنفس البشرية كما مررتِ في المحورالأول؟

باسكال لحود: رأيي كما سبق وقلتُ إننا نواجه صعوبة في قبول فكرة أن ما يحصل في العالم هو بسبب قوانين الطبيعة وأن هذه أمور تحصل. الحداثة قامت على فكرة أساسية هي أن ما يحصل في العالم ليس لسبب أو لغاية ولا يتمحور حول الإنسان بشكل أساسي، نحن لدينا القدرة على التحكّم بالوباء من خلال العلم، لدينا القدرة على التحكّم بالكوارث الطبيعية ضمن حدود التكنولوجيا ولكن هذه الكوارث ليست متوجّهة ضدنا نحن كجنس بشري، لا تقول لنا شيئاً، ليست مترتّبة على أعمالنا، ليست عقاباً. للأسف الشديد الكثير من هذه الأفكار القديمة تعود وتظهر بأشكال غير دينية كالقول مثلاً إننا ابتعدنا عن الطبيعة لذلك هناك فايروس، هذا قصاص من الطبيعة، فكرة الطبيعة هنا أصبح لها مقوّمات دينية وأسطورية. 

غسان الشامي: وعنصرية الدولة، هذا ليس بمعنى مأسسة العنصرية ولكن هذه العنصرية نراها موجودة في دولنا، بمعنى إدارة في أميركا تتّهم دولة الصين على سبيل المثال بأنها هي مَن وضعت الفايروس في هذا العالم، كيف تتبدّى عنصرية الدولة في زمن الكورونا؟ 

باسكال لحود: تصريحات ترامب ليست مستغرَبة، الرجل عنصري، لديه تمييز جندري، لا شيء في خطاباته يتوافق مع معايير حقوق الإنسان أو معايير قابليّة الاحترام السياسي، عندما سمّى الفايروس بأنه فايروس صيني أثار هذا الأمر ردود فعل عالمية، الرأي العام لم يعد يتقبّل هذه الأفكار بأن هذا الفايروس صيني. كل أزمة هي مسرح لظهور النظريات المؤامراتية، وكان منها نظريات عن الأميركيين أنفسهم بأن أحدهم خلق هذا الفايروس ونشره وله غاية من ذلك إلى آخره. أعود وأشدّد على أنه صحيح أن هناك تعابير عنصرية ولكنها لم تعد مقبولة، يجب أن نراهن على هذا الوعي، من غير المقبول أن يُنسب الفايروس إلى شعب لدرجة أنه في فرنسا انتشر هاشتاغ "أنا لست فايروساً" نشره الآسيويون لأنه جرى التعامل مع الشخص وكأنه هو الفايروس بينما الفايروس هو عابر للجنسيات وللأعراق.  

غسان الشامي: ولكن أنتِ تعلمين أن الإنسان في الغرب على سبيل المثال يعمل ويدفع أحياناً 40% من مدخوله كي يعيش تقاعداً مريحاً، يسافر قليلاً، يأكل ما يشتهي ولكن هناك دراسة بعد منتصف آذار بقليل وقد يكون الآن أكثر أن 50% ممّن قضوا هم عجزة وفي دور عجزة، معنى ذلك أن الدولة التي ادّعت الرفاه الاجتماعي مارست ضد هؤلاء سياسة لا مثيل لها وهذا نوعٌ من العنصرية، هنا أسأل عن الدولة، أين دولة الرعاية؟ 

باسكال لحود: عندما تحدّثنا عن أضرار العنصرية قلت إنها تُحوّل النظر من السياسة إلى الطبيعة، ما يقصده ترامب هو تحويل النظر من سياسة الرعاية الصحية التي حجب عنها الكثير من التمويل وعادت كثيراً إلى الوراء في عهد ترامب إلى الصين. المسألة هي أنه لماذا يموت الناس بهذه الأعداد؟ لماذا لا نستطيع حماية الناس؟ لماذا ليس لدينا عدد أسرّة كافٍ؟ لماذا ليس لدينا نظام حماية صحية؟ نُحوّل النظر عن هذه المسألة إلى مسألة هويّاتية، هم صينيون ونحن أميركيون، الشمّاعة العنصرية دائماً موجودة أي تحويل الصراع إلى صراع على الهويات هو لتحويلها عمّا يمكن تغييره، عن السياسات. 

غسان الشامي: هل فشلت الدولة المعاصرة في أن تكون دولة للمجتمع؟ بشكل عام هذه الجائحة كيف قرأتِها بمفهوم الدولة؟

باسكال لحود: هناك تفاوتات كبيرة بين الدول المختلفة، لا يمكننا أن نحكم بشكل عام على كل الدول، بالتأكيد كانت هناك هشاشات سابقاً ولم نستطع حماية أنفسنا منها على الرغم من تنبيهات علماء الأوبئة، الوباء كما قلتُ كان أمراً متوقّعاً والمسألة كانت مسألة وقت، لدينا نسبة عالية من كبار السن في الغرب، لدينا نسبة أسرّة أقل، لدينا تأخُّر في التجاوب مع الوباء، تأخُّر بأخذ الوباء على محمل الجد، لفترة طويلة بقي الكلام عن أن الوباء سيبقى محصوراً في الصين ولن ينتقل إلينا. هناك دول نجحت في إدارة الأزمة بينما أظهرت دول أخرى هشاشة أنظمتها الصحية.

غسان الشامي: سأهذب إلى التنمّر، في تعريفه هو إيذاء فرد أو مجموعة أضعف جسدياً، حاولت أن أجد هذا الرابط الصغير بين التنمّر والعنصرية وجدتُ أن الأمور قريبة من بعضها، برأيكِ بماذا يختلف التنمّر عن العنصرية؟ التنمّر والإيذاء حصلا كثيراً في بلادنا وفي بلدان العالم خلال فترة العزل والتباعد الاجتماعي بمعنى التباعد البيتي.   

باسكال لحود: نحن في السجل نفسه إذا جاز التعبير بعلاقة مضطربة مع الآخر، عدم القدرة على رؤية الآخر على أنه مساوٍ لي والشعور بالقدرة على إيذائه والإفلات من العقاب. العنصرية هي على مستوى التمثّل، التنمّر هو فعل، هو يستند إلى فكرة عنصرية ولكن المرور إلى الفعل هو شعور بالقدرة وبالإفلات من العقاب، أنني قادر على الإيذاء، أستطيع في ذهني أن أفكّر أن النساء أذكى من الرجال، أن الرجال ليسوا أذكياء، لن أنتقل إلى تعنيف الآخر أو إلى احتقاره علناً إلى فعل إلا إذا كان لديّ شعور بأنني أمتلك القدرة على فعل ذلك وبأنني سأفلت من العقاب.  

غسان الشامي: أكثر أنواع التنمّر حصلت على النساء والأطفال. سيّدتي كي نجوجل هذه القضية وننتهي بخلاصات برأيكِ كيف يمكن مناهضة العنصرية والتنمّر؟ هل نحتاج إلى سلّم قِيَم آخر أو جديد؟ هل استخلصنا شيئاً من هذه الجائحة؟  

باسكال لحود: بالإمكان إن عملنا على الموضوع أن تكون الجائحة فرصة لجعل فكرة وحدة النوع البشري فكرة معيوشة وليست فكرة مجرّدة، مصيرنا مربوط ببعضنا البعض على الصعيد المناخي، على الصعيد الاقتصادي، على الصعيد الصحي، نحن وحدة، تمّت العولمة ووحدّت المنظومة الاقتصادية، وحدّت المصالح، أصبحت هناك مصالح عابرة للدول، شركات متعدّدة الجنسيات ولكن أفكارنا ما تزال أفكاراً وطنية، أفكار الأمم الصغيرة، نفكّر في أن نعزل أنفسنا، أن نقفل على أنفسنا.  

غسان الشامي: وهذا ما يحصل حالياً، تنامي الشعور القومي.    

باسكال لحود: صحيح، هذه الانطواءات ولكن لا بد من الانتباه أنه ليس لها أفُق، من الطبيعي أن العولمة كما عشناها في السنوات السابقة تحتاج إلى إعادة نظر، لا يمكن أن يكون العالم كله مرتبطاً بمصنع واحد في الصين، يجب أن تعود الاقتصادات المحلية لتأخذ مكانها ولكن الإنطواء الشوفيني على الهويات لم تعد له قيمة، لم يعد ممكناً، ليس له أساس علمي، ليس صحيحاً أننا أعراق ولدينا مصائر بيولوجية مختلفة ولم يعد هذا الأمر ممكناً فعلياً. 

غسان الشامي: يعني إما أن ينجو العالم جميعاً وإما أن يذهب العالم. هذا هو الوقت، أشكركِ. الإيمان بأن هذه الكرة الأرضية لا تحمل سوى جنس بشري واحد يرتبط بمصير واحد مشترك هو ما أنجزه فايروس غير مرئي يسمّى كورونا إذ لا يمكن لدولة أو عرق أو جماعة كما قلنا أن تنجو وحدها، هذا هو الترياق نفسه ضد العنصرية التي يمكن أن تكون همامة العقل البشري. شكراً للدكتورة باسكال لحود على إضافاتها، لزملائي في البرنامج والميادين على جهدهم، لكم على طيب الاستماع، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم، شكراً سيّدتي.