الفكر التكفيري في الكنيسة المشرقية

الفكر التكفيري في الكنيسة المشرقية: مكانته، أبعاده.. ماذا عن الأصولية الدينية في زمن كورونا وتعامل السلطات الدينية مع الأزمات؟ وكيف الوصول إلى الله عبر العقل، والخلط بين الإيمان والسحر؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، في الأوقات العصيبة، في الأزمات والمِحِن تكثر الأسئلة الصعبة التي تتعلّق بالوجود والبقاء، يتسامى العقل عند ذوي النّهي وينحدر عند ذوي الغرائز، تذهب العامّة إلى الغيبيّات ويذهب الضّالعون في العِلم إلى اليقينيّات، هذا كلّه ونحن بلادٌ أدمنت الأزمات أو لاحقتها الأزمات، وهنا تحقّ الأسئلة عن الإيمان والعقل والسلطات الدينية ومُقاربة الجوائح وكورونا أحدثها، وعن الفكر التكفيري وأصوله ومدى حضوره في المؤسَّسات الدينية. خريستو المرّ يحمل إجازة دكتوراه في المعلوماتية الصحية وإجازةً في اللاهوت، مُقيمٌ في تورنتو في كندا، لذلك تأتي كُتبه اللاهوتية معجونةً بالعِلم والعقل وتأتي مقالاته في المجلات وعلى صفحته ثريّةً بالقضايا الحارَّة التي يًعالجها بكلّ رصانةٍ، كما أن بوصلته برغم بُعد المسافات لا تتوه فهو عاملٌ في حركة أساتذة من أجل فلسطين - كندا، قبل الحوار تقريرٌ عن كيف قاربت الكنيسة جائحة كورونا.

تقرير: 

أربكت جائحة كورونا العالم وقلبته رأساً على عقب وفرضت تغييرات في أنماط الحياة، وقد انطبق ذلك على الكنيسة التي ارتبكت في البداية ثمّ ربطت الأنشطة الدينية بمُراعاة الإجراءات الصحية لمواجهة انتشار الوباء، فتباطأ نشاطها في ظلّ إجراءات العَزْل والإغلاق وأوقفت الكنائس في معظم دول العالم صلوات أسبوع الآلام وعيد القيامة خوفاً من العدوى.

وبثّ الموقع الإلكتروني للفاتيكان الصلاة مباشرةً بثماني لغاتٍ بينها الصينية والعربية، واستمرّت الأبرشيات في قرع الأجراس لكنّ الاحتفالات اقتصرت على البثّ التلفزيوني.

في المشرق خلت كنيسة القيامة من الحجَّاج في عيد القيامة للمرة الأولى منذ نحو مئة عام، وقرَّرت الكنائس الشرقية تغيير بعض المُمارسات التي تقوم بها خلال الصلوات، واتّخذت تدابير احترازية لمنع انتشار الوباء أبرزها تغيير طريقة طقس المُناولة فقرَّرت اللجوء إلى التناول باليد.

ولأنّ بعض رجال الدين شّكَّكوا في الجائحة وقالوا إن الإيمان كفيلٌ بإبعادها، أوصت الكنائس رعاياها بضرورة الالتزام التامّ بالتعليمات الصحية الوقائية والإجراءات الاحترازية الفردية والجماعية التي دعت إليها السلطات الرسمية والمُختصَّة للحدّ من انتشار الوباء، ودعت إلى إقامة الصلوات والقداديس من قِبَل الكهنة والرُهبان في الكنائس والأديار والأبواب مُغلقة من دون مشاركة أيٍّ من المؤمنين، كما أوصت بإتمام الجنازات بحضور كاهن الرعية وذوي الفقيد ومن دون تقبُّل التعازي، ووقف الاجتماعات والأنشطة من أمسيات ورحلات وكرامِس واحتفالات ومعارض ومسابقات ومُخيّمات وغيرها.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، دكتور خريستو أهلاً وسهلاً بك، نحن نحاول منذ مدة أن نحاورك ولكن إنه زمن الكورونا، أريد أن أسألك بالمباشر وبشكلٍ شخصي أولاً ماذا قدَّمت لك الهجرة أو ماذا قدَّمتَ لها؟ 

خريستو المرّ: مساء الخير أستاذ غسان، السؤال صعب ويحتاج إلى التفكير بكل مسيرتي في الهجرة إنما لا شك أنه لا توجد طريقة واحدة للتعامل مع الهجرة، هذا لبّ الموضوع، هي حريّة الإنسان وقلبه، وكلّ شخص يتعامل مع الهجرة بطريقته. بالنسبة لي الهجرة كانت مناسبة في موضوع التقدّم العلمي الذي لم يكن مُتاحاً لي في لبنان لأسباب مختلفة منها الشخصيات وطريقة التعامل في الجامعات اللبنانية، والبيئة الموضوعية لتوفّر البحث، البيئة البحثية في تخصّصي، ولكن على الصعيد الشخصي حين يُغيّر الشخص المكان الذي يعيش فيه تتوفرّ له المساحة ليرى الموضوع بطريقة موضوعية أكثر، ويتعلّم بطبيعة الحال من البيئة الجديدة وربّما يتقدّم أو ينغلق، وهذا ما نراه كثيراً في كندا حيث يخرج الشخص من بيئته الأصلية ويهاجر ومن ثم يتمسّك بالبيئة الأصلية كما كانت في الوقت الذي تركها فيه وحين يأتي إلى كندا يعيش في قوقعةٍ تاريخية، حتى التاريخ يتقدَّم في بلاده الأصلية وتتغيَّر طريقة التفكير بينما يحافظ هو على طريقة تفكيره وهذا أمر مخيف، حيث يصمّم الماضي ويُبقي عليه ويتعامل معه كما هو.    

غسان الشامي: لو سألتني لماذا سألتك بهذا الشكل الشخصي، لأنه بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي دكتور المر يغادر الشباب اللبناني كثيراً هذا البلد الصغير، ماذا تقول لهم بعد هذه التجربة؟ 

خريستو المرّ: أنا أقول دائماً بالنسبة إلى هذا السؤال بالذات إن الإنسان يجب أن يأخذ قراره بنفسه من دون أن ينصحه أحد بأن الهجرة رائعة وبأنه سيكون سعيداً وسيُحقّق كل ما يطمح إليه، أو لا يجب عليك أن تهاجر وتترك موطنك الأصلي إلى آخره، أعتقد أن الأمور شخصية ويجب على الإنسان أن يكون موضوعياً قدر الإمكان. في الهجرة يستطيع الإنسان أن يُحسِّن ظروف حياته، كيف يمكنني أن أقول لشخصٍ ابقَ في بلدك من دون عمل؟ إذا كانت لديه الإمكانية ليهاجر كيف أنصحه بعدم الهجرة والموت جوعاً، كيف يمكن لأي لإنسان أن يأخذ هذا الأمر على عاتقه لأنني أسمع أحياناً عِظات في الكنائس بعدم الهجرة، فليقدّموا البديل، بالعكس حينما يكون هناك تحرّك شعبي لخلق بديل بغضّ النظر عن حدود التحرّك الشعبي وكيفيّة التعامُل معه من قِبَل رموز الحُكم وركوبهم الموجة، حين يكون هناك تحرّك شعبي أوّل ما تفعله الكنائس هو أنها تدعو إلى الهدوء وإعطاء الفُرَص، وفي الوقت نفسه تعظ بعدم الهجرة. أعتقد أن الموضوع شخصي، بالتأكيد يخسر الإنسان محيط البيئة العائلية والاجتماعية الخاصة به وهي خسارة كبيرة له عليه أن يتحمّلها ولكنه يربح أموراً أخرى، عليه أن يُقيّم ما هو بحاجة إليه في لحظةٍ معيّنة.  

غسان الشامي: هل نحن وطن بُني على أخيولات أو على أوهام؟ أنت ترى من بعيد الآن وما دور الكنيسة فيه ما دمت مررتَ على دور الكنيسة قبل أن نوغل في وضعها؟  

خريستو المرّ: أنا لست مُحلّلاً سياسياً بطبيعة الحال ولم أدرس علوم السياسة ولكن المنطقة مُركّبة، وفقاً للسياق التاريخي قامت فرنسا وبريطانيا بتقسيمها في إطار انهيار الإمبراطورية العثمانية، وخُلقت الكيانات الموجودة اليوم. بالطبع هناك كيانٌ غاصِب هو الكيان الصهيوني الذي احتلّ فلسطين، وبقيّة البلدان حدودها صارت في لحظة تاريخية مُعيّنة. السؤال المطروح دوماً هو ماذا سيفعل الناس اليوم، تبيّن اليوم وجود تفسُّخ بين هذه البلدان عوضاً عن التعاون حيث نرى أن الدول الأوروبية المُتعدّدة اللغات استطاعت أن تقيم وحدةً اقتصادية على علّاتها، بينما الدول العربية التي لديها لغة واحدة وثقافات مُتقاربة في منطقة شرق المتوسّط أو في شمال أفريقيا حيث توجد عادات مُتشابهة ولغة مُشتركة إنما التفسّخ هو السائد.  

غسان الشامي: نحن في منطقة دكتور المر خرَّبها، شلَّعها التكفير، أنت كتبتَ شيئاً مهماً جداً عن التكفير في الكنيسة المشرقية، كيف هذا؟ 

خريستو المرّ: في الحقيقة أنا كتبتُ بناءً على ملاحظات خلال عشرات السنوات، أنا إبن الكنيسة الأرثوذكسية وملاحظتي كانت عن هذه الكنيسة، وأكثر مكان أعيش فيه هو الكنيسة الأرثوذكسية في أنطاكيا، كتبتُ في إطار كورونا وردَّات الفعل في بداية هذه الأزمة إنما كانت مُترابطة، هناك خطّ أصولي يتصاعد منذ منتصف الثمانينات في الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، لو كان الإنسان يمتلك خطاً أصولياً ويريد أن يتصرَّف بطريقةٍ معيّنةِ تؤثّر عليه شخصياً ربّما يكتب عن الأصولية عبر التفكير بالموضوع عسى أن يراجع نفسه، لكن المشكلة في كورونا أن الأصولية كانت خطرة ليس على طريقة التفكير فحسب، هي خطرة دائماً ولكنها كانت خطرة بشكل مباشر وواضح على حياة الناس، هناك أشخاص ينصحون الآخرين بالذهاب إلى الكنيسة وعدم الالتفات إلى الكورونا وأن المسيح يُخلّصهم، هناك أناس كانوا على هذا القَدْر من اللامسؤولية.  

غسان الشامي: دكتور سأستفيض وإياك في موضوع كورونا والكنيسة ولكن برأيك من أين أتت هذه الأصولية إلى الكنيسة، أنت ضليع في اللاهوت وتعلم ألا شيء يأتي من هُيولى، من فراغ، من أين أتت؟

خريستو المرّ: دعني أشرح ملاحظاتي عن الأصولية في الكنيسة، سأخبرك بالمظاهر التي لاحظتها ومن ثم يستطيع الإنسان أن يبحث وقد يكون مُخطئاً في بعض الأمور وربّما لا، تظهر مثلاً بالتعليم في الكنيسة في عدّة تصرّفات وتعاليم، مثلاً هناك اتجاه فكري تربوي ظهر مؤخّراً أن الإنسان يجب أن يتّخذ أباً روحياً له في الكنيسة، الأبوَّة الروحية بحدّ ذاتها ليست مشكلة، هذا موضوع قديم وموجود أن الناس وخصوصاً الرهبان يتَّخذون أباً روحياً، ولكن هذا الأمر يتعمَّم بأن كل إنسان يُفضَّل بأن يكون له أبٌ روحي لكن الطريقة التي نسمع عنها ونراها ويُخبرنا بها الناس في لبنان وسوريا والذين اختبروا موضوع الأبوّة الروحية نجد أن الشخص الذي يكون راهباً عادةً أو خورياً أن تأتي إليّ على أساس أنك إبني الروحي ولكن عليك أن تنفّذ كل ما أطلبه، هذا ما يتبيَّن من أحاديث الذين اختبروا هذا الأمر، أنا أطلب منك أن تفعل شيئاً وعليك أن تستشيرني في كل شيء وأنا أحمل كل خطاياك وحين نصبح في الملكوت أنا أطلب من يسوع أن أحمل خطاياك لأنني أبوك الروحي ونصحتُك أن تفعل كذا وكذا، بمعنى من المعاني أنت تسلّمني عقلك وروحك وقلبك وتتبع كل ما أقوله لك وكل شيء سيكون على ما يرام. هذه وصفة خضوع وتسلُّط وليست وصفة رفقة روحية أو أبوَّة، الأب الروحي في الكنيسة يجب أن يربط الشخص بيسوع وليس بنفسه. هذه أحد مظاهر الأصولية برأيي في الكنيسة يتبعها الأب الروحي الذي يعرف ويدلّ المسيحيين كيف يصبحون مسيحيين. الأمر الآخر لاهوتي أكثر وهو الاعتماد المُطلق على الآباء، الآباء في الكنيسة هم من القدّيسين الذين ساهموا في صوغ اللاهوت والعقائد، الأصولية تظهر في أنه حين تحاور الشخص في موضوع مطروح في القرن العشرين أو الواحد والعشرين ينتقي لك جملة من الآباء ويقتطعها من السياق الذي ذُكِرَت فيه والهدف الذي ذُكِرَت لأجله وسياقها التاريخي، يأخذها ويعطيك إياها كإجابة.   

غسان الشامي: هذا أمر خطير، أنت تشير إلى أمر خطير يدفعني لأن أقاطعك قليلاً وأسألك هل هذا له علاقة بالعقل؟ أين الكنيسة من العقل الآن دكتور خريستو المرّ؟  

خريستو المرّ: تماماً، أريد أن أذكر أمراً ثالثاً وهو الانغلاق الفكري على الطوائف والأديان الأخرى، هناك مجموعات في لبنان وخارج لبنان، في سوريا، في اليونان، في روسيا إلى آخره تقول بأن كل حوار مع الكاثوليك أو البروتستانت هو كفر، هو أمر لا يُعقَل أن يحصل، أي أننا كأرثوذكس ندعو العالم كلّه ليصبح أرثوذكسياً، هذا هو الحوار الممكن وبالتالي لا داعي لما يُسمَّى بالعمل المسكوني بأن تلتقي الكنائس وتتحاور حول أيّ موضوع هو ترك وخيانة ليسوع المسيح، هذا هو الخطّ الثالث في موضوع الأصولية وطبعاً هذا له علاقة بالعقل. بنظري كل الأمور التي ذكرتها إن كان الاعتماد المُطلق على ما قاله الآباء منذ مئات السنين وأخذه خارج سياقه وتطبيقه على ما ليس له علاقة بالموضوع، والسلطة المُطلقة للأبوَّة الروحية بمعنى الخضوع الأعمى، والانغلاق الفكري، الانغلاق على الآخر المختلف، كل هذه الأمور تنمّ بنظري عن الخوف، الخوف من الحياة، الخوف من المسؤولية، الخوف من أن يتحمَّل الإنسان مسؤولية إيمانه، الخوف من أن يُخطئ، التحدّي هو أن يكون الإنسان حراً وعاقلاً.   

غسان الشامي: هل هو خوفٌ من العِلم؟ ما دمتَ ربطتَ الموضوع بكورونا، العِلم والعقل صنوان يمشيان مع بعضهما دائماً والهدف هو الأمام، تعرف الكلام الصوفي العظيم "الأمام لا يلتفت" ولكن بمعنى من المعاني هل هو خوف الكنيسة من العِلم؟

خريستو المرّ: لا أعتقد، أعتقد أن الموضوع هو أنه من الأسهل على الإنسان أن يُعطّل عقله وألا يكون حراً، أن يسلّم عقله وحريّته لشخص آخر ولا يتّخذ القرار، لماذا يفكِّر ويقرِّر، في كل مرة نفكِّر ونقرِّر أمراً ونتناقش في أمر فإن الإنسان يضع نفسه أمام ذاته، يجب أن يكون هو المسؤول، ويبدو أن التربية لا تربّيه على المسؤولية بل على التهرّب من المسؤولية وعلى الخوف منها، فمن الأسهل عليه أن يسلِّم عقله لشخص آخر يُحدّد له ماذا يفعل وهو ينفّذ، هناك خطّ واضح في نشرات وتعاليم الكنيسة أن العقل مصدر كبرياء وبالتالي الدواء لهذا الكبرياء هو التواضع، العقل قد يجعلك تتكبَّر وبالتالي عليك أن تحلّ هذا الأمر بأن تتواضع. 

غسان الشامي: ولكن كل عاقل هو بالنتيجة مُتواضع، كلّما ارتفع شأن الإنسان في العِلم كلّما كان مُتواضعاً أكثر.

خريستو المرّ: هذا المفروض، كلّما عرف الشخص أكثر أدرك أنه لا يعرف، ولكن ما يريد أن يصل إليه الأشخاص الذين يفكِّرون بهذه الطريقة أن أكبر الخطايا هي الكبرياء الذي يجعل الإنسان مُنغلقاً على نفسه، والحلّ هو التواضع ولكن أنت بحاجة لمَن يُعلّمك ويجب أن تذهب إلى الأب الروحي الذي يُرشدك إلى ما عليك فعله من دون أن تفكّر، وبالتالي هي سلسلة مُترابطة. 

غسان الشامي: ولكن دكتور خريستو المر يمكن أن يكون هناك رابط يمكنك أن تفسِّره لنا، هناك شيء من السِّحر يمكن أن يخالط عقول بعض المؤمنين وحتى بعض الكهنة، ما هي هذه العلاقة؟ ما هو هذا الخيط الرابط بين الإيمان والسِّحر في الممارسات؟ 

خريستو المرّ: من أين أتت هذه الأصولية، لا شك أن هذا الموضوع لم يُبتكر فجأةً في لبنان، الناس في لبنان يتعاملون مع أشخاص من خارج لبنان، وهناك أصولية عامّة في الكنيسة الأرثوذكسية موجودة في روسيا، في اليونان وتنتقل، وأصبح هناك خلطٌ لدى الأرثوذكس في اليونان بين ما هو يوناني وبين ما هو أرثوذكسي، أصبح الموضوعان مُتلازمان تقريباً، القومي والإيماني أي إذا كان الشخص أرثوذكسياً أم لا، في لبنان هناك تأثّر اليوم بهذا الجو المُنغلِق المُتشنّج. بالنسبة إلى السِّحر هناك تعامُل سحري مع الإله، الإنسان حين تَقدَّم في التاريخ كان يحاول أن يُفسِّر الوجود وأن يتحكَّم به قبل ظهور العلوم، عند حدوث زلزال أو عاصفة أو مطر لم يستطع الإنسان أن يُفسِّر هذه الظواهر بسبب عدم تطوّر العِلم فكان يمارس السِّحر، وكان يحاول من خلاله أن يتعامل مع الألوهة وأن يسخِّرها لخدمة نفسه وأهدافه، مثلاً أن ينتصر في حرب، أن ينجح في أعماله، أن ينبت الزرع إلى آخره، كان يقوم ببعض الحركات أو الطقوس المُعيّنة من أجل أن يستخدم الألوهة. 

غسان الشامي: ولكن في القرن الواحد والعشرين؟ 

خريستو المرّ: المشكلة هي في القرن الواحد والعشرين، أصبح لدينا علوم وبتنا نعرف كيف نتعامل مع أمور الحياة التي نعرفها اليوم في القرن الواحد والعشرين، وفي القرن الثاني والعشرين سيكونون أقدر على التعامل مع الأمور العلمية، إنما نحن اليوم وما فضحته كورونا هو أننا لا زلنا نتعامل مع الله ومع يسوع المسيح بطريقةٍ سحرية، حين تتمّ دعوة الناس إلى الكنائس بحماية المسيح فإنهم يضربون بالعقل والعِلم عَرض الحائط، وفي الإيمان المسيحي لا وجود لحقيقة أن يسوع المسيح حين تتناول يشفيك تلقائياً من المرض، هم يدعون الناس لأن يذهبوا إلى الكنائس حيث يجتمعون وينقلون المرض بضمانة أن يسوع سيحميهم وكأنّ يسوع في جيبهم، وكأنّ لديهم طريقة سحرية في استخدام الإله لحماية الناس.  

غسان الشامي: سنتابع هذا الموضوع ولكن بعد الفاصل، إسمح لنا دكتور خريستو، أعزّائي انتظرونا. 

المحور الثاني:  

غسان الشامي: تحيّةً لكم مجدَّداً من أجراس المشرق، تحيّة إلى ضيفنا العزيز الدكتور خريستو المر من كندا، سأتابع هذا الموضوع معك وللحقّ هو يجب أن يأخذ إشباعاً ما لأن هذه الجوائح دائماً تأتي على الأمم والشعوب، سابقاً كان هناك الطاعون، لنتذكّر تاريخياً في الحرب العالمية، الإنفلونزا الإسبانية، أمراض كثيرة تعاطى معها العالم، هل تعاطت الكنيسة دائماً بهذا الشكل مع الجوائح برأيك، مع البلاوي، مع الأزمات الكبرى؟ 

خريستو المرّ: لا معلومات تاريخية كاملة لديّ عن موضوع تعاطي الكنيسة مع الأزمات، ما أعلمه أنه في القرون الوسطى عندما انتشر مرض الطاعون في أوروبا تعامل الناس بما يعرفونه وهي طريقة غير علمية وساهموا بنشر الأوبئة، وطبعاً تحاملوا على الأقليات في أوروبا وهم اليهود، واتّهموهم بأنهم سبب الطاعون. مشكلتنا اليوم أننا نتحامل على الناس في الكنيسة، حين يأتي أرشمندريت سيصبح مطراناً يوماً ما ويعظ ويتّهم الناس بالهَرْطقة إذا قالوا بعدم التناول في ظل كورونا وأن هذه هرطقة قديمة إلى آخره، هذا إنسان يستخفّ بحياة الآخرين، ما قلّة المسؤولية هذه؟ هذا ما يُثير الذهول، هو لا يخاطر بنفسه فقط وإنما بالغير، كيف يمكن لأيّ إنسان أن يتصرَّف بهذه الطريقة باستخفافٍ تامّ بحياة البشر. المشكلة أن الإنسان حينما يكون في موقع مسؤولية ويدعو غيره فعلى الأقل يجب أن يستطلع رأي الذين يعرفون، إذا كان لا يفقه الطب فليسأل الأطباء لا أن يلبس ثوبه فقط كخوري ويظنّ أنه يعلم كل شيء، إذا درس القليل في اللاهوت فهذا لا يعني أنه يفقه كل أمور الدنيا، أن يحمل شهادة في اللاهوت هذا لا يعني أنه يمكنه أن يفتي في كل الأمور. حين أتحدَّث في الطب أقول إن الأطباء يقولون كذا، أنا أتابع وأقرأ وأنسب الأقوال لعُلماء النفس والأطباء، أنا لست طبيباً نفسياً ولكن يمكنني أن أقرأ وأتعلَّم وأفهم ما يقوله العُلماء، لا يمكن للإنسان أن يُعطّل عقله والاعتقاد بأن الإيمان هو سِحر، هؤلاء الأشخاص الذين يدعون الناس إلى التناول في الكنيسة في ظلّ كورونا وأن الله يحميهم، إذاً لماذا يذهبون إلى الأطباء في الأصل، فليتناولوا والله يحميهم من كل الأمراض، لماذا يحميهم فقط من كورونا؟ لماذا لا يحميهم من مرض الضغط أو من الكولسترول.   

غسان الشامي: لماذا لا يقضي على السرطان مثلاً؟

خريستو المرّ: هذا استخفاف، هناك غياب كامل للعقل بذريعة الإيمان وكأن الإيمان يسدّ العجز، وكأن الإيمان أمر طبي، اللاهوت يقول إن صورة الله في الإنسان تكمُن في عدَّة أشياء، ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وقالوا إن العقل هو جزء من صورة الله في الإنسان، الحرية هي جزء من صورة الله في الإنسان، المحبّة هي جزء من صورة الله في الإنسان، فالعقل إذاً أساسي في الدين المسيحي ولا يعني أن يلغي الإيمان العقل. 

غسان الشامي: ولكن أنت تعلم دكتور خريستو أن الله وهذا سمعناه في سياق هذه الجائِحة المتواصلة والتي يبدو أن شرّها متعاظم، أن الله يختبر البشر بمثل هذه النكبات والجوائح، كيف؟ على أيّة قاعدة لاهوتية أو فُقهية أو عقلية أو طبية أو معرفية يقوم هذا الرأي؟ 

خريستو المرّ: هذا موضوع قديم في الحقيقة منذ زمن أيوب في الكتاب المُقدّس، كان الناس ولا زالوا يعتقدون بأن الله يُعاقِب الإنسان الشرير ومصيره جهنّم ويُكافئ الإنسان الصالح بالجنّة، هذا تعليم عام. إذا تعرَّض الإنسان لأمر سيّىء فلا بدّ من أن يكون هو سيّئاً، والمشكلة كانت أن أيوب كان شخصاً صالِحاً ولكنّه أصيب بالأمراض، والسؤال المطروح كان أنه كيف يمكن لإنسانٍ بار وجيّد أن يتعرَّض لهذه المشاكل والأزمات والأمراض، ذكرتُ أيوب لأن سيرته موجودة في الكتاب المُقدّس، وتطوَّرت هذه الفكرة، هل يا تُرى أن الله يُسبِّب هذه الأمور؟ أيوب ظلّ مُتمسّكاً بإيمانه. لو عدنا إلى ما حصل مع يسوع المسيح، الفكرة الأساسية هي أن الله قادر على كل شيء وبالتالي كل ما يحصل في هذه الدنيا هو من صنع الله وليس وليد الصدفة، والإنسان دائماً يُحلّل الأسباب، العقل يجب أن يُجيب على هذه الأسباب، الله وضع العقل فينا كي نفكِّر في الأسباب. السؤال هو أنه كيف يكون الإنسان صالحاً ويتألَّم، ذات مرّة سألوا يسوعاً مباشرةً، قالوا له هذا الإنسان وُلِد أعمى، هل هو كان خاطئاً ليولَد أعمى أم أن أبويه كانا خاطئين؟ الفكرة أنه إذا واجه الشخص مشكلةً فالله هو السبب ونتيجة خطيئة، ولا يُعقل أن يكون الإنسان بريئاً ويحدث له هذا الأمر، فأجابهم يسوع أنه لا هو أخطأ ولا أبواه، فإذاً يسوع نفى فكرة أن يكون الله سبب ابتلاء الإنسان ليختبره، هذا الفكر ما قبل يسوع، هو فكر شعبي، شعور الإنسان أن ما يحدث له هو بسبب الله، إذا كان يشعر بأنه بريء فيجب أن يكون هناك سبب، الناس يُفسِّرون وحتى الكهنة في الكنيسة يُفسِّرون في حال وفاة أحدهم أن الله يحبّه لذلك أخذه إليه قبل أن يُخطئ، ما هذا الكلام؟ هذا الكلام لا ينسجم مع الإنجيل. هذه الطريقة البدائية في تفسير الأمور ربّما يكون لها وجهٌ آخر، تُفسّر بأن الإله خلق هذا الكون، كوستي بندلي وهو أحد أهم اللاهوتيين الأرثوذكس في القرن الواحد والعشرين في الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية قام بجهدٍ فكري كبير ليُفسّر سبب ابتلاء الإنسان بالمصائب من دون أن يكون الله هو المُسبّب، أستطيع أن أذكر السبب إذا كان هناك مُتَّسع من الوقت، أنا مُتأكّد من أن الأصوليين يرون أن كوستي مُخطئ. 

غسان الشامي: أريد أن أستغلّ الوقت معك، في الحقيقة أنت قرأتَ ما قام به بعض الكهنة أو المسؤولين الدينيين الأرثوذكس ولكن أنت تعلم أيضاً سيّدي أن ذخائر بعض القدّيسين قد جالت بالطائرة فوق سماء لبنان، هذا لا يقتصر على مذهبٍ مُعيّن وأيضاً الكثير من المسلمين لا بدّ من الصلاة، يبدو أن هذا العقل مُتمدِّد ومُتّسع على مساحاتٍ أكبر من مذهبٍ واحد في بلادنا سيّدي. 

خريستو المرّ: برأيي أن الإيمان هو مسيرة، الإيمان بفكرة الآب والإبن والروح القدس إله واحد لا يعني أن الإنسان أصبح مؤمناً خالصاً، هي مسيرة حياة وكل إنسان مُشبَع بتصوّرات عن الله في مجتمعه، هناك تصوّرات في المجتمع وهناك ما تقوله الكتب المُقدَّسة، وهذه مسؤولية التربية، مثلاً في الكنيسة هي مسؤولية التربية الكنسية، وعند المسلمين هي مسؤولية التربية في الجوامع أو المدارس الطائفية الموجودة، فإذاً هذه مسؤولية تربوية بأن يتعلّم الإنسان كيف يُميّز بين الاعتقادات الشعبية وبين الإيمان.

غسان الشامي: حتى لا يذهب هذا العنوان أريد أن أضع خطّين تحت التربية الكنسية، هو موضوع هام جداً مررتَ عليه، أين تضع التربية الكنسية الآن؟ ما علاقتها اللاهوتية أو أين تتقاطع مع الروحانية الكنسية الأولى للمسيحيين؟ 

خريستو المرّ: التربية الكنسية أثبتت فشلها في عدَّة مُنعطفات في بلادنا، حين نتحدَّث عن التربية الكنسية نتحدَّث بشكل عام وسأذكر بعض الأمور التي تبيَّن فشلها، بالطبع هي نجحت في أماكن أخرى، مثلاً الحرب اللبنانية في العام 1975 كان المسيحيون فيها طائفيين، ليس كل المسيحيين بالطبع إنما الأحزاب التي ادّعت أنها مسيحية وهي لا تمتّ برأيي للمسيحية بصِلة من ناحية الفكر والممارسة، ارتكبت مجازر، هل هناك ما يُسمّى مجزرة مسيحية مثلاً؟ الأطراف الأخرى لم تكن أفضل.  

غسان الشامي: لم يكن أحد الأمّ تريزا. 

خريستو المرّ: تماماً، إذاً هناك فشل في التربية، حينما نجد أن مجموعات كبرى من المسيحيين إما كانوا طائفيين وقاتلوا وقتلوا وارتكبوا مذابح بحقّ عزَّل في صبرا وشاتيلا، هذه المجموعات تُسمِّي نفسها مسيحية، المسؤولية ليست فقط على الأشخاص الذين ارتكبوا هذه الأفعال وإنما المتحمّسين في بيوتهم لهذه الأفعال الذين كان يرون أنها أمر جيّد، فإذاً هؤلاء الذين تحمَّسوا والذين ارتكبوا خانوا يسوع المسيح، وبالتالي هنا نستطيع القول إن هذه الظاهرة موجودة على الأرض وتثبت فشل التربية المسيحية، وهذا يعني أن التربية المسيحية هي التي أنتجت هذا الأمر، هذه ليست إرادة الله، كل شيء له أسباب موضوعية منها التربية ومنها الظروف السياسية وتركيبة البلد الطائفية. الطائفية موجودة أينما كان وكراهيّة الآخر، الأرثوذكسي يعتبر أن الله له وأن البقيّة ليسوا مسيحيين، أنا أعرف أشخاصاً يقولون بشكل واضح إن المسيحيين هم أرثوذكس فقط، وعلى الأرجح أن تجد هذا الأمر في كل المذاهب الأخرى الإسلامية والمسيحية. 

غسان الشامي: هناك مَن لا زالوا يقولون إن هذا لا يحقّ لك أن تناوله أيّ أن تقدّم له الخبز والخمر لأنه من غير مذهب.  

خريستو المرّ: هذه تخضع لقوانين داخلية في الكنيسة، لها مُستند قانوني حتى في الكنيسة الكاثوليكية وإنْ كان في الممارسة يمكن للمطران أن يسمح أو لا يسمح للخوري أن يُناوِل غير الأرثوذكسي، هذه الأمور تحصل.   

غسان الشامي: والأرثوذكسي بالعكس، هل يُناوِل أم لا؟  

خريستو المرّ: أعتقد في القوانين الكنسية الموجودة لا يُناوِل لكن في التدبير بمعنى أن المطران يسمح أحياناً بهذا الأمر لأسباب موضوعية، ربمّا لزوجين من طائفتين مختلفتين، أو إذا كانت الظروف الموضوعية لرعيّته تقتضي السماح بهذا الأمر. 

غسان الشامي: هذا يعني أنه توجد أنواع من الخبز أو الخمر الذي تركه السيّد المسيح.  

خريستو المرّ: لا توجد أنواع لكن المُناوَلة لها وضع خاص في الكنيسة، المُناوَلة ليست صلاةً عادية فقط بل هي صلاة تُعبِّر عن وحدة الإيمان المشترك. طالما أنه لا يزال هناك انقسام بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية فالمُناوَلة لا تزال غير ممكنة طالما لا توجد وحدة إيمان، بمعنى أن هناك بعض المواضيع المهمّة من الناحية الإيمانية غير مُتَّفق عليها، لو كانت صلوات أخرى غير المُناوَلة فالأمر ممكن ولا مشكلة ولكن الإشكالية الحقيقية هي حول معنى المُناوَلة التي هي تعبير عن وحدة الجماعة الإيمانية. إذا لم تكن هناك وحدة في الإيمان فلن تكون هناك وحدة في المُناوَلة، هذا الأمر منطقي، ولكن في التدبير يمكن للإنسان أن يسمح بالمُناوَلة لأسباب رعائية.   

غسان الشامي: في الحقيقة أودّ أن أسألك، جزء من عملك هو هذه الأتمتة، هذا الكمبيوتر وبالوضع الصحي الحالي ولكن هل يمكن أن يبقى هذا النوع من الرهبنة في عالمٍ مُعاصر وأن يبقى هذا النوع من التراتبية الكنسية في عالمنا هذا؟  

خريستو المرّ: يجب فَهْم كيفيّة نشوء الرهبنة، الرهبنة كانت حركة احتجاجية في الكنيسة، أنا أستعمل التعابير التي نقولها اليوم، المسيحية نشأت على الهامش في المجتمع الروماني وكبرت إلى حين أن تنصّر الإمبراطور وكل الإمبراطورية لحقت به وبعد أن استقرّ الوضع قمع المسيحيون الأديان الأخرى، قمعوا الوثنية ودمَّروا المعابد مثلما تفعل الأديان الأخرى حين تستقرّ إجمالاً في كل الأماكن والأزمنة، فإذاً ارتكبوا أمراً فظيعاً بأن منعوا الدين الآخر. استقرّ الوضع المسيحي والإمبراطور أصبح مسيحياً والفخامة بدأت في الكنيسة والمصالح والمال والجاه والحروب التي سُمّيت بالحروب المسيحية، فإذاً الرهبنة كانت حركة احتجاجية على هذا الوضع الذي تأقلمت فيه الكنيسة مع وجود الغنى الفاحِش والمصالح المالية ومع وجود إمبراطورية وسلطة وتسلّط إلى آخره، فإذاً الرهبنة جاءت لتُذكِّر المسيحيين بأنهم اخترقوا العالم حتى أصبحوا مثلهم. يسوع صلَّى للآب وقال له "لا أطلب منك أن تخرجهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير"، وقال للمسيحيين "أنتم في العالم ولكن لستم من العالم" أي من نوعيّة التصرّفات والحياة السائِدة. إذاً الرهبنة كانت حركة احتجاجية لتدلّ المسيحيين على أُفقهم ولكي لا يستقرّوا في العالم بشكل يصبحوا فيه مثله، فإذاً الرهبنة كانت مهمة ولا يزال وجودها مهماً ولكن هناك تطرُّف، لذا يجب وجود العقل للتمييز.  

غسان الشامي: في الحقيقة أريد أن أحاورك كثيراً وبانتظارك لأن تأتي إلى لبنان ولكن بقي معي حوالى دقيقتين، هناك سؤال يعلق هنا في الحقيقة. 

خريستو المرّ: نحن بحاجة إلى الرهبنة اليوم، التسلّط الكَنَسي لا ينبغي أن يكون موجوداً لأن أية سلطة كنسية يجب أن تكون مثل سلطة يسوع، وبالتالي سلطة خادمة لا تُخدَم. 

غسان الشامي: أريد أن أسألك في سياق حركة الشبيبة الأرثوذكسية، أنت تعرف تماماً أنه بعد العام 1975 رفضت الكنيسة الأرثوذكسية بشكلٍ جميلٍ منطق المُحاصَصة الطائفية في المراتب والوظائف في الدولة، طلبت معاملة الإنسان كإنسان، الآن هي تُحاصص طائفياً، كيف ترى هذا؟ وكيف ترى مستقبل لبنان بأقل من دقيقةٍ ونصف الدقيقة؟   

خريستو المرّ: أنت تتحدّث عن الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية أليس كذلك؟    

غسان الشامي: نعم. 

خريستو المرّ: الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية كانت لها مواقف متقدّمة جداً في موضوع الطائفية، ما يحدث اليوم هو أنه لم يعد لديها موقف واضح كموقفها في العام 1975 حين رفضت أيّ انضواء تحت عنوان حزب مسيحي، ودعت إلى الوقوف بجانب الفلسطينيين. اليوم يبدو أن هناك مصالح أخرى وخفوت لهذه اللهجة، هناك لغة مزدوجة، من ناحية نحن ضدّ الطائفية ونريد الدولة المدنية ولكن حتى ذلك الحين يجب أن نحافظ على حصّتنا الطائفية، وهنا الكارثة. في النهاية أنت لا تدفع بشكلٍ حاسمٍ وحادّ وتعلّم الناس على العمل من أجل الخروج من هذا الوضع الكفري الذي هو الطائفية الذي هو وضع مُضاد لكل تعاليم يسوع المسيح، هذا الوضع الطائفي هو الذي يُخرِج الناس من الإيمان إلى الانغلاق، بدلاً من أن يكون المسيحيون ملحاً في الطعام ويساهموا مع الآخرين في أن يصبح للمجتمع نكهة إنسانية أكبر، على العكس يدخلون أكثر في لعبة التقسيم الطائفي.                          

غسان الشامي: أنا بانتظارك في بيروت عندما ننتهي من كورونا لنتابع هذا الحوار الشيِّق. أعزّائي لم يعد أمام هذه البلاد متّسعٌ للنجاة إن بقيت ترتّق قمصان ماضيها الفكري والديني والثقافي، ما من أملٍ إلا بحركة وعيٍ يمكنها ضخّ الروح في الآتي قبل الماضي. شكري للدكتور خريستو المرّ من كندا على أمل كما قلتُ له في حوارٍ آخر في الوطن، شكري الجزيل لزملائي الأعزّاء في أجراس المشرق وفي الميادين، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.  

 

            

البرنامج

إعداد
غسان الشامي
تقديم
غسان الشامي
المنتج
هشام الهاشم
الايميل