• مصر لها اهمية كبيرة كموقع وموضع، لها اهمية كبيرة باعتبارها البلد الذي بدأت من حركة الاسلام السياسي... والبلد الذي ظهرت فيه صحوة هائلة ، في الجامعات كان عمدها الشباب الصغير
    10:23 د.
  • الجماعات الاسلامية واحدة في العقلية والافكار... الجميع يؤمن بفكرة استعادة التاريخ
    12:30 د.
  • ما اراه مشتركا بين صالح سرية وغيره ممن حاول احذاث انقلاب في الدول العربية هو ان هؤلاء الشخاص لم يكونوا من درجة علماء يمكنهم استصدار اي فتوى في الميدان الشرعي او المجال الفقهي
    19:21 د.
  • الحركات الاسلامية تتعامل بأنها لا تحتاج الى تنظير...
    28:35 د.

رسالة الإيمان.. فقه الانقلابات

صالح عبد الله سرية إسم لمع في عالم التنظير الجهادي وتصدر المشهد الإسلامي في أكثر من رقعة جغرافية , صحيح أنه ولد في ولد في حيفا بفلسطين , لكنه لجأ مع أفراد عائلته في 1948 إلى العراق . التحق بكلية التربية في جامعة بغداد ونال درجة الماجستير عن أطروحته "تطوير التعليم الصناعي في العراق.. في كتابه ر سالة الإيمان تكلم عن منطلقات تفكيره وهي: الجهاد وهو الطريق لإقامة الدول الإسلامية والحكم بتكفير الحكام وجاهلية المجتمع واعتبار المجتمعات الإسلامية دار حرب, كل من ينفذ أوامر الدولة الكافرة ضد الإسلام والحركة الإنسانية فهو كافر والتفريق بين الامتناع الجماعي والامتناع الفردي بمعنى أن الترك الجماعي لأي ركن من أركان الإسلام كفر. في كتيّبه يحاول سِرّية تشخيص "الكفر المعاصر" الذي وقع فيه المسلمون من حاكمية غير الله والتصدي لهذه "الردة".

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم. 

صالح عبد الله سرية إسم لمع في عالم التنظير الجهادي، وتصدَّر المشهد الإسلامي في أكثر من رقعةٍ جغرافية. صحيح أنّه ولِدَ في حيفا في فلسطين لكنّه لجأ مع أفراد عائلته إلى العراق، والتحق بكلية التربية في جامعة بغداد، ونال درجة الماجستير عن أطروحة بعنوان تطوير التعليم الصناعي في العراق. وهناك تزوَّج من امرأةٍ عراقية، فأنجبت له ست بنات وثلاثة ذكور. أسَّس مع رفاقٍ له جبهة التحرير الفلسطينية، وسُرعان ما انضمّ إلى جماعة الإخوان المسلمين في العراق، وأصبح قائد جناحها العسكري. غادر العراق إلى سوريا، ومنها إلى مصر، ويُقال أنّه أقام في الأردن فترة أيضاً حيث انضمّ إلى جامعة عين شمس في مصر لينال شهادة دكتوراه عن أطروحة بعنوان تعليم العرب في إسرائيل. وفي مصر واصل نشاطه مع الإخوان، وكان يطالب بتنظيم انقلاب عسكري لإقامة دولة إسلامية، وحال وصوله إلى القاهرة اتّجه إلى منزل السيّدة زينب الغزالي التي لعبت دوراً أساسياً في تقديمه إلى المُرشد العام المُستشار حسن الهضيبي، وعرَّفته بمجموعات الشباب الجديد، ومنهم طلال الأنصار وغيره.

قال أيمن الظواهري في كتابه "فرسان تحت راية النبي" عن سرية إنّ صالح سرية كان مُحدِّثاً جذَّاباً ومُثقّفاً على درجة عالية من الإطّلاع والمعرفة، وكان حاصلاً على درجة الدكتوراه في التربية من جامعة عين شمس، كما كان مُطّلعاً على العلوم الشرعية. اعترف سرية بتأسيس تنظيم الفنية العسكرية للإطاحة بنظام السادات في مصر، بل عيَّن نفسه رئيساً لجمهورية مصر العربية خلفاً لمحمد أنور السادات.

في كتابه "رسالة الإيمان" تكلَّم عن مُنطلقات تفكيره وهي الجهاد وهو الطريق لإقامة الدول الإسلامية، والحُكم بتكفير الحُكَّام كلّهم، وجاهلية المجتمع، واعتبار المجتمعات الإسلامية دار حرب، وكل مَن يُنفِّذ أوامر الدولة الكافِرة ضدّ الإسلام والحركة الإسلامية فهو كافر، والتفريق بين الامتناع الجماعي والامتناع الفردي بمعنى أنّ الترك الجماعي لأيّ رُكن من أركان الإسلام كفر. في كُتَيِّبه يحاول سرية تشخيص الكُفر المُعاصِر الذي وقع فيه المسلمون من حاكمية غير الله، والتصدّي لهذه الردَّة. فيُميِّز بين دار الإسلام الذي تكون فيها كلمة الله هي العُليا، ويحكم فيها بما أنزل الله حتى لو كان كل سكانها كافرين. ودار الكفر التي تكون فيها كلمة الكفر هي العليا، ولا يحكم فيها بما أنزل الله ولو كان كل سكانها مسلمين. وعليه فإنّ الدولة القائمة في جميع البلاد الإسلامية كافرة كافرة كافرة كما قال. وأما المجتمعات فهي مجتمعات جاهلية، والجهاد ضد هذه الدولة الكافرة فَرْض عين. ومن مؤلَّفاته أيضاً كتاب بين الاتّباع والتقليد.

أصدرت المحكمة المصرية العام 1976 حُكمها بإعدام كل من صالح سرية وطلال الأنصاري وكارم الأناضولي وبمُعاقبة قيادات التنظيم، ويُقال أنّ طلال جرى التخفيف عنه لكون أبيه كان شاعراً. قال عنه رفيقه والقيادي الثاني في تنظيم طلال الأنصاري في كتابه "صفحات مجهولة في تاريخ الحركة الإسلامية المُعاصِرة" كان صالح سرية شخصية كارزمية لا يملك من يقابله فكاكًا من أن ينبهر به بخلقه بشخصيّته بعِلمه، وقُدرته الفائقة على الإقناع بأبسط الطُرُق وأيسرها، وقُدرته على صوغ أعقد القضايا وعرضها في كلمات بسيطة وموجَزة.

"كتاب (رسالة الإيمان) لصالح سرية فُقه الانقلاب" عنوان برنامج أ ل م.

ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة ضيفنا العزيز الدكتور كمال حبيب الأكاديمي والخبير في الحركات الإسلامية، ومن مصر الحبيبة أيضاً الدكتور عبد الباسط هيكل الباحِث والأكاديمي المُتخصِّص في تحليل بُنية الخطاب الديني، ومن الجزائر الحبيبة الأستاذ الباحث حسين قهام المُتخصِّص في الدراسات الإسلامية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال صالح سرية وهو معي على الصورة في أثناء محاكمته جاء من فلسطين إلى مصر مبدئياً. أريدك أن تفسِّر لي أمراً يطرحه أكثر من باحث. لماذا ترك بعض الفلسطينيين فلسطين محتلَّة وهرولوا باتجاه الأمصار المصرية أو العراق، أو سوريا، أو الجزائر سابقاً وليبيا وموريتانيا؟ نحن أمام نموذجين دكتور عبد الله عزام صاحب كتاب "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" الذي ترك جنين في فلسطين وذهب إلى أفغانستان والدكتور صالح سرية الذي ترك حيفا وذهب إلى مصر.

 

كمال حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم هذه الظاهرة هي ظاهرة وجود أعداد كبيرة من الفلسطينيين داخل الحال الراديكالية أو السلفية الجهادية كما تفضّلت، لدينا صالح سرية وعبد الله عزام وأبو قتادة الفلسطيني ومحمد سالم الرحال وغيره الكثيرون. وهذه المسألة لفتت الانتباه حول هذه القصة، أغلب هؤلاء الفلسطينيين عاشوا فترة الشتات وفكرة الاستقراء لديهم أو فكرة الوطن لديهم لم يتمتَّعوا بها أو لم ينعموا بها، ولذلك سعوا إلى أن يجدوا في أوطان بديلة هجروا إليها أو شتّتوا إليها بعد الـ 48 كحال صالح سرية مثلاً ذهب إلى العراق وتزوَّج عراقية هناك، وأقام وقتاً طويلاً هناك، ثمّ جاء إلى مصر.

مصر هي المركز الاستراتيجي وقلب العالم العربي ليس فقط على مستوى الإقليم، ولا على مستوى الموضع والموقع كما يقول جمال حمدان، وإنّما أيضاً بالنسبة إلى الحال الإسلامية أو الحركة الإسلامية فيها وفي فترة السبعينات تلك وهي الفترة التي جاء فيها صالح سرية إلى مصر مطلع 71 كانت هذه الفترة هي فترة ثريّة تصالح فيها السادات مع الإخوان المسلمين، وبدأ الإخوان يخرجون من السجون، وبدأت حركة ما يُطلَق عليه إحياء الإسلام تصعد في ذلك الوقت، وكان هناك الشباب الذين التقاهم صالح سرية كان صالح لا يمكنه أن يجد أمثال هؤلاء الشباب الغضّ اليافِع المُتحَمِّس لدينه في أي بلد آخر، وبالإضافة طبعاً إلى أنّه كانت لدى صالح مشكلة مع الإخوان المسلمين في العراق، وأراد حلّها فجاء إلى هنا، والتقى بزينب الغزالي كما التقى بالمُرشد الثاني حسن الهضيبي ليحاول مدّ خطوط مع حركة الإخوان المسلمين تعطيه الشرعية. ولكنّه في النهاية التقى هؤلاء الشباب، ولم يستطع أن يقنع الإخوان الذين كانوا في تلك الفترة قد خرجوا من السجون، وكان حسن الهضيبي يقول نحن لن نفعل شيئاً، وخرجنا من السجون، وأدّينا رسالتنا، وليس لدينا طموح لعملٍ جديد. هذا كان سنة 74 بعد سنوات 75 و76 و77 حصلت اتفاقات جديدة بين الإخوان المسلمين والسلطة خاصة في الجامعة تؤدّي إلى حضور الإخوان في الجامعة وبشكلٍ أكبر ممّا كان متوقَّعاً في ذلك الوقت.

مصر لديها أهمية كبيرة كموقعٍ وموضعٍ ولها أهمية كبيرة باعتبارها البلد التي بدأت منه حركة الإخوان المسلمين وحركة الإسلام السياسي، والبلد الذي كانت فيه صحوة هائلة، أو حركة بَعْث أو يقظة قوية في الجامعات كان عمادها الشباب الصغير من طلبة الجامعات.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال ولعلّ صالح سرية أوضح عندما سئل لِمَ تركتم فلسطين وجئتم إلى مصر؟ وقد أعلن نفسه رئيساً لجمهورية مصر العربية، وكأنّ مصر لا توجد فيها كفاءات وطنية مصرية قال لا بدّ لنا من أن نقيم دولة إسلامية في خطوط المواجهة، من ثم نعود إلى فلسطين، لكنه أضاع الطريق.

دكتور هيكل بالعودة إلى رسالة الإيمان للدكتور صالح سرية، هذه الرسالة القنبلة واقعاً وممّا جاء فيها من اشترك في حزب عقائدي غير إسلامي فهو كافِر، ومَن اعتنق فلسفة مُخالفة للإسلام فهو كافِر الوطني، البعثي، القومي، الشيوعي، الرأسمالي، فهو كافِر، الحُكَّام كلّهم كَفَرة وما إلى ذلك. كيف تقرأ رسالة الإيمان لصالح سرية؟ وهل تأثّر بسيّد قطب الذي سبقه بكتاب معالم في الطريق؟

 

عبد الباسط هيكل: بسم الله الرحمن الرحيم أنا بداية أريد أن أقول بأنّه لا تخلو المجتمعات البشرية في عصورها المُتعاقِبة من تيارات مُتدافعة تركِّز على الهدم كوسيلةٍ لبناء هذه التيارات المُتدافِعة تجد في مُقدّمها الجماعات الإسلامية، وأنا إذا نظرت إلى فكر صالح سرية أو إلى فكر سيّد قطب فنحن كمَن يريد أن يتعرَّف على حال جسم فيأخذ قطرة من دم ليضعها تحت المِجْهَر.

الجسم واحد، والجماعات منذ أول محاولة للخروج على الإيمان، وإلى يومنا العقيدة واحدة، الدم واحد، الأفكار واحدة، التبادُل لا يختلف في الأفكار الجميع يؤمِن بفكرة استعادة التاريخ ويتعامل مع التاريخ كأنّه ليس نتاج المسلمين، ولكنه نتاج الإسلام. إذا كان صلاح الدين الأيوبي انطلق من مصر وبعد أن استطاع أن يحكمها إلى بلاد الشام ليستردّ المسجد الأقصى فصالح سرية لا بدّ من أن يأتي إلى مصر ومنها إلى بلاد الشام، ثمّ إلى المسجد الأقصى. وإذا تأمّلنا في أفكار صالح سرية، إذا رأيناها فإنّها لا تختلف عن أفكار قطب. إذا نظرنا مثلاً إلى رسالته الإيمان وما تشتمل عليه من ألغام فكرية سنجدها تتطابق مع سيّد قطب عندما يقول سيّد قطب نحن أمام إله، أم آلهة تُعْبَد من دون الله. جعل الدولة المعاصِرة هي الطاغوت، وجعل الله هو بديل وحُكم الله هو بديل للدول.

هذه الفكرة التي يتعامل فيها قطب مع القانون بصفته أحد الأوثان المعنوية سنجدها حاضرة في رسالة صالح سرية، صالح سرية عندما قدَّم فكره لم يقدِّمه بوصفه اجتهاداً وأفكاراً إنسانية. الأفكار كُتِبَت حول الدين، ولكن صاغها تحت عنوان رسالة الإيمان حتى أنّه رفض كلمة العقيدة، وقال بأنّ العقيدة تدخل فيها آراء المُتكَّلمين وما يتّصل بالصفات والتشبيه وكذا، هو يتحدَّث عن الإيمان النقيّ. ويزعم أنّه يقدِّم الإيمان النقيّ، ووضع في صُلب الإيمان النقيّ تصوّراته عن الحُكم ومفاهيم مثل مفاهيم الجاهلية، وأنا أريد أن أقف عند هذا المفهوم هذا المفهوم الذي قدَّمه سيّد قطب، وتحدَّث عنه بشكلٍ واضح عندما قال بأنّ الجاهلية ليست  فترة زمنية، ولكن الجاهلية هي حال تعود إليها المجتمعات هي الفكرة نفسها التي نراها عند صالح سرية. وهنا لي ردّ ولي فكرة أنا أناقش فيها لمَن يطرح مثل هذا الطرح، عندما نتحدَّث عن الجاهلية في مفهومها الجاهلية، نعم هي حال حال من الانفعال ومن الغضب حال ممَّن يتحدَّث باسم الله الكهنوت الذي وجد في البيئة القبلية عندما يتحدَّث كاهن إله أو صنم ويقول أنا أتحدَّث باسم الله وعن الله، والإسلام جاء ليستردّ سلطة العقل من الكاهن. 

ما الذي تقوم به الجماعات في أن تتحوَّل إلى كهنوت آخر جديد تسلب العقل من أتباعها، وتقوم القيادات بمهمة التفكير مَن الذي يمارس الجاهلية الجاهلية حال من الانفعال قالها الشاعر الجاهلي عمر إبن كلثوم بشكل صريح ألا لا يجهل أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين، لمَن يغضبنا نغضب غضب أشد من غضبه. وقالها القرآن للنبي "فلا تكوننّ من الجاهلين" من الغاضبين.

مَن الذي يُقدِّم صوت الانفعال والغضب بشكل دائم؟ إنّها الجماعات وليس المجتمعات الجماعات. إذا أردنا أن نسقط، وأن نفكّر بطريقتهم فهم الذين يقدِّمون خطاباً جاهلياً. هم الذين يعيشون حالاً من الجاهلية، حالاً من الانفعال، حالاً من الاستيلاب ومن الاختطاف للدين ولسلطة الدين عندما يقدِّمون أنفسهم كمُرادِف للإسلام.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الباسط أرجو أن تبقى معي لمناقشة بقيّة لنقاط.

الأستاذ حسين قهام من الجزائر الحبيبة، هنالك مَن أراد الانقلاب أيضاً على السلطة الجزائرية في التسعينات ومن أواخر الثمانينات مصطفى بويا علي الذي أسَّس الحركة الإسلامية المسلَّحة في الجزائر، وهجم على ثكنة عسكرية. استنساخ لتجربة صالح سرية في هجومه على الكلية الفنية العسكرية وتسخيره لضباط وقرَّروا سرقة السلاح، والذهاب إلى الاتحاد الاشتراكي لقتل السادات وبقيّة الوزراء، ومن ثمّ إعلان دولة إسلامية. هل تأثّرت الحركة الإسلامية المسلَّحة في الجزائر بأفكار صالح سرية أستاذ حسين؟

 

حسين قهام: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قضية مصطفى بويعلي ربما يجهلها إخواننا من خارج الجزائر. هو حقاً هذا الإنسان كان إماماً خطيباً في أحد المساجد هنا في ضواحي العاصمة، وكان له حماس مفرط حتى أنني شخصياً لم أحضر تلك الدروس في بداية الثمانينات كنّا أيامها أطفالاً، لكنّ الناس الذين يحضرون تلك الدروس يحدِّثوننا أنّ الرجل كان يستغلّ درس الجمعة ما قبل الخطبة قرابة ساعة من الوقت لكي يُفْرٍغ كلّ ما في جُعبته من غضب على الدولة أو السلطة القائمة فكان الدرس سياسياً، لم يكن دينياً لا موعِظة ولا شيء من هذا القبيل.

هل تأثّر بصالح؟ أم لا؟ هذا لا أستطيع أن أجيب عليه لأنّ الفترة التي عاش فيها مصطفى بويعلي حقيقة لم تدوَّن، ولم يُكْتَب عنه أي شيء اللهمّ إلا أحد رفقائه في ذلك العمل المسلح، وهو مراح وحدث فقط عن فترة خروج مصطفى بويعلي على الحاكم كما يعبّر عنه في التعبير الشرعي أي في تلك المحاولة الانقلابية. والحمد لله إنّها كانت فاشلة، ولكن للأسف ذهب ضحيّتها العديد من أفراد الجيش الشعبي الوطني وقوى الأمن هنا في الجزائر. وأذكر أنّ المشايخ الذين كانوا على رأس الفتوى والمرجعية في الجزائر من أمثال الشيخ أحمد  سحنون رحمة الله عليه كانوا يُندِّدون بذلك العمل المسلّح، وكان العُلماء بالإجماع في الجزائر ضدّ هذا العمل، هذا يُسجَّل على ما حدث في فترة مصطفى بويعلي في ثمانينات القرن الماضي. لكن الذي أراه مشتركاً ما بين مصطفى بويعلي أو صالح وغيره من الذين حاولوا إحداث انقلاب داخل الدول العربية أو الدول الإسلامية بصفةٍ عامةٍ هو أنّ هؤلاء الأشخاص في حقيقة الأمر، والكل يؤكِّد على هذه النقطة ويتّفق عليها أنّ هؤلاء الأشخاص لم يكونوا من درجة عُلماء  يحقّ لهم أو يمكنهم استصدار أية فتوى من الميدان الشرعي، أو في المجال الفُقهي فقضية كقضية أمّة وقضية دماء وقضية إسقاط دولة، أو تغيير نظام حُكم قضية عُظمى قضية لا يمكن لشخص مُتهوِّر، أو من الذين يمارسون هواية مُطالعة الكتب الدينية إلى أن يستغلّ حماسه أو يستغلّ إيمانه المُفْرط بحسب زعمهم وقربه من الله أكثر من غيره لكي يؤسِّسوا أو يقرِّروا عن شعبٍ بأكمله وعلى أمَّة بأسرها لتعيين نظام مُعيَّن أو تغيير نظام مُعيَّن.

هؤلاء الذين أثاروا الفِتَن بهذه الصفة أرى وبهذه العين  أنظر إلى هذه الحركات التي جلبت علينا الدمار وجلبت علينا الخسائر أكثر، والحقيقة لم تكن هناك أية فائدة جُنِيَت من العمل المسلَّح بأسره، بل إنّ الحركات الإسلامية بحد ذاتها إذا وضعت في الميزان وهذه قرابة القرن من نشاطها في الحقل الدَعَوي داخل الوطن العربي على وجه الخصوص لا يذكر ولا نستطيع أن نقول قد ساهمت في تطوير العالم العربي أو إحداث كوَّة في هذه المنطقة أو حتى إحداث أيّ تهديد للعدو الحقيقي، وهو العدو الصهيوني الذي يحتلّ أرض المسلمين وصار من داخل هذه الأراضي يُهدِّدنا جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين ذكرت الشيخ أحمد سحنون رحمة الله عليه، وهو مرجع فُقهي جزائري كان يُسمِّيه التكفيريون فقيه الثورة الزراعية نسبة إلى مشروع هواري بومدين عن الثورة الزراعية. تماماً كما أطلق التكفيريون في مصر الرصاص على العين اليسرى للشيخ الذهبي بحجَّة قول الرسول إنّ الشيطان يسكن في العين اليسرى. الله يقول الإنسان مُتكامِل، والتكفيريون يقولون الشيطان يسكن في العين اليسرى. هي قنبلة نووية بالفعل دمَّرت العالم العربي والإسلامي.

دكتور كمال إذا ولجنا وغُصنا في رسالة الإيمان في الواقع كان يجب أن يُسمِّيها صالح سرية رسالة الكُفر لأنّه كفَّر وكفَّر من أول الكتاب إلى آخره. ثانياً الذي لاحظته وأنا أقرأ أدبيات التكفيريين في خط طنجة جاكرتا حقيقة حتى الحركة الإسلامية التكفيرية في أفريقيا بوكوحرام وغيرها جماعة الشباب في الصومال قرأت أدبياتهم هم لا يكتبون مجلَّدات فيها تأصيل، وفيها قال الله تعالى، وهذا المُفسِّر رأيه وذاك المُفسِّر رأيه، إنّما هي كُتيبات لكن هذه الكُتيبات أثارت قلاقل وفجَّرت الأمن القومي العربي. ما الذي تقوله أكثر في رسالة الإيمان أو الكفر؟

 

كمال حبيب: رسالة الإيمان هي رسالة صغيرة، وعلى فكرة أغلب مَن كتبوا من المُتشدِّدين أو الكُتُب التي أسَّست للعنف أغلبها رسائل معالَم في الطريق، أيضاً لا نستطيع أن نعتبره كتاباً بالمعنى الكبير، وكذلك رسالة الإيمان طبعاً رسالة صغيرة، حتى زينب الغزالي عندما كانت تُسأل في التحقيقات كانت تقول كرَّاسة ككرَّاسات الأولاد، جلدها أزرق وهذه الرسالة طبعاً طبعها في الجامعة سنة 77 للطلبة وقتها اتحاد طلاب دار العلوم كلية دار العلوم في جامعة القاهرة. وكما تفضَّلت هذه الرسالة هي المدرج الثاني، وأنا أقول هناك مدرج في التفكير بدأ مع التنظير العام لسيّد قطب ومن قبله طبعاً أبو الأعلى المودودي حيث استخدم المودودي الحاكمية، واستخدم سيّد قطب الجاهلية استخدم أكثر من 70 مرة في كتابه المعالِم، ثمّ جاء صالح سرية في رسالة الإيمان، بدأ ينقل النظرية العامة إلى واقع يُمارَس في الأرض واستخدم بدل م ن لفظ الجاهلية الذي استخدمه سيّد قطب استخدم لفظ الكفر والإيمان وحتى هو يقول في رسالة الإيمان إنّ هذه أول رسالة ترصد في عالم المجتمعات المسلمة، ما أطلق عليه هو الردَّة الجماعية الردَّة الجماعية وحتى سيّد قطب لم يستخدم هذا التعبير ولم يستخدمه أيضاً أبو الأعلى المودودي. 

نحن أمام مدرج للعنف يتَّخذ درجات تصاعُدية نحو مزيد من وَسْمِ هذه المجتمعات بالردَّة، وكما تفضَّلت هو يقول أنا لا أحب أن استخدم مُصطلح العقيدة، إنّما أحبّ أن أستخدم مُصطلح الإيمان والكفر، ويُقسِّم العالم إلى فسطاطين كما كان يتحدَّث أسامة بن لادن بعد ذلك. وأنا مُنْدَهِش جداً أمام مضخّة تكفير هائلة وضعت من أول مثلاً الحكَّام والدول والمجتمعات وداخل المجتمعات الأحزاب السياسية والأفكار القومية والاشتراكية والعلمانية والديمقراطية، ثمّ جمعيات الروتري والليونز وغيرها والذين يرشِّحون أنفسهم والذين يصوِّتون لغير ما يعتبره هو نفسه ممثلاً للجماعة الإسلامية، أو موالياً لها وأولئك المُشرِّعون في البرلمانات والقضاة والمستشارون، وثمّ ضباط الشرطة والعساكر وتحميل الناس مسؤولية الكفر من دون أن يكونوا مسؤولين عن ذلك. نحن هنا أمام مضخَّة هائلة للتكفير.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال وأنا اطّلعت على ما ورد في ملفات المخابرات المصرية بشأن التحقيق مع سرية، الذي عجبت له أنّ العرب قديماً قالت يا غريب كن أديباً. مصر علَّمته، مصر آوته، مصر احتضنته، ثمّ يقتل ضباط مصر الذين يدافعون عن أمن مصر وأمن النيل ويُعيِّن نفسه رئيساً لجمهورية مصر. لعمري تلك ثالثة الأثافي كما تقول العرب.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. 

مَن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج كتاب رسالة الإيمان للدكتور صالح سرية مُكرّساً فقه الانقلاب وشرعيته في خط طنجة جكرتا.

دكتور عبد الباسط هيكل قبل أن تغوص أكثر في تحليل بنيوية النصّ عند سريّة، وما ورد في رسالة الغيمان أريدك أن تردّ على هذا السؤال، معظم الذين فجَّروا العنف في العالم العربي والإسلامي في المشرق العربي في مغربه لم يكونوا مُتخصِّصين في الدراسات الإسلامية. أيمن الظواهري طبيب، وأسامة بن لادن خرِّيج كلية الإدارة والأعمال درجة بكالوريوس، ليسانس شكري مصطفى (جماعة التكفير والهجرة) زراعة، أيضاً صالح سرية تربية وتعليم. ما هذه الظاهرة أن يقود مُثقَّف حركة إسلامية؟

 

عبد الباسط هيكل: أنا أظنّ أنّك أجبت في الجملة الأخيرة عن الحركات الإسلامية أنّها تتعامل على أنّها ليست في حاجة إلى التنظير، التنظير والفلسفة هما نوع من أنواع السَفْسَطة وهذا شيء يرونه لا يستحقّ أن يُبْذَل فيه جهد. لماذا تأتي عادة القيادات من كليات عملية وليست نظرية؟ لأنّه إذا درس الدرس النظري الفلسفي التعدّدي الإجمالي النسبي أنّ المفهوم أصبح ليس هو كما كان قديماً مفهوم جامِع مانِع، وهناك مفاهيم مُتعدِّدة لا تستطيع أن تضع مفهوماً وتقول هذا هو الكفؤ، وتضع لي مفهوماً آخر، وتقول هذا هو الإيمان. وإذا أتيت لي بنصّ تقول لي هذا كافر سأحضر لك نصَّاً من كُتُب الأحاديث، أقول لك هذا مؤمِن مَن أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا له العصمة لقد قضي الأمر في أي أمر تتحدَّث الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أنت معك نصّ تتحدَّث عن فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر، وتقول هذا هو الخبر فأنا معي خبر هذه الاحتمالية ترتبط بالعقل الذي يقوم بالدراسات النظرية، وأبحث في الفلسفات. أما الكليات العملية فهي تقوم على الحركة على 1 زائد 1 وهم يريدون أن يحوِّلوا العقل الإنساني باحتمالية اللغة العربية ونصوصها بطبيعتها احتمالية كما قال الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر سابقاً رحمة الله عليه.

قال لهم نستطيع أن نقدِّم مفاهيم قاطعة في الفكر الإسلامي لأنّ طبيعة اللغة التي نزل بها الوحي هي لغة احتمالية. أضف إلى ذلك إنّ من الأخبار والأحاديث التي يستند إليها ما هو احتمالي الثبوت أيضاً هذه الإشكاليات هم يجهلونها تماماً، ويريدون أن يصنعوا من الإسلام كيمياء أو طباً، ويرون أنّهم هم المِشْرَط هكذا كانوا يقدِّمون أيمن الظواهري، ويقولون إنّه طبيب الأمَّة. وعندما كانوا يتحدَّثون عن أفكارهم بأنهم يستأصلون مرضاً من جسد الأمّة دائماً يتدخّلون ويقطعون ويحتقرون الفلسفة والتنظير والنسبية لأنّهم يرون ويظنّون أنّهم لا يقدِّمون فَهْماً للإسلام، ولكن يقدِّمون الإسلام هم المُرادِف للإسلام. وإذا سمحت لي أن أعرض في أربعة سطور قضية الفنية العسكرية، عندما أراد أن يقدِّم كامل الأنضولي وهو في قفص الاتهام مع صالح سرية ماذا قال؟ قال نحن لا نحاكم من أجل قضية الفنية العسكرية وليست القضية قضية صالح سرية ولا قضية كارم الأنضولي، لكنها قضية الإسلام منذ أحمد إبن حنبل وذَكَر سيّد قطب وذَكَر حسن البنا ليقدِّم لنا كيف ينظرون. هم مُرادِف الإسلام كلمة حسن البنا عندما قال وإذا سألوكم مَن نحن بعد بعض الجُمَل التوضيحية فقولوا لهم نحن الإسلام، هو العنوان في إحدى رسائله الإخوان المسلمون أو الدعوة الإسلامية في القرن العشرين.

هذه الحال تجعلهم ينظرون عن يقين أنّهم ليسوا في حاجة إلى تنظير، هم يمتلكون النصّ المقدس في عقولهم في تصرّفاتهم، لذلك لا يقومون بمراجعة ولا يكون هناك تقييم ودائماً الجماعات خطابها خطاب يشبه أفران البلاغة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الباسط من باب التأكيد على ما قلت عندما ينتمي الإنسان إلى الإخوان المسلمين ويذهب إلى المُرشِد أنت تعرف القَسَم الذي يُقدِّمه نُقسم على السمع والطاعة طاعة عمياء للمُرشٍد هؤلاء أعاروا جماجمهم لمَن يفكِّر بدلاً عنهم. عملية بيع العقل؟

 

عبد الباسط هيكل: أنا دائماً أقول الإخوان هو جسد مُترَهِّل ضخم بعقلٍ صغير يتمثّل في بعض القيادات، القيادات هي التي تقوم بالحَقْن لهذا الجسد الإخوان لا يكونون الأصل داخل الجسم إلا بالبيعة، والبيعة تأتي عبر رسالة التعاليم ليست التعليم، ولكن التعاليم هي فعلاً تعاليم من هذه التعاليم  أركان عشرة، أركان لهم السمع والطاعة والثقة المُطلقة ومثل هذه تحوّل الأخ إلى ترس في ماكينة هذه الماكينة هي الإخوان هي التنظيم الذي يتمّ ممارسة خِداع ضلالي، ويتمّ استبدال تنظيم الإخوان بالعمل المُنظَّم، وهذا ليس عملاً منظّماً، هذا تنظيم سرّي يخضع للائحة سرّية يقيس الولاء والبراء في بيعته، وفي نصّ البيعة لا يختلف كثيراً عن النصّ الذي تُبايع به الجماعات المسلّحة الجهادية الأخرى، بل إنّني أقول إنّ أيمن الظواهري كان صادقاً، واتفق بهذه النقطة مع زعيم تنظيم القاعدة عندما قدَّم الجماعات في كتاباته وفي أدبياته ككيانٍ واحد، وأنا أقول دائماً في كتاباتي نحن أمام جماعات التمايُز بين الإسلام عن المسلمين، جماعات امتلاك تلك الحقيقة. نحن عندما نتحدَّث في كتاباتهم سنجد فقط المُعْلَن وغير المُعْلَن المرحلية متى يكون التمكين، ومتى نلجأ إلى السلاح، ومتى لا نلجأ. يحيى هاشم وكان من المُقرَّبين ومن المُتأثِّرين بصالح سرية، يحيى هاشم كان إخوانياً، وكان قريباً من دوائر الإخوان، وكان إبناً من أبناء الإخوان، وهو أول مَن قدَّم تجربة الحرب حرب العصابات.

صالح سرية في تجربته وفي فكره الانقلاب كان من داخل الجيش، وكان يريد هذا والذي ينكره والذي لم يقله صراحة ولم يقله أيمن صراحة أنّ أحد عناصر هذا التنظيم هو الذي أبلغ عن هذا التنظيم، وكان سبباً من أسباب فشل تلك التجربة، ولكنهم ينأون بأنفسهم عن البشرية، وأنّهم لا يخونون، ومنهم مَن يخون ومنهم مَن يرتكب كذا وكذا وكذا. الذي أريد أن أقوله هي تجربة واحدة كما قالها أيمن الذي قدَّم نفسه على أنّه ترشيد، وقدَّم صالح سرية على أنّه المُلْهِم الذي استطاع أن ينتقل بفكرة سيّد قطب عندما قدَّم الفكرة سنة 1965 القضية التي أُعْدِم بها وأُدين بتحقيقات حقيقية، وليس كما يُقال بأنّها مُزيَّفة وأنّه لم يكن داعياً إلى العنف.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الباسط مصيبة الإسلام منذ كان أنّ قوماً تصوّروا أنّ الله اختارهم ووكَّلهم وعيَّنهم ليدخلوا هذا إلى الجنة وذاك إلى النار، وحكموا على هذا بالإيمان وذاك بالكُفر، وهم أبعد ما يكونون عن المولى عزّ وجلّ.

أستاذ حسين قهام من الجزائر الحبيبة وأنت تقرأ رسالة الإيمان لصالح سرية، هل وجدت تشابُهاً بين النصّ السري والنصوص الحمراء التي ألغت الإنسان وأستأصلت الإنسان وقضت على الإنسان، وأتاحت الذبح من الوريد إلى الوريد بطريقةٍ جميلةٍ تجد المُكفَّر يقتل ويذبح، ويقول إنّني أرضي ربّ العالمين، كأنّ هذا الربّ مصَّاص دماء.

 

حسين قهام: أكيد نحن نقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى قوله وزيَّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. الشيطان كما ذكرت هذا في إحدى الِحصَص لا يقف خلف الطريق، بل يقف داخل الطريق، أي الطريق المؤدِّي إلى الله سبحانه وتعالى الطريق المستقيم. ثمّ لأقعدنّ لهم صِراطك المستقيم، ولم يقل أقعد خلف الصِراط أو جنبه، فهو يفتي. الشيطان صارت له مدرسة فُقهية ويتتلمَذ على يديه العديد من المشايخ والمُفتين، وأنا لا أحصر هذه الفتاوى فقط في التيار الإخواني الذي أظهر ميله وعزمه على إراقة دماء المسلمين، ويكفي أن تسمع شيخهم الحالي الذي يعتبرونه إلهاً ثانياً مع الله حيث يُنادي عبر قناة مباشرة اقتلوا القذافي ودمه على رقبته، فهذا الإرهاب الذي تمّ اليوم في ليبيا أنظر إلى حالها كيف صارت بفتوى أحد تلامذة إبليس. كذلك سوريا واليمن والجزائر سابقاً، وحتى من التيار السلفي المدّعي أنّه سلفي التعبّد، وسلفي التقرّب إلى الله، وسلفي البعيد عن السياسة. أذكر فتوى لرجلٍ ليس من أهل الفتوى لناصر الدين الألباني يقول فيها لا يجوز أكل ذبيحة تارك صلاة هذا، تكفير للأمَّة، تكفير للمسلمين، تكفير للعرب، تكفير لجماهيرنا لشعوبنا لحكَّامنا، هذا التيار الذي ينتمي للحركة الإسلامية منذ محمد عبد الوهاب منذ العمل البريطاني الذي أنشأ لنا طابوراً دينياً خامساً صار يستولي على المنابر وكراريس الفتوى وعلى المرجعية الدينية وعلى تصحيح الأحاديث وتضعيفها وعلى الشتم في العلماء والقَدْح في أولياء الله الصالحين، هذا التيار بشقّيه هو الذي دمَّر اليوم لنا العالم العربي.

الأمر الذي استفدنا منه من هذه الحركات الإسلامية هو التأخّر والتقهقر أكثر فأكثر، وكأنّ الذي ينظر من الخارج يقول كأنّ هذه الحركات هي أيدٍ استعمارية في حقيقة الأمر لأنّ ما خرَّبته داخل الوطن العربي أكثر ممّا أصلحته، وما تطالب به من باب التعجيز كما ذكرت لإتمام الفكرة الدولة الجزائرية كانت فتية بعد الاستقلال من السبعينات حتى اليوم.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال ورد في رسالة الإيمان تحية العلم والجندي المجهول والسلام الجمهوري كلّها من طقوس الجاهلية وهي أمور شركية.

إذاً كما كان يُسمّي التكفيريون الجزائريون النشيد الوطني أنّه النشيد الوثني وليس الوطني. معنى ذلك نسف لرموز الدولة لمُنطلقات الدولة، لكريزما الدولة، لأتيكت الدولة، أليس كذلك دكتور كمال؟

 

كمال حبيب: نعم هذه الحركات هي حركات فوضوية، وحتى حركات أشبه بالعَدَمية. وأريد أن أوضِح هنا أنّ الكلام الذي قاله طلال الأنصاري في كتابه عن صالح سرية لمّا قرأت رسالة الإيمان بعُمقٍ وجدت أنّما قيل عن صالح سرية بأنّه كاريزما، وأنّه عالم حديث، وأنّه كما قالت زينب الغزالي، وكما قدَّم صالح لها وطليقها السابق وبعض العلماء أنّه عالم حديث كبير حين تقرأ رسالة الإيمان لا تجد ذلك على الإطلاق. أنت أمام رسالة جافّة مكتوبة بشكل جاف جداً، وبشكل صارِم وقاسٍ، ولا يوجد فيها أيّ دليل على أنّ مَن كتبها لديه عُمق عِلمي أو ديني واستدلالاته، وضرب أمثاله من ذكرها كفكرة الإيمان، وكيف أنّه يراه شيئاً واحداً، وأنا أعتقد أنّه أخذ هذه الفكرة من شكري مصطفى لأنّ الفترة التي جاء فيها صالح إلى مصر كانت قد بدأت بوادر ظهور فكر التكفير بين الشباب، وكان شكري مصطفى قد بدأت جماعته تتكامل، وأنا أقول إنّ حجم مضخّة التكفير الهائلة التي أطلقها صالح سرية بلا أيّ شكل من أشكال التحسّب لما ذكرت أنت لكرامة المسلم وحفظ دمه وماله وعرضه، وكل هذا الكلام لا بدّ وأن يكون قد التقى شكري مصطفى لأنّ شكري مصطفى كان يضرب أمثال هذه، فيقول مثلاً لو إنّنا قطعنا رأس إنسان فلا نقول على هذا الإنسان أنّ هناك 9 أعشار من جسمه باقي هو يرى الإيمان شيئاً واحداً إذا ذهب بعضه ذهب كلّه، وهذا كان كلام شكري مصطفى ومعروف هذا الكلام والحلقة لا تحتمله الآن.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

كمال حبيب: أنا أودّ الحديث عن فكرة  أنّ صالح كان كاريزما كبيرة، وكان عالِماً في الحديث، وكان عالِماً في الدين لا يبدو من القراءة المُتعمّقة لرسالة الإيمان أنّ ذلك كان لديه بالعكس الرسالة رسالة جافّة ولا يبدو على كاتبها أنّ لديه أيّ عُمق ديني على الإطلاق، وإنّما يُطلق مضخَّة تكفير هائلة منها ما تفضّلت أنت به وما سألتني عليه مسألة تحيّة العلم. وهذا كان على فكرة والتكفيريون كانوا يكفّرون بأشياء مُضْحِكة منها مسألة الامتناع عن الدخول إلى الجيش، وبعضهم إذا دخل الجيش كان يرى أنّ تحية العلم تحية جاهلية والجندي المجهول نفس الكلام، ومثل هذه الأمور التي تعكس فكراً عدمياً وفكر الإسلام المواجه للدولة هو لا يحب الدولة، ولذلك تجد أنّ هذا الفكر ينشط في مناطق الفراغ سواء في إفريقيا أو في آسيا، أو في أية منطقة من مناطق العالم. وهناك رسائل ستأتي في ما بعد فيها هذه القصّة صالح سرية عملياً هو أعلن يوم الثلاثاء الرئيس وأركان الدولة سيجتمعون في اللجنة المركزية، يوم الأربعاء اتصلت بأعضاء التنظيم حتى يحضروا لتنفيذ العملية ليلة الخميس التالي للعملية حيث تمّ اقتحام الكلية الفنية العسكرية اقتحام ساذِج حتى هم كانوا يودّون تخدير العسكر، ولم يفلحوا في ذلك وكانت النتيجة قُتِل في هذا اليوم حوالى 17 شخصاً بينهم ستة جنود والباقي من المُقتحمين للفنية العسكرية وصالح سرية كان ينتظرهم خارجاً في ميدان العبّاسية وكان هناك فرع مدني موجود خارج الكلية بحيث أنّه لو تمَّت العملية ونجحت هؤلاء يدخلوا لمساعدتهم فلمّا حدث تبادُل لإطلاق النار صالح سرية قال لمَن معه من المدنيين، وهم طلبة كليات مختلفة الموجودين والذين كانوا ينتظرون خارجاً  أمرهم بالانصراف ومضوا وهذه العملية رغم أنها طرحت فكرة الانقلاب العسكري، أقصد عند التنفيذ هو يطرح أداة لفكرة الانقلاب العسكري، وكان مُتأثِّراً فيها فكر حزب التحرير حزب التحرير كان يتبنَّى فكرة الانقلاب العسكري، وكان يتبنَّى أيضاً فكرة النصرة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال طبعاً هو كان مُتأثِّراً بتقي النبهاني مؤسِّس حزب التحرير الذي أريد أن أقوله دكتور كمال وعندما أدعو الحكومات العربية المُحترمة إلى خلق مشروع للتنوير مشروع فكري إلى الاعتزاز بالبُعد الوطني مردّ كلامي إلى تحصين الأمن الثقافي العربي.

أبو مصعب الزرقاوي يذهب من الأردن إلى العراق، يستجمع بعض العراقيين الذين يذبحون عراقيين. صالح سرية فلسطيني يذهب إلى مصر أتباعه من المصريين، لم يكونوا من دول أخرى فللأسف هنالك هشاشة وغباوة في الواقع العربي والإسلامي، وقديماً قال شعراؤنا لكل داء دواء يستطبّ به إلا الحماقة أعيت مَن يُداويها.

دكتور عبد الباسط هيكل، هل لك أن تفسِّر لي لماذا قام المرحوم محمد أنور السادات بالتصالُح مع الإخوان ومكَّنهم من حريّتهم مجدَّداً؟ هل كان يهدف إلى القضاء على الفكر الناصري اليساري الشيوعي؟ أم كانت لديه مآرب أخرى؟

 

عبد الباسط هيكل: قبل أن أُجيب على هذا السؤال، أريد أن أقف عند لماذا الجماعات تكره الدولة؟ الدولة المُعاصِرة هي دولة بحدود جغرافية وهم يرون في هذا طاغوت يتنافى مع فكرتهم عن الدولة، الدولة في عقولهم هي دولة تاريخية بمعنى هو يريد أن يستعيد الدولة التي بلا حدود، ولذلك هو يتجنَّس ليس بالجنسية المصرية أو الأردنية أو كذا، ولكن هو يتجنَّس بجنسية الإسلام هذه قضية خطيرة جداً في هذا العقل، ويرى أنّ الجنسية والدولة الجغرافية والوطن هذه مفاهيم مُسْتَحْدَثة تحارٍب الإسلام في عقله وفي منظوره. إذا نظرنا إلى فعل الرئيس السادات فنجد أنّ السادات كان يريد أن يبحث عن هوية، هذه الهوية تختلف عن الهوية السابقة، ومَن كان يُناصره، ومَن كان يمثل مراكز قوَّة داخل الدولة المصرية في ذلك الوقت. فالسادات أعطانا دليلاً تاريخياً، ومَن يريد أن يقول بأنّ العنف الذي تمارسه الجماعات هو ردّ فعل على العنف الذي تمارسه الدول السادات لم يمارس العنف بداية السادات مدّ يده لهم وأعطاهم فرصة تاريخية للتعايُش وللبناء إذا أرادوا أن يبنوا مؤسَّسات تعليمية حقيقية إذا أرادوا أن يتمدَّنوا بالمعنى التمدّن الحقيقي إذا أرادوا أن يقيموا فكراً تنويرياً، ولكن هذا لم يحدث الذي حدث عندما منحهم السادات هذه الفرصة تشكَّل في مصر كيان كلّي بدأ يُسمَّى بكيان الجماعة الإسلامية، ليس بمفهوم الجماعة الإسلامية الذي تطوَّر بعد ذلك، ولكن الجماعة الإسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الباسط للأسف انتهى الوقت، وللبحث صلة، وللموضوع تتمة.

الأستاذ حسين قهام من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، الدكتور الفاضل كمال حبيب من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، الدكتور عبد الباسط هيكل من مصر الحبيبة.