المصطلحات الأربعة في القرآن: البراءة من الآخر

كتاب المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم. الكتاب جاء في 138 صفحة، عبارة عن مقدمة وأربعة فصول، الأول؛ تعريف لمعنى الإله، والثاني؛ تفسير لمفهوم الرَّب، والثالث؛ يعبر عن مفهوم معنى الدين، والرابع؛ يتناول تحليل وتفسير معنى العبادة، ولم يترجم هذا الكتاب إلَّا للغة العربية فقط.

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

أبو الأعلى المودودي مرجع ستجده في أيّ كتاب إسلامي يتحامَل على الدولة والمجتمع، ولعلّه الأستاذ الأول لكلّ الذين نظّروا للعُنف والتكفير على قاعدة الحاكمية والألوهية. فهو القائل يُحَّرم قَسَم الجنود والموظفين على الولاء للدولة ما لم تُعلِن التزامها بالإسلام مرجعية للحُكم. وكانت تلك المحطة هي بداية فكرة تكفير الدولة التي بدأ المودودي يُلقيها في كتاباته وأحاديثه العامة، ما أدّى إلى اعتقاله وتقديمه للمُحاكمة، وصدر حُكم بإعدامه، وتوقّف الحُكم بعد ذلك.

فمَن هو المودودي؟ أبو الأعلى إبن سيّد أحمد المودودي ولِدَ في 25 أيلول سبتمبر 1903 في مدينة أرنك آباد الدكن في مقاطعة حيدر آباد في الهند. بدأ صحافياً، ثمّ داعية، ثمّ مؤسِّساً للجماعة الإسلامية في باكستان. قال عنه شيخه أبو الحسن الندوي إنّني لا أعرف رجلاً أثَّر في الدين الإسلامي الجديد فكرياً وعملياً مثل المودودي. في العام 1979 فاز المودودي بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، فكان أول مَن حصل على تلكم الجائزة تقديراً لجهوده المُخلصِة في مجال خدمة الإسلام كما تقول الجائزة. وعدد مؤلَّفات المودودي جاوز 140 مُصنَّفاً ما بين كتاب ورسالة، ومن أبرز كُتبه المُصطلحات الأربعة في القرآن الكريم التي تأثَّر بها كل مُنظّري الإسلام الحركي كسيّد قطب وصالح سرايا وعبد السلام فرج وغيرهم من المغرب العربي ومشرقه.

المودودي مُفكِّر الدولة الإسلامية الأول الذي أنشأ حركته الجماعة الإسلامية بعد الإخوان المسلمين في مصر بـ 13 عاماً تقريباً، وله السَبَق في التأسيس لفكرة الحاكمية والجاهلية. شدَّد المودودي في ما يعتقده على ضرورة الاعتماد على سلطة النّص، قال الله وقال الرسول، لا مجال ها هنا للعقل والابتكار والاجتهاد، وكتابه المُصطلحات الأربعة على هيئة مقالات في البداية نُشِرَت في مجلة ترجمان القرآن سنة 1947، ووقت إذن بدأ إعلان تأسيسه للجماعة الإسلامية. وتُعْتَبر هذه المُصطلحات قواعد أنشأها المودودي في هذا الكتاب الذي جاء في 138 صفحة. وفي الكتاب مُقدِّمة وأربعة فصول تعريف بمعنى الإله، وتفسير لمفهوم الربّ، والثالث يُعبِّر عن معنى الدين، والرابع يتناول تحليل وتفسير معنى العِبادة. لم يُتَرْجَم هذا الكتاب إلا للغة العربية فقط، ويرى المودودي أنّ الحاكمية في النظام الديمقراطي الذي حاربه هي حاكمية الجماهير، وهي تنفيذ أهواء الناس ورغباتهم، وإنّ جوهرها سيطرة حفنة من الناس على الآخرين، وأنّها ليست من الإسلام في شيء، وهنا بدأ التكفير يطلّ برأسه من وحي أفكاره. ما قاله صاحب كتاب الفريضة الغائبة حُكَّام هذا العصر في ردَّة عن الإسلام تربّوا على مواد الاستعمار سواء الصليبية أو الشيوعية أو الصهيونية، فهم لا يحملون من الإسلام إلا الأسماء، وإن صلَّى وصام وادّعى أنّه مسلم.

"المُصطلحات الأربعة في القرآن، البراءة من الآخر" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الدكتور كمال حبيب الباحِث والأكاديمي والمُتخصِّص في الحركات الإسلامية، ومن المغرب الحبيب أيضاً الدكتور مُنْتَصِر حمادة رئيس مركز المغرب الأقصى للدراسات، ومن سوريا الحبيبة الدكتور علي الشعيبي المُتخصِّص والباحِث في الفكر الإسلامي.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً هنا أريد أن أشيد أيضاً بالدكتور كمال حبيب، وهو ضيفي في هذه الحلقات التي سنغوص فيها في كُتُب التكفير المُعاصِر، وله ضلع كبير في كتابة الدراسات التي نتناولها بالتدقيق والتمحيص. دكتور كمال، المودودي وأثره في الساحة الإسلامية عموماً؟

 

كمال حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً أبو الأعلى المودودي يُعْتَبر هو المؤسِّس لأيديولوجيا الحاكمية، واعتبار أنّ الإسلام هو فكَّة السلطة السياسية لله سبحانه وتعالى، وأنّ هذه هي العلاقة الرئيسية بين الإنسان وبين ربّه. والمودودي هنا طرح فلسفة جديدة للدين أو رؤية جديدة للدين لا يقول فيها إنّ السياسة هي جزء من هذا الدين، وإنّما يقول إنّ مفهوم الحاكمية هو المفهوم المركزي الذي تصغر معه كل قضايا الدين الأخرى، مثلاً الصلاة على سبيل المِثال، حتى شهادة التوحيد قبلها والصيام والزكاة، وكل هذا الكلام تبقى الحاكمية أعلى منه. هو أعاد ترتيب بناء الدين على غير ما عرفه المسلمون قبله، وضخَّم فكرة الحاكمية بحيث جعل هذا المنظور وهو فكرة الحاكمية بمعنى أنّ العلاقة بين العبد وربّه، أو بين المسلمين وربّهم سبحانه وتعالى هي علاقة قائمة على فكرة السلطة السياسية التي تعني وجود حكومة إسلامية. هذه الحكومة هي التي تمكّن طبعاً، وهي التي تنفِّذ أوامر الله سبحانه وتعالى، وهي التي يكون لها حق التشريع المُطْلَق من دون غيرها. واعتبر أنّ هذا شرط من شروط إثبات الإسلام للناس. المُصطلحات الأربعة اعتبرها شرطاً من شروط إثبات الإسلام للناس، هو لا يتحدَّث فقط عن مسألة الحُكَّام، ومسألة فكرة الحاكمية بمعنى أنّ الحُكّام المُغتصبين في وجهة نظره لحقّ الله سبحانه وتعالى في التشريع، أو لحقّ الله في الحُكم، أو لحقّ الله في مثل هذه الأمور هو يعتبرهم كُفّاراً طبعاً. ولكن الأخطر هو مسألة المجتمع والناس، هو ينظر إلى الناس المسلمين البُسطاء في الهند يرى أنّ هؤلاء الناس الذين لا يؤمنون بمفهومه هو الذي وضعه للإله والربّ والدين والعبادة. يرى أنّ عدم فَهْمِه له يخرجهم من الإسلام، ويقول هؤلاء المساكين الذين يتصوَّرون أنّهم يؤمنون بالله وأنّهم يؤمنون بالربّ، وأنّهم يمارسون العبادة ويصومون ويصلّون، لكنّهم لا يؤمنون بسُلطة الله المُطْلَقة على الكون بما في ذلك حقّه في التشريع الذي لا يُنازعه فيه أحد، وعدم فَهْمِهم لذلك يُخرجهم من الإسلام، ويجعل مسألة عبادتهم وصلاتهم وصيامهم وزكاتهم وحجّهم، كلّ ذلك لا قيمة له.

هنا الخطر في القصة كلّها. هي خطر إعادة ترتيب مفهوم الدين من جديد بحيث أنّه لم يلتزم فيه بما رتَّبه الله سبحانه وتعالى، وبما رتّ    به النبي صلَّى الله عليه وسلّم وحتى بما رتّبه العلماء المسلمون بعد ذلك، لأنّ المودودي يرى نفسه مُجدِّدا، وهو يرى أنّ من جاء بعد القرون الثلاثة الأولى هؤلاء كلّهم لم يمثّلوا تجديداً حقيقياً لأنّهم لم يكونوا يؤمِنون بهذه الفكرة، واعتبر أنّ مسألة الحضارة الإسلامية بعد القرون الثلاثة الأولى هذه حضارة مُنْحلّة وعلومها وآدابها وفلسفتها كل ذلك.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال سنغوص أكثر في معظم النقاط الموجودة في زوايا كتابه، هذا الكتاب المُصطلحات الأربعة الذي انتشر في اتجاهات القارات الأربع أيضاً، انتشر بشكلٍ فظيع في خط طنجة جاكرتا. دكتور علي الشعيبي، المودودي كان يقول كما قال الدكتور كمال حبيب إنّ الذي لا يقرأ هذا الكتاب ولا يلتزم بمفهوم الإله ومفهوم الربّ ومفهوم العبادة ومفهوم الدين كما كتبه هو يشكّ في إيمانه. وكان يحكم على الأحزاب العِلمانية  والوطنية بالابتعاد عن الدين تماماً كما فعل سيّد قطب وغيره. من أين جاء هذا الفكر؟ هذا الفكر عندما بدأ ينمو ويتأجَّج أصبحت شبه القارة الهندية ثلاث دول الهند على حدة، باكستان على حدة، بنغلاديش على حدة. فكرة دَكْدَكَت أمَّة بكاملها، ما مصدرها؟

 

علي الشعيبي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وبعد. يُسعدني أولاً أن أشكرك أخي فضيلة الدكتور على طرحك مثل هذه المواضيع الدقيقة جداً في الوقت الذي نحتاجها تماماً، فآثار المودودي وتلامِذة المودودي مزَّقوا الأمَّة، مزَّقوها من طنجة إلى جاكرتا، مزَّقوها في كل مكان. 

بدايةً أنا أُحيّي ضيفيك الأخوين العزيزين.

يا سيّدي هذا الكتاب "المُصطلحات الأربعة في القرآن" حين كنت طفلاً صغيراً قرأته، وأعدت قرأته وآمنت بكل ما فيه ومرّ حين من الدهر عليَّ طرحت حديثاً مع الدكتور ناصر الدين الألباني، فقلت له إنّ المودودي يطرح مجموعة من الأحاديث أعتقد أنّها ثمانية أحاديث، وأتمنَّى أنا عليك سيّدي الشيخ أن تُخْرِج هذه الأحاديث فأخرجها، فجاءت طبعة دار القلم الكويتية مخرجة، ثمّ جاءت طبعة دار الفتح في دمشق أيضاً مطبعة الهاشمي مخرجة، وفي هذه الأحاديث ما هو ضعيف وما هو صحيح، وما هو ضعيف صحيح يخلط فيه.

المودودي إسمح لي أن أضع نقاط هذا رجل كما تفضلت إنّه ولِدَ سنة 1903 ميلادي نشأ ولم يتعلّم العربية، وهذه نقطة هامّة جداً، لم يتعلّم العربية بشكل كامل إلى أن بلغ الأربعين من العُمر، وهذا أوقعه في مشاكل كبيرة، ففي كتابه مثلاً حين يستشهد بالآيات في باب الألوهية، وفي باب الربوبية، وفي باب الدين والعبادة حين يستشهد بالآيات فإنّه يقع في أخطاء في علوم القرآن من علوم القرآن لدينا عِلم واضح كبير إسمه الوجوه والنظائر، فيستخدم لفظة واحدة في أكثر من معنى، هذا في عِلم الوجوه والنظائر. بَيْدَ أنّ المودودي كان يستخدم اللفظة إيّاها في كل المعاني، ولا يُغيِّر، ولا يُبدِّل، ولا يقول هذه معناها كذا وهذه معناها كذا، وهذا أوقعه في ورطة فكرية رغم تكبّره وتجبّره ومحاولة تكفير أمَّة بأكملها، بَيْدَ أنّه وقع في شبكة الذي نصبه. وثمّة نقطة أخرى لا بدَّ من الحديث عنها، وهي أنّه في السابعة عشرة من عُمره شهد حرباً ضروساً بين الهندوس والمسلمين حين أقدم بعض المسلمين على قتل قائد الهندوس، فاشتعلت نار حرب طائفية دينية قوية جداً صبّ جامَ غضبه على الهندوس، وراح يُشبِّه المسلمين بالهندوس تماماً، ولا يُفرِّق بينهما، وظلّ هذا حتى انتقل إلى حيدر آباد.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي إذا سمحت سنناقش في معظم النقاط، الآن يهمّنا الغوص في كتابه.

دكتور منتصر حمادة مرحباً بك مبدئياً، دعني أوجِّه التحية للشعب المغربي الحبيب، ويسرِّني انضمامك إلينا من المغرب الحبيب. هل كان أبو الأعلى المودودي مُنظّراً ذا تأسيس إسلامي؟ هو لم يدرس الشريعة الإسلامية، هو درس الإسلام، حفظ بعض القرآن من خلال والديه، وأيضاً تأثّر ببعض الكتابات الإسلامية في الهند تاريخئذٍ. هل هو في موقع يسمح له بأن يؤصِّل ويضع أحكاماً شرعية، ثم ستسري في ما بعد على قادة الإسلام الحَرَكي في مصر، وفي الجزائر، وفي أكثر من بقعةٍ إسلامية؟

 

منتصر حمادة: أولاً  بسم الله الرحمن الرحيم شكراً سيدي يحيى ومرحباً بالضيوف الكرام، أستاذي كمال وأستاذي علي. في الواقع سيّدي الكريم سؤالك يتطلَّب التوقّف عند نقطة هامة جداً تهمّ السياق التاريخي، أو المُحرِّك التاريخي الذي أعطانا إيّاه أبو الأعلى المودودي كما نعرفه اليوم. النقطة الثانية وهي هامّة جداً مَن الذي روَّج خطاب وأدبيات ومشروع المودودي في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.

في الشقّ الأول والسياق التاريخي، وهذا يرتبط مباشرة بسؤالك، هل يمكن أن يُعتبر المودودي مُنظّراً إسلامياً حقيقياً؟ يجب أن نأخذ بعين الاعتبار طبيعة هويّته التعليمية والدينية كما تعلمون المودودي رفض أن ينشأ ويتربَّى في المدارس القومية، وبالتالي رضي بتعليم تقليدي عِلم لغة عربية، قرآن كريم، بعض الأحاديث النبوية، وفُقه إسلامي. كان أول عمله في المجال الصحافي الصرف بعيداً عن السياسة بالدرجة الأولى، وبعيداً عن الصياغة العقدية وما إلى ذلك. ولكن كانت هناك برأيي المتواضع ثلاث محطات رئيسية أعطتنا المودودي كما هو موجود اليوم، ولاحقاً في مرحلة تالية سوف يأتي مُنعطف سواء بالأدبيات الموجودة في المنطقة وخصوصاً محطة سيّد قطب. المحطات الثلاث بعُجالة بدايةً عمل بالمجال الصحافي، وانضمّ إلى حركة الخلافة وهي حركة إسلامية متواجِدة في الهند كان يترأّسها مولانا محمّد علي، والمقرّبون منه نصحوه بالانتقال إلى دلهي ليعمل في مجلة الشارع على موضوع الخلافة، وهذا ما حصل بين العامين 1921 و1924. وخلال هذه المحطة التي استمرّت لثلاث سنوات حصل المُنعطف الثاني عندما اقترب من جمعية عُلماء الهند وهي الرابطة الأمّ للعلماء المسلمين في الهند، هنا في المحطة الثانية سوف يصبح رئيساً لصحيفة إسمها صحيفة مسلم الناطقة باسم هذه الجمعية، وتهتمّ بقضايا المسلمين في الهند، وما إلى ذلك. المحطة الثالثة، وهي هامّة جداً. هي تُحيلنا إلى موضوع السياق التاريخي الذي يُفسِّر أو يساعدنا على تفسير هذا التحوّل، أو الانقلاب بالمواقف، عين مع إبن تيمية وهجوم التتار والمغول، وعين مع حسن البنا مع الإخوان المسلمين وسيّد قطب في مصر والاختلاف مع جمال عبد الناصر.

ما الذي جرى في محطة المودودي الثالثة؟ وهما حدثان، حدث محلي وحدث عالمي أو دولي. حدث محلي هو الصراع الدموي ما بين المسلمين والطائفة الهندوسية، وهذه كانت صراعات طائفية دموية هذا هو الحدث المحلي. والحدث العالمي هو سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، وهنا سوف نُعاين مودودي آخر إن صحّ التعبير كان يُكفِّر القومية الهندية سابقاً. الآن سوف يشرع بنقد القومية الهندية، وبعد سنوات سوف يضع كتابه الجهاد في الإسلام، فأطلق لحيته، ولبس اللباس التقليدي الإسلامي ويتفرَّغ للدراسة. من هنا بدأت شخصية المودودي كما نعلم اليوم، وبعد سنة 1940 سوف يؤلِّف كتابه المُعضلة المُصطلحات الأربعة، وثمّ كتابه الخلافة المعتمد.

إذاً، هذه المحطات الثلاث مهمة جداً برأيي المتواضِع لفَهْم الأسباب التي أوصلتنا إلى المودودي كما هو معلوم اليوم الذي يتّهم بالتكفير، وتنظيم الخلافة والحاكمية والجهاد وما إلى ذلك.

مُعضلتها الأدبية التي كانت خاصة بسياق جغرافي ضيِّق يهمّ الهند، وثم باكستان وبنغلاديش. ما الذي جرى أن جاءت إلى المنطقة هنا؟ هناك مُحدَّدان على الأقل، المُحدَّد الأول أنّ هناك مجموعة من دول المنطقة  تورَّطت في صوغ أدبيات المودودي تحت رعاية رسمية وهي أغلب دول المنطقة. والنقطة الثانية قضية المودودي في عين سيّد قطب، وسيّد قطب كما تعلمون قام بإعادة صوغ بعض أدبياته وخاصة ثنائية الحاكمية والجاهلية. قرأها جيداً ونهل منها، وأعاد الصوغ. وبدايةً استفاد منه في كتابه السلام العالمي والإسلام، وهنا لا نقرأ مودودي واضحاً في سيّد قطب، ولكن من دون أية إحالة على المودودي. ولكن في هذا الخصوص كما كتب سيّد معالم في الطريق، كان خطاب المودودي واضحاً في أعمال سيّد قطب.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور منتصر، طبعاً كان سيّد قطب يُسمِّيه السيد الأستاذ والمُستشار حسن الهضيبي، كان يقول إنّ الأمَّة رُزِقَت بحسن البنا، وبأبي الأعلى المودودي، وهما سوف يُجدِّدان هذا الدين وهذه الخلافة، ثمّ ذهبنا إلى الهاوية للأسف الشديد. وممّا قاله المودودي، يقول في تعريفه عبادة الطاغوت: "إنّ كل دولة وسلطة وكلّ إمامة أو قيادة تفتري على الله وتتمرَّد، ثمّ تنفِّذ حُكمها في أرضه وتحمل عباده على طاعتها بالإكراه أو بالإغراء، أو بتعليم الفاسِد فاستسلام المرء لمثل تلك السلطة يُعدّ خروجاً عمّا أراده  المولى عزّ وجلّ". وهنا بداية التحريض على الدول العِلمانية والوطنية في الوطن العربي.

دكتور كمال، بالعودة إلى تعريف فكر المودودي طبعاً، وأنا أبحث وجدت أنّ أول دار نشر طبعت كتاب المُصطلحات الأربعة في القرآن هي دار دمشقية، ودمشق ابتُلِيَت بالإسلام المُسلَّح، إسلام الذبح من الوريد إلى الوريد. ربما لو كانت الرقابة الثقافية آنذك واعية لنشرت كُتب التنوير، بدل كتب الذبح. كيف تبنَّى قادة العمل المُسلّح الجهادي في مصر المودودي؟ مَن نقله إلى مصر؟ وأنت تعلم أن الفكرة إذا انتشرت في مصر تنتشر في العالم العربي. تقولون في مصر، ونقول  في الجزائر وفي كل الدول العربية مصر أمّ الدنيا، فأيّة فكرة تنتشر في مصر انتشرت أفقياً وعامودياً في العالم العربي. كيف مصر؟ ومن ثمّ عرَّب فكر المودودي.

 

كمال حبيب: أحدى المشكلات الكبيرة أنّ المودودي لم يكتب بالعربية، هذه أحدى المشكلات الكبيرة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

كمال حبيب: وبالتالي حركة إسلامية ضخمة في العالم العربي يتحدَّث أهلها بالعربية، ويُفكِّرون بعقل عربي ثم يلجأون إلى كتب مُتَرَجمة لأجل أن يجعلوها أيديولوجيا لهم. المُصطلحات الأربعة طُبِعَ عدَّة مرات بالأردية، ثمّ طُبِعَ لأول مرة في دمشق للمرة الأولى سنة 1955 بعد أن تُرْجِمَ إلى العربية، وأنا من خلال تدقيقي في تحوّلات سي!ّد قطب أرى أنّ عام 1955 عام حاسم في تحوّله الفكري، وأشار سيّد قطب نفسه إلى هذا في رسالة لماذا أعدموني؟ قال إنّ التحوّل الرئيسي لي بدأ من سنة 1955 وحتى العام 1962 وهذه السنة هي التي قرأ فيها المُصطلحات الأربعة، وتأثّر فيها جداً بأسلوب وأفكار المودودي. فالمودودي ركَّز على فكرة الحاكمية، وسيّد قطب أخذه بأسلوبه، وهو الأيديولوجيا الفاتِنة. وبأسلوبه الأدبي أخذ هذا الكلام، وحوَّله من فكرة الحاكمية التي اعتمد عليها، وطوَّرها إلى فكرة الجاهلية لأنّه كما تعرف استخدم الجاهلية في كتابه معالِم في الطريق أكثر من 70 مرة.

فإذاً، كان الجسر الذي نقل أفكار المودودي إلى العالم العربي وإلى مصر أولاً، وثمّ إلى العالم العربي كان هو سيّد قطب بلا ريب، وأنا حينما قرأت الظلال منذ وقت مُبكر والمودودي لاحقاً تجد وكأنّ سيّد قطب بنفس الروح وبنفس دين الملك ونظام الملك وشرعه وأفكار الألوهية والحاكمية والعبادة والتوقّف والتبيّن والعزلة الشعورية والجهاد في سبيل الله، وفكرة التمكّن وفكرة، السلطة السياسية، وأهمية الدولة الإسلامية الكاملة باعتبارها مُنتهى التاريخ، أو نهاية التاريخ لدرجةٍ حتى أنّ فكرة الغيب والآخرة وما وراء ذلك تمّ اختصارها، ولم يعد موجوداً. هو يرى أنّ مسألة تحقّق الدولة الإسلامية في الدنيا هنا، ولذلك فإنّ مشروع المودودي يستبطن فكرة دنيوية أساساً لأنّه يوظّف فكرة الجهاد وفكرة الصلاة وفكرة الصيام وفكرة الجماعة، وأقصد القول إنّ الجسر الذي نقل هذه الأفكار كان هو سيّد قطب رحمه الله، وكان قطب بمسألة النشر الواسع للظلال ومعالم في الطريق في مكتبة وهبة، ونشر بشكل واسع جداً في وقت ما بعد الستينات كانت الساحة فيه مُتَعَطِّشة خاصةً الشباب الجديد مُتَعَطّش لأن يقرأ، وفي هذه الفترة كان عبد الناصر بدأ يطبع الكُتُب السلفية محمد حامد، وكُتُب إبن تيمية وكل هذا الكلام، وكان هناك نوع من التعطّش الكبير لمثل هذا الكلام. كما كانت هناك موجة من التكفير، شكري مصطفى وجماعة التكفير كشكلٍ من أشكال ما يمكن أن نطلق عليه الانفجار مع وجود جماعات شتَّى وأفكار شتَّى، وكل هذا الكلام ولا شكّ أنّ سيّد قطب كان هو الجسر، ثمّ المجموعات التي جاءت بعد سيّد قطب التيار القطبي هو الذي أخذ أفكار المودودي وطوّ      رها، وبعد ذلك كما أشير دائماً استدعي المودودي واستدعي سيّد قطب، وأخذ إلى أفغانستان وغيرها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال، وقبل أفغانستان محمّد عبد السلام فرج في كتابه الجهاد الفريضة الغائبة، وسيّد قطب أنا أعرف أنّه من الصعيد وخرِّيج كلية دار العلوم كيف تفاعل مع الأردية؟ ومع فكر أبي الأعلى المودودي ويبدو أنّه كان مُتأثِّراً بشكل كبير. المودودي أسَّس جريدة ترجمان القرآن، سيّد قطب ألّف في ظلال القرآن. المُصطلحات الأربعة تجده في ثنايا معالم في الطريق، وكثير من كُتُب سيِّد قطب، وفي الظلال، أيضاً في تفسير مفهوم الربوبية والعبودية.

مشاهدينا نواصل بعد الفاصل، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، عدنا والعود أحمدُ، ومَن أدرك حلقتنا الآن نحن نُعالِج كتاب المُصطلحات الأربعة في القرآن الكريم لأبي الأعلى المودودي أو علا كما يقول بعض الروَّاد في باكستان.

دكتور علي شعيبي أتصوّر أنّنا غُصنا وذهبنا في زوايا مختلفة إلى ما كتبه المودودي. طبعاً لا يسعني في حلقة موجزة أن أقدِّم كل أفكار المودودي لمَن يرغب في الثقافة والثقافة اليوم صارت بضاعة غير مزجاة، الناس همّهم التسلية والترفيه بطريقة معينة. السؤال الذين منحوه جائزة الملك فيصل 1979 لدوره في خدمة الإسلام ما كانوا يقرأون الكتب التي فجَّرت الأمن القومي العربي؟

 

علي الشعيبي: يا سيّدي الفاضل هذا السؤال الذي طرحته كنت أريد أن أقوله أنا. كما تعلم جنابك عملت تسع سنوات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، ولهذا سألتك.

 

علي الشعيبي: أحسنت أحسنت، ونحن استقبلنا رجاء جارودي رحمه الله. مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات لو أنّه الآن يعيش نتاج أفكار المودودي كان بعيداً عن إعطائه هذه الجائزة، وبالتأكيد لم يكن ليعطيها له. المودودي يا سيّدي سقطة سقطة من السقطات، وأقول لك شيئاً عمر التلمساني المراقب العام الثالث للإخوان أرسل مجموعة من ثلاثة أشخاص إلى سوريا في خمسينات القرن الماضي لتفقّد أحوال الإخوان هنا، فعاد إلى القاهرة بمجموعة كبيرة من المُصطلحات الأربعة للقرآن، أضف إلى ذلك أنّ الإخوان في دمشق في الجامعة كانوا يطبعون الألوهية وحده يوزّعون بحث الألوهية، يوزّعونه على الطلبة، ويكتبون أسفل التوزيع انتظروا الربوبية، ثمّ يوزّعون الربوبية فيكتبون انتظروا التديّن، انتظروا الدين فتمكَّن كثيراً هنا في دمشق، وحين أرسل التلمساني نقلوا إلى القاهرة ما نقلوا. فلمّا كتب سيّد قطب معالم في الطريق الذي نشرته دار وهبة كما تفضّل الدكتور كمال عام 1962 في القاهرة الطبعة الأولى، كان سيّد قد أخذ من نفسه وصفع  نفسه من كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، والعدالة الاجتماعية في الإسلام الذي أخذ منه سيّد كان قد أخذه سيّد من العلاّمة محمّد علي مولاي.

محمّد علي مولاي لم يُشر في كل كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام، ولم يُشر في أيّ مكان إلى صاحب الفكرة والموضوعات الكبيرة التي أخذها، وهذا ما تحدَّث عنه الناقِد المصري الدكتور عزّ الدين إسماعيل الذي قال إنّ سيّد قطب في كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام الذي وضعه سنة 1947 قد أخذ أفكاراً كثيرة، بل تكراراً من كتاب محمّد علي مولاي. وأخذ من أميزولا أيضاً، هذا ما  أشار إليه عزّ الدين إسماعيل، وكان للمودودي حاجب عربي، وتمكّن هذا الحاجب من الحصول على نسخة من كتاب معالم في الطريق أهداها للمودودي، لم ينم المودودي ليلته حتى قرأ الكتاب كلّه، وفي الصباح قال له كأنّي أنا الذي كتبت الكتاب بمعنى أنّ الأفكار الإجرامية الإرهابية هذه التي تُجانِب الصواب الإسلامي الحق.

إسمح لي، أودّ العودة إلى فكرة شغلت دماغي كل لحظة يجب أن أذكرها يا سيّدي، أبو الأعلى المودودي حين كان جاهلاً لعِلم الوجوه والنظائر في القرآن، لقد جنى على الأمَّة الإسلامية تماماً في الوجوه والنظائر المُصطلح الواحد له عدَّة معانٍ، لكنّه هو ساقها سوق الخوارج للآيات التي نزلت بحقّ المُشركين فساقوها وجعلوها بحق المؤمنين، وهذا ما فعله تماماً أبو الأعلى المودودي، وما فعله تماماً سيّد.

يحيى أبو زكريا: دكتور علي قبل هذا أرجوك أنا أقول، العيب ليس في هؤلاء المُفكّرين الذين أطلقوا هذه الأفكار، هناك كاتب أميركي عنده كتاب "أمَّة من الغنم nation of ships" في أمَّة من الغنم عندما الجماهير تأخذ دينها من كل هبّ ودبّ، والله لو أنّ بنيامين ناتنياهو يطلق اللحية ويرتدي الجلباب لقيل عنه صحابي جليل. الأمَّة لا تسأل ممَّن نأخذ ديننا، فهؤلاء عبَّأوا الفراغ. وكانت السلطات العربية تنشر الاشتراكية، واشتروا الرأسمالية كما يقول توفيق الحكيم، وما إلى ذلك، وأهملت الإسلام الوطني والإسلام الحضاري.

سأكمل معك دكتور منتصر حمادة، استمراراً لفكر المودودي قلنا أنّه أثّر على كل حركات التكفير في العالم العربي والإسلامي، لكن أيضاً المودودي إنصافاً أين يعود إلى القرآن الكريم؟ وكان يفسِّر القرآن الكريم، وكان يقرأ للقرطبي، ويقرأ لإبن كثير، ويقرأ للزمخشري في الكشّاف، ويقرأ لأساطين المدرسة الإسلامية. فإذاً، اقتبس منهم تقولون هذا كفر، إذاً التكفير من البدايات وليس في النهايات ومَن أشرقت بداياته، أشرقت نهاياته.

 

ناصر حمادة: صحيح سيّدي يحيى، هذا يُحيلنا إلى معضلة برزت مؤخّراً خاصةً منذ أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، طرح عليها إعلامياً بما يُسمَّى غربلة التُراث، أو تنقيح التُراث. وهذا كما تعلمون موضوع حسّاس جداً يتطلّب شجاعة حقيقية لصُنّاع القرار بالتعامُل مع التُراث، وبالأخصّ التعامُل مع أعمال إبن تيمية الذي كانت له مجموعة فتاوى وزِّعت هنا في المغرب والأحرى في المنطقة أيضاً، وحتى في الغرب وأوروبا مجموعة الفتاوى كانت توزَّع بشكل مجانيّ كما نقول هنا يُهدى ولا يُباع، وقسْ على ذلك. عندما تكون لدينا الشجاعة، شجاعة سياسية بالدرجة الأولى والصعيد السياسي والأمني وما إلى ذلك، يؤثّر على الصعيد الديني. لو كانت هناك شجاعة بما يُسمَّى غَرْبلة التُراث، يمكن أن نذهب بعيداً في تنقيح التُراث. وإبن تيمية اليوم لا يُخْتَصر فقط في مجموعة فتاوى، لديه أعمال حول التصوّف، ولكن الخطاب السلفي قام بتهميش تلك الأعمال، وركَّز فقط على مجموعة الفتاوى، والتي أعطتنا تلك الكوارث التي لا نراها فقط في المنطقة العربية. ولكن حتى في أوروبا اليوم، ولو أنّ هذا موضوع آخر أحد أسباب ظاهرة الإسلامو فوبيا، وأنا أتابع الشأن الإسلامي في أوروبا، وهناك أسباب خاصة بالأوروبيين من مسيحيين تطرّف وغير ذلك، وهناك أسباب خاصّة بالمسلمين  مع الخطاب الذي تروّجه السلفية الوهّابية وجزء من الإخوان. الشاهد هنا، لو توافرت الشجاعة السياسية من أجل غَرْبلة هذا التُراث لما سقطنا في عدَّة مآزق، ما جرى مع المودودي الذي يقول في كتابه المُصطلحات الأربعة بأنّه الأمَّة الإسلامية بعد عصر النبي (ص) بدأ في فقدان معاني المُصطلحات الأربعة (الإله، الربّ، الدين، والمعاملة)، وهذا يُسيء إلى تُراث فُقهي امتدّ إلى حوالى أربعة عشر قرناً، سنّة وشيعة، وتُراث كلامي وتُراث فلسفي وتُراث عقدي، علماء ومدارس ومعاهد، وهذا يقزِّم مثل هذا التُراث عندما نقول إنّه قبل المودودي لا توجد حركة تجديد في العالم الإسلامي. الرجل الذي يقول هذا الكلام هذا شأنه. ولكن عندما تقوم دول منطقة بترويج هذا العمل وترجمته وتوزيعه على شباب المنطقة، ما الذي نتوقّعه؟ وكأنّ علينا انتظار أحداث 11 أيلول، أو لاحقاً أحداث ما سمِّي الربيع العربي، حتى نعاين بعض نتائج هذا الخطاب سواء مع أعمال المودودي، أو مع أعمال سيّد قطب وباقي الرموز التي حرَّرت ما يُصْطلح عليه بالأدبيات الجهادية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور منتصر، العجيب أنّنا جميعاً في العالم الإسلامي في كل المدارس الإسلامية نعتبر مرجعية الله ومرجعية الرسول هي الأولى، والله يقول لا إكراه في الدين والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم روحي فداه هذا العظيم الذي خنَّاه وقتلنا شريعته وبَّخ صحابياً لأنّه قتل شخصاً قال لا إله إلا الله، وظلّ يقول أمامه أوقتلته أوقتلته أوقتلته؟! نحن تركنا الله والرسول، وذهبنا إلى قال فلان أبو الشمقمق وفلان وفلان. دكتور كمال، هذا التكفير الأعمى الذي ملأ عالمنا العربي والإسلامي يحتاج إلى مشروع تفكير ومشروع تنوير، هل بنظرك بدأنا؟ أو مازلنا نرقص؟

 

كمال حبيب: مشروع التنوير مهمّ، وما نفعله نحن الآن في هذا البرنامج، وما حاولت كتابته في الإشارة إلى هذه الكُتُب المؤسّسة للعُنف، لاحظت مثلاً أنّ الأئمة القُدامى الإمام الشافعي الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد، والإمام جعفر الصادق وغيرهم من الأئمة كانوا يجتهدون للأمَّة، ماذا يعني يجتهدون للأمَّة؟ أيّ يحاولون أن يُيسِّروا لها أمر دينها، ويسعون قَدْر الإمكان أن يضعوا قواعد لإثبات الإسلام للناس، وإدخالهم فيه، وليس إخراجهم منه. فلم نسمع أحداً منهم يضع كما أشرت في الحلقة الماضية قواعد للتكفير كما فعل صالح سرية في رسالة الإيمان، ولا كما فعل سيد قطب في معالم في الطريق، ولا كما فعل أبو الأعلى المودودي في المُصطلحات الأربعة.

أصبحت الأمَّة الآن هدفاً لهؤلاء الأيديولوجيين، أنا أسمّيها أيديولوجيا، وهذه الأيديولوجيا  نِتاج أفكار صانعيها. الإشارة إلى أنّه قرأ القرطبي والزمخشري والطبري، وكل هذا الكلام، لا، الطبري مثلاً أو القرطبي أو الكاشف حين تقرأه وتعود إليه تجد أنه يجب أن يضع في مُقدّمة مؤلّفه الضخم قواعد يشترطها على نفسه، ويشتطرها لأمَّته. في معالم في الطريق لا توجد قواعد للفَهْم للاقتراب من هذا الكتاب حتى عندما أقرأ مثلاً في التحليل والتنوير كثيراً لمحمّد طاهر بن عاشور، التحرير والتنوير تجد في الكتاب مُقدّمات له، وهناك بعض الناس اشتغلت على الكتاب ونقدته، لكن الظلال لا يوجد لا قواعد وضعها مؤلّفه، ولا اشتراطات على نفسه، ولا اقترابات يمكن من خلالها أن نفهم أو نضبط مُصطلحاته سواء هو أو المُصطلحات الأربعة، أو الفريضة الغائبة كما سيأتي لاحقاً، أو جهيمان أو غيره أو غيره. هم يصدرون عن مشاعر وانفعالات، وليس لديهم هذه المعايير العلمية التي كان يضعها القرطبي، والذي أخذها عمَّن سبقه المحرّر الوجيز مثلاً شيخه وغيره وغيره، إنما هؤلاء كما تفضلت حضرتك يأخذون من كل ما هبّ ودبّ، وأنا لا أدري كيف لحركة ضخمة كالإخوان المسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: يا دكتور كمال، بل شأن هذا كشأن ذلك الداعية حضرت خطابه يوماً في مسجد، فبدأ يقول المتصوّفة إلى النار، الشيعة إلى النار، الإباضية إلى النار، الماتوريدية إلى النار، الأشاعِرة إلى النار، قلت له شيخنا يبدو أنّك ستدخل إلى الجنّة وحدك في رِحاب الله. 

دكتور علي متابعة الأفكار التكفيرية كيف يجب أن تكون؟ باختصار شديد رجاءً لأنّ الحلقة أوشكت أن تنتهي؟

 

علي شعيبي: بدايةً أريد أن أقول وذكرت حضرتك أنّ الكاتب الأميركي كتب أمَّة من الغنم، سيّد قطب يا سيّدي قال عنّا غنم في مقولة له مشهورة حين جاء من أميركا، قال له صديقه غداً تنزل إلى المجلة الجريدة للنقد، قال لن أكتب سأكتب بعد ذلك بالإسلاميات، قال ما لك وللإسلاميات؟ قال مَن لهذا الحوش؟ مَن لهذا الحوش؟ هؤلاء الحوش غنم، الحوش يعني دواباً، هؤلاء الحوش يحتاجون مَن يكتب لهم ويأسرهم ويجمعهم. والله تعالى في سورة الأنعام تحدَّث عن الذين يذهبون إلى المساجد، فقال هؤلاء يذهبون إلى إسطبلات الدواب، وناقشت أخاه محمّد قطب في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات بحضور يوسف القرضاوي، قلت له كيف يقول أخوك عن المُصلّين في المساجد في تفسير سورة الأنعام أنّهم دواب، قال أخطأ رحمه الله وكان ينوي أن يُغيِّر ذلك في الطبعة، ولكن لم يُتَح له، قلت له أنت لماذا لم تُغيِّر؟

يا سيّدي نحن الآن بحاجة إلى هذا البرنامج الذي تبثّه حضرتك. يشهد الله أنّك مأجور عليه، جعلك الله ممَّن يتبع ويخدم هذه الأمَّة كما هو شأنك، وجعل هذا البرناج وجعل الإخوة المشاهدين، وجعل كل الذين يشاركون فيه، جعله في ميزانكم يوم يقوم الأشهاد. لكن السؤال الذين يحملون هذا الفكر التدميري الإرهابي الإجرامي هل يقتنعون في قول الله وقول الرسول؟ أنا كنت أتحدَّث مع شخص فقال لي أنت تكره سيّد قطب، قلت لا تعالى أُسمِعك فأسمعته عدَّة صفحات عشت في ظلال القرآن أرى العالم موجود أكبر بكثير من حاضره المجهول.

 

يحيى أبو زكريا: شكراً جزيلاً لك دكتور علي الشعبي من سوريا الحبيبة.

دكتور منتصر حمادة من المغرب الحبيب الذي نحبّ شكراً جزيلاً لك، أمَّن الله أوطانكم جميعاً.

دكتور كمال حبيب من مصر أمّ الدنيا شكراً جزيلاً لك أمَّن الله مصر وكل بلاد المسلمين.