الفريضة الغائبة: إحياء ثقافة السيف

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

محمد عبد السلام فرج مهندس بدرجة مفتي خلط بين الهندسة والدين، فهندس أكبر كرنفالات القتل والتفجير في مصر والعالم العربي. لم يدرس فرج الشريعة الإسلامية والفقه والأصول، بل تخرّج من كلية الهندسة جامعة القاهرة، واعتمد على ما كتبه إبن تيمية ومحمد إبن عبد الوهاب وسيّد قطب وأبو الأعلى المودودي. في كتابه "الفريضة الغائبة" ركّز على إهمال علماء العصر وتجاهلهم لفريضة الجهاد في سبيل الله، رغم ما تحمله من أهمية وخطورة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمستقبل الدين وعودة صبح الإسلام من جديد. دعا في كتابه إلى القضاء على الطواغيت والجبابرة، وهم الحُكّام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وهم الظالمون والفاسقون وإنْ كانوا مسلمين، ويجب إزالتهم بقوّة الخنجر والسيف، واستشهد فرج في ما نسبه إلى رسول الإسلام صلّى الله عليه وآله، "استمعوا يا معشر قريش أما والذي نفس محمّد بيده لقد جئتكمم بالذبح".

لقد أصبحت عبارة لقد جئتكم بالذبح منهجًا ومسلكية وشرعة، وبعد القضاء على الطُغاة يجب أن تُقام دولة الإسلام ودولة الخلافة التي بشّر بها رسول الله. ودعا فرج إلى مُقاتلة الحُكّام الطُغاة المُستبدّين الخارجين عن الملّة والدين الذين تربّوا على موائد الاستعمار سواء الصليبية أو الشيوعية أو الصهيونية. هم لا يحملون من الإسلام إلّا الأسماء، وطالب بإحياء إرث إبن تيمية في هذا العصر، فمجموعة فتاوى شيخ الإسلام إبن تيمية كما قال فرج تقدّم حُكمًا واضحًا بحقّ بهؤلاء الحُكّام، وهذه الديار بما في ذلك حُكم إعانتهم ومساعدتهم والتي هي من باب المُحرّمات في دين الإسلام، وما يترتّب عن ردّتهم من أحكام تخصّ أموالهم، وقتالهم واجب.

كان التيّار الجهادي في مصر قبل كتاب محمد عبد السلام فرج يعتمد في تأصيل أفكاره على مقولات شفهية مع الإستعانة بأجزاء من كُتب الفقه والتفسير وغيرها من فتاوى إبن تيمية عن التتار، وتفسير إبن كثير لآية أفحكم الجاهلية يبغون، وكلامه في كتابه البداية والنهاية عن التتار وحكمهم. 

وقد استطاع فرج أن يجمع هذه المقولات في كتاب الفريضة الغائبة، ورغم إعدامه عام 1982 في قضية اغتيال السادات فإنّ كتابه ظلّ مؤثّرًا على تيّار الجهاد مصريًا وعربيًا وإسلاميًا. وقد مهَّد هذا الفكر لاغتيال رئيس جمهورية مصر العربية محمد أنور السادات، وحانت الفرصة عندما أبلغ الضابط خالد الإسلامبولي فرج بأنّه سيكون مشاركًا في العرض العسكري الذي سيقام يوم ستة أوكتوبر 1981 أمام الرئيس بمناسبة احتفالات ذكرى نصر حرب أوكتوبر. وكانت المجموعة المُكلّفة بالعملية تتكوَّن من ثلاثة أفراد إلى جانب الإسلامبولي، وهم الملازم الأول مهندس احتياط عطا طايل، وزميل فرج في المدرسة الثانوية وإبن قريته بيدل نجات، والضابط المفصول عبد الحميد عبد السلام، والرقيب متطوّع حسين عباس القنّاص المُحترِف الذي نجح في إصابة الرئيس السادات في مقتل. وألقي القبض على فرج، وكان يختبئ لدى أحد أقارب زوج أخته في محافظة البحيرة بعدما حلق لحيته بهدف التخفّي، وفي 15 أبريل 1982 أعدِم شنقًا.

"الفريضة الغائبة - إحياء ثقافة السيف" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة الدكتور كمال حبيب الخبير في الحركات الإسلامية، والباحِث والأكاديمي ومن الأردن الحبيب الدكتور حسن أبو هنية المُحلّل والمُختصّ أيضًا في شؤون الجماعات الإسلامية، ومن العاصمة العُمانية مسقط الحبيبة أيضًا الأستاذ الفاضل بدر العبري الكاتِب والباحِث العُماني المهتمّ بالجانب الثقافي والإنساني.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

دكتور كمال أنت شاهِد على العصر، وشاهِد على تلكم المرحلة، وكتبت فيها ما شاء الله دقائق ما كان يجري على الساحة المصرية. مبدئيًا إذا ما أردنا أن نُفكّك شخصية محمد عبد السلام فرج، ما الذي تقوله في شخصيّته؟

كمال حبيب: محمد عبد السلام فرج كشخص، الأهمّ منه كتابه "الفريضة الغائبة" لأنّ الفريضة الغائبة هي التي أسَّست لما أقول وزرعت البذور الأساسية لما أطلق عليه بعد ذلك السلفية الجهادية قبل اكتمالها في أفغانستان كما نعلم. ومحمد عبد السلام فرج حين كتب الفريضة الغائبة كتبها سنة 1981 في مطلعها، وطُبِعَت منها 500 نسخة كانت توزَّع على أعضاء التنظيم خاصة في عام 81 الذي كان عامًا صعبًا جدًا في مصر ومتوتّرًا، وكأنّ مصر كلّها تقف على حافّة بركان كما يُقال.

وفي كتاب الفريضة الغائبة، لماذا أقول عنه سلفية جهادية؟ لأنّ تأثّره الرئيسي كان بإبن تيمية على وجه الخصوص، وربّما تأثّره بمحمد إبن عبد الوهاب لم يظهر، وتأثّره بسيّد قطب لم يظهر أيضًا. لكن كان تأثّره الرئيسي بمجموعة فتاوى، والفتاوى الكبرى. وهذه الفتاوى الكبرى كانت قد طُبِعَت في مصر في 36 جزءاً، ووزِّعت على نطاق واسع لمكتبة خصِّصت لذلك إسمها مكتبة إبن تيمية، وكانت تُباع بسعر رخيص، وهذا يمكن أن نضعه في إطار الضخّ السعودي أو التأثير السعودي على الحركة الإسلامية الصاعِدة في ذلك الوقت، وطبعها بالطابع السلفي. ولذلك محمد عبد السلام فرج هذا هو الجزء السلفي في القصة، هو أخذ ما كتبه إبن تيمية وعن التتار، وكما أشرت أنت عن إبن كثير في تفسيره وفي تاريخه ثمّ تطبيقه على الواقع المعاصر، واعتبار أنّ الحُكّام في مصر مثلهم مثل التتار، ومن ثمّ فهم كفَّار، ويجب الخروج عليهم وهو أول من وضع مُصطلح العدو القريب والبعيد، واعتبر أنّ العدو القريب جهاده والخروج عليه أولى من العدو البعيد حتى ذكر في نفس الكتاب أنّ البعض يتحدَّث عن تحرير القدس وفلسطين وكذا. لكن تحرير بلدان المسلمين ممَّن يعتبرهم حُكَّاما كَفَرَة أو حُكّام مُرتدذين وبالتعبير السلفي مُرتدّين عن أصل الدين هؤلاء قتالهم أولى من قتال غيرهم.

محمد عبد السلام فرج كان مهندسًا كما أشرت، وهذه الظاهرة معروفة في بحث أصدرته مكتبة الإسكندرية عن سيرة مئة جهادي الباحث الذي كتب باللغة الإنكليزية وترجم، لاحظ أنّ أغلب المُنتمين إلى الحركات الجهادية مُتخرّجين من كليات عملية، وليست كلّيات شرعية أو غيرها. وفي تنظيم الجهاد سنة 1981 كان كلّ الموجودين طلاباً متخرّجين إمّا من كليات عملية أو بعضهم ينتمي للجيش، ولم يكن هناك واحد من خرّيجي كليات الشريعة إلا الدكتور عمر عبد الرحمن رحمه الله الذي اعتبر مُفتيًا للتنظيم في ذلك الوقت. فهذه مسألة مُتعلّقة بطبيعة العقل المُتخرّج من الكليات العملية هو ذو طابع حدّي مختلف مثلًا عن مَن تخرّج من كلية الاقتصاد والأدب والفلسفة الذي اعتاد على مسألة النقاش والتحليل واختلاف وجهات النظر. وفي النهاية حتى المُنتسبين للشريعة وغيرها ينهون كلامهم بقولهم الله أعلم.

يحيى أبو زكريا: طبعًا دكتور كمال سنُفصّل في كل هذه النقاط، وربما أكثر منها. دعني أفتق الفكرة مع الدكتور حسن أبو هنية. دكتور حسن كتاب الفريضة الغائبة كان معلمًا لكثير من جماعات العنف، لكن أريد أن أعرف أيضًا ممَّن أخذ عبد السلام فرج يُقال أنّه تأثّر بأستاذه سالم الرحال، وبالمناسبة سالم الرحال أيضًا كان أستاذ فتحي الشقاقي فتحي الشقاقي الذي أسّس الجهاد في فلسطين ضدّ الدولة العبرية، وفرج أسَّس تنظيم الجهاد في مصر، أو أعطاه شحنة أخرى. كتاب الفريضة الغائبة أين موقعه من الإعراب في خارطة جماعات العنف؟


حسن أبو هنية: لا شكّ أنّ الفريضة الغائبة هو يشكّل لحظة ربما نوع من القطيعة ليست قطيعة كاملة، لكن يمكن الحديث عن نوع من القطيعة لأنّه نعلم أنّه قد سبقته مؤلّفات منها كتب شكري مصطفى وصالح سرية في رسالة الإيمان ومن قبلها بالتأكيد التأسيس كان من سيّد قطب في معالم في الطريق، لكن ما أحدثه عبد السلام فرج هو كان نقلة جديدة هي كانت قد اكتملت مصادر الجهادية المعاصرة بمعنى أصبحت هناك سلطات المرجعية واضحة. هناك سلطة من التيّار الترسيمة الإخوانية الراديكالية التي أسَّسها قطب، ونظر لها في معالم في الطريق، وهناك الترسيمة الوهّابية التي في ما بعد ظهرت مع الجهيمان في 79 وثمّ مع المقدسي لاحقًا، وبالتالي كانت هذه الفترة فترة السبعينات كما أشار الصديق الأستاذ كمال حبيب فعلًا تزاوج واكتمال، هذه المصادر المؤسّسة للسلفية الجهادية. وبالتالي أصبح هذا الشقّ القطبي، وهذا الشقّ الوهّابي مكتمل كانت فعلًا ظاهرة واضحة في السلطة المرجعية المُستخدَمة في الفريضة الغائبة استخدام إبن تيمية وإبن القيّم، وكذلك استخدام السلطة المرجعية الموجودة في سيّد قطب، وبالتالي كان هو يتحدَّث فعلًا عن شيء في ذلك الوقت كان جديدًا. وأشار الأستاذ كمال إلى قضية العدو القريب والبعيد، فعلًا كان أول من تحدَّث بها بشكل واضح وصريح لأنّ الجدالات بأنّ محمد سالم الرحال، ومن قبل صالح سرية، وفتحي الشقاقي كان النقاش والجدل في ذلك الوقت هو أيّهما أولى بالقتال العدو القريب أم البعيد. في ذلك الوقت كان يمثّل العدو البعيد المستعمرة الاستيطانية الكولنيالية الإسرائيلية إسرائيل، وبالتالي كان فتحي الشقاقي وكذلك عبد العزيز عودة يقولان بأنّه يجب أن نبادر في القتال، بينما عبد السلام فرج عارض ومعه آخرون بأنّه لا يمكن أن نبدأ أو نباشر، وإن كان هو لا يمنع أن يبدأ إذا كان قريبًا هو يقول بأنّ الأولوية قاتلون الذين يلونكم من الكفار، وبالتالي العدو القريب هو الأولى. وبالتالي بالنسبة للفلسطينيين كالشقاقي أو عودة عليهم أن يباشروا هم، ولكن على بقية الحركات أو القوى الأخرى الطليعة أو غيرها كانت مختلفة. والفكرة الأخرى التي ربما خالف فيها حتى خرج عن نمط القطب لأنّ سيّد قطب كان يؤمّن بالطليعة المقاتلة بمعنى حزب ثوري مُتراص متين الطليعة مقاتلة نخبوية، بينما هو جعل الجهاد عينًا على كل شخص، وهذه فكرة كانت فكرة جديدة بالنسبة في ذلك الوقت إلى الجهاديين، وبالتالي أصبح الجهاد فَرْض عين على كل شخص في هذه المنطقة أعتقد في فترة السبعينات وخصوصًا الثورة الإيرانية سنة 79 وكذلك ما حدث في أفغانستان أدَّى إلى ولادة هذه الأفكار كانت المنطقة موجودة فيها أفكار كثيرة بشكل هائل، وإن كان حتى عبد السلام فرج في داخل مجلس الشورى كان خلاف كبير لأنّهم هم كانوا يعتقدون بعد الثورة الإيرانية قد يبدأ، هذا قتل السادات أو فرعون هو في النهاية سوف يؤدّي أو يقود إلى ثورة شعبية في النهاية بشكل أو بآخر. وهذا انعكاس لما بعد سنة 67 وإنّ الإسلاميين قد سيطروا على الاتحادات الطلابيّة والنقابات. وبالتالي كانت نقابة المهندسين أحد أهمّ النقابات في ذلك الوقت التي خرّجت هذا الجيل، ونعلم الجماعة الإسلامية والجهاد كانوا متموضعين في داخل الاتحادات الطلابية في هذه الفترة، وبالتالي هي نقاط جدل كتاب الفريضة الغائبة أهميّته بأنّه يُلخّص مرحلة نستطيع أن نفهم طبيعة الجدل الذي كان في مصر، وحتى في العالم العربي لاحقًا الذي كان في تلك الفترة كيف يمكن التغيير إن كان ربّما هناك اتفاق نوعًا ما على طبيعة أنّ هذه الأنظمة هي تابعة، ولا تستطيع أن تقوم بتحرير فلسطين، بل على العكس بعد كامب ديفيد أصبحت مُنخرطة في تحالف مع المستعمرة الاستيطانية الكولنيالية الإسرائيلية، وبالتالي أعتقد أنّ أهميّة وثيقة الفريضة الغائبة على صِغرها لا تتجاوز 50 صفحة، لكنّها فعلًا تُلخّص طبيعة ما كان يحدث خلال فترة السبعينات.


يحيى أبو زكريا: دكتور حسن، سنُفصّل أكثر في الكتاب في المحور الثاني إن شاء الله.

أستاذ بدر العبري المشهد الثقافي الإسلامي، الفكر الحَرَكي الإسلامي ابتلي باتجاهين اتجاه يقول أولياء الأمور فرضهم الله وكرَّسهم الله ويجب طاعتهم. وكما يقول أحد شيوخ السلفيين، وإنْ زنا الحاكم، وإنْ سرق وإنْ أخذ مالكم وبدّد اقتصادكم ودمّركم يجب أن تطيعوه، واندلعت الفكرة الأخرى التي تقول بضرورة الثورة على الطاغية وعلى الحاكم.

وضع الإسلام بين هذين التيّارين، ألم يضرّ بإسلام الحضارة؟

بدر العبري: شكرًا لك أستاذ يحيى أبو زكريا على هذه الاستضافة. طبعًا بالنسبة إلى القضية التي ذكرتها والقضية المتعلّقة بالفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج، أنا في نظري نتيجة الاقتداء فرج لم يأتِ بدعًا أو نشازًا من الفكر التراثي بالشكل العام، المشكلة التي نعانيها نحن المجتمع حقيقة يتبلورفي تلك الفترة بمدرستين المدرسة الأولى التي هي المدرسة التقليدية السلفية، وأقصد السلفية ليس بالمعنى الحنبلي. ولكن السلفية بمفهومها العام وطبعًا بكل مذهب من المذاهب الإسلامية توجد به سلفية متحجّرة ومُتشدّدة، وتأخذ بحرفيّة النصوص وحرفيّة التراث، وهذه طبيعة الحال وهذا شائع في جميع  المدارس الإسلامية خصوصًا ظهرت بشكل أقوى بعد ظهور المطبعة وظهور كُتُب التراث، وأكتفي الأمر بما يتعلّق بتحقيق التراث والتحقيق المنهجي وليس التحقيق النقدي في الحقيقة. 

كذلك عندنا المدرسة الإصلاحية أو التجديدية، وهي خطوة متقدّمة التي ظهرت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو إلّا أنّ المدرسة الإصلاحية في حقيقة الأمر حاولت المواءمة بين الماضي وبين الحاضر، وبين الشرق وبين الغرب. لكنّها لم تقدِّم في الحقيقة رؤية أو نظرية أو منهجية نقدية لهذا التراث بحيث تستطيع أن تقدِّم هذه النظرية أكثر رؤية بما يتعلّق بالعقل الجَمْعي، أو ما يتعلّق بالشباب عمومًا. وهناك مدرسة تفكيكية نقدية، إلّا أنّ صوتها في الحقيقة ضعيف جدًا، ولم تكن بتلك الدرجة التي قبلت حتى داخل المجتمع سواء كان داخل التيّار السلفي، أو داخل التيّار الإصلاحي. وهذه المدرسة التي تقدّم حقيقة نقد الفكرة أو نقد التراث، ووضع التراث في جانبه البشري وجانبه الذي هو في حقيقته متطوّر في صيرورته، سواء كان ما يتعلّق ببعض الروايات، وما يتعلّق بالاجتهادات البشرية حتى الذي عاد إليه عبد السلام فرج في كتابه في ما يتعلق بإبن تيمية على سبيل الخصوص لهذا الفضاء في ذلك الوقت. وفي الحقيقة لم يكن بدعًا بالنسبة إلى عبد السلام فرج، بل سبقته في ذلك عدّة آراء أظهرت هذا التراث وأظهرت ما في بطنه فتلقّفه هذا الرجل كغيره من الشخوص الذين تلقّفوا مثل هذه الأفكار، ولم توجد تلك النظريات الناقِدة، فكان النِتاج هذا الكتاب بالنسبة إلى عبد السلام هو الفريضة الغائبة وإن كانت سبقته آراء أخرى قد تكون أيضًا مُتشدّدة، إلّا أنّ الوضع السياسي خاصة بعد سنة 1967، وكذلك بعد كامب ديفيد قد يكون هذا الأمر أخرجه بالشكل. والجماعات الأخرى هي بالحقيقة تسع خصوصًا ما يتعلّق بالإسلام السياسي هي عندها في الحقيقة مشروع دولة، وكذلك ما يتعلّق بهذه الجماعة هي أيضًا في النهاية مشروع دولة إلا أنّ تلك الجماعة، وقد ردّ عليهم عبد السلام في كتابه أنّ هؤلاء يستخدمون مثلًا الجمعيات الخيرية يستخدمون الأحزاب يستخدمون التعليم إلى غير ذلك، ولكن الغاية هي الوصول إلى الدولة، فهو يرى أنّ الوصول أو مشروع الدولة يمكن أن نختصره بشكل أكبر وهو ما يتعلّق بالجهاد والقتال بشكل عام إلّا أنّ الاستبدال السياسي ساعد خصوصًا في تلك الفترة ساعد على هذا الأمر بشكل كبير جدًا أيضًا المعاهد والحوزات الدينية بذات الأمر هي حوزات منغلقة على التراث حوزات لم تتقبل الآراء الأخرى الفكرية والنقدية، أيضًا الخطاب بالشكل العام في عمومه هو خطاب عمومي والدعوة بالشكل العام هي دعوة.


يحيى أبو زكريا: أستاذ بدر فوقع هذا الخطاب في مأزق كان الإسلاميون في مرحلة الدعوة حلموا بالدولة فأضاعوا الدعوة والدولة والمجتمعات معًا.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.


المحور الثاني:

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد. مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج الذي أفتى بقتل محمد أنور السادات.

دكتور كمال غوصًا في الكتاب قليلًا طبعًا، هنالك فصل عن الحاكمية مَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون يعطيها أهمية كبيرة، وكما قال الدكتور حسن أبو هنية هو يرى مقاتلة القريب الحاكم العربي قبل مقاتلة الاستعمار، بل يفضّل أن يقتل المسلمون عدوّهم الطاغوتي قبل أن يقتلوا ويقاتلوا الاستعمار. ماذا في بقيّة الكتاب دكتور كمال؟


كمال حبيب: أنا أودّ أن أؤكّد أنّ الكتاب وضع الفسائل الأولى قبل أن تكتمل السلفية الجهادية كمشروع فكري بعد ذلك في السجن مثلًا الجماعة الإسلامية  الجهادية التي شاركت في قتل السادات بدأت تضع كتبها كميثاق للعمل الإسلامي وحتمية المواجهة، وكل هذا الكلام وضعته داخل السجن والرسالة الإيمانية وغيرها. ثمّ لمّا سافرت هذه المجموعات إلى أفغانستان بدأ يكتمل مشروعها الفكري مع سيّد إمام وكتاب الجامع الضخم في ألف صفحة في طلب العِلم الشريف وغيره أنا أقصد أن أقول أن كتاب الفريضة الغائبة وضع الفسائل، وأنت تعرف طبعًا الفسائل يعني البذور الأولى التي قبل أن يكتمل المشروع بعد ذلك حتى سنة 98 وبعدها مع أبو محمد المقدسي وغيره ممَّن كتب كتابات كثيرة جدًا بعد ذلك القاعدة وداعش وفي غيرها، وفي مجموعات مختلفة هذه كانت البداية الأولية التي وضعت فكرة السلفية وإلى جانبها فكرة الجهاد كمشروع للقتال، وليس كمشروع واسع يمكن أن يشمل أشكالاً أخرى من الجهاد هو يرى الجهاد هو فكرة القتال، وفكرة القتال استخدام القوّة المسلحة لإزالة ما اعتبره طواغيت الأرض في هذا الوقت، وهم الحُكّام وفكرة الدولة الإسلامية في ذلك الوقت كانت فكرة غائبة محمد عبد السلام فرج تحدّث عن مسألة أنّ أهمّ أمر أن نصل إلى الدولة وبعض الناس ناقشوه عندما تصل للدولة ماذا ستفعل؟ قال مجرّد الوصول للدولة وقعت الدولة في قبضتنا، وليس مهمّاً ما يجري بعد ذلك.

مفهومه عن الدولة مفهوم غامض، ومفهوم مختصر، وغير واضح حتى مفهومه عن فكرة الشريعة نفسها كشريعة وذهابه مثلًا إلى مسألة السيف، فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين وهذه موجودة في سورة براءة في مواجهة مشركي مكّة. في هذا الوقت صحيح أنّ المُفسّرين القدامى وهذه مسألة أنا آخذهم عليها، وكتبت مقالاً فيها.


يحيى أبو زكريا: صحيح.


كمال حبيب: اعتبروها آية نسخت كل آيات الرحمة والنُصح والوعْظ، وهذا طبعًا كلام لا يمكننا قبوله ليس معقولًا. آية واحدة تنسخ 114 آية أخرى مُتناثرة في 56 صورة، وبالتالي أقصد القول إنّ موقف الفقهاء هنا عندما ننظر إليه كباحثين معاصرين لا بدّ من أن نراجعه كذلك فكرة لقد جئتكم بالذبح، وفكرة الذبح هذه وفي الحلقة الماضية تحدّثنا عن مسألة استخدام السيف الأدوات الحادّة والسكين، لماذا؟ هذه نقطة مهمة لأنّ هناك بُعداً مهدوياً في أفكار هذه الجماعات بُعد مهدوي يعني ماذا؟ دفع العالم إلى حافّة الهاوية ودفع الحضارة البشرية إلى حافّة الفناء حتى ينتهي هذا العالم وتقوم القيامة، القيامة بمفهومهم لِمَ تقوم القيامة؟ وهذا الكلام لشكري مصطفى في مسألة التوسّمات على سبيل المثال لا تبقى قوى عظمى ولا الأسلحة المملوكة الآن. ويعود الناس للقتال مرة أخرى بالسيف، وهذا الفكر المهدوي هذا موجود عند هؤلاء وهو موجود بدرجات مختلفة لدى كل مَن كتب الكُتب التي اعتبروها إنّها مؤسِّسة للعنف سيّد قطب وأبو الأعلى المودودي وصالح سرية جميعهم بلا استثناء لديهم نظرة مهدوية للعالم، وهذه النظرة ذات طابع مثالي متجاوز ليست موصولة صلة حقيقية بالواقع، وهذا يؤدّي إلى العنف.

جلست أتفكّر لماذا يذهب الناس للعنف؟ يذهب الناس للعنف لأنّك أنت تعطيهم مشروعاً نظرياً، ولا تعطيهم الأدوات التي يمكن تطبيق هذا المشروع النظري في الواقع، وهذا يحتاج إلى شكل من أشكال الحكمة والفَهْم لهذا الواقع. التصوّر المهدوي تصوّر يفهم أنّ الواقع لا يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة، وما هي مصادر المعرفة عنده؟ هي مصادر علوية من الوحي، إنّما مصدر معرفة الإنسان ومعرفة العالم ومعرفة الواقع هذه ليست موجودة عنده، ولو تحدّث أحد عنها ربّما يسمّه بالمروق. والفريضة الغائبة تحدّثت عن الذبح، وتحدّثت عن السيف. لِمَ تحدّثت عن مشروع الدولة الإسلامية؟ وجدناه لا يعرف عنه شيئًا حتى مشروع فكرة الاستراتيجية، وما هو المشروع الاستراتيجي لديك تجده يعود إلى بعض الأحاديث كخروج النبي صلّى الله عليه وسلّم صباحًا والدُعاء.


يحيى أبو زكريا: دكتور كمال أتصوّر أنّها إشكالية كبيرة لدى المُثقّف المسلم، أو المُثقّف العِلماني، أو الوطني، فنحن أضعنا الثقافة الموسوعية المُستندة إلى أساس. وحتى تستنبط حكمًا شرعيًا يجب أن تكون حافظًا وعارفًا بالقرآن خاصه وعامه، مطلقه ومقيّده، مكيّه ومدنيه، وما إلى ذلك واللغة العربية. تعرف اللغة العربية في أفخاذها العربية، وفي أصولها الأساسية. نحن نجمع عنواناً من هنا وعنواناً من هناك كما حدث في الفريضة الغائبة مع محمد عبد السلام فرج.


كمال حبيب: فكرة الالتقاء، هذه الفكرة من الناحية المنهجية خطيرة جدًا لماذا؟ حتى فكرة القتال نفسها وفكرة الفريضة الغائبة الجهاد نفسه عندما أنظر إليه في إطار مشروع استراتيجي كبير، وهو مشروع الإسلام هو جزء أو أداة أو وسيلة ضمن منظور أكبر. هو ينتزع هذا الجزء المحدود ويذهب إلى كتاب إبن تيمية، وأنا أقول هنا مسألة مهمة جدًا في المنهج وهي فكرة اللاتاريخية، يعني ماذا اللاتاريخية؟ يتعامل مع النصّ مباشرة مع الواقع من دون فَهْم للحضارة التي أنتجت هذا النصّ، وكيف طبّقته؟ وكيف فَهِمَته؟ وكيف تعاملت معه؟ حتى طبيعة الجيوش طبيعة الدول لا يذكر في الكتاب هذا ولا في كتاب فقه الجهاد الذي تحدّثنا عنه سابقًا، أي أمر متعلّق بطبيعة العلاقات التاريخية علاقات المسلمين بغيرهم، علاقات المسلمين بالحضارة الغربية، علاقات المسلمين بجيرانهم، السفرات التي كانت تحدث بين دول المسلمين كل هذا الكلام لا تجد أثراً له على الإطلاق.


يحيى أبو زكريا: لأنّه دكتور كمال بالأساس لا توجد رؤية ثقافية للدولة الإسلامية، والدليل هذا التخبّط اليوم عند كل المدارس الإسلامية. هنالك اجتهادات وربما حتى الذين قالوا بالدولة الإسلامية في مدارس معينة، وخالفهم كثيرون في هذا المنحى. هذا هو فكرنا الإسلامي رأي ورأي مُضاد، قول وقول مُضاد، رصاصة ورصاصة مضادّة.

دكتور حسن أبو هنية حتى نكون موضوعيين وعلميين وأكاديميين أيضًا هذا الفكر الثائر، هذا العقل الدموي ترعرع وسط جدران مليئة بالكراهية والبغضاء والضغينة. فإذًا، أيضًا الطغيان العربي ساهم في إنتاج العنف الأصولي، أليس كذلك؟


حسن أبو هنية: إنّه ليس كذلك، هو لم يساهم كما ذكرت أستاذ يحيى هو الحقيقة هذا هو السؤال الجوهري الذي لا يريد أحد أحيانًا الحديث عن التطرّف العنيف والإرهاب من دون البحث عن الأسباب والجذور العميقة. للأسف الشديد بات هذا الأمر خارج نطاقات البحث مع أنّنا نعلم أنّ كافة الخبراء في العالم لا خلاف بأنّ التطرّف العنيف أنّ ثمة أسباباً وجذوراً عميقة تتمثل في الديكتاتورية، والاستبداد، والفقر، والتبعية. كل هذه هي أسباب عميقة، وليست مجرّد خطاب، نعلم أنّ ظاهرة التطرّف العنيف ليست ظاهرة تقتصر على الدين، هي ظاهرة موجودة في الأيديولوجيات كافّة، بمعنى قد تتّخذ شكلًا نازيًا يمينيًا يساريًا علمانيًا، كل هذه الحركات هي نتاج ظروف وشروط موضوعية، أحد أهم هذه الشروط التي دائمًا كنّا نتحدّث والجميع تحدّث عنها هي وجود نظام ديكتاتوري استبدادي يغلق المسارات. التغيير الداخلي الديمقراطي كيف توصّل طرف إلى هذه النتيجة؟ إذا رجعنا إلى تعليل مضمون هذا الكتاب، وهذا الكتاب لا شكّ أنّه يكاد يكون قطيعة لماذا؟ لأنّه يؤسّس، فالعالم العربي والإسلامي تمّ إحلال نظام ذي طبيعة علمانية يتبنّى أيديولوجيا اشتراكية أو قومية أو ليبرالية أو مزيج من هذه الأيديولوجيات، وتمّ إحلال من خلال النظام الكولنيالي ما بعد الكولنيالي تمثل بالمؤسَّسات العسكرية والتنفيذية والقضائية تتبعه وتتبع محاكاة للغرب، وأبقى على قانون الأحوال الشخصية، وبالتالي هو يؤسّس عبد السلام فرج بأنّ هذه الأنظمة لا صلة لها بحكم الإسلام الذي حكم على مدى أكثر من 12 قرنًا هذه المنطقة. وبالتالي تمّ قطع هذا ما يؤسّس، ثم بعد ذلك يقول إنّ أهمية الكتاب بأنّه يتعرّض لكلّ المناهج الإسلامية التي تحدّثت عن قضية التغيير بمعنى المسلك الطليعة التنظيم اللينيني أو التنظيم لغرامشي بمعنى التغلغل داخل مؤسّسات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات، أو عن طريق التصفية والتربية أو غيرها من الوسائل. هو يتعرّض ويقول إنّ هذه جرّبت ولا جدوى منها على الإطلاق. وبالتالي نحن شاهدنا أنّ هذا التنظيم أو عبد السلام فرج الفريضة الغائبة هو نتاج لهذه لمرحلة السبعينات نعلم بأنّه كان السادات قد أصبح نظاماً ديكتاتورياً ولا ننسى أنّه سنة 81 في أيلول تمّ اعتقال اكثر من 1500 شخص، أضف إلى أنّه ذهب في عملية صلح وسلام مع إسرائيل كامب ديفيد 78 79 وهذا كان مُستنكرًا حتى في العالم العربي الذي أصبح الآن يعتبره، وكأنّه أمر طبيعي. ووقتها أُبعدَت مصر من الجامعة العربية، وبالتالي كان هذا واستقبل الشاه بعد الثورة الإسلامية الإيرانية استقبل الشاه بكلّ وقاحة، وكانت الظروف في ذلك الوقت كان يتوقّع عبد السلام فرج إنّ كلّ المصريين سيفرحون بقتل هذا الفرعون. هو وبالتالي إذا عدنا لذلك الوقت، هذا هو كان الجو كان نظامًا دكتاتوريًا، عملية الاعتقالات أكثر من 1500 شخص قبلها بأيام وعمليات إغلاق المجال الديمقراطي، وإغلاق مجال الحريات والتعرّض للنقابات في ذلك الوقت الاتحادات الطلابية إذا رجعت لتلك الفترة سوف ترى أن أصبح فعلًا يمثل كالفرعون، رجل يستبد في الحُكم. وبالتالي يغلق كل مسارات التغيير السياسي، وكان عبد السلام فرج هو إبن هذا النظام الديكتاتوري، وبالتالي نحن نعلم قبل ذلك كان قد تأسّس في داخل السجون المصرية نتيجة القمع وعمليات غياب الديمقراطية أدّى إلى ولادة هذا التيار سواء مع شكري مصطفى، أو الحركات اللاحقة. فعبد السلام فرج هو يعبّر وكتابه الفريضة الغائبة عن هذه الانغلاقات وهذه الديكتاتورية التي قد أحدثت تحوّلًا في الليبرالية تجاه الولايات المتحدة الإميركية، وبالتالي مزيد من ترسيخ التبعية مع أميركا. وكذلك يذهب باتجاه العدو إسرائيل هي المستعمرة الاستيطانية عدوّة العالم العربي الأولى، وبالتالي هذا الاستبداد، وهو إبن علينا أن نقرأ فرج ليس كما نقرأه في سياقه التاريخي إنّه كان إبن هذه الفترة التي كانت تشهد هذا الانغلاق السياسي الاستبداد الديكتاتورية غياب الحريات التبعية.


يحيى أبو زكريا: دكتور حسن وهذا ما دفعني إلى تأليف كتاب بعنوان الإرهاب وليد النصّ القرآني؟ أم الحُكم الطغياني؟ وفيه مُقاربات من هنا وهناك.

أستاذ بدر نحن أمام لعنة الأيديولوجيا، اليسار أيضًا كان يؤمِن بالحتمية الثورية بالقضاء على الرؤساء بالتهجّم على الطبقة الرأسمالية البرجوازية ونحن أخذنا هذه المنطلقات، وأطلقنا آيات قرآنية عليها أو أحاديث من السنّة النبوية. إلى أية درجة تأثّر الخطاب الإسلامي بأيديلوجية اليسار العنيفة؟


بدر العبري: بالنسبة للحركات اليسارية هي كانت ردّة فعل، حقيقة آنذاك. ولكن على الأقل الحركات اليسارية كان العدو الأكبر لها هو الأنظمة الكبرى وكانت متّجهة إلى هذه الأنظمة الكبرى، وخصوصًا ما يتعلّق بما نتج منها من استبداد وما شابه ذلك، لما جاء بالنسبة لخطاب الصحوة أو الخطاب السياسي الإسلامي إن صحّ التعبير. كانت بالحقيقة ردّة فعل لهذه الخطابات، وهذه أيضًا غُذّيت من قِبَل الأنظمة الإسلامية لمواجهة هذه الأنظمة اليسارية والقضاء عليها، وهي أيضًا قد مارست العديد من العنف. لكن مع مرور الزمن للأسف إنّ هذه الأنظمة، وهذا الخطاب السياسي الإسلامي أصبح وبدلاً من أن يتّجه نحو الخارج، لكنه اتّجه إلى الداخل ولا أعمِّم. فلهذا، ظهر مع هذه الخطابات ما يُسمّى بالطائفية والصراع المذهبي، ولعلّ الأستاذين أشارا قبل قليل ما يتعلّق بما ذكره عبد السلام فرج بالمباشرة بالعدو القريب قبل العدو البعيد، وهذه فكرة ليست فكرة حديثة ابتدعها عبد السلام فرج هي فكرة قديمة كانت موجودة، لكنّها تحت مظلّة الولاء والبراء، وهذه ذكرها البربهاري وإبن بطة في القرن الثالث الهجري، وهي أنّنا نحن في هذه الحال لو كان عندنا مُبتدع من أية طائفة نخالفها فإنّ مُعاداة هذه الطائفة أو مُعاداة هذا المُبتدع أو مُجافاة هذا المُبتدع، أو مقاطعة هذا المبتدع هو أفضل من غيره من القريب.


يحيى أبو زكريا: أستاذ بدر وربّك وربّك وربّك وأقولها للتاريخ قل الحمد لله أنّ المُثقفين الذين صنعوا العنف، وصنعوا الإرهاب الإسلامي، قرأوا بعض الموروث الإسلامي، لو قرأوا كلّ الموروث الإسلامي لصنعوا قنابل نووية لأنّ في موروثنا كمّ هائل  من الكراهية والبغضاء والتكفير للأسف الشديد. دكتور كمال هل صدقًا كما قيل عندها أنّ المخابرات الأميركية رتّبت لاغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات؟ وكيف تلقيّتم وأنتم في مصر مشهد المنصّة هذا المشهد لا أتصوّر أنّ هنالك عربيًا سينساه؟ وكيف تعامل النظام المصري مع هذه الفاجعة إنْ صحّ التعبير؟

كمال حبيب: أنا شخصيًا كنت جزءاً من هذا المشهد.


يحيى أبو زكريا: أعرف.


كمال حبيب: وكنت أعرف ما سيقع يوم 6 أكتوبر.


يحيى أبو زكريا: صحيح.


كمال حبيب: كانت مصر كلّها فرحة جدًا، النّاس ذبحت الذبائح، وأطلقت الأعيرة النارية ابتهاجًا بما جرى، ونظر اليساريون قرأت كتاب أحاديث في العاصفة، وأنا في السجن لهيكل كيف كان ينظر العالم العربي والمصريون جميعًا لهؤلاء الشباب الـ 24 المتّهمين بقتل السادات، وقتها ينظر هيكل بعين التقدير والاحترام، وينظر لهم بعين الاعتبار والامتنان لما هو معروف، وأنا كتبت في هذه القصة كثيرًا، ومثل هذه الأمور ومصر كلّها ولست أنا شخصيًا كانت فرحة لأنّها نظرت إلى السادات كما هو معروف أنّه التفّ على ثوابت مصرية وعربية وإسلامية في مسألة علاقته بالكيان الصهيوني، وفجأة الناس حوله وقرأت مذكّرات الأستاذ أسامة الباز على سبيل المثال أنّهم فكّروا في قتل السادات عندما فاجأهم بمسألة زيارة إسرائيل، أنظر للتحوّلات الحادّة هذه كلّها كأداة لصدمة عنيفة للمصريين هذه أكثر من مسألة السجون لأنّ إسلام فرج لم يسجن.


يحيى أبو زكريا: دكتور كمال معلوماتيًا فقط لحد الآن مازلت أبحث عن الخيط الذي جمع السادات مع الكيان العبري، وحتى دور أشرف مروان، دوره ما زال فيه لغط بين القول إنّه عميل للأجهزة المصرية إنّه عميل للموساد، نتمنّى على الباحثين المصريين أن يفيدوننا كيف وقع السادات ذلك الوقوع المُريع؟

كمال حبيب: أخي يحيى الدولة العربية المعاصرة دعني أقول لك بصراحة هي دولة في نوعٍ من الاختراق في تأسيسها الرئيسي صراحة مثلًا هناك جزء الدولة، في بنيتها مخترقة هذا الاختراق حتى على مستوى أجهزة مخابراتها وعلى مستوى كما ذكرت حضرتك، وعلى مستوى سمعنا ما جرى لاكيلي لورو وغيره ومسألة التسلّط على الرؤساء أنفسهم إضافة إلى أنّني بدأت أميل لاحتمالات ممكن جدًا ناس تتمّ رعايتها من وقت بعيد لتصل إلى مواقع سلطة في مثل هذه الدول، وهي دول ما بعد الاستعمار، وهي دول ذات طابع هشّ، وهي الدولة العربية المُتضخّمة السلطوية ذات الطابع الوحشي التي لا تريد لمجتمعها أن يُعبّر عن نفسه كتاب الفريضة الغائبة. وأودّ العودة إليه هو جزء من سياق احتجاجي، لكن لو كان الإسلاميون أعطاهم الله سبحانه وتعالى بعض العقل، واكتفوا بما قاموا به في هذه اللحظة، وبدأوا يعيدون ترتيب أوراقهم من دون الإنجراف في نهاية التسعينات من جانب الجماعة الإسلامية وظهور الحال الأفغانية، وارتباطهم بأجهزة مخابرات إلى مسألة عنف ومواجهة مسلّحة يقتل فيها أبناء الشعب المصري لكان خير لهم، لكنّهم وهذه مشكلة ونحن تحدّثنا عن بريجنسكي سابقًا هناك نظام عالمي كل ما نقوله ما هو هدفه؟ وأودّ القول إنّ هذا الفكر ومعروف أن جانب الواقعة نعلمه، وقد كتبت فيه كثيرًا، وكنت من الذين يتبنّون مسألة الواقع بشكل مطلق. لكن أنّ هذه مسألة مركبة الفكر جزء منها، ومن هنا نحن نناقش الفكر الآن بهذا الاعتبار، وليس باعتبار إجمال الجوانب السياقية، وإهمال الجوانب الواقعية، لا نحن نتحدّث عن منظومة الفكر نفسه.

محمد عبد السلام فرج وبالرغم من الاعتقالات الواسعة، وأنا كنت موجوداً في ذلك الوقت فعلًا بدأ فعل التنظيم بعد 3 سيبتمبر، لا كلام وكل الشباب المصري كان مُتحمّسًا، كان غاضبًا جدًا، وأنا أقول إنّ الله سبحانه وتعالى يُلقي قدره على رغبات الناس وتوجّهاتهم، كل الناس كانت تقول إنّ السادات سيموت وقد أجرى الله سبحانه وتعالى قدره على أيدي هؤلاء الشباب، المشكلة في قصة العنف نفسها ومأزقه وقصة أنّك تبني.


يحيى أبو زكريا: دكتور كمال فقط في العنف، سألت مسؤولًا عربيًا ذات يوم في قتل شخصية سياسية كبيرة في وطنه سألته هل الجماعة هي المسؤولة؟ قال لي نحن إنّها مقتضيات أمن الدولة. دكتور حسن اختلط الحابل بالنابل أحيانًا تجد رجل مخابرات يُطلق اللحية، ويستخدم المسك والسواك، وبالتالي نحن في أمسّ الحاجة إلى كل المعلومات والدور الأمني العربي الدور الأمني الصهيوني الأميركي لمعرفة هذا العنف كيف نشأ في بلادنا. باختصار دكتور حسن؟


حسن أبو هنية: لا أعتقد بأنّه يمكن فصل كل هذه عن بعض، في النهاية هذه الأنظمة ما بعد الكولنيالية هي أنظمة في النهاية أنشأت مؤسَّساتها العسكرية والاستخبارية، وكذلك المؤسَّسات الأيديولوجية والقمعية بحسب عبارة الدوسير بفعل هذا المكوّن الاستعماري الكولنيالي وهذا المستعمر الكولنيالي تحوّل إلى إمبريالي منذ دخول أميركا المنطقة أصبحت هذه الأنظمة مرتبطة بأجهزتها العسكرية، وكذلك الأمنية بالبنية الإمبريالية، ونعلم أنّ هؤلاء الحكّام في العالم العربي أنظمة  ديكتاتورية يسيطر عليها العسكر بشكل أساسي، وبالتالي هذه البنية الديكتاتورية الاستبدادية غير منفصلة عن هذا النظام العالمي الإمبريالي، ولا عن النظام الإقليمي المرتبط بالصهيونية.

ولذلك نحن نتوقع أنّه سيكون هناك كثير من جماعات العنف التي تظهر، لكن هناك جماعات سلمية. شاهدنا ثورات سلمية تخرج الناس عُراة في الشوارع، ولكن مع ذلك يتلقّون نفس المصير. وبالتالي هذه هي لعبة منذ أكثر من مئة عام تتكرّر، ومنذ المرحلة الكولنيالية لا زلنا نعيش في نفس اللحظة بمعنى أنّ هناك عنفاً بنيوياً يصنعه التحالف الإمبريالي الخارجي مع الديكتاتورية المحلية والصهيونية الإقليمية.


يحيى أبو زكريا: دكتور حسن سفير أميركا في دولة عربية بعثت له المخابرات الأميركية، نريد تقريرًا عمّا يجري، فردّ باقتضاب إنّ الشيطان لا يعرف ماذا يجري في هذه البلاد. للأسف الشديد لعبة الشيطان ولعبة العنف والمصيبة أنّ الإسلام ورّط، والحضارة الإسلامية ورّطت، والدين خطف إلى وجهة مجهولة.


كمال حبيب: وهم بريئون من كل ذلك.


يحيى أبو زكريا: دكتور حسن أبو هنية من الأردن الحبيب شكرًا جزيلًا لك، الأستاذ بدر العبري من مسقط الحبيبة شكرًا جزيلا لك، الدكتور كمال حبيب من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.