الشخصية الآشورية في العراق

ميزات الشخصية الآشورية وحضورها الاجتماعي والسياسي في العراق... ماذا يقدم الدستور للآشوريين وبقية الطيف العراقي حقوقياً؟ وماذا عن موقع الكنيسة من حقوق أبنائها، وواقع المرأة الآشورية ودورها؟

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، يعود الوجود الآشوري في العراق إلى أكثر من أربعة آلاف عامٍ، فرضوا حضورهم حتى المتوسّط كإحدى الإمبراطوريات العظمى في المشرق القديم وبالتحديد انطلاقاً من شمال العراق، ومَن لم يسمع بسرجون الأوّل أو نارام سين أو شرمنصّر أو آشور بانيبال، كانوا مُقاتلين من سويّةٍ رفيعة وحضارةٍ عرفها الكون ثم غابت وبقي مَن بقي في شمال العراق وسوريا وإيران، وأغلبيّةٌ ساحقة يمكن أنها باتت الآن في بلاد "الأنكل سام" بعد الذي حصل في العراق وحركة صوغ الدساتير الجديدة سواءً في بغداد أو في الشمال، تحرَّك مَن يطالب للآشوريين وبقيّة الفئات بدور. الدكتورة منى ياقو أستاذة القانون الدولي في جامعة صلاح الدين لها باعٌ طويلٌ في شؤون حقوق الأقليات، وكتاباتٌ وكتب ودراسات حول الشخصية الآشورية، سنحاورها في واقع الآشوريين الحالي وليس في الماضي بعد تقريرٍ عن وضعهم في العراق. 

تقرير: 

استوطن الآشوريون شمال غرب العراق منذ الألف الثالث قبل الميلاد واعتنقوا المسيحية في القرن الميلادي الأوّل، كما تعرّضوا للاضطهاد في عهد الملك الفارسي شابور في القرن الرابع وأيام الخليفة العباسي المُتوكّل.

مثل السريان والأرمن عانى الآشوريون من المذابح على أيدي العثمانيين فأُبيد نصفهم ثم أكملت حكومة فيصل الأوّل ورشيد عالي الكيلاني عام 1933، فهاجر قسمٌ منهم إلى الجزيرة السورية.

يتركّز وجود الآشوريين حالياً في محافظة نينوى ولا سيّما في سهلها شرق الموصل، حيث انتشرت حضارتهم وآثارهم وبقيّت قلّةٌ في بغداد وأماكن أخرى، وبدأت أعدادهم بالتناقُص منذ ثمانينات القرن الماضي خلال الحرب مع إيران وإبّان العقوبات الدولية وصولاً إلى سقوط بغداد عام 2003.

واجه الآشوريون عنف الجماعات الإرهابية عقب الغزو الأميركي وتراجعت أعدادهم وقُتِل قسمٌ منهم وهاجر آخرون ولا سيّما بعد اجتياح داعش مناطقهم في نينوى عام 2014، حيث قُطِعت رؤوس مُفكّرين ومُثقّفين ورجال دين إضافةً إلى الاغتصاب ومحاولة الإبادة، وجرى تدمير الكنائس وتحطيم معالِم حضارتها العريقة في مدينة نمرود، حيث كانت تُقدَّر أعداد المسيحيين في المنطقة بمئة ألفٍ هاجر 90% منهم إلى أربيل ودهوك ولم يعد منهم سوى 50% بعد تحرير المنطقة وبضع عائلاتٍ إلى الموصل.    

لا يُخفي بعض الآشوريين رغبته في حيّزٍ مستقلٍّ رغم قلّة عددهم في ظلّ ضبابيّة المستقبل لكن ذلك يواجه صعوباتٍ كثيرة، فيما يتباهى البعض مع الواقع الحالي في شمال العراق أو في مركزه.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أحيّيكِ دكتورة منى ياقو، شكراً لتلبية دعوة أجراس المشرق، سيّدتي مما كتبتيه عن الشخصية الآشورية ما هي صفات هذه الشخصية في بلاد الرافدين؟  

منى ياقو: مساء الخير لك أستاذ ولجمهورك الكريم ويشرّفني أن أكون ضيفةً في هذا البرنامج الرائع. الشخصية الآشورية تمتاز بعدّة صفات أبرزها اعتزازها بانتمائها القومي وبعُمقها الحضاري الوطني، وأيضاً بتمسّكها بهويّتها الوطنية إلى جانب الهوية القومية والدينية واللغوية من دون أن يكون هناك أي نوع من الصراع، فالآشوري من وجهة نظري تراه إنساناً وطنياً غيوراً يطالب بحقوقه القومية والسياسية في العراق، لكن في نفس الوقت يُقرّ بحقوق المُكوّنات الأخرى ويشعر بالتضامن والأسى إذا ما تعرّضت أيٌّ منها لانتهاك في حقوقها. وعلى صعيد القومية يعتزّ بالتأكيد بهويّته القومية، على الصعيد اللغوي نعتزّ بلغتنا الأم  إضافةً إلى اللغات الأخرى التي نتعلّمها ونستعملها في العراق كلغاتٍ رسمية، وعلى الصعيد الديني أيضاً نُعتبر مسيحيين مُلتزمين بديانتنا. 

غسان الشامي: أنا لا أريد الاختصار حقيقةً لأنه حين نتكلّم عن شخصية وطنية أو قومية أو لشعبٍ تاريخي، الآشوريون من الشعوب التاريخية في هذه المنطقة ولكن هل تختلف الشخصية الآشورية في بلاد الرافدين عن مَن بقي من آشوريين في الجزيرة السورية بعد ما فعلته داعش أو عن الآشوريين في إيران مثلاً؟ 

منى ياقو: لا أعتقد أن هناك اختلافاً، ربّما الظروف هي التي تتغيّر، الوقائع السياسية والأحداث المُتتالية هي التي تفرض نوعاً من التغيّر على طبيعة وردود فعل الإنسان أينما كان، أما كصفاتٍ إنسانية فنشترك مع أجدادنا القدامى مثلاً من حيث العناد والصلابة ومواجهة الوقائع بشكل ربّما يكون قاسياً لكن بالتكيّف مع ظروف المجتمع والحداثة التي تفرض علينا نوعاً من التغيير بحُكم الواقع.    

غسان الشامي: عُرِف عن الآشوريين أنهم قُساة، أعتقد أن أحد المؤرِّخين قال إن أخصام الآشوريين كانوا يخشون مهاجمتهم في الحروب لأن المقاتل الآشوري كان مستعدّاً أن يموت داخل الحديد، هل فعلاً هذه الشخصية شخصية قاسية سيّدتي؟

منى ياقو: أعتقد بأن الإنسان إلى حدٍّ ما يجب أن يكون قاسياً حتى يستطيع أن يواجه الأحداث مهما كانت طبيعتها، وأحياناً الصلابة أمرٌ مفروض جداً في المواطن وخاصةً المواطن في دول المشرق، هذه الصفة بالنسبة لي أعتزّ بها جداً وأتمنّى أن أجدها في كل مواطنٍ آشوري، أن يكون غيوراً وأن يكون صلباً وأن يستطيع أن يواجه أيّ انتهاك لحقوقه سواءً على المستوى القومي أو حتى المستوى الوطني ومن أيّ جانبٍ آخر. هذه الصفة نعم موجودة في معظم كتب التاريخ عندما نقرأ عن الآشوريين نرى بأنه كانت لهم مواقف معيّنة على مرّ التاريخ تثبت بأنهم كانوا يتميَّزون بالصلابة والقساوة، ربّما الظروف الطبيعية وأيضاً السياسية هي التي كانت تفرض عليهم هذا الأمر. 

غسان الشامي: بالمناسبة عُرِف عن الآشوريين أيضاً العِلم، التاريخ يصيغ لنا صورةً عن مكتبة آشور بانيبال، هل ما يزال التعليم والمكتبات والعِلم والتأليف صفة للشخصية الآشورية؟ 

منى ياقو: نعم بالتأكيد حالياً لو لاحظنا جيل الشباب نلاحظ أن هناك تسابقاً على اقتناء الشهادات والدراسة والتعلّم في مختلف المجالات، وهذا بالتأكيد هو أمرٌ يُسرّ المواطن أينما كان لأن الثقافة والتعلّم هما صفة جميلة جداً في الإنسان أينما كان، وهذه الصفة نتميّز بها أينما كنا باعتقادي خاصة أن في مجتعمنا الآن في الإقليم أو في العراق يتميّز الفرد الآشوري أو المسيحي بشكلٍ عام بإتقانه للمهنة التي يقوم بها سواء كطبيب أو كمحامٍ أو كمهندس، هذه الصفة معروفة فعلاً وما زالت موجودة. 

غسان الشامي: والشخصية الآشورية المعاصرة التي هاجرت، جميعنا نعلم أن في أميركا هناك تجمُّعٌ كبير للآشوريين، ماذا شكّلت الهجرة والعلاقة مع الغرب ضمن الشخصية الآشورية المُعاصرة سيّدتي؟  

منى ياقو: طبعاً للأسف الهجرة لوحدها قصة حزينة جداً بالنسبة إلينا كمواطنين باقين هنا لأننا نعاني من الهجرة لدرجة أننا أصبحنا نخشى من الإنقراض على أرض الآباء والأجداد، والهجرة بدأت في مراحل ربّما من السبعينات وربّما قبلها ولكن كان العدد المُتبقّي في العراق كبيراً جداً والرقم جيّد. المشكلة أنه تلت ذلك ثلاث محطات للهجرة بدأت بسقوط بغداد في العام 2003 والثانية كانت عند الهجوم الذي حدث على كنيسة سيّدة النجاة في العام 2010، ثم تلاها دخول داعش تحديداً إلى مناطق الموصل وسهل نينوى في العام 2014، هذا أدّى إلى تواصُل واستمرار الهجرة إلى الخارج. الشيء الذي يبشّر بالخير هنا هو أن الآشوريين عندما يهاجرون خارج البلاد دائماً تكون لهم مؤسّسات ثقافية واجتماعية وربّما دينية، هذه المؤسّسات هدفها وعملها يتركّز على البقاء على هذه الصلة المهمة بالداخل والحفاظ على هويّتهم القومية ولغتهم الأمّ، هذا يعني بأنهم يحاولون بشتّى الطُرُق أن يُبقوا على جميع العادات والأعراف والتقاليد التي كانت لهم على أرض الآباء والأجداد.وبالنسبة إلينا كآشوريّي الداخل أيضاً دائماً لدينا علاقات جيّدة جداً مع الآشوري الذي يهاجر وهذه العلاقة تبدو بشكلٍ واضح جداً عندما نتعرّف إلى بعض الإشكاليات أو انتهاكات الحقوق، أتحدّث على مستوى العراق ككل أو على مستوى الإقليم، هنا يصبح آشوريّو المهجر صوتنا في المجتمع الدولي، يدافعون، يطالبون أحياناً، يقومون بتنظيم تظاهرات سلمية معيّنة أمام أماكن مُحدَّدة في الدول سواء في أوروبا أو أميركا أو أستراليا، يوضّحون ويوصلون ما لا نستطيع نحن هنا إيصاله. لهذا نحن نستمرّ بالحفاظ على هذه العلاقة وتبقى هذه العلاقة مهمة جداً سواء بالنسبة إلينا كآشوريّي الداخل أو بالنسبة إليهم كآشوريين في المهجر، لكن لا زالت الروح القومية والانتماء وعراقة هذا البلد موجودة لديهم وأمر مهم جداً بالنسبة إليهم.   

غسان الشامي: سيّدتي أنتِ رسمتِ ملامح للشخصية الآشورية ولكن الشخصية يجب أن يكون لها دورٌ في المجتمع الذي تعيش فيه، ما دور الآشوريين الاجتماعي الآن إنْ كان في العراق في بغداد أو في الشمال؟  

منى ياقو: الآشوريون لهم حضور، هذا الحضور أستطيع أن أقول إنه ملفتٌ للانتباه، لدينا علاقات مُكثّفة جداً مع كل مُكوّنات الشعب العراقي، نشعر بالتقارُب سواءً مع الأغلبية كعرب أو ككرد باعتبار أن هناك قضايا مشتركة، هناك سِمة المواطِنة والوطنية التي تجمعنا وأيضاً مع الأقلّيات الأخرى باعتبار أن جميع أو معظم الإشكاليات التي نعاني منها مشتركة وتحديداً مع الأقلّيات التي هي قومية ودينية في نفس الوقت كما نحن. هذه العلاقات ربّما تعطينا بصمة أحياناً أو هوية تعريفية في العراق، على سبيل المثال أذكر من المناسبات التي يُعرَف بها الآشوريون في العراق أنه في 1 نيسان من كل عام في محافظة نوهادرا كما كانت تُسمّى سابقاً وهي الآن دهوك في شمال العراق، هناك مسيرة للآلاف من الأشخاص في شوارع أسواق دهوك للاحتفال برأس السنة الآشورية الكلدانية، هذه المسيرة كان يحضرها ما عدا سنة انتشار وباء كورونا للأسف لم نحتفل برأس السنة، كان يحضرها آشوريون من مختلف دول العالم إضافةً إلى آشوريّي العراق من جميع المحافظات العراقية. هذا النوع من المناسبات كان يعطي انطباعاً معيّناً بالنسبة إلى وجودنا في هذه المنطقة، 1 نيسان معروف أنه يوم آشوري بحت ويحتفل الجميع معنا تحديداً أهالي دهوك. بالتأكيد أن هناك مناسبات قومية ودينية وهناك تفاعُل مستمر وتعايُش مع الكرد والعرب بحسب مناطق تواجدنا.

غسان الشامي: وهذه الشخصية في أيّ مجتمع إنْ لم يتبدَّ لها حضورٌ سياسي تكون شخصية بمعنى أو بآخر ديكورية، كيف تقرأين الحضور السياسي للآشوريين في العراق؟  

منى ياقو: الآشوريون كان لهم حضوٌر سياسي أستطيع القول منذ تأسيس الدولة العراقية، والدليل على ذلك إضافةً إلى المصادر التاريخية هو أنه لو عدنا إلى أوّل دستورٍ بعد تأسيس دولة العراق كان يُسمّى القانون الأساسي وصدر سنة 1925، هذا الدستور كان في المادة 37 منه ينصّ على أنه يجب أن يتمّ تمثيل الأقليات المسيحية والموسوية في مجلس الأعيان، هذا النصّ الجميل والذي يدلّ على المواطَنة التي كانت موجودة في تلك الفترة هو بمثابة ما نُسمّيه الآن بالكوتا البرلمانية وتحديداً أن النصّ سبقته كلمة "يجب"، بمعنى أن هناك ضماناً لمشاركة الآشوريين في مجلس الأعيان، طبعاً كان مذكوراً كما قلتُ الأقليات المسيحية لكن منذ تلك الفترة بدأت مشاركتنا على جميع الأصعدة، اختلفت المشاركة وأصبحت تتفاوت بشكلٍ نسبي من سنةٍ إلى أخرى، حالياً وتحديداً بعد العام 2003 لدينا مشاركة في السلطتين التشريعية والتنفيذية لكن هذه المشاركة أعتقد بأنها تتميّز بكونها مشاركة من حيث الكمّ لا النوع، لدينا نواب في البرلمان، لدينا وزير مسيحي، لدينا عدد من المناصب كمدراء عامّين وغيرهم لكن أداءهم ليس بالمستوى المطلوب لأسباب معيّنة سأذكرها إن تحدّثنا عن الكوتا البرلمانية.  

غسان الشامي: نعم سنتحدَّث عن الكوتا ولكن الآن يمكننا أن نذكر هذا، ربّما فهمتُ بطريقةٍ أو بأخرى أن هذا التمثيل شكلاني بمعنى أن يكون لك ممثّلون سياسيون في الحراك السياسي أو الدولتي شيء وأن يكون لهم فعالية وتأثير شيءٌ آخر، هل فعلاً للساسة الآشوريين حضورٌ في عَصَب الدولة الأساسي إنْ كان في بغداد أو في شمال العراق؟ 

منى ياقو: الآشوريون لهم حضور ولدينا أحزاب كثيرة تشكّلت تحديداً بعد أن صار إقليم كردستان كما يُسمّى بحسب الدستور الذي هو في شمال العراق أصبح له وضعه الدستوري الخاص منذ 1991، وبعد التغيير الذي حصل في العام 2003 في العراق عموماً وبعد صدور دستور العراق النافذ حالياً الصادر في العام 2005، كثُرت الأحزاب التي تعمل باسم الآشوريين. هناك مشاركات كثيرة لهم لكن أستطيع القول إنها مشاركات ليست إلى حدّ الآن بالمستوى المطلوب ولا زال الفرد الآشوري يشكو في العديد من النواحي تحديداً من حيث الحقوق القومية، بمعنى أن مشاركتنا لم تصل إلى مستوى أن تقول إنها عصب الحياة السياسية، لا أعتقد بأننا وصلنا إلى هذه المرحلة التي نتمنّى أن نصل إليها يوماً ما.

غسان الشامي: هل يؤمِّن الدستور ما بعد 2003 حقوق الآشوريين؟ 

منى ياقو: دستور العراق حسب ما ذكرت هو أوّل دستور دائم في العراق صدر في العام 2005 يؤمِّن حقوق الأقليات بشكل عام إلى حدٍّ ما، لكن أعتقد أن الأمر لا زال منقوصاً وفيه خلَل إلى حدٍّ كبير. كي أوصل الفكرة لحضرتك وللمشاهدين الكرام يمكنني أن أقسِّم الموضوع بشكل سريع في ما يخصّ الدستور إلى ثلاث نقاط أو مراحل.

غسان الشامي: تفضّلي. 

منى ياقو: النقطة الأولى هناك بعض الأمور التي نشعر أن هناك إجحافاً كبيراً بحقّنا على صعيد الانتماء الديني كآشوريين مسيحيين، مثلا المادة 2 من دستور العراق النافذ تقول إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام وأن الإسلام يُعتبر مصدراً أساسياً للتشريعات القانونية، وأنه لا يجوز أن يصدر أيّ قانون مخالف لثوابت أحكام الشريعة. نحن نقدّر تماماً أن الأغلبية هي من دين معيّن لكن كنا نتمنّى أن يكون لدينا دستور يتّخذ إلى حدٍّ ما الطابع العِلماني بحيث يحترم هذا التنوّع الموجود في العراق ويحترم المُكوّنات الأخرى وإنْ كان عددها صغيراً، باعتبار أن التشريعات عندما تصدر استناداً إلى ثوابت دين مُعيّن فهذا يعني تهميشاً وربما تقليلاً من شأن الديانات الأخرى الموجودة. من ناحيةٍ ثانية هناك خَلَل من ناحية وجود بعض النصوص التي تُعتبر نصوصاً رائعة جداً ولكن تطبيقها على أرض الواقع لا زال فيه إشكالية كبيرة. على سبيل المثال لدينا نصّ المادة 9 الفقرة الأولى منه تقول إن الأجهزة الأمنية والقوات المسلّحة تتكوّن من كل مكوّنات الشعب العراقي من دون تمييز أو إقصاء لأيٍّ منها، لكن ما نلاحظه على أرض الواقع إن الآشوريين في الأجهزة الأمنية والقوات المسلّحة هم بأعداد قليلة جداً، وحتى مَن وصل إلى مراتب ورُتبٍ عسكرية مُعيّنة في هذين الجهازين وصل لأنه كان مُنتمياً إلى حزبٍ آخر سواء كان من الأحزاب الكردية أو العربية السنّية والشيعية. أيضاً نصّ المادة الثانية عشر الفقرة الأولى تقول:" يُنظَّم بقانونٍ عَلم العراق وشعاره ونشيده بما يرمز إلى مُكوّنات الشعب العراقي"، ونحن إلى اليوم بعد 16 عاماً من صدور هذا الدستور ولا زال هذا النصّ غير مُفعَّل ولم يشِر لا العَلم ولا النشيد العراقي ولا الشعار إلى مُكوّنات العراق للأسف. المادة 14 تقول إن العراقيين متساوون أمام القانون من دون تمييزٍ لأيّ سبب، في نفس البرلمان الذي يُفترض أن يحترم بنود الدستور صدر قانون البطاقة الوطنية سنة 2016 وكان فيه تمييز كبير بين الأقليات العراقية وبين الأغلبية من الناحية الدينية طبعاً، أيضاً أعتبر النصّ معطّلاً. أيضاً لدينا نصّ المادة الدستورية 125 التي أعتبرها أهمّ نصّ يخصّ الأقلّيات في العراق وهذا النصّ يقول:"يضمن هذا الدستور الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان والكلدان والآشوريين وسائر المُكوّنات الأخرى  ويُنظَّم ذلك بقانون"، وحتى الآن لم يصدر هذا القانون بمعنى إننا لم نستفد من هذا النصّ، إذاً النصوص جيّدة لكن التطبيق غائب.

غسان الشامي: إسمحي لنا أن نطبّق مسألة الوقت ونذهب إلى فاصل وبعد الفاصل نتابع الحوار معكِ دكتورة منى ياقو، أعزائي انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدّداً من أجراس المشرق، حوارٌ عن الآشوريين والشخصية الآشورية مع الدكتورة منى ياقو من شمال العراق. سيّدتي العزيزة الدستور ينصّ وأنتِ فنّدتِ في الجزء الأول بعض الأرقام والقوانين أو مُندرجات الدستور ولكن ينصّ على حماية الأقليات، هل الدستور يحمي فعلاً الأقلّيات في العراق؟ 

منى ياقو: نعم كما قلتُ سابقاً فإن الدستور فيه نصوص تحمي الأقلّيات لكن اشتكيتُ من وجود إجحاف ووجود نصوص لا تُطبَّق، وأيضاً كانت هناك نقطة يهمّني الإشارة إليها أن هناك أموراً بخصوص الأقليات لم يهتمّ بها الدستورولم يشِر إليها، على سبيل المثال التمييز الإيجابي الذي هو حق للأقلّيات بموجب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان. أيضاً مسألة الكوتا البرلمانية، صحيح أنه لدينا كوتا لكنها ليست مُثبّتة في الدستور على عكس كوتا النساء التي هي مُثبّتة في الدستور في المادة 49 الفقرة الرابعة، وأيضاً خطاب الكراهية وحظر هذا الخطاب يهمّني جداً كمواطنة من الأقلّيات أن يكون هذا الأمر محظوراً بموجب بنود الدستور. أمرٌ آخر أن الدستور عندما عدّد الأقليات في العراق ركَّز على المسيحيين والأيزيدية والصابئة المندائية لكن نسي بأن التنوّع في العراق هو أوسع مدىً من مُجرَّد الاقتصار على ثلاث من هذه الأقليات، نسي الإشارة إلى الآخرين كالزرادشتية والبهائية واليهود وأيضاً الكاكائية. الدستور في العراق كما قلتُ يحمي الأقلّيات حمايةً منقوصة لكن هذه الحماية هي أمر مفروض لأن قواعد القانون الدولي تحمي الأقلّيات تحت عنوان الجماعات المُستضعفة، هذا العنوان بالتأكيد  غير مرغوب به وأتمنّى أن يتمّ تعديله لأنه يعطي إيحاءً سلبياً بالنسبة إلينا كأقلّيات لكنه دارج في القانون الدولي. العراق باعتباره مُلتزماً باحترام التزاماته الدولية وباعتبار النصوص التي صدرت لحماية الأقلّيات والشعوب الأصلية عن الأمم المتحدة يُفترَض أن يلتزم العراق بها في الدستور باعتبار أن الدستور هو القانون الأسمى أو الأعلى في البلاد حتى ينعكس ما يرد في الدستور على ما سوف يتمّ صوغه وتشريعه من قوانين من قِبَل مجلس النواب العراقي. إذاً باختصار أستطيع القول إن الدستور يحمي الأقلّيات لكن ليس بالدرجة التي كنا نطمح إليها بعد التغيير الكبير الذي حصل في النظام السياسي وفي بنية هذه الدولة على الصعيد القانوني والسياسي أيضاً، لم يتمّ ذلك.  

غسان الشامي: سيّدتي جميعنا نعلم أن مُصطلح حماية الأقلّيات هو مُصطلح غربي، بهذا المعنى هناك حقوق عامة هي حقوق الإنسان، في حال استمرّ هذا النزف للأطياف الصغرى في العراق مَن يحمي المجموعات الصغرى؟ 

منى ياقو: المجموعات الصغرى لديها طريقان للحماية: إما أن يكون أعضاء من هذه المجموعات نواباً أو ممثّلين عن الشعب وعن مُكوّنهم من خلال كتلٍ أخرى كبيرة وهذا ما يحدث كثيراً، نرى أن بعض الأحزاب الكردية على سبيل المثال فيها عضو مجلس نواب أيزيدي لكنّه في نفس الوقت يدافع عن قوميّته وديانته باعتباره من الأقلّيات، أو أن نلجأ إلى الطريقة الأخرى وهي أن معظم الأقلّيات في العراق لديهم كوتا برلمانية في مجلس النواب العراقي وأيضاً في برلمان الإقليم، لديهم ممثّلون يدافعون عن حقوقهم. على سبيل المثال نحن كمسيحيين لدينا خمسة مقاعد في مجلس النواب العراقي، ولدينا ستّة مقاعد في برلمان الإقليم باعتبار أن خمسة منهم هي للكلدان السريان الآشوريين كما جاءت التسمية في القانون ومقعدٌ آخر للأرمن. وأيضاً في مجلس النواب العراقي هناك مقعد واحد لكلٍّ من الشبك والأيزيدية والكرد الفيليّة والصابئة المندائية، وفي برلمان الإقليم هناك خمسة مقاعد للتركمان، هذا يعني أنه في كلا البرلمانين هناك تنوّع إلى حدٍّ ما وهذا التنوّع مستواه جيّد وغير رديء تحديداً بالنسبة إلينا كمسيحيين باعتبار أنه لدينا خمسة مقاعد وفي الإقليم ستّة مقاعد، أداؤهم للأسف ليس كما هو مطلوب وكما كنا نتوقّع لكن وجودهم جيّد، المسألة أستطيع أن أقول إنها تلبّي طموحنا إلى حدٍّ ما من حيث الكمّ لكن من حيث النوع هناك إشكاليات كثيرة. 

غسان الشامي: ألا يوجد توافق آشوري سرياني كلداني بمعنى آخر مسيحي شامل على العمل السياسي في العراق أم أن كل واحد منهم يغنّي على ليلاه؟  

منى ياقو: مشكلة التسمية أصبحت عرقلة كبيرة في العراق تحديداً، التسمية في البداية تحديداً بعد أن صار للإقليم وضعه القانوني الدستوري الخاص به في العام 1991 وبعد تشكُّل برلمان في الإقليم في العام 1992 كانت التسمية الدارجة هي تسمية الآشورية، كان يُطلق علينا حتى في الكتب الرسمية تسمية الآشوريين، هذه التسمية تغيّرت في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وصارت الكلدو- آشورية، وفي دستور العراق ورد الكلدان والآشوريين وكأنه قسّمنا إلى قسمين مع نسيان القسم الآخر وهو السريان. التسمية تغيّرت بعد ذلك من خلال أحد المؤتمرات الذي عُقد في مدينة أربيل حيث أقيم، وصارت التسمية السريان الكلدان الآشوريين، هذا المؤتمر حضره البعض من أحزابنا وتمّت الموافقة على هذه التسمية لكن هذه التسمية لا تمثّل بالنسبة إلينا أمراً عملياً أو أن تكون مُدرَجة سواء في خطاباتنا الشفهية أو حتى أثناء كتابة الدستور لأنها تسمية طويلة جداً ومُستحدَثة ولا تلبّي طموح العديد من أبناء شعبنا، فلا زالت إشكاليات التسمية قائمة إلى حدٍّ كبير، ليس هناك اتفاق عليها وللأسف لا توجد بوادر أو ملامح لهذا الاتفاق حتى اللحظة لكن ما أعرفه كمواطنة آشورية إننا شعبٌ واحد بغضّ النظر عن مشكلة التسمية، رقمنا صغير والأرقام الصغيرة لا تقبل القمسة، لو قُسّم هذا الشعب حسب هذه التسميات بالنتيجة سوف نظلم قضيّتنا وأنفسنا أيضاً، لهذا من المفروض أن تتوجّه كل النقاشات نحو وحدة هذا الشعب والاتفاق على تسمية مُعيّنة أياً كانت. حقوقنا التي وردت في دستور العراق كما قلتُ هي تحت تسمية الكلدان والآشوريين ولدينا حقوق أخرى دينية وسُمّينا مسيحيين.

غسان الشامي: في العراق مجموعة من الكنائس ولكن ما هو موقع الكنيسة بشكلٍ عام من حقوق أبنائها؟ هل تترك السياسة تلعب كما تريد أم لا يتدخّلون؟

منى ياقو: بالتأكيد الكنيسة لها دور تحديداً في بعض القضايا التي تخصّ الأحوال الشخصية وأيضاً من حيث تعليم اللغة الأمّ، وأحياناً نرى الكنيسة نشطة جداً لكن ربّما أحياناً الخَلَل الذي يحدث في الجانب السياسي يؤدّي إلى نوعٍ من الفراغ يدفع الكنيسة إلى التدخّل بشكل أو بآخر، وما يمكّن الكنيسة من التدخّل هو أن الكوتا البرلمانية التي أُعطيت لنا في العراق وليس في الإقليم لأن الإقليم منحنا الكوتا على الأساس القومي، لكن في العراق الكوتا مُنحت في قانون الانتخاب وذُكرنا كمُكوّنٍ مسيحي ولم تتمّ الإشارة إلى الإسم القومي لشعبنا، هذا يعني أن الباب فُتح لتدخّل الكنيسة ربّما ليس بشكلٍ مباشر ككنيسة، لكن تشكّلت بعض الهيئات بدعمٍ ومبادرة من الكنيسة وأصبح لها قوائم انتخابية ووصل بعض مُمثّليها أو أعضائها إلى البرلمان العراقي. فإذاً أستطيع القول إن الكنيسة تتدخّل إلى حدٍّ ما، أحياناً هذا التدخّل يكون مطلوباً وأحياناً أخرى نفضّل بالتأكيد فصل الدين عن الدولة وعن السياسة وأن يبقى كل منهما في ساحته. 

غسان الشامي: ذكرتِ الكوتا عدّة مرات، أنتِ كحقوقية هل تؤمنين بأن الكوتا تعطي تمثيلاً حضارياً أو سياسياً أو ثقافياً حقيقياً لبنية المجتمع أو حتى لألوان الطيف في مجتمعٍ ما؟  

منى ياقو: طبعاً الكوتا أمر مهم جداً أحياناً وهي ليست منّة وإنما هي حقّ للمُكوّنات الصغيرة العدد أو ما نُسمّيها بالأقلّيات، لكن للأسف نحن في العراق صحيح إننا مُنحنا الكوتا ونحن كمسيحيين كما قلتُ أعداد المقاعد الممنوحة لنا هي جيّدة، لكن للأسف آليّة انتخاب هؤلاء النواب فيها إشكالية كبيرة لأن الانتخاب مفتوح أمام جميع أبناء الشعب العراقي، من الممكن أن يتمّ ترشيح شخص معيّن لمُجرَّد كونه مسيحياً وبدعمٍ من وراء الستار من قِبَل حزب كردي أو عربي، ويتمّ ضخّ الأصوات له أثناء الانتخابات عن طريق التصويت الخاص أو من قِبَل آخرين بأعداد هائلة جداً، بحيث لا يستطيع العضو الآخر المُرشّح من أحد أحزابنا الآشورية والذي لا يمتلك هذا الكمّ الهائل من الأصوات لا يستطيع أن يصل إلى البرلمان ولا أن ينافس هذا الشخص الآخر الذي وصل بهذه الطريقة.  طالبنا مرات عديدة من جهات عديدة وأنا شخصياً ذهبت إلى الأمم المتحدة وإلى عدّة جهات، وطالبتُ بأن يكون التصويت لمقاعد الكوتا محصوراً بأبناء شعبنا باعتبار أن هذه المقاعد مُنحت لنا حتى يصل صوتنا إلى الجهات المختصّة وإلى البرلمان، وحتى يكون النائب عن الكوتا هو ممثّلنا الشرعي والحقيقي. وأما المُكوّنات الأخرى الكبيرة فلديها ما يكفيها من النواب لكن للأسف لم تتمّ تلبية رغبتنا والقانون لم يتعدّل، ولم يُحصَر التصويت لهذه المقاعد بأبناء شعبنا وبقي الأمر على ما هو عليه حتى اليوم. 

غسان الشامي: وفي كوتا المرأة، قلتِ إن كوتا المرأة قد ترسّخ في بنية الدستور العراقي ولكن كوتا المرأة الآشورية مثلاً هل هناك كوتا لها؟ بمعنى للمسيحيين ما دور المرأة الآشورية في سياق عملية الإصلاح غير أنكِ كنتِ في لجنة مسودّة الدستور أو رفضتِ أن تكوني في لجنة أخرى، هل من دور للنساء الآشوريات والمسيحيات في العملية السياسية في العراق؟    

منى ياقو: بإمكان المرأة الاشورية أن تشارك من خلال مقاعد الكوتا المُحدَّدة للآشوريين بشكلٍ عام والتي هي خمسة مقاعد في بغداد، من الممكن بحسب القانون الدارج أن يكون هناك عضوان من الذكور يليهما عضو ثالث من العنصر النسوي، لدينا عدد من النساء اللواتي أصبحن عضوات. المرأة الآشورية تشارك عن طريق هذه المقاعد وربّما أحياناً أخرى قد تشارك لأن الدستور العراقي حدَّد نسبة معيّنة وقال إنه لا يجب أن تقلّ نسبة النساء في البرلمان عن الربع أي 25%، ونحن لدينا 329 عضواً في مجلس النواب العراقي و111 عضواً في برلمان الإقليم، فإذاً النسبة هي جيّدة، وفي برلمان الإقليم أصبحت نسبة النساء 30% وهذا كان أمراً جيّداً أيضاً. العديد من النساء يشاركن في الحياة السياسية في بغداد وفي الإقليم تحديداً باعتبار أن وجودنا وكثافتنا السكانية في الإقليم هي أكثر بكثير من المناطق الأخرى وتحديداً بعد العام 2003.

غسان الشامي: لفتني موقفكِ في لجنة إعداد دستور كردستان العراق، انطلقتِ في الورقة التي قدّمتها من مسألتين: الحقوق القومية والحقوق الدينية، نحن مررنا سريعاً في بداية الحلقة على هذا الأمر ولكن هل يمكن أولاً تفصيل الحقوق القومية للآشوريين أو للمُكوّنات الأخرى لأنني لا أريد أن يكون الموضوع آشورياً بحتاً فقط إذا سمحتِ؟ 

منى ياقو: نعم وأنا يسعدني أيضاً أن نتحدَّث تحديداً عن الأقلّيات ككل لأنني عندما أتحدَّث في أمور قانونية أشارك كل الأقلّيات باعتبار أن هناك نوعاً من الترابط والتضامن في ما بيننا. نعم كنت عضواً في لجنة إعداد الدستور وهذه اللجنة تشكّلت في العام 2015، وكنت العضو الوحيد المُمثّل عن شعبنا المسيحي الآشوري الكلداني السرياني، كنّا 20 عضواً ومنهم أربع نساء والبقيّة من الرجال، كان لدينا لجنة مُصغَّرة  تقوم بإعداد المواد لكل مرحلة من مراحل الدستور وكانت تعرض ما تتوصّل إليه على اللجنة التي نُسمّيها لجنة العشرين في اليوم التالي أو الأيام التالية بحسب المواعيد. عندما وصلنا إلى باب مُعيّن في مشروع دستور الإقليم السابق كان لدينا باب مُعيّن وفصل مُعيّن عن حقوق الأقلّيات أو المُكوّنات الصغيرة، في اللجنة التي كنتُ فيها تمّ الاقتراح بأن تتمّ تسمية هذا الفصل باباً على أساس أن يُعطى له الثقل الأكبر، فتمّ تكليفي باعتباري مُختصّة في موضوع الأقلّيات وباعتباري من الأقلّيات بأن أكتب هذا الباب لوحدي وقمتُ بإعداد وثيقة مُعيّنة استندتُ فيها على المواثيق الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تعطي حقوقاً معيّنة للأقليات والشعوب الأصلية، وأيضاً راجعتُ عدداً من الدساتير الخاصة بالدول ذات التنوّع وتحديداً الدستور المصري والتونسي وغيرهما، مجموعة من الأمور تطرّقتُ إليها في هذه الورقة.

غسان الشامي: ولكن أنا تهمّني الإضاءة على الحقوق القومية ما هي، ومن ثم الحقوق الدينية حتى أستطيع أن أختصر الوقت لأوصل هذا إلى السادة المشاهدين.

منى ياقو: بالنسبة للحقوق القومية ذات الإشكالية الأكبر في معظم النقاشات كان التركيز على بعض المشاكل التي عانينا منها منذ فترة ومنها التغيير الديموغرافي، ضرورة حظر هذا التغيير ومنعه بأيّ شكلٍ كان سواء كان عَمْدياً أو غير عَمْدي، وأيضاً الإدماج القسري يجب أن يكون ممنوعاً تماماً وأن نعتبره محظوراً تماماً في هذا الدستور، وأيضاً التمييز العنصري وخطابات الكراهية والإدماج والتهجير أو الإبعاد القسري ممنوع تماماً، ضمان حقوقنا القومية والإدارية وصولاً إلى الحكم الذاتي يجب أن يكون موجوداً في الإقليم، من ثم الحرص على إشراك الأقليات من خلال ممثّلين حقيقيين، كان يُفترض وضع آليّة مُعيّنة في الدستور حتى نقضي على هذه المشكلة التي تحدّثتُ عنها قبل قليل وقلتُ بأنه لدينا أعضاء ولكننا لا نعتبرهم ممثّلين شرعيين عن شعبنا، وأيضاً مشاركة الأقليات في المشاريع والقرارات التي تكون خاصة بمناطق يشكّلون فيها كثافة سكانية عالية، وهذا حقٌّ طبيعي موجود في الإعلانات الصادرة عن الأمم المتحدة، هذا بشكلٍ عام ما أستطيع أن أختصره عن أهمّ الأمور التي طالبنا بها في هذه الوثيقة.

غسان الشامي: بأقلّ من دقيقة لماذا لا تذهبون إلى المطالبة بالمواطَنة الشاملة والحقوق المواطنية الشاملة؟

منى ياقو: نحن نتمنّى أن نذهب إلى دولة المواطَنة وأن نعتمد على مبدأ المواطَنة في العراق، لكن للأسف الشديد بعد العام 2003 حتى صوغ الدستور تمّ على أساسٍ عرقي وطائفي ومذهبي، فالدستور حتى الآن يرتكز على ثلاثة أركان: سنّي، شيعي، كردي، أما نحن كأقلّيات فكنا إلى حدٍّ ما مُستبعدين حتى من المشاركة السياسية ومن العملية السياسية برمّتها. لهذا كان لا بدّ من أن نبحث عن هويّات أخرى فرعية على غرار ما ذهبت إليه الأغلبية، فإذا كان الدستور قائماً على مبدأ المواطَنة كان هذا بالنسبة إلينا حلمٌ جميل ونساند أية خطوة بهذا التوجّه.

غسان الشامي: كل الشكر سيّدتي. لا يمكن للأمم نسيان تاريخها أولاً ولا التغاضي عنه، ومهما حلّ بالشعوب يجب احترام حقوق الإنسان في المُشاركة والتعبير والحضور بعيداً عن كلّ تمييزٍ في العدد والدين والعرق. شكراً للدكتورة منى ياقو على حضورها في أجراس المشرق، شكراً للزملاء في البرنامج والميادين شكراً جمّاً، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.