رفع الإلتباس عن ملة من جعله الله إماماً للناس: إحتلال مكة

جهيمان بن محمد بن سيف الضان الحافي الروقي العتيبي 16 أيلول – سبتمبر 1936 في مدينة ساجر التي تتبع محافظة الدوادمي، تأثر جهيمان في شبابه أوائل ستينيات القرن العشرين بفكر "جماعة الدعوة والتبليغ"، ثم إنخرط في "الجماعة السلفية المحتسبة" والتي كان منها إبن باز وأبو بكر جابر الجزائري.. لم يكن ”جهيمان” يحسن الكتابة بالعربية على المستوى الذي صُيغت به الرسائل ومن ثم فإنه تحدث بأفكاره وتمت صياغتها على يد آخرين، أقنع جهيمان أتباعه أن الله أرسل الإمام المهدي وهو محمد عبد الله القحطاني الذي سيتولى إدارة شؤون الحجاز والعالم الإسلامي. #أ_ل_م

 


المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

جهيمان إبن محمد إبن سيف الضان الحافي الروقي العتيبي المولود في السادس عشر من أيلول سبتمبر 1936 في مدينة ساجر التي تتبع محافظة الدودمي. وهو من قبيلة عتيبة فخذ الصقور الذين استوطنوا في هجرة ساجر والتي يقال إنّها معقل الإخوان البدو الذين شكّلوا القوّة الضاربة في جيش الملك عبد العزيز في مرحلة التأسيس، وكان موظّفًا في الحرس الوطني السعودي لـ 18 عامًا. ويؤكّد الذين عرفوه أنّه ترك مقاعد الدراسة باكرًا في الصف الرابع الإبتدائي، ولم يدرس في الجامعة، والمُتحمّسون لفكره قالوا إنّه درس في جامعة أمّ القرى في مكَّة المُكرَّمة، وانتقل بعدها إلى الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة. وهذا لم يثبت، لأنّ جهيمان العتيبي لم يكن يحسن حتى الكتابة. تأثر جهيمان في شبابه أوائل ستينات القرن العشرين بفكر جماعة الدعوة والتبليغ، ثمّ انخرط بالجماعة السلفية المُحتسبة والتي كان منها إبن باز وأبو بكر جابر الجزائري.

يقول ناصر الحزيمي في كتابه "أيام مع جهيمان" أنّ رسائل جهيمان صاغها وصحّحها أحمد حسن المعلّم وهو يمني عُرِفَ بأنّه شاعر الجماعة. وشاركه في ذلك صهره محمد عبد الله القحطاني الذي صار في ما بعد يدّعي أنّه المهدي المُنتظر. لم يكن جهيمان يُحسِن الكتابة بالعربية على المستوى الذي صيغت به الرسائل. ومن ثمّ فإنّه تحدَّث بأفكاره وتمّ صوغها على يد آخرين.

أقنع جهيمان أتباعه أنّ الله أرسل الإمام المهدي، وهو محمد عبد الله القحطاني الذي سيتولّى إدارة شؤون الحجاز والعالم الإسلامي. وفي كتاب جهيمان رفع الالتباس عن ملّة مَن جعله الله إمامًا للناس، يقول ثلاثة شروط يجب أن تتوافر في الخليفة الذي يرجوه ويقدّمه للمسلمين كافّة وهي أن يكون مسلمًا، وأن يكون من قريش، وأن يكون مقيمًا للدين، ويستند في تقديم هذه الشروط إلى مجموعة أحاديث وردت في صحيح البخاري وصحيح مسلم. ومن يخرج على الإمام الشرعي حسب شروط جهيمان فهو عاصٍ ومُعتدٍ وظالم، ويجب قتله وردعه عن ظلمه.

في 20 نوفمبر تشرين الثاني 1979 دخل جهيمان وجماعته المسجد الحرام في مكّة المُكرَّمة لأداء صلاة الفجر، وكان أتباعه يحملون نعوشًا مُعبّئة بالأسلحة والذخائر، وأوهموا حرّاس المسجد الحرام أنّها نعوش لموتى. وما إن انتهت صلاة الفجر حتى قام جهيمان وصهره أمام المُصلّين ليعلنوا للناس نبأ ظهور المهدي المُنتظر. وقد فرّ هذا المهدي من أعداء الله، واعتصم في المسجد الحرام. ثمّ قدّم جهيمان للمُصلّين صهره محمد بن عبد الله القحطاني باعتباره المهدي المُنتظر، ومُجدّدًا هذا الدين الذي أرسله الله ليجدّد للأمّة دينها وعقيدتها. قام جهيمان وأتباعه بمُبايعة هذا المهدي المُزيّف، وطلبوا من جموع المُصلّين مُبايعته، وأوصدوا أبواب المسجد الحرام، فوجد المُصلّون أنفسهم مُحاصرين داخله. فوقعت اشتباكات داخل الحرم شاركت فيها قوات فرنسية، وأثارت ردود فعل واسعة خصوصًا حول دخول غير المسلمين إلى الحرم المكّي.

في 9 يناير كانون الثاني 1980 أعدم بالسيف 61 مدانًا في مقدّمهم جهيمان العتيبي وسجن 19 آخرون.

"رفع الالتباس عن ملّة من جعله الله إمامًا للناس" احتلال مكّة عنوان حلقتنا لليوم، ويشاركنا في النقاش من مصر الدكتور كمال حبيب الأكاديمي والباحث والخبير في شؤون الجماعات، ومن الجزائر الدكتور بدر الدين زواقة الباحث والأكاديمي في فلسفة التواصُل، ومن الدوحة في قطر الأستاذ الباحث رائد السمهوري المُتخصّص في الفكر الإسلامي.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.


يحيى أبو زكريا: دكتور كمال، جهيمان العتيبي جاء بما لم يأت به الأوائل الذين نظّروا لفكر العُنف، هو قام بخطوة جريئة، واحتلّ الحرم المكّي. هلّا فككت لنا شخصية جهيمان العتيبي مبدئيًا؟


كمال حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعًا جهيمان العتيبي من مواليد 36 كما تفضّلت واقتحم الحرم المكّي رغم ما للحرم المكّي من حرمة عظيمة بين المسلمين وأحاديث وآثار كثيرة، وحتى من القرآن الكريم نفسه اعتبرته حرمًا آمنًا، ولكنّه هاجمه، وأعلن كما تفضلت في أول يوم من بداية العام الهجري سنة 1400 هجرية الخامس عشر الهجري أعلن ظهور المهدي محمد بن عبد الله القحطاني الذي كان صهره.

هنا نحن أمام حركة وشخص مهدوي تامّ أنا أسمّيه المهدوية التامة لماذا؟ حال جهيمان نسمّيها الفكرة المهدوية الكاملة، ذلك لأنّه كما أشرنا ربّما بشكل سريع من قبل أنّ كل مَن تلبّسته فكرة التكفير والإحياء من منظور أنّه هو المُجدّد، وأنّه هو من يطرح سؤال الإسلام على الناس من جديد، وهل هم مسلمون؟ وهل هذه دار إسلام؟ ويحاول إعادة ما يتصوّره تجديدًا هو بدرجة من الدرجات مهدوي. أبو الأعلى المودودي فيه مهدوية لأنّه اعتبر نفسه مُجدّدًا متجاوزًا المُتجدّدين قبله، وسيّد قطب عندما تحدّث في سورة البروج وقال هذا هو الطريق كان فيه جزء من المهدوية، وكذلك غيره وغيره. لكن عندنا شكري مصطفى كان لديه أمر يُسمّى التوسّمات، وكان الفكر المهدوي جزء أساسي من تفكيره، ويتصوّر أنّ العالم فيه قوّتان عظمتان سيتقاتلان بالحرب النووية أو بالسلاح النووي، ثمّ ينهار ويعود الناس من جديد لاستخدام الأسلحة البدائية، أو الأسلحة الأولية ومعيارها القوّة العضلية.

حركة جهيمان هي حركة مهدوية كاملة، ذلك أنّ جهيمان لم يدرس. ولكن كانت لديه حافظة قوية جدًا كما قال ناصر الحزيمي في كتابه أيام مع جهيمان مع السلفية المُحتسبة، وهذا الرجل اعتبر نفسه أمام غياب رؤية سياسية لديه وعدم قدرته على تحمّل التحوّلات التي تجري في المجتمع السعودي خاصةً مع ظهور النفط وارتفاع عائداته، وبداية ظهور الحداثة في المجتمع السعودي. هو لم يستطع تحمّل ذلك، ولذلك انفتح على وجود مهدوية يقول فيها إنّ العالم مآله الشر، وأنّ المهدي المُنتظر هو مَن سيخلّصه من ذلك الشر باعتبار تقديمه إمامًا للمسلمين. ومحمد بن عبد الله القحطاني صهره لم يكن يظن أو يفكّر أنّه هو المهدي، لكن الرؤى والمنامات التي رآها جهيمان، ثمّ قصّها على أتباعه، وكل منهم ينقل للآخر الرؤية التي رآها حتى تواترت الرؤى لديهم، وأقنعوا محمد بن عبد الله القحطاني أنّه هو المهدي حتى اقتنع هو نفسه بذلك. أنا أقصد أن أقول إنّ فكرة الرؤى هذه موجودة على فكرة عند كثير من التيارات الإسلامية لديهم فكرة الرؤى وتواترها واعتبارها إلهامًا، أو تصوّرًا لأفكار مهدوية من هذا القبيل، وهذه الأفكار المهدوية ظهرت عندنا في مصر بعد أيام رابعة، وكثير ممّن تحدّثوا على منصّة رابعة تحدّثوا عن الفكرة المهدوية في عودة محمد مرسي مرة أخرى العصر إلى القصر، فحتّى الأفكار المهدوية هذه التي طرحها جهيمان أخذها بعد ذلك أبو بكر البغدادي، وفكرة دابق وقتال الصليبيين والمسلمين في آخر الزمان، وكل هذه الأفكار ذات الطابع المهدوي جرى استلهامها بشكل أساسي من حديث آخر الزمان، وهذه القصة موجودة في كتب السنّة في آخر كل كتاب للسنّة تجد أحاديث الفتن والملاحم وأحاديث الفتن والملاحم هذه يذهب إليها كثير من التيارات الإسلامية، فتتغذّى بها ويصبح لديها روح مهدوية، وهذه الروح المهدوية تورثها جرأة واقتحام وتجاوز للواقع، وعدم قراءته قراءة صحيحة، وأكبر دليل على ذلك أنّ جهيمان نفسه عندما قتل محمد إبن عبد الله القحطاني داخل الحرم وبعض الناس رأوه، وبالتالي المنظومة أنّ المهدي يجب أن يكون حيًا لا يقتل كان يقول لهم لا تبلّغوا ذلك لبقية المقاتلين معه أو لبقية أتباعه. وكان يقول أنّ هناك الجيش الذي سيغزو الكعبة قادم باعتباره علامة من علامات آخر الزمان. وأقصد أن أقول إنّ الفكرة المهدوية تلبس أصحابها نوعاً من الجرأة والقدرة على الاقتحام واسترخاص النفس والوطن، وحتى تجاوز النصوص القطعية الواضحة في مسألة اعتبار الكعبة، واعتبار الحرم الشريف حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنّا.


يحيى أبو زكريا: دكتور كمال سنغوص في كافة التفاصيل والأفكار المطروحة حول الظاهرة الجهيمانية إن صحّ التعبير.

أستاذ رائد السمهوري، جهيمان لم يكمل تعليمه الثقافي، إنّما كان يحضر بحوث بعض العلماء والمشايخ هنا وهناك وأخذ منهم، لكن هل تعتقد أنّه كان مؤهّلًا لقيادة حركة إسلامية انقلابية تدعو إلى الإطاحة بنظام الحُكم في السعودية وإعلان دولة الإمام المهدي كما كان يزعم؟


رائد السمهوري: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، شكرًا للاستضافة وسعيد بلقاء الأستاذين الكريمين وسعيد بلقائك.


يحيى أبو زكريا: أهلًا وسهلًا.

رائد السمهوري: الذي أريد أن أجيب به عن سؤالك دكتورنا أنّه حتمًا ليس مؤهّلًا، لكن أنا أحبّ أن أقول إنّه لا بدّ من دراسة السياق التاريخي الذي ظهر فيه جيهمان، فضلًا عن انتمائه لقبيلة عتيبة، وهي قبيلة عريضة الوجود في الجزيرة العربية وفي الشام وفي العراق والأردن. لا ننسى سلطان بجاد العتيبي وهو أحد قادة تنظيم إخوان من طاع الله الذين كانوا في صحبة الملك عبد العزيز في عهد التأسيس، أيضًا هناك قضية مهمّة أنّ الملك عبد العزيز اصطدم باخوان من طاع الله لأنّ الرجل كان في بدايات الحديث عن الإمامة، فهو الإمام عبد العزيز، ثمّ تحوّل الأمر فأصبح ملكًا.


يحيى أبو زكريا: صحيح.


رائد السمهوري: هذا الموضوع الآن مسألة الملك هناك فرق في الشريعة، فرق بين الإمام والملك. الإمام أقرب إلى أن يكون خليفة، وكان هناك مشروع توسّعي ينبغي أن يوحّد الجزيرة العربية، وينبغي أن يدخل إلى العراق والشام ومصر، وأن يستمرّ في هذا النهج العريض القوي، وجرى اصطدام بين إخوان من طاع الله وبين الملك عبد العزيز في معركة السبلة سنة 1929 وسلطان إبن بيجاد العتيبي من نفس قبيلة جهيمان.

وناصر الحزاني ينصّ نصًّا على أنّ جهيمان فيه كاريزما، رجل كاريزمي، رجل فيه نباهة فيه ذكاء ذكاء البدو، فيه كرم رجل عنده مروءة، مُتفانٍ، فيه تواضع إلّا أنّ لديه مشكلة هي مشكلة العصبية القبلية. مشكلة العصبية القبلية هذه حتى بعض الصحابة لم ينجوا منها، وهذا أمر معروف وهي من الأمور التي حقيقة تحتاج إلى ممارسة شديدة وجهاد النفس على أيّة حال. ووالد جهيمان كان صديقًا لسلطان بن بجاد العتيبي وسلطان بن بجاد كان يوصي أبا جهيمان ألا يستسلم للملك عبد العزيز، ولذلك جهيمان كان يعتب على بني عتيبة أنّهم لم يثأروا لشيخهم الشيخ سلطان بن بجاد العتيبي. إذًا، نحن لدينا هذا السياق السياق القبلي، والسياق الآخر سياق الحداثة. برأيي تعقيبًا على كلام الدكتور كمال حبيب وهو كلام نفيس، أنا أقول إنّ النزعة المهدوية استخدمت في تاريخنا مرارًا. الدعوة العباسية قامت على فكرة المهدوية، ولذلك لو تقرأ كتاب نعيم إبن حماد الخزاعي الفتن تجد أحاديث المهدي والمجاهدين الأفغان، أخذوها وطبّقوها عليهم سيأتي قوم من المشرق أسماؤهم الكنا وكذا لا أخ ولا أريد أن أطيل في هذا الحديث. فتجد أنّ معظم أحاديث المهدوية ترجع إلى أبي هاشم عبد الله إبن محمد إبن الحنفية، وإلى محمد إبن الحنفية هذا كان معتمداً والدعوة العباسية اعتمدت البروباغاندا للقضاء على الأمويين. والمهدي إبن تومات لإنشاء دولته اعتمد على المهدوية، ونرجع إلى العباسيين أبو جعفر المنصور سمّى إبنه المهدي لأنّ إسمه محمد، وأبو جعفر إسمه عبد الله فصار إسمه محمد إبن عبد الله المهدي، لكن هذا مهدي عباسي. خرج مهدي آخر شيعي مهدي طالبي ذاك عباسي، والثاني طالبي هو محمد إبن عبد الله إبن الحسن الشهير بالنفس الزكية.

إذًا، موضوع المهدوية موجود وموضوع الاعتماد على المهدوية، هذا موجود بالتاريخ ويستخدم النبوءات برأيي واللجوء إلى ناحية الخلاصة وهي ضرب من الرفض، وضرب من المقاومة لهذه الحداثة. ولذلك كان جهيمان العتيبي يذهب، والإخوان يذهبون إلى بعيد، يذهبون إلى مناطق الصحراء إلى المناطق البعيدة عن البنيان في حال من الرفض رفض التعامل مع الحكومة، رفض العمل في الحكومة هذا كلّه من الرفض. وهناك حاجة مهمّة كتاب رفع الالتباس طبعته دار الطليعة اليسارية في الكويت لأنّه  لديك صعود يميني وانحسار التيار اليساري والقومي الاشتراكي، وهذا طبعًا بما أنّه ضدّ اليمين اليساريين سيسرّون بهذا، وسيسرّون أيضًا أنّ هذا جزء من مقاومة اليمين. وبالنسبة إلى النبوءات، أودّ أن أضيف كان هناك مؤرِّخ هندي كبير إسمه رماجد كوها وهو شيوعي ويساري لكنّه علاّمة، تحدّث وهو يناقش الشيوعيين في أثر الدين، تحدّث في أثر الدين في الرفض، وتحدّث في أثر الدين في قضية وجود الطبقات، فتحدّث عن بعض ثورات الفلاحين في الهند أعتقد إبّان الاستعمار كانوا يتعاملون أيضا بالرؤى والمنامات، ليسوا مسلمين لا يؤمنون بما يسمّى المهدي. الله أعلم قد يكون لديهم مهدي، لكن في نهاية المطاف كانوا يستخدمون النبوءات، كانوا يستخدمون هذا الحسّ المهدوي أو النبوئي. يا سيّدي دولة إسرائيل على ما قامت قامت على نبوءات وعلى مهدويات إذا صحّ اليمين الصهيوني المُتطرّف الآن في أميركا يتعامل أيضًا مع قضية هير مجدون والمعركة الكبرى الفاصلة، هذه موجودة في سائر الحضارات ليست اختصاصًا إسلاميًا، وليست اختصاصًا سلفيًا، وإنّما موجودة حتى عند بعض الديانات الوثنية، وهذا ما كنت أودّ أن أضيفه، لكن لا بدّ من مُراعاة السياق، هذه حركة رفض اعتمدت على النبوءات وعلى المهدوية.


يحيى أبو زكريا: وسوف نفصّل أكثر أستاذ رائد، وأشرت إلى نقاط مهمة جدًا وجديرة بإعمال النظر فيها.

دكتور بدر الدين زواقة بالعودة الآن إلى كتاب رفع الالتباس عن ملّة من جعله الله إمامًا للناس. للوهلة الأولى عندما تسمع هذا العنوان على طراز صبح الأعشى في صناعة الإنشاء وما إلى ذلك من الكتب تخاله موسوعة ضخمة عملاقة، لكن في الواقع غير ذلك تمامًا، فالكتيب يقع تقريبًا في 40 صفحة، وهو يتحدّث عن مبدأ التوحيد والبراءة من المشركين. ما هي أبرز معالم هذا الكتاب دكتور بدر الدين؟


بدر الدين زواقة: بسم الله الرحمن الرحيم شكرًا على الاستضافة، سعيد جدًا أن أكون في هذه الحصّة المهمة جدًا لتفكيك العنف والإرهاب من الناحية الفلسفية لأنّ جهيمان هو شخص عند ربه، لكن بقيت فكرة جهيمان تتجسّد وتتكرّر في كل زمان ومكان وحال، ولهذا نحن في خطابنا المواجه للعنف والإرهاب غالبًا ما نواجه الأعراض والنتائج ونتجنّب الجواهر والأسباب.


يحيى أبو زكريا: صحيح.


بدر الدين زواقة: ولهذا نحن في الحقيقة عندما نتعامل مع ظاهرة جهيمان، لا بدّ من أن نرتقي، هذا شخص عند ربّه. صحيح نحن نؤمن بالأداء الجزائي والمعاقبة الجزائية القضائية، لكن إذا أردنا أن نعالج القضية من قضية مقاربة إئتمالية حضارية لا بدّ من أن نتعامل مع جهيمان كفكرة تتجسّد في الجزائر أو في المغرب أو في ليبيا أو في فرنسا أو في سوريا، أو في السعودية، أو في أفغانستان. ولهذا، لا بدّ من أن تكون المقاربة التي نفكّك فيها خطاب جهيمان  مقاربة لا تركّز على الوَعظ، ولا تركّز على الخطاب النمطي الدغمائي، ولا تركّز على جانب لأنّنا الجانب الأمني أو العسكري إلى غير ذلك. لكن لا بدّ من أن نرتقي لتفكيك هذا الخطاب من الناحية الفلسفية والأساتذة الذين برعوا في الأدوات المنهجية التي أخذت للأسف من الغرب استطاعوا أن يفكّكوا هذا الخطاب البائس الذي نحن نعاني منه، ليس هناك دولة لم تعانِ من مسألة العنف بشقّيه سواء كان العنف الرمزي كما يقول بيار بورديو، أو العنف الحقيقي كالقتل الذي عانينا منه نحن في الجزائر في العشرية السوداء وعانت منه كل الدول، ونحن نرى المآسي في كل زمان ومكان وحال. ولهذا، عندما نجد مقاربة الأستاذ محمد أركون وهو الذي يستعمل الألسنية ويستعمل الأدوات الحداثية عندما تعامل مع العنف، فقال بالثالوث الأنتروبولوجي، الثالوث الأنتروبولوجي يتكوّن من المُقدّس والحقيقة والعنف وتعريف هذا الثالوث الإنتروبولوجي كلّما فسّرنا الحقيقة بالمُقدّس وقعنا في العنف.

سأعيد هذه الفكرة المهمّة جدًا، كلّما فسّرنا الحقيقة بالمُقدّس وقع العنف، ولهذا تجد هناك صراع أيديولوجي في قضية ما يسمّى بالفرقة الناجية بقضية الولاء والبراء، وفي قضية الحاكمية وفي قضية الدولة الإسلامية التي يُسمّيها الأستاذ لؤي صاعفي بالدولة المُستحيلة، فعلينا أن نفكّك هذه الفكرة لأنّنا تعاملنا مع الإرهاب، وتعاملنا مع العنف بالجانب القضائي، بالجانب الجزائي، بالجانب الإجرامي، بالجانب الأمني، بالجانب العسكري، ولكننا لم نفلح لأنّنا لم نُفكّكه معرفيًا، لم نُفكّكه إبستمولوجيًا، لم نُفكّكه فلسفيًا من خلال مؤسَّسات التنشئة الاجتماعية، ومن خلال مشروع مجتمع. لا بدّ من أن نتعاون فيه جميعا كنُخَب، وحكّام، ومحكومين، وإعلام، وككل مؤسّسات التنشئة الاجتماعية للتفكيك لأنّ هذه الظاهرة وأنا أقول لك أخي يحيى بأنّ هناك في الجزائر الذين لم يعيشوا مرحلة التسعينات ولم يعيشوا العمل المسلّح ولكن يؤمنون به يؤمنون به في فطرة معينة لماذا؟ لأنّ فكر جهيمان وفكر الخروج عن الحكّام والعمل المسلّح هو موجود في تراثنا المبتور كما يعبّرعنه أحد المفكّرين. بمعنى عندنا تراث مبتور والأخذ من التراث الذي سبَّب لنا الكثير من المآسي، فعلينا أن نرتقي أولًا إلى التراث الذي يؤسِّس للمعرفة الحقيقية وعندنا في تراثنا النفائس للأسف، هذه النفائس خدمت وسطّرت لأسباب سياسية وأيديولوجية ربما نتناقش فيها بعد ذلك، ولأسباب أنّه استغلّ هذا التراث، استغلّ هذا التراث من قِبَل دول الاستبداد في دولنا، وفي بيئاتنا العربية فاستغلّ هذا التراث للبقاء في الحُكم.


يحيى أبو زكريا: طبعًا سوف نواصل طرح كل هذه الأفكار، لكن بُعيد فاصل قصير.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.


المحور الثاني:

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج  كتاب "رفع الالتباس عن ملّة من جعله الله إماما للناس" لجهيمان العتيبي الذي احتلّ مكّة وسمّى صهره محمد القحطاني مهديًا مُنتظرًا.

دكتور كمال عندما تقرأ رفع الالتباس ستقع في التباس، لماذا؟ لأنّ آيات الشَرْك والبراءة من المُشركين والتي نزلت في مضانها، وهي آيات خاصة ولا يمكن تعميمها أسقطها على المسلمين وكفّر حكّام الجزيرة العربية، وكفّر كل من لم يحكم بما أنزل الله جريًا على سياقات سيّد قطب، وأبي الأعلى المودودي، ومَن أسّس لهذا التكفير الأعمى في عالمنا العربي والإسلامي. كيف استطاع من خلال ما كتب أن يؤثّر على حفنة من الناس الذين بايعوا القحطاني مهديًا مُنتظرًا، ألا تدلّ هذه على هشاشة البناء الفكري للأتباع؟


كمال حبيب: في بعض عُلماء السعودية ممَّن كانوا يحاضرون في الحرم في ذلك الوقت، وكان لجهيمان علاقة بهم انتقدوا الرسالة، وانتقدوا عنوان الرسالة وهي رفع الالتباس عن ملّة من جعله الله إمامًا للناس. وقالوا إنّ ملّة إبراهيم حنيفًا ليس فيها التباس، وتحفّظوا على هذا العنوان، وبالطبع الكتاب كتاب صغير، وليس فيه شيء جديد إذا قارناه بمكتوبات السلفية التي يتحدّث فيها عن إخلاص العبودية لله وحده وهذه مسألة واستقرّ عليها، وهو يتحدّث عن فكرة التبرّؤ من المُشركين وهذه هي المشكلة. جهيمان على فكرة لم يكفّر الدولة السعودية، ولكنّه كانت لديه ملاحظات عليها، ولعلّ هذه هي التي تجعلنا نرى قصة ذهابه للمهدوية مثلًا نحن عندما نرى أبو الأعلى، أو نرى سيّد قطب كان هناك جزء سياسي في القصة، وتحدّثوا عن مسألة الدولة الإسلامية، وتحدّثوا عن مسألة ضرورة إقامة هذه الدولة، لكن جهيمان لكونه مهدويًا خالصًا كما قلت، وليست لديه رؤية سياسية وكان تاريخه طويل مع الجماعة السلفية المُحتسبة من نهاية الستينات، هو مع الشيخ إبن باز ومع أبو بكر الجزائري، وحتى في فترة من الفترات دعمه إبن باز واعتبر دعمه لهذه السلفية المُحتسبة نوعًا من بناء تمدّد للفكر الوهّابي في هذا الأمر، خاصةً في منطقة الحجاز التي كانت إلى حدّ كبير لديها تقاليد مختلفة عن الطابع النجدي ومنفتحة على مصر، ومنفتحة على الشام، ولديها رؤية أخفّ قسوة من تلك الموجودة في نجد. طبعًا الفكر الألفي موجود في الحضارة الغربية، ومسألة المهدوية هذه موجودة في كل الحضارات، لكنّنا بإزاء حال محدّدة كحال شكري مصطفى، وكحال جهيمان العتيبي ومحمد إبن عبد الله القحطاني داخل الحال الإسلامية، هذه الحال تدرس. وبالتالي رغم أهمية أن نقول نحن إنّه كان يوجد ألفيات أخرى حتى لدى الشيوعيين أو غيره، لكن نحن أمام حال محدّدة، هذه الحال المحدّدة مثلا شكري مصطفى على سبيل المثال كان يعتبر نفسه قائمًا بالدين مقام النبي صلّى الله عليه وسلّم. وكان يقيم الحدود والتعازير وكل هذا الكلام، ولمّا واجه حُكم الإعدام كان يقول لأتباعه لو أنا أعدِمت إذًا نحن على باطل فلا تصدّقون لماذا؟ لأنّه كان مُقتنعًا تمامًا ومُعتقدًا تمامًا أنّه لن ينفًّذ فيه حُكم الإعدام. فلمّا نفّذ فيه حكم الإعدام في مصر انهارت جماعته، وهذا يدلّ على هشاشة البناء.

نفس القصّة عند جهيمان العتيبي هو حال مهدوية رفضت تمامًا فكرة أنّ محمد إبن عبد الله القحطاني قُتِل مات أثناء الصِدام داخل الحرم في الفترة التي حصل فيها هذا الصِدام، واعتبر أنّ الجيش الذي سيغزو مكّة قادم، وكان يشيّع ذلك في أوساط النّاس، وكانت تتلبّسه حال مهدوية بنت حركة. وأنا سألت أسامة البوصي هنا في مصر عن علاقة المصريين بهذه الحركة خاصة في ما يتصل بما قيل أن بعض الشباب الذي كان يكفر ذهب معه، سألت أسامة القوصي قبل تحوّلاته قال فعلًا نحن ذهبنا وقابلنا جهيمان وجماعته، وأقمنا عندهم وقتًا طويلًا كانوا فارين بعد تأدية العُمرة، وأقامهم عندهم لذلك فكرة الحكم على الناس والتبرّؤ منهم واعتبار مؤسَّسات الجيش ومؤسَّسات التعليم والعلماء نفسهم وهم كانوا علماء لهم اعتبروهم متحالفين مع السلطة، لا يمثّلون الإسلام الصحيح، كل هذا الكلام نقل إليهم أو حصل اشتباك مع الحال المصرية، لما أقام هؤلاء الشباب هناك في ذلك الوقت.

فكر جهيمان تمّ تطويره بعد ذلك، وهذا ما أؤكّد عليه في هذه القصة أنّ مدرج العنف نحن أمام حال بداية هذه الحال يأتي شخص يأخذها، وثمّ يطوّرها هو إلى حال أكثر راديكالية، أو أكثر عنفًا. تجد أبو محمد المقدسي عمل ملّة إبراهيم أخذها من الكتيّب الصغير، ثمّ بدأ يتحدّث لا عن البراءة من المُشركين، بل عن كفرهم، وكفر آلهتهم، كما كتب في مقدّمته وهي ملّة إبراهيم. نحن أمام بناء يقوم على منامات وأحلام وأفكار هشّة، وبلا شكّ هي حركة رفض خاصة وذلك عندما بدأت السعودية الحداثة، وتعليم البنات وتدشين الجامعات، وكل التحوّل والتغيير الحاصل في المجتمع السعودي لم يتحمّلوه، فاتّجهوا للرفض من خلال المهدوية تلك، ومن خلال هذا الرفض الغيبي استنادًا  إلى أفكار المهدي ومثل هذا الكلام.


يحيى أبو زكريا: أستاذ رائد، أشار الدكتور كمال إلى عملية انتقال في البناء الفكري لجهيمان العتيبي، هو كان في جماعة الدعوة والتبليغ، وكما تعلم جانبك الدعوة والتبليغ جماعة مُسالمة يذهبون إلى مساجد يعتكفون، يدعون الناس إلى الصلاة، إلى الصيام، يأمرون بالمعروف، ينهون عن المُنكر في إطار ضيّق من دون الدخول في مُهاترات مع السلطات، ولذلك في تاريخ العنف الإسلامي لم تدخل هذه الجماعة في صراع أمني مع الدول، وانتقل إلى السلفية المُحتسبة دفعة واحدة. كيف وقع هذا الانتقال؟ وكيف تفكّك السلفية المُحتسبة التي كان من أبرز وجوهها أبو بكر جابر الجزائري الذي ترك الجزائر واستقرّ في المدينة المنورّة وكتب عقيدة المسلم؟ وإبن باز الذي كان مفتيًا عامًا للحجاز؟


رائد السمهوري: البحث عن حل أنا أدركت من نفسي، أنا تنقّلت بين المدارس، أريد شيئًا يشبع عقلي يشبع وجداني، وأريد شيئًا فيه حل.


يحيى أبو زكريا: صحيح؟


رائد السمهوري: هناك مشكل، فقد يكون الحل عند جماعة التبليغ، لكن لم يجد عند جماعة التبليغ مُناه، ويريد أن يغيّر في موضوع الجماعة السلفية المُعتزلة التي لم تكن أكثر من قضية الأمر بالمعروف والنهيّ عن المُنكر، وهذا أمر لا يمانع فيه لا الشيخ إبن باز رحمه الله ولا المرحوم أبو بكر الجزائري، وأبو بكر الجزائري والشيخ إبن باز اعتقادي فيهما أنّهما رجلان صالحان، وأنّهما رجلان حسنيّ النيّة. لكن بدأ الخلاف حقيقة يتجلّى بين الجماعة المُحتسبة هذه، وبين الشيخ أبو بكر الجزائري والشيخ إبن باز من جهة أخرى إنّها بدأت تنحو منحًى آخر صِداميًا، منحًى صِداميًا للحكومة، وبالتالي حتى أعضاء الجماعة المُحتسبة بدأوا يتركون وظائفهم في الحكومة. الأمر جرى عن طريق التدرّج، ومواقف الشيخ إبن باز وهو عضو في الحكومة على أية حال هو كان عضوًا في مؤسّسة الدعوة والإرشاد، كنّا صغارًا أيام ما كنًا في السعودية. والشيخ أبو بكر الجزائري ليس له في هذه الأمور، ليس له في قضية كان يكتب مقالات أحيانًا عن دولة التوحيد، فأنا الحقيقة أحيل هذا كلّه إلى قضية الرفض. هو كان رافضًا للتيار الألباني، وإن كان يقرأ له كثيرًا، ورافضًا لتيار الشيخ البادير رحمة الله عليه لأنّه كان يُعنى بقضية الغوص في التعليم وتصحيح المفاهيم واللامذهبية لأنّه هو ضدّ المذاهب الأربعة ضدّ المذهبية على أية حال على أنّ كلّ السلفيين ما كانوا أقلّ من أعلام التيار السلفي عبر العصور، إبن تيمية لم يكن ضدّ المذاهب، ولا حتى الإمام أحمد إبن حنبل بالضرورة هو كان ضدّ مدرسة الرأي فقط.

أمّا هذا الفُقه فليس لديه مشكلة معه، القضية الأخرى يا سيّدي  بدأت تُثار بعض القضايا التي هي قضايا تافهة مثل مسألة الصلاة في النعل في المسجد، هذا معقول هو يرى أن هذا يبيّن لك كيفيّة تفكير هؤلاء الناس، ومسألة أخذ السنّة بطريقة ظاهرية محضة جافة، وعملوا مشاكل مع العلماء في ذلك الوقت على مسائل تافهة تحريم الذهب المحلق وهو قول الألباني، وهو قول شاذّ شاذّ مخالف جماهير الأمّة، قضية اللباس قضايا كلّها تافهة على أنّ الدولة السعودية كانت تعترف بالفُقه الحَنَفي على سبيل المثال. القضية هي حقيقة في هؤلاء الجَهَلة الذين يفتح لهم باب ويزعمون أنه مجتهد، ولذلك كجهيمان العتيبي كان يحتقر عِلم أصول الفُقه، كيف تفهم نصوص الشريعة من دون معرفة وسائل الاستنباط؟ كيف تفهم المُطلق والمُقيّد والعام والخاص والمجمَل والمفصَّل والظاهر والمؤوَّل؟ كيف تفهم؟ كيف تفهم من دون هذا؟ هو يريد أن يفتح كتاب البخاري يأخذ نصًّا كما هو من دون معرفة سياقه من دون معرفة طُرُق الاستدلال، يحتقر النحو وعلوم الآلات كما تسمّى. وأنا أقول لك إن العلماء الكبار الحقيقيون يرفضون هذه التفاهات، ويرفضون هذه السخافات، لكن هذه أنصاف المثقّفين وأرباع العلماء هم الذين يفتعلون هذه الأمور، وإلا اختلف العلماء والفقهاء إبن تيمية ألم يكتب كتابًا بعنوان رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهو سلفي. ألم يكن إبن تيمية رحمة الله عليه في ظلال الدولة المملوكية، وكان على علاقة حسنة بالسلطان محمد إبن قلاون، هل أحمد إبن حنبل تربّى في الصحراء؟ أم هو إبن بغداد؟ فلذلك، أنا أضيف إلى كلام الدكتور كمال حبيب على مسألة التقاليد الحجاز بلد ذو تقاليد علمية القاهرة، بلد ذات تقاليد علمية، دمشق ذات تقاليد علمية، نجد لم تعرف تقاليد علمية، ولذلك النجاح الذي حقّق في نجد وأطرافها هو نجاح مع قوم ليس عندهم تقاليد علمية، لكن عندما يذهب إلى الحجاز إنّما ينتشر ذلك بالسيف.


يحيى أبو زكريا: أستاذ رائد في هذه النقطة أرض الحجاز أرض الرسالة الإسلامية الخالدة تتعجّب أن تنتقل هذه الرسالة ومصداقها الحضاري إلى القاهرة، إلى دمشق، إلى بغداد، إلى المغرب العربي ولا وجود لها في الأرض التي شهدت انبعاث الرسالة؟


رائد السمهوري: أنا لم أفهم قضية عدم وجود الحجاز بقيت مكّة والمدينة موئل العلماء والأئمة، وفيها مدارس كبيرة، وخرّجت مئات العلماء الكبار، وكانت طوال العصور على اتصال بمصر، وعلى اتصال بالشام حتى في نغمات الآذان في المدينة المنوّرة، والذي يعود إلى كتاب السخاوي التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة يذكر هذه الأمور والتقاليد العلمية والأربطة والمدارس والزوايا الكلام عن نجد، وليس على الحجاز. أقصد أنّ هذا انتقل من نجد إلى الحجاز عن طريق السيف، لكن أحبّ أن أنبّه أنّ الدولة السعودية سمحت لأحد مشايخ الحجاز المالكية، وهو الشيخ علوي الباركي رحمه الله، وهو صوفي أشعري سمحت له بالتدريس في مكّة المُكرّمة في الحرم المكّي. ولم يعجب هذا الجماعة المُحتسبة حتى تدريس المذهب الحنفي، وكان مسموحًا به أيام الملك عبد العزيز.


يحيى أبو زكريا: كلّها معطيات جميلة وتساهم في بناء فكرة عن موضوع جهيمان، دعني أنتقل إلى الجزائر إلى الدكتور بدر الدين. دكتور بدر الدين أشرت إلى أنّ التلازم بين الحقيقة والمُقدّس تنتج العنف، هل فكر جهيمان وجد صداه في المغرب العربي؟ في الجزائر عندكم وفي بقية الضفاف المغاربية؟


بدر الدين زواقا: قبل أن أجيب عن هذا السؤال، الأخوة الأساتذة جزاهم الله خيرًا تطرّقوا إلى قضية مهمة، وهي الباراتيكم السلفي، وهو غير الباراتيكم الوهّابي ولهذا أستاذنا الدكتور سعيد رمضان البوطي تنبه لهذه الكارثة عندما كتب الكتابين المشهورين السلفية فطرة زمنية مباركة، وليست مذهبًا إسلاميا والكتاب الآخر العميق لا مذهبية أخطر بدعة تهدّد الشريعة الإسلامية. بمعنى أنّه لا بدّ من أن نفرّق بين السعودية كمذهب وهّابي حنبلي يحترم كل المذاهب، وأنا أقول لكم أنا الأستاذ بدر الدين زواقا بلحيتي هذه ولباسي درست في جامعة أمّ القرى، وأنا في خضّم إعداد كتيب صغير السعودية التي رأيت من بين الأفكار التي سأكتبها أنّني لم أجد سعوديًا أصيلًا سلفيًا. إذا وجدته سلفيًا بمفهوم التداول الآن تجده جزائريًا، أو مغربيًا، أو من أوروبا من الجالية الأوروبية. ولذلك أنا أعتقد أنّه بمعنى دخول الأفكار من الوهّابية كانت متواجدة كمجال تداولي في المملكة من خلال الثقافة الشعبية والثقافة العريقة في السعودية. ولكن لمّا جاءت ما يُسمّى باللامذهبية، هذه اللامذهبية نسق جديد هو الذي أصبح التعامل مع الحديث مباشرة. هنا الكارثة أتعامل مع الأشياء أشرت أستاذ يحيى إلى قضية الدعوة والتبليغ ربما هناك تناقض أو تمايز بين الدعوة والتبليغ التي تدعو إلى سلمية وبين الجماعات الجهادية، ولكن أقول لكم هناك تقاطع بينهما وهو التعامل مع الحديث وليس مع السنّة. لهذا عندنا مشكلة في التعامل مع الحديث، عندما نجد في بعض مرويات الحديث نجد بابًا لأحد كبار الذين نرجع إليهم ويرجع إليهم المدارس التقليدية في الجزائر وفي مصر وسوريا.

باب قتال أهل الكتاب أكثر وأجرأ نجده في المغلي في قدامى، والكثير من النصوص، ولهذا انا أعتقد أنّ التعامل مع الحديث. ولا أتحدّث عن السنّة لأن الشيخ الغزالي يفرّق بين السنّة وبين الرمويات التي وصلت لنا. أما فكر جهيمان أو فكر أبو محمد المقدسي قلت لكم بأنّه يتكرّر في كل زمان ومكان، ولهذا سؤالكم مهمّ جدًا بأنّ الفكر الجهادي ليس متعلّقًا، أو الفكر الإرهابي على كلٍّ هناك تمايز. ليس متعلّقًا بجهيمان، ولهذا قلت في المقدّمة إن جهيمان هو فكرة تتجدّد في كل زمن ومكان عندما نتعامل مع النصوص التي وصلتنا والأحاديث المروية التي وصلتنا من دون رؤية فلسفية معرفة، ومن دون رؤية قرآنية وكونية حضارية فإنّنا سنقع في هذا المجال، ولهذا أنا أقول لكم إنّ جهيمان يتكرّر الآن الجزائر تعرفون مرت بعشرية سوداء التي فيها كل الفسيفساء الجهادية القتالية، ولكن الآن نلاحظ الاتجاه الإرجائي الذي يهدّد المجتمع الجزائري لا يؤمن بالخروج على الحاكم، ويُحرِّم الخروج على الحاكم، ولكن يقوم بتفكيك المجتمع من الداخل يفكّك الأسرة، ويفكّك المسجد، ويفكّك شبكة العلاقات الاجتماعية بمفهوم الأستاذ مالك بن نبي. أنا أعتقد أنّ فكر جهيمان نواجهه بمشروع مجتمع متكامل تجتمع فيه كل مؤسَّسات التنشئة السياسية ومؤسَّسات التنشئة التربوية ومؤسَّسات التنشئة الاجتماعية، وووسائل الإعلام من أجل منظومة. لهذا أنا أقول لكم ولست متفائلًا سيتكرّر هذا الفكر كلّما كانت هذه القلوب.


يحيى أبو زكريا: دكتور بدر الدين ما دمت كنت في أمّ القرى، وإن شاء الله نلتقي مجدّدًا مثلما التقينا سابقا دكتور بدر الدين. بالنسبة للمهدوية عندما سئل جهيمان عن محمد عبد الله القحطاني أنّه مهدي، وطرحت تساؤلات أنّ المهدي يجب أن يكون من قريش، قال محمد من قريش، قال يجب أن يكون من نسل أهل البيت قال لهم محمد عبد الله القحطاني من ذريّة الحسين إبن علي إبن أبي طالب. استحضار المهدوية في كل مرة علام  يدلّ في فلسفة التواصل؟


بدر الدين زواقا: سؤال مهمّ جداً ودقيق، ولكن أجيبه من الخلفية الفلسفية تعرف أنّ العقل العربي الإسلامي يعيش في الحائط الماضي والغيب أعاد هذه الفكرة المهمة أنّ العقل يعيش دائمًا في الماضي بطولات الماضي أو مآسي الماضي، أو خلافات الماضي، أو يعيش في الغيب، ولهذا تجد أنّ الخطاب الإسلامي أنا قمت بدراسة تحليل  الخطاب الديني في الجزائر وفي غيرها 80 بالمئة أو 90 بالمئة أو 100 بالمئة أو مئة بالمئة يتحدّث عن الماضي والغيب، وغياب كلّي للحاضر والمستقبل ومن بين الغيب مسألة الجنّ، مسألة العين والسحر، ولهذا تجد العقل المسلم كلّه يدور حول المنام وتفسير المنام وحول تفسير الظواهر بالوَهم إمّا الجنّ، أو العين، أو السحر. وبعد ذلك هذا سبب الوَهن عندما سبب الوَهن بمُصطلح سيّدنا النبي صلّى الله عليه وآله أصبحت المهدوية هي المخرج للكُسالى، ولهذا أقول لكم إنّ سبب انتكاسة العالم الإسلامي هو إيمانه بالمهدوية، وإن كانت المهدوية موجودة في كل الديانات الخلاص عند النصارى إلى غير ذلك.

لكن في ديننا أو الموضوع عند أمّتنا بعمق مهدوي انتظار ما يُسمّى أولًا قبل المهدوية انتظار، ما يُسمّى بالخلافة الإسلامية التي يُسمّيها الدكتور لؤي صافي بالدولة المستحيلة لأنّنا نؤمن بالدولة المدنية ليس الدولة المدنية بمفهومها المعرفي بمفهومها التشارُكي، وليس بمفهومها الأيديولوجي، ثمّ بعد ذلك المهدوية بمعنى انتظار عيسى عليه السلام، وانتظار المهدي الذي يقيم العدل. ولهذا لا بد لنا من أن نحدث تفكيكًا جوهريًا تشترك فيه مؤسَّسات الدولة، ومؤسَّسات المجتمع المدني لتفكيك هذه المسألة.


يحيى أبو زكريا: دكتور بدر الدين صحيح أنّ المهدي قضية متفقٌ عليها بين كل المدراس الإسلامية وفي مضمونها أنّه سوف يقود العالم في نهايته ويؤسِّس لدولة العدل، لكن ما سمعنا أنّ مهديًا قُتل في يومه كمحمد عبد الله القحطاني الذي قُتل في الحرم المكّي المُطهّر.

دكتور بدر الدين زواقا من الجزائر شكرًا جزيلًا لك، الأستاذ الفاضل رائد السمهوري شكرًا جزيلًا لك، الدكتور كمال حبيب شكرًا جزيلًا لك.