الراحل أنيس النقاش

أنيس النقاش.. أمضى عمره صامداً ثابتاً مقاوماً، ولم يغيّر في أي يوم، نغوص أكثر لنتعرف على رؤية الراحل للأحداث والمنطقة خلال السنوات العشر الماضية، ونتحدث عن أنيس فلسطين الذي نذر حياته لها، كذلك نسأل رفيق درب النقاش عنه، وانطباعات ضيوف عشرية النار.

 

عبدالرحمن عزالدين: رحل الأنيس، محطّاتٌ عديدةٌ من الثورة والاشتباك والفكر وعتمة سجن. من مواجهة الاحتلال إلى الانتصار للثورة حمل السلاح، ومن الشاشات والصحف إلى الدراسات والمؤتمرات حفر الفكرة وعبَّر عنها.

(أنيس النقاّش: نحن أمام معركة سياسية اقتصادية عسكرية مع جزء كبير من الدول العربية التي تصطفّ مع إسرائيل)

إطلالةٌ انتظرها المشاهدون دائماً لإيضاح الصورة وتفكيك المشهد وتبديد الضباب عن مدى الرؤية، (أنيس النقّاش: إنّما النصر صبر ساعة) وفوق ذلك لتثبيت الموقف وشَحْذ الهمّة. (أنيس النقّاش: إذا أردت أن تتحرَّر حقيقةً يجب أن تلتحق بمحور المقاومة).

هنا في استديو عشرية النار كان آخر ما قيل على أكتاف الدراسة الجادّة والمُشاهَدة المُتمَعّنة والتجربة العميقة. نعود إلى الطاولة نفسها وحيث كانت نهاية الرحلة تنطلق البدايات، وطيف الأنيس يُعانق المكان ويستفزّ الفكر ويهدي البوصلة.

 

      هذا كان أنيس النقّاش، أمضى عُمره صامِداً، ثابتاً، مقاوِماً ولم يُغيّر في أيّ يوم، ولأنه كذلك ولأننا، يجب أن نتعرَّف عليه أكثر من أجلنا لا من أجله، سيكون معنا في هذه الحلقة من عشريّة النار صديق الراحِل الكاتِب والباحِث السياسي وليد شرارة، من واشنطن الأستاذ في جامعة ويسكونسن الدكتور سيف دعنا، ومن عمَّان الكاتِب والباحِث السياسي محمّد فرج، وسيف ومحمّد هما شريكا الراحل أنيس النقّاش في هذه السلسلة، سلسلة عشريّة النار.

والبداية ستكون مع صديق الراحل الأستاذ وليد شرارة، أهلاً بك أستاذ وليد، ونحن على بُعد أيامٍ قليلةٍ من أربعين الراحل الكبير الأستاذ أنيس النقّاش ماذا يقول صديقه وليد شرارة؟

 

وليد شرارة: طبعاً من الصعب اختزال الأخ العزيز ورفيق الدرب أنيس النقّاش ببضعة كلمات، ولكن إذا أردنا أن نركّز على الدور الرئيسي لأنيس، أعتقد أنّ أنيس كان من أبرز رموز جيل التلاحُم اللبناني الفلسطيني، والعربي الفلسطيني، هذا الجيل الذي ضمّ آلاف الشبّان والشابّات الذين التحقوا بصفوف المقاومة الفلسطينية وقاتلوا وقدَّموا التضحيات، واستشهد العديد منهم في سبيل تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. فلسطين كانت بوصلة أنيس، ومن أجلها التحق بحركة فتح، وشارك في النضال السياسي والعسكري في لبنان وأحياناً في بقاعٍ أخرى من العالم. أنيس نَذَرَ حياته لفلسطين، ليس لأنها أرض سليبة فقط بل لأنها ساحة المعركة المركزية بين الأمَّة وأعدائها، ولأنّ تحقيق الأمَّة غاياتها الأساسية في النهضة والاستقلال يرتبط بالانتصار على المشروع الصهيوني، وهو حجر الزاوية في منظومة هيمنة الغرب على المنطقة منذ أن غزت جيوشه هذه المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى. 

كان أنيس مُقتنعاً بحتميّة الانتصار على المشروع الصهيوني رغم المصاعب والمشاق، وبقي كما قلتم وفياً للمُنطلقات الأولى ولدماء الشهداء، وأنا أذكر جيّداً كان هناك أحد الأناشيد الثورية الأحبّ إلى قلبه نشيد لحركة فتح إسمه "وصية شهيد"، القسم الأخير من النشيد يقول "ازرع يراعك في دمي، اكتب وصايا من فمي، اكتب إلى كل الرجال، يا أخوتي يا عزوتي، أنا قد تركت وصيّتي، هذه رسالة جيلنا، أنتم علامة فجرنا، أنتم نهاية ليلنا، أنا قد قضيت فأكملوا وتحمّلوا وتحمّلوا وتحمّلوا". 

 

عبدالرحمن عزالدين: وهذه شهادة أستاذ وليد من صديق الراحل الكبير أنيس النقّاش، هذه شهادة للتاريخ، هنا نتحدَّث عن شهادة صديق درب الأستاذ أنيس النقّاش. أستاذ سيف دعنا أنت ربّما التقيت في مرات عدَّة الراحل أنيس النقّاش وأيضاً شاركتما سوياً في عشريّة النار، من خلال لقاءاتك بالرجل، من خلال هذه المُشاركة أيضاً على المستوى المِهني معه في عشريّة النار، أيّ انطباع تكوَّن عندك عن الراحل؟

 

سيف دعنا: مساء الخير وتحيّاتي للأستاذ محمّد وللعزيز وليد أولاً، أولاً نبدأ بالتعازي لعائلته الشريفة ولأصدقاء ورفاق الراحل، هذه ضرورة في البداية. 

أنا تشاركت مع الراحل أنيس الشاشة عشرات المرات وفي أكثر من قناة في الحقيقة، والتقيته في أكثر من مناسبة في مؤتمرات وندوات، ولهذا إلى هناك شعور أنّ المُصاب شخصي إلى حدٍ ما وأنّ هناك خسارة شخصية عدا عن كونها خسارة قومية وخسارة وطنية.

الانطباع الأساسي تُجمله عبارة للحلّاج في تفسيره لمفهوم السعادة عند الصوفيين، يقول "مَن لم يقف على إشاراتنا لم ترشده عباراتنا"، إشارةً باختصار شديد إلى ضرورة الوقوف على المعاني التي يقصدها المُتصوّف حتى يحصل المرء على الفائدة، فمَن لا يعرف رموز المُتصوّفين أو الصوفية لا يمكنه أن يفهم عباراتهم.

والمُناضلون الحقيقيون من طراز الراحل أنيس النقّاش أيضاً لديهم إشاراتهم وعباراتهم لا يفهمها ولن يفهمها إلا مَن يعرف التُراث الثوري العظيم الذي ساد في بلادنا والذي انتمى إليه أنيس النقّاش.

انطباعي الأساسي خصوصاً من ابتسامته الدائمة في أكثر من مرة التقيته، أنه مناضل حقيقي وأصيل ويعتمد هذا الطراز الثوري العظيم الذي قصدته والذي ساد في بلادنا منذ زمنٍ طويل، وكان تفسيري دائماً لهذه الابتسامة منه ومن مناضلين كبار آخرين هي السعادة والرضا والمعرفة الكبيرة التي لا يعرفها إلا المُناضل الحقيقي، المُتضمَّنة في الانخراط في النضال من أجل أهداف كُبرى مثل تحرير فلسطين، مُحاربة الإمبريالية الغربية، وحدة الأمَّة، لهذا حتى في أحلك الأوقات المُناضل الحقيقي يشعر دائماً بسعادةٍ ورضا لأنه يعرف المعنى الحقيقي للحياة، المعنى الحقيقي للعَيْش، المعنى الحقيقي للسعادة، المعنى الحقيقي للمعرفة، ويحضرني مرة قول للسيِّد حسن نصرالله للمقاومين في أحد ليالي عاشوراء، إنهم هم الأكثر معرفة باختيارهم لهذا الطريق، طريق المقاومة، إنهم الأكثر معرفة وبالتالي الأكثر سعادة والأكثر رضا. 

وهذا في الحقيقة حينما نتحدَّث عن الراحل أنيس ونتحدَّث عن هذا المفهوم للمُناضلين، هذا في الحقيقة ما لا يعرفه ولن يعرفه مَن باع روحه ومَن باع وطنه ومَن باع أمَّته، هم يظنّون ربّما أنهم كسبوا مادياً ولكنهم خسروا فكرة أن تجرّب أنت المعنى الحقيقي للحياة، المعنى الحقيقي للسعادة، والمعنى الحقيقي للمعرفة الذي لا يمكن أن يعرفه إلا المُناضل الحقيقي من طراز الراحل أنيس النقّاش.

لديّ الكثير لأقوله ولكن باختصار شديد، أنيس بتجربته الطويلة وبخوضه لأشكالٍ مختلفةٍ من النضال ينتمي إلى فئةٍ قليلةٍ جداً من المُثقّفين المُشتبكين، أو المُناضلين، فئة خاصة حتى من المُناضلين الذين جمعوا عدَّة تجارب من كل المجالات وسنتحدَّث عنها إن شاء الله الليلة.

 

عبدالرحمن عزالدين: أيضاً من الذين شاركوا الراحل أنيس النقاش في هذه التجربة، في هذه السلسلة عشريّة النار، كان أيضاً الأستاذ محمّد فرج من عمَّان. محمّد أنت لم تلتقِ بالأستاذ أنيس النقاّش بشكلٍ شخصي ولكن اللقاء كان هنا في عشريّة النار، أية خلاصة خرجت بها عن أنيس النقّاش بعد هذه المُشاركة، ومن خلال ربّما معرفتك به على المستوى الإعلامي أيضاً؟

 

محمّد فرج: تحية لكم أخي عبدالرحمن، تحية للأستاذ وليد شرارة، وتحية للدكتور سيف دعنا، التعازي الحارَّة لعائلة الراحل الكبير أنيس النقّاش، التعازي الحارَّة لكل الأحرار على امتداد هذا الوطن الكبير، لكل الأحرار في العالم الذين تمثّل لهم أنيس النقّاش أيقونة نضالية كبيرة.

على كلٍ لم تكن عشريّة النار هي المرة الأولى التي أتشرَّف فيها في لقاء مُشترك، في حلقة مُسجّلة أو على الهواء مباشرةً مع الأستاذ أنيس النقّاش، كانت المرة الأولى عام 2019 في الذِكرى الأربعين لانتصار الثورة الإسلامية. وما يمكنني القول به حول انطباعاتي حول ذلك اللقاء كانت بأنّ ملامِح الرضا كانت واضحة، تتّسم وترتسم على مُحيَّاه بشكلٍ واضحٍ وكبير، وهنا أتذكَّر عن رضا على مستويين، الرضا عن النفس بمعنى الرضا عن الخيارات التي اتّخذها في حياته،  طريق المقاومة، هذا الطريق الشائك، الصعب، المُجْهِد، المُتْعِب، المُرْهِق، كان يشعر بحال رضا عالية وعميقة تجاه هذا الخيار، والرضا الآخر هو عن التجربة المُتمثّلة بانتصار الثورة الإسلامية. 

جال في خاطري أن أتحدَّث عن مُقاربة تسير في مسارين، مُقاربة تتحدَّث عن دولة وثورة، ومُقاربة تتحدَّث عن ثورة كُثّفَت في شخصٍ وهو أنيس النقّاش، ففي عام 1979 عندما انتصرت الثورة الإسلامية كانت عبارة عن ثورة قادها رجال مؤمنون، صادقون، لإسقاط نظام حُكم مُستبد لم يكن يتخيَّل أحد في العالم أنه يمكن أن يسقط، وكان هناك شاب ثائِر خاض عملية فيينا وكان موجوداً في كل الساحات والمُعسكرات ويحمل بيده السلاح لأجل المقاومة من أجل فلسطين ولبنان ومن أجل هذه الأمَّة ومن أجل هذه المنطقة. دخلت الثورة الإسلامية في كل الأحوال في بداياتها ومنذ اليوم الأول في حرب ضروس، صيغَت ضدّها لخنق الثورة من يومها الأول، على نفس الوقت وفي نفس الزمان كان يتّجه الشاب الثائِر الى عتمة السجن في واحدةٍ من أصعب سجون العالم وهي سجون الامبريالية الفرنسية. 

تخرج الثورة الإسلامية من صعوبة هذه الحرب لتجد نفسها في مرحلةٍ جديدة لتبني نفسها في مواجهة قوّة ظلام وقوّة ظلم المُتمثلة في الامبريالية الأميركية، يخرج الثائِر من عتمة السجن إلى عالم ويجد أنه قد تغيّر كثيراً، المنظومة الإشتراكية انهارت، عالم بدأ يتّجه باتّجاه أحادية القُطب، الولايات المتحدة تتحكّم في العالم وتسيطر عليه اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، مسارات التسوية في القضية التي كانت تشكّل مخيال أنيس النقّاش الرئيسي وهي القضية الفلسطينية قد تغيَّرت، ولكن الشخص يخرج أقوى من السابق ويواصل مشواره بنفس الثقة وبنفس القوّة في الساحات الثقافية والسياسية والإعلامية.

ملاحظة أخيرة أخي عبدالرحمن أنه في عشريّة النار عندما كان يتحدَّث أنيس النقّاش، قطار الأفكار مُتسلسل وواضح في رأسه، هذا الوضوح، هذه الفكرة الجليّة في قُدرته على التعبير عنها بالدرجة الأولى دليل على أنها واضحة في وجدانه وتكوينه النفسي. في بوذيّة (الزن) يقولون لا يمكن أن تصبح فكرة جزءاً أصيلاً من تكوينك الأصلي إلا إذا كان لها مبعث وأصل ومنشأ انفعالي، المنشأ الانفعالي داخل التكوين النفسي لأنيس النقّاش كان حاضراً، هذا المنشأ الانفعالي هو هَوَسَه وخياله الدائم في الوصول إلى ثورة حقيقية وإلى الرواية التي أتمّها بالشكل الكبير والمناسب واللائق.

 

عبدالرحمن عزالدين: إذاً هذه مشاهدينا انطباعات ضيوفنا وشهاداتهم عن الراحل أنيس النقّاش، ولكن ماذا عن رؤية الراحل لعشريّة النار التي تحدَّث عنها في هذه السلسلة؟ نتابع.

 

مُقتطفات – أنيس النقّاش

السيناريو كان يقول إنّ هذه المنطقة يجب ضرب وَعْيها، لأنّ هذا الوَعي بالمقاومة، بالشعوب التي تتحرَّر، التي لا تهاب الغرب، لا تخاف الصهيونية شيء خطير جداً، الدولة السورية واعية لهذه المسألة وأدارت مسألتها في ما شاهدناه بعد ذلك، واضطروا أن يفتحوا جهنّم على كل المنطقة من خلال داعش والإرهاب.

النظام الذي يريدونه عبارة عن إعادة رَسْم السلوك، يبتزّونه بأنه يمكن أن نتوقَّف عن مهمة إسقاط الدولة السورية إذا أنت أصبحت أكثر ودّية، يعني أن تخفِّف من دعمك للمقاومة ومن عدائك للكيان الصهيوني. 

ما هي مصلحة دول الخليج بتدمير دول عربية في سوريا فقط لأنها تطالب بالحق العربي في الجولان وفي فلسطين وفي دعم المقاومة؟ فقط لأنهم يعتقدون أنّ خدمة الغرب والمُزايدة على الغرب تخدمهم.

الإعلام هو الذي يوجّه، يستعمل طريقة الإلقاء، يضع الشعار وكأنه هو يمثّل الشعب ويمثّل كل هؤلاء الذين يتحرَّكون تمهيداً لمسألة التسلّح ومسألة الذهاب إلى العمل المُسلَّح، اكتشفت الجماهير أنّ هناك كذباً كبيراً، هناك وسائل تضليل.

 

عبدالرحمن عزالدين: إذاً مشاهدينا من النقاط التي استمعنا إليها المحاولات الغربية، السيناريو الغربي كان محاولة إعادة بناء الوَعي في المنطقة، هنا نسألك أستاذ وليد شرارة، في أيّ اتجاه كان يُراد إعادة بناء الوعي؟

 

وليد شرارة: نحن في هذه المنطقة نشهد حرباً مديدة مرّت بمراحل كثيرة، إذا كان هدف هذه الحرب بمرحلة معيّنة تحطيم الطموحات الكبرى لشعوب المنطقة بتحقيق الوحدة والاستقلال، في مرحلة لاحقة بعد أن تبلورت وتطوَّرت ظاهرة المقاومة واتّضح أنّ شعوب المنطقة قادرة على المواجهة، انتقلوا إلى، عادت جيوشهم بشكل مباشر، هنا يوجِد محطّة مركزية، غزو العراق عام 2003، انتقلو إلى الحرب بشكل مباشر وأصبح الهدف ليس فقط الحفاظ على التجزئة، أصبح الهدف هو تفتيت المُفتَّت، يعني عندما دخلوا إلى العراق لم يدخلوا فقط لتغيير النظام، قاموا بتفكيك الدولة، ورافقت الحرب هجمة إعلامية فكرية سياسية جوهرها القول بأنّ كل دول المنطقة هي دول مُصطنعة والانتماءات الحقيقية في هذه المنطقة ليست انتماءات للكيانات الوطنية، هي الانتماءات الطائفية والعرقية والجهوية والقبلية، وقاموا بتفكيك الدولة العراقية وترسيخ فكرة الانتماء الطائفي والمذهبي. الذي كان يقف خَلْف هذا التوجّه هم مجموعة من الصهاينة المُتطرّفين الذين كانوا يومئذ مؤثّرين على الإدارة الأميركية المُحافظين الجُدُد، الذين عملوا بنظرية الموزاييك الإسرائيلية، إنّ هذه المنطقة هي مجموعة من الأقوام والمجموعات العرقية وكذا، لا توجد فيها فكرة انتماء وطني. والغاية كانت من هذه العملية إطلاق ديناميات، ليس فقط لتفكيك العراق، ولكن من أجل تفكيك اللحمة الاجتماعية في جميع دول المنطقة، مَن أراد أن يؤرِّخ لبداية استعار الصراعات والديناميات الطائفية في المنطقة المحطّة الرئيسية هي محطّة حرب 2003 على العراق، والغاية كانت طبعاً تدمير الدول الوطنية المركزية وضرب المقاومة عبر استغلال وتسعير الصراعات الطائفية الداخلية.

لذلك هذه الحرب التي بدأت، شهدنا مرحلة جديدة منها في الحرب على العراق، استمرّت بعد ذلك مع انفجار الأزمة في سوريا ودخول القوى الغربية على خط هذه الأزمة ومحاولة إشعال حرب طائفية في سوريا، وساهمت قوى عربية في ذلك. فطبعاً هذا الأمر يعني تدمير كل ثوابت الانتماء الوطني والقومي، تغيير هوية العدو، لا يعود العدو هو العدو الغازي والمُهَيْمن أو العدو الإسرائيلي، يصبح العدو هو الآخر بين هلالين.

 

عبدالرحمن عزالدين: يعني هذا المقصود من قِبَل الراحل أنيس النقاش في موضوع إعادة بناء الوعي في المنطقة.

 

وليد شرارة: تماماً، تدمير الثوابت الوطنية والقومية، تفكيك فكرة الانتماء المشترك، الدفع باتّجاه بلورة هويّات طائفية ومذهبية مُغلقة، والتأبيد، حال حرب دائمة بين ما أصبحوا يسمّونه مكوّنات.

 

عبدالرحمن عزالدين: ربّما هذا أستاذ وليد تبلور بشكل أساسي في سوريا أيضاً، أنت ذكرت سوريا خلال كلامك قبل قليل. أستاذ سيف دعنا يقول الراحل المطلوب من سوريا كان تخفيف دعمها للمقاومة وعدائها لإسرائيل، الى أيّ مدى يمكن القول أنه بجملة بسيطة تمكّن الراحل أنيس النقّاش من اختصار السبب الأساسي في الحرب على سوريا؟

 

سيف دعنا: صحيح، بالتأكيد، القيادة السورية وقيادة محور المقاومة، ومحور المقاومة عموماً كان يدرك القيمة الاستراتيجية الهائلة للمقاومة، ولكن في الجانب الآخر الغرب الامبريالي والكيان الصهيوني كانا أيضاً يدركان القيمة الاستراتيجية الهائلة للمقاومة. يعني المقاومة أولاً أخلّت ببساطةٍ بميزان القوى الإقليمي، ولاحقاً بعد الحَدَث السوري أصبحت تؤثّر في ميزان القوى الدولي وليس فقط الإقليمي، وقلبته لصالح العرب، لأنها باختصارٍ شديدٍ وببساطةٍ فكرة المقاومة أنها عوَّضت عن الخَلَل الهائل في الإمكانيات المادية والتقنية بيننا نحن العرب وبين الكيان الصهيوني من جانبٍ آخر، طبعاً هذا الخَلَل التقني والمادي الهائل لصالح الكيان الصهيوني الناتج من تبنّي الغرب للكيان الصهيوني.

القضية الثانية أنّ الجميع أدرك ويدرك أنه لا يوجد حلّ تقني للمقاومة، هذه قضية مُعترَف بها في الأكاديميات العسكرية الغربية، لا يوجد حل تقني يمكن أن تشتريه بالمال، سواءً بالأموال الغربية والأموال العربية الخليجية والأموال الصهيونية، لهذا كانت المقاومة الطريقة الوحيدة والآلية الأكثر فعاليّة الممكنة ليس فقط للتعامُل مع الخَلَل في ميزان القوى وتعديله لصالح العرب وقلبه حتى، ولكن الطريقة الأكثر فعّالية وليست فقط تجربتنا ولكن تجربة الشعوب الأخرى.

الجانب الثالث وربّما في نفس الأهميّة أنّ المقاومة أثبتت، وهذا واضح على الأقل في تجربة المقاومة اللبنانية، أنها لا تهزم العدو عسكرياً فقط وفي الميدان ولكن تهزمهم ثقافياً أيضاً وتهزمهم عقائدياً، وهذا مهم جداً، هي قضية الوَعي التي كان يتحدَّث عنها وليد قبل قليل، فالخسارة العسكرية تقود بالضرورة إلى إبطال الكثير من الأفكار والصوَر والاعتقادات السائدة الناتجة أصلاً من المواجهات غير المُتكافِئة التي خاضها العرب مع الكيان الصهيوني وهُزِمنا بسبب اللاتكافؤ الهائل بسبب الدعم الغربي. جاءت المقاومة وقامت بهزيمة الكيان الصهيوني في الميدان، وبالتالي أصابتهم بهزيمة عسكرية وثقافية. 

سوريا أدركت منذ البداية القيمة الهائلة للمقاومة وهذا الدور الذي لعبته سوريا في ظلّ إدراك عدم إمكانية تحقيق التوازن الاستراتيجي التقليدي، طائرة بطائرة ودبابة بدبابة بين الدول. 

لدينا نموذج وأنا أودّ التذكير به حصل في لبنان في العاشر من حزيران 1982 وهي معركة السلطان يعقوب والتي كانت بطولة الجيش العربي السوري بها وصلت إلى حد الخُرافة، الأدبيات وما كُتِب عن هذه المعركة. يعني أهمية هذه المعركة أنها بسبب الالتحام المباشر بين الجيش العربي السوري والجيش الصهيوني الغازي للبنان حينها أفقدت هذا الجيش التفوّق الجوّي لأنه لم يكن بالإمكان استخدام التفوّق الجوّي لصالح جنود العدو، كان أمامهم وهم قالوا ببساطةٍ لم تكن هذه معركة، كانت هذه مطحنة، مطحنة بالحرف. بطولة الجيش العربي السوري والمقاومة في تلك المعركة أصبح مشهوداً لها. إذاً بالإمكان كان تحويل هذا النموذج إلى نموذجٍ أكبر وأوسع يُفْقِد العدو تفوّقه الاستراتيجي. 

إذاً سوريا كانت تدرك أنّ دعمها للمقاومة يقوِّي المقاومة ولكنه أيضاً يقوِّي سوريا ويُعزِّز مكانة سوريا ويجعلها رقماً صعباً في الإقليم، والأهمّ من ذلك ويجب أن يُقال أنه بمن دون سوريا كانت مهمة المقاومة ستكون صعبة جداً، وأيضاً من دون المقاومة كانت قُدرة سوريا في ظلّ هذا الخَلَل الهائل في موازين القوى على لعب دور إقليمي صعب، كانت أيضاً ستكون أصعب بما لا يُقاس، بهذا كان من المطلوب أنّ تتنازل سوريا عن المقاومة وبالتالي أن تتنازل عن أحد أهمّ عوامل قوَّتها، وبالتالي مَن كان يطالب سوريا بالتنازُل عن المقاومة كان يطالبها حقاً بالاستسلام أو ألا تلعب الدور المركزي الذي تؤهّلها إياه مكانتها الجيوسياسية..

 

عبدالرحمن عزالدين: في سوريا تحديداً أيضاً أستاذ سيف، هنا نسأل محمّد فرج، يقول أنيس النقّاش إنّ الرهانات الخليجية كانت أكبر من الأميركية، وهذه جملة ربّما لافتة للغاية محمّد فرج، كيف كان ذلك؟

 

محمّد فرج: صحيح، دعنا ننطلق أساساً من الراحل أنيس النقّاش، ودعنا نقول إنّ ثمّة مثلثاً يمكن تكثيفه بهذا الاتّجاه لمجموعةٍ من الأفكار كانت تحكم أيّ موقف سياسي كان يتّخذه الراحِل، سواء يتعلَّق بفلسطين أو سواء يتعلّق بلبنان أو سواء يتعلّق بسوريا أو بالمنطقة بشكلٍ عام، هذا المُثلّث الأضلاع الأساسية له تحرير فلسطين وتحرر المنطقة، مواجهة الإمبريالية وهزيمة الأنظمة الرجعية. ومن هنا تنطلق هذه الجملة، دعنا نمرِّر هذا المُثلّث على خط الزمن، على مجموعة محطات في حياة الراحل أنيس النقاش وصولاً إلى الحال السورية.

لو بدأنا من عملية فيينا على سبيل المِثال فالمُنفّذ هو فصيل فلسطيني مقاوِم، والرهينة هو رمز وتكثيف لرمز الرجعية العربية، والمكان الذي نُفّذَت فيه العملية يعطي إيحاءات، انطباعات عن سياسة البترودولار التي انطلقت في تلك الأجواء. إذاً هذا المُثلّث طُبّق في هذه الحال.

لو انطلقنا إلى محطّةٍ أخرى على سبيل المثال محاولة اغتيال بختيار فإنّ الهدف المعنوي والأساسي هو الإنتصار لثورةٍ كانت مواقفها مع القضية الفلسطينية مُعْلَنة وواضحة، هذا من جهة، والأهمّ هو تخليص المنطقة كل المنطقة، بما فيها كل المنطقة التي تجتمع على كل الدول العربية من سوريا ولبنان وفلسطين وما إلى ذلك، لتخليصها من نظام مُستبدّ كان يُعبِّر عن شرطي أميركا في الخليج، كان يشكّل وَتَداً رئيسياً للإمبريالية في المنطقة. 

إذاً في هذا الاتّجاه يكون المُثلّث أيضاً قد تحقّق في هذه المحطّة، وهو تحرير فلسطين وتحرّر المنطقة، مواجهة الإمبريالية وهزيمة الأنظمة الرجعية الذي كان يعبّر نظام الشاه أو يعطي مثالاً واضحاً عليها. 

عندما نصل إلى الحال السورية يُطبّق أنيس النقّاش مجدَّداً هذا المُثلّث، لأنّ الهجوم على سوريا كان هدفاً إسرائيلياً بالدرجة الأولى، وهدفاً أميركياً بالدرجة الأولى، وهدفاً خليجياً بالدرجة الأولى، بمعنى أنّ المُثلّث الذي كان يدور دائماً في رأس وخيال وأفكار ووجدان أنيس النقّاش قد تطبّق أيضاً في الحال السورية لذلك كان من أول الناس الذين تصرّفوا بعقلٍ بارد وهادئ عندما التفت الجميع قبل عشر سنوات عبدالرحمن لم يكن الباحثون السياسيون بأيّ شكل من الأشكال يتحدّثون عن هذه المحطّة بهذا الهدوء وبهذا الصفاء الذهني، أنيس النقّاش كان من أول الناس الذي لفت الانتباه إلى التزوير الذي يحدث وإلى المُخطّط الكبير الذي يُحاك ضدّ سوريا ومحور المقاومة، فكان المرجع الرئيسي على المستوى البحثي والإعلامي لعددٍ كبيرٍ من الناس الذين كانوا يبحثون عن بوست لأنيس النقّاش أو مقال هنا أو هناك أو ظهور له على الشاشة هنا أو هناك. 

بالنهاية عبدالرحمن أنيس النقّاش كان مسكوناً بفكرة المواجهة الشاملة، بأنّ المواجهة لهذه الإمبريالية وتحرير فلسطين، تكريس هذا المُثلّث يتطلّب مواجهة على إطار جغرافي ثقافي واسع، فبالتالي كان يدعم حركات يسارية تواجه نظام الناتو في تركيا في السابق، ودعم حركات في أريتريا، كان مسكوناً بفكرة عدّوا ألف زهرة تتفتح، أنيس النقّاش ومع العدد الكبير من البنادق التي حملها كان بحدّ ذاته هو ألف زهرة تفتّحت. 

 

عبدالرحمن عزالدين: هذا مشاهدينا في ما يخصّ رؤية الراحل الكبير أنيس النقّاش لعشريّة النار، ماذا في الخلاصات التي قالها الراحل في عشريّة النار؟ وتحية للراحل أنيس النقّاش بعد فاصل قصير، ابقوا معنا.

 

فاصل

 

عبدالرحمن عزالدين: أهلاً بكم من جديد أعزائي المشاهدين إلى عشريّة النار. خلال فقرة في الخلاصة من عشريّة النار كانت للراحل أنيس النقّاش كلماتٌ أطّرت وجهة نظره ورؤيته للأحداث والمنطقة بنحوٍ عام خلال السنوات العشر الماضية. في هذا الإطار يقول الراحل إنّ كلمة الحرب الكونية على سوريا لا مُبالغة فيها، وإنّ انتصار محور المقاومة في صدّ هذه الحرب له مردوده بحجم الكونية، بمعنى أنّ التحدّي الكبير هو أن يكون الانتصار بحجم هذه الهزيمة للقوى الكونية.

هنا أسألك أستاذ وليد شرارة كيف يمكن أن يكون الانتصار بحجم الهزيمة للقوى الكونية؟

 

وليد شرارة: استُهدفَت سوريا أساساً لأنها الحلقة المركزية في محور المقاومة، سوريا لعبت دوراً أساسياً خلال العقدين الماضيين في دعم المقاومة في لبنان وفي فلسطين وفي العراق ضدّ الاحتلال الأميركي، فكانت الحرب على سوريا هدفها تدمير الدولة السورية، وكل حرب لا تنجح في تحقيق أهدافها تنجم عنها مُفارقات، طبعاً هناك في سوريا اليوم أكلاف باهظة إنسانية ومادية للحرب، ولكن هناك أيضاً مُفارقة أنّ محور المقاومة لأنه صمد خرج أقوى من هذه الحرب وتطوّرت قُدراته العسكرية والصاروخية وخبراته، وهذا الأمر يؤدّي عملياً إلى تسريع التحوّل التدريجي في موازين القوى لغير مصلحة إسرائيل ولغير مصلحة الولايات المتحدة في هذه المنطقة. هناك تقارير كثيرة ومنها مثلاً مقالات، مثلاً مقال توماس فريدمان الرسالة التي وجّهها إلى بايدن وعنوانها المسألة لم تعد تتعلّق فقط بالنووي الإيراني، المشكلة الرئيسية أصبحت اليوم الصواريخ الدقيقة التي يتمّ تطويرها في إيران وفي سوريا وفي لبنان، كما يزعم هو ويزعم الجنرالات الإسرائيليون، موازين القوى في المنطقة تتحوَّل إلى غير مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، الحرب في سوريا كانت فرصة أيضاً لعودة روسيا لتلعب دوراً على مستوى المنطقة والعالم، الحرب في سوريا أيضاً شكّلت فرصة بالنسبة إلى الصين ليصبح لديها موقف سياسي أوضح بالنسبة إلى قضايا المنطقة، فهذا الانتصار في سوريا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في المنطقة، يسمح بتغيير موازين القوى لغير مصلحة الولايات المتّحدة وإسرائيل، يشجّع أيضاً القوى الدولية التي كانت في مرحلة سابقة لا تواجه الولايات المتّحدة بالشكل المطلوب أن تتّخذ مواقف أكثر حزماً.

بهذا المعنى هذه الحرب التي كان هدفها تدمير الدولة السورية، فتحت أفق لتغيير الأوضاع في المنطقة لغير مصلحة منظومة الهيمنة الأميركية والإسرائيلية.

 

عبدالرحمن عزالدين: في ما يخصّ هذه الحرب أستاذ وليد شرارة تحدّث أيضاً الراحل أنيس النقّاش هنا في عشريّة النار مشاهدينا إننا في آخر مراحل الصراع وأنّ أهمّ نقطة في البحث الذي يجب أن يكون في المستقبل هي كيف تستثمر سوريا انتصارها لكي تكون قائدةً أساسية في المنطقة.

أستاذ سيف دعنا هنا نسألك من فكر أنيس النقّاش كيف يمكن لسوريا أن تستثمر انتصارها كي تكون قائدة أساسية في المنطقة؟

 

سيف دعنا: بعد حرب تموز في 2006، بعد انتصار المقاومة في 2006 سادت مقولة، أحياناً الحروب الصغيرة تكون لها تبعات كبيرة أو تبعات عالمية، وهذا كان صحيحاً في حال حرب تموز لأنّ حجمها، كانت مواجهة بين الكيان الصهيوني المباشرة والمقاومة، ولكن تبعاتها قادت على الأقل إلى إلغاء أغلب الدراسات التي كانت مخصَّصة لهجوم أميركي على إيران بسبب ما تكشّف من قدرات المقاومة، من قدرات محور المقاومة. 

في هذه الحال، في حال سوريا، نحن أمام حرب كبرى وبالتالي التبعات بالضرورة ستكون كبيرة جداً، والمسار واضح وبالتالي سيكون الانتصار كبيراً لأنّ الصراع كبير، وسيعقب هذا الانتصار بالضرورة، كما أفشلت المقاومة في 2006 مشروع الشرق الأوسط الجديد وأفشلت محاولة إعادة هيكلة المنطقة، نحن الآن في مرحلة إعادة هيكلة للإقليم وبالتالي سيكون لسوريا أو للمُنتصرين في ذلك دور كبير في ذلك، دور كبير طبعاً تحدَّثنا كثيراً عن الأهمية الجغرافية السياسية لسوريا، تحدَّثنا عن خطوط أنابيب النفط، أنابيب الغاز والدور الذي لعبته في استهداف سوريا، ولكن مراجعة سريعة جداً لتفسير ما حصل وبالتالي لتفسير هذه التبعات، إنّ ما حصل في سوريا هو حرب كونية لأنه حصل تدويل للصراع، وتدويل هذا الصراع حصل في وقت أو في زمن تحوّلات عالمية دقيقة، بالتالي هذا الوقت كان يتوسّط اختلالات عالمية بارزة وبارزة جداً، كما ذكر وليد على المستوى العالمي هناك صراع صيني أميركي وروسي أميركي يتصاعد يومياً، ونحن نراه يتصاعد يومياً، وهناك صراع إقليمي بين محور المقاومة من جهة، وسوريا طبعاً ضمن هذا المحور، والكيان الصهيوني ومن خلفه لإعادة هيكلة الإقليم. أنا قلت منذ اليوم الأول أنّ ما يحصل في سوريا هو جزء تم إعادة هيكلة كل المنطقة الممتدة من الساحل الأطلسي للمغرب إلى آسيا الوسطى السوفياتية السابقة وحتى الحدود الأفغانية الصينية، وبالتالي هذا يتجاوز حتى الإقليم، وبالتالي المُنتصر لأنّ التوقيت، الزمن التاريخي الذي تحصل فيه المواجهة هو زمن اختلالات وزمن تحوّل عالمي وإقليمي، بالتالي التبعات ستكون على إعادة هيكلة الإقليم وإعادة هيكلة ما بعد الإقليم. 

بالتالي كانت الإشكالية هنا التفكير التاريخي منذ بداية الأزمة، وهذا ما دعوت إليه بعض المُثقفين العرب في الحلقة الأولى ربّما من عشريّة النار أنه يجب أن نفكّر بطريقةٍ تاريخيةٍ، وباختصارٍ شديدٍ هذه الطريقة تقول إنّ الإمبريالية هي القضية المركزية، هي محور العمل، هي محور التفكير، وبالتالي كل ما عدا ذلك، إسقاط الإمبريالية وإسقاط الهيمنة الإمبريالية أو مواجهتها هي القضية المركزية في التفكير السياسي. ما حصل في سوريا أنّ هذا التدويل تحديداً الذي أراد له بعض مَن أراد إسقاط الدولة السورية رأى في التدويل قوّة، في الحقيقة إنّ دخول المقاومة، دخول إيران، دخول روسيا، مرة أخرى في هذا الزمن وفي هذا الوقت وفي هذه المواصفات قاد إلى العكس، إلى تقويض الهيمنة الأميركية وإلى تقويض الصورة الأميركية، بمعنى أنّ منذ بداية الصراع، على الأقل في السنتين الأولى والثانية كان الصراع يسير وفق الزمن الأميركي، التصعيد وخفض التصعيد، السلاح الذي يدخل، المقاتلون الذين يدخلون، كان كل ذلك يتمّ وفق الزمن الأميركي، وفقط المصلحة الأميركية، وفق مصلحة تراكم رأس المال بالعَسْكَرة كما يقول الاقتصادي علي القادري، ولكن ما حصل أنّ دخول أصدقاء سوريا في المعركة في هذا الزمن بالضبط، وأنا أيضاً أؤكّد على هذا الزمن على الموضوع التاريخي، قَلَب المعادلة، وليس فقط قَلَب المعادلة بل قوَّض الهيمنة الأميركية. في هذا السياق سيتم، سياق تقويض الهيمنة الأميركية، ستتمّ إعادة هيكلة الإقليم، وإعادة هيكلة ما بعد الإقليم، ولهذا نقول يجب أن يكون لسوريا دور أساسي في الاقليم، وهي مؤهّلة لذلك ليس فقط لأنها انتصرت ولكن بسبب علاقتها وارتباطاتها بمحور المقاومة بكل قواه، وبسبب جغرافية سوريا السياسية التي تؤهّلها لهذا الدور وتؤهّلها لهذه المكانة، فكيف إذا كانت مُنتصرة أو جزءاً من المحور المُنتصر في هذا الصراع اليوم.

 

عبدالرحمن عزالدين: على كل حال هذا الصراع الكوني في هذه الحرب الكونية أستاذ سيف دعنا كان هناك دور كبير للإعلام، كان ربّما أحد أبرز الأسلحة، عن دور الإعلام في أحداث العشريّة رأي الراحل أنّ التضليل الإعلامي قَلَب الحقائق وزوَّر الوقائع خدمةً للأهداف السياسية التي كان يبحث عنها.

ههنا نسأل محمّد فرج أية حقائق محمّد زوّر هذا الإعلام وأية أهداف سياسية حاول أن يخدم؟

 

محمّد فرج: حجم التزوير كان كبيراً، تزوير شخوص، تزوير تظاهرات، تزوير أحداث، تزوير مشاعر، تزوير تاريخ، المساحة الأفقية للتزوير والمساحة العمودية والحفر العمودي لهذا التزوير كان هائلاً وكبيراً، دعنا نقول بأنّ أوّل عائلة جرّبت أو خاضت تجربة تلفزيون الواقع في نهاية المطاف تفكّكت، ولكن كان السؤال المطروح آنذاك هل دخولها في تجربة تلفزيون الواقع هو الذي فكّكها؟ لو لم تُزرَع الكاميرات داخل منزل هذه العائلة هل تفكّكت هذه العائلة؟ ما جرى في الحال السورية كان أسوأ من ذلك بكثير، لم تُزرَع الكاميرات في سوريا، زُوّرَت صورة، صُنعَت صورة، وهذه الصورة التي صُنعَت وزُوّرَت بالتأكيد سوف تكون نتائجها مُضاعفة أكثر بكثير من تفكّك عائلة خاضت تجربة تلفزيون واقع، سوف تكون مُتمثلة في هذا الحجم الكبير من الدمار الكارثي الذي أحاط بالدولة السورية.

إذاً كان الراحل أنيس النقّاش يتحدَّث عن مراحل كثيرة ومهمة متعلّقة بالدور الكبير للتزوير الإعلامي في افتعال الأحداث وما إلى ذلك، دعنا نعود إلى حلقة التزوير الإعلامي عندما تحدَّث الراحل أنيس النقّاش في اتّجاهات أربعة أساسية، الاتّجاه الأول أنّ هذه الثورات، بين مزدوجين، هي ثورات بلا قائد، أنيس النقّاش هو إبن الثورة الأصيلة، هو إبن الثورة التي كانت تعبّر عن مرحلة أساسية مهمة ولا يمكن أن يقتنع بشكل من أشكال الثورات التي لا تحصّل ولا تتضمّن العناصر الأساسية لها، وهي مكوّن اجتماعي واسع، برنامج واضح ويوجد التفاف حول تكتّل سياسي واضح وشريف وله قِيَم ومبادئ واتّجاهات، وبرنامج واضح. هذه العناصر الأساسية الرئيسية لم تكن موجودة في موجة الربيع العربي فبالتالي كان القائد لهذه التحرّكات هو الإعلام وليس أيّ طرف آخر. 

في سياقٍ آخر تحدَّث عن دور الإعلام في جعل القضية الفلسطينية كجسر، أنا برأيي عدد كبير من المحطّات الفضائية، من وسائل إعلامية مختلفة وتحديداً في تركيا والخليج جعلت من القضية الفلسطينية جسراً لتغسل جرائمها التي كانت تمارسها في سوريا، التزوير الإعلامي الذي كانت تمارسه هذه المحطات في سوريا كانت تحاول أن تغسله من خلال خطاب إنسانوي متعلّق بالقضية الفلسطينية لا ينطوي على موقف حقيقي وعميق ومُناصر للقضية الفلسطينية في الجانب العملي كما هو موجود على الضفة الأخرى في المحور الآخر وهو المُتمثل في محور المقاومة. 

الجانب الثالث الذي تحدَّث عنه الراحِل أنيس النقّاش كان العلاقة بين هذه المحطّات الفضائية أو الوسائل الإعلامية العربية والوسائل الإعلامية الأجنبية. الوسائل الإعلامية الأجنبية التي كانت تضع الاستراتيجية الإعلامية التي تتحرّك في فضائها وفلكها هذه القنوات أو الوسائل الإعلامية العربية والتي كانت تحاول الوسائل الأجنبية إعطاء المصداقية الإضافية للوسائل الإعلامية العربية، استثمر هذا الإعلام حال التنوّع لإثارة خطابٍ فتنوي طائفي، فبالتالي الصورة كانت واضحة، المحاور الأساسية تمّ شرحها وتشريحها وتوضيحها بشكل واضح على لسان الراحل في تلك الحلقة.

 

عبدالرحمن عزالدين: إذاً مشاهدينا تحدَّثنا عن وجهة نظر الراحل ورؤيته للأحداث والمنطقة على نحوٍ عام خلال السنوات العشر الماضية، وهذه المواقف كان قد قالها في فقرة في الخلاصة. أما الآن فتحية لأنيس النقّاش.

 

(أنيس النقّاش: فلسطين كانت حاضرة في الوجدان في البيت منذ الطفولة، التحقت بحركة فتح وأقسمت على القرآن والمسدس على أن نحرِّر فلسطين كل فلسطين.

محمود درويش: أنت، أنت المسألة، ماذا تريد؟ وأنت من أسطورة تمشي إلى أسطورة، حرية التكوين أنت، وخالق الطرقات أنتَ، وأنت عكس المرحلة

لم تعد هناك إمكانية للأعداء أن يهزمونا بالسلاح في حرب مباشرة، ما أمامهم إلا الفِتن الداخلية.

محمود درويش: فأنت أوسع من بلاد الناس، أوسع من فضاء المقصلة، مُستسلماً لصواب قلبك، تخلع المدن الكبيرة والسماء المُسْدلة، وتُشيد أرضاً تحت راحتك الصغيرة خيمةً أو فكرةً أو سنبلة.

أنيس النقّاش: أنّ القبائل، الشعوب تتجاوز، تذهب، تأتي، تختلط، أديان تخرج، فإذاً هناك حركة حضارية مشتركة.

سميح القاسم: أنا مَن أنا، عربيٌ بسيطٌ أنا وأحبّ جميع الأمم، عربيٌ بسيطٌ أنا وأحبّ السلام رغم ظلم الغُزاة وعسف الطُغاة وفوضى الظلام، عربيٌ بسيطٌ أنا وكلامي وضوح الكلام.

أنيس النقّاش: مهمّتنا إعادة بعث هذا المفهوم لتوحيد هذه الحضارة.

سميح قاسم: عربيٌ بسيطٌ أنا وبلادي حلالي أنا ومقامي هنا ورحيلي هنا ونشوري هنا، وأنا فوق ظهري صخورٌ ولكنه ما انحنى، ما انحنى، وأنا واضحٌ واضحٌ واضح.

أنيس النقّاش: في أيّ مكان يتمّ التحدّي على هذه المنطقة محور المقاومة سيواجه.

 

عبدالرحمن عزالدين: إذاً مشاهدينا كانت هذه تحية للراحل الكبير أنيس النقّاش، من كتاباته الكونفدرالية المشرقية، هنا نسألك أستاذ وليد هذا الكتاب للراحل ما أهمّيته وعلى أيّ أساس بنى هذه النظرية؟

 

وليد شرارة: في الحقيقة إذا كان هدف الصراع في المنطقة أن تستطيع شعوب المنطقة تقرير مصيرها بعد التخلّص من الهيمنة الغربية، قدَّم الأخ أنيس رحمه الله رؤية لكيفيّة إعادة صوغ المنطقة من قِبَل شعوبها لتحقيق الأهداف الكبرى لحركات التحرّر في الاستقلال والوحدة والتنمية المستقلة والعدالة الإجتماعية، رأى أنّ المطلوب هو بناء ما كان يسمّونه التشبيك بين دول المنطقة على قاعدة المصالح المشتركة وإرادة العيش المشترك في داخل الأوطان وبين العرب وتركيا وإيران، كان يعتبر أنّ لشعوب هذا الاقليم مصالح واحدة وأنّ تعاون دول المنطقة سيسمح بتطوّر هذه البلدان وباحتلال مكانتها في العالم، لذلك كانت هذه الرؤية هي الردّ على مشاريع إعادة صوغ الشرق الأوسط التي طرحتها الإدارات الأميركية، كونداليزا رايس والمحافظون الجُدُد، وأرادوا إعادة صوغ  المنطقة في استراتيجيات التفتيت كان محاولة بلورة رؤية جديدة لكيفية بناء الوحدة، بناء وحدة الإقليم وبناء فضاء مشترك مع الجوار التاريخي أي مع إيران وتركيا، ومفتوحاً أيضاً على البناء الأوراسي للخلاص من الهيمنة الغربية وتقرير مصير المنطقة من قِبَل شعوبها.

 

عبدالرحمن عزالدين: هذا الفكر أستاذ سيف دعنا، عملية التشبيك ما بين دول المنطقة، توحيد جهود أبناء المنطقة، من خلال التجربة الى أيّ مدى أثبتت هذه التجربة أنّ هذه الفكرة هي سبيل الخلاص لشعوب هذه المنطقة؟ باختصار إذا سمحت.

 

سيف دعنا: أنا كتبت عن الراحل أنيس وتحدّثت بشكل أساسي عن موضوع التوازن بين الأيديولوجي والاستراتيجي عنده، ولكن أنا سأعلّق بشكل سريع على عبارته إننا في حال حرب، التي عرضتموها في البداية، نحن في حال حرب كأمّة على الأقلّ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية شهد الوطن العربي أعلى نسبة تواتر للحروب على وجه الأرض، نحن في حال حرب، وجودنا مُستهدَف كأمَّة، وجودنا الثقافي ووجودنا السياسي، وهذا بالتالي يرتِّب مسؤوليات على كل فرد في الوطن العربي ويرتِّب مسؤوليات خاصة على المُثقفين تحديداً، وبالتالي نحن لا نحتاج لمُثقّفين عاديين، نحتاج لفئة خاصة من المُثقّفين الذين يرون في المقاومة، في فكرة المقاومة، عِلم، أو يعملون على تحويل المقاومة لمجال معرفي أو لحقل معرفي، وهذا يشترط أساساً حسب الفَهْم الفلسفي لفكرة المعرفة وللحقل المعرفي أن تكون هناك مُزاوجة بين الممارسة والفكر، بين الفعل والفكر، وهذا لا يتوافر إلا للمقاومين فقط بمعنى أن تكون مقاوماً ومثقفاً في نفس الوقت، هذه المُزاوجة هي التي ستُنتج أفكاراً تصبّ في صالح تحسين أو تطوير فكر المقاومة وتحويل المقاومة فعلاً إلى عِلم. 

الدرس الأساسي الذي هو من قراءاتي لكتابات الراحل أنيس النقّاش تحديداً في أحد مقالاته الأخيرة في الأخبار، تعالوا لكلمة سواء وبالتالي هو كان يدعو للوحدة في المنطقة. السبب الأساس أنّ كل المنطقة مُستهدَفة والعدو كبير، العدوان كبير، الحرب كبيرة، وبالتالي نحتاج إلى تكتل من كل ما هو موجود، من كل القوى، من كل الأطراف الموجودة في الإقليم لمواجهة القوى الكبيرة التي تهدّد ليس فقط وجود العرب ولكن كل مَن هو موجود في المنطقة. هذا التكتل هو ضروري وهذه الاستراتيجية الأساسية التي دعا إليها الراحل أنيس في ما قاله، وبالتالي لهذا قلت أنّ هناك توازناً بين الاستراتيجي والأيديولوجي، الأيديولوجي الذي يهدف إلى وحدة الأمّة، إلى تحرير فلسطين، إلى تحويل المنطقة إلى منطقة آمنة ونامية وتعيش في سلام، وشعوب المنطقة تعيش في سلام، ولكن بغضّ النظر عن الأيديولوجيا أنت عروبي، أنت يساري، أنت إسلامي، بغضّ النظر عن هذه الأيديولوجيا التي تحدّد مفهومك لتحرير فلسطين أو تجمع جميع هذه القضايا، رأى أنّ الوحدة هي الاستراتيجية الأساسية ولذلك هذا المقال ربّما يكون من أهمّ ما كتب أنيس، تعالوا إلى كلمةٍ سواء، رغم أنّ كل ما كتبه مهم ولكن هذه الدعوة تكشف عن طريقة تفكير، هذه طريقة التفكير التي نحتاجها الآن في هذا الوقت.

 

عبدالرحمن عزالدين: وربّما أبرز ما كان يميّز الراحل الكبير محمّد فرج أنه كان مثقفاً مناضلاً وممارساً للنضال، لم يكن فقط مُنظّراً، ما أهميّة وجود مثل هكذا نموذج في مجتمعاتنا، وكيف يمكن أن يتشكّل هذا النموذج؟ باختصار أيضاً محمّد.

 

محمّد فرج: دعني أعود إلى تقسيم أنطونيو غرامشي في تركيبة المُثقف، المُثقف العضوي والمُثقف المُشتبك أو المُثقف الكلاسيكي، لا شكّ بأنّ الدراسات، القراءات، الأبحاث الأكاديمية تنطوي على أهميّة كبيرة وكبيرة جداً، لأنّ هذه الأبحاث والتقارير التي تتضمّن كمّاً هائلاً من البيانات، كمّاً هائلاً من المعلومات، تحليلها مهم والعالم اليوم وصل إلى هذه المرحلة أنه يقوم على أساس فكرة البيغ داتا، التحليل لهذه البيانات الضخمة، الوصول إلى الترندينغ أو ما إلى ذلك. ولكن ثمّة مسألة مهمة، مهما حاولت الأبحاث الأكاديمية أن تُقدّم، وإذا كانت مُترافقة بشكلٍ من أشكال الانقطاع عن الواقع فالنتائج سوف تكون مُخيّبة للآمال، ثمّة مسائل وانطباعات في الحياة لا يمكن أن تُكمَّم، بمعنى لا يمكن أن نصل إلى استنتاجات عميقة وواضحة وكافية وشافية من خلال الدراسات فقط، أنيس النقّاش كان من الشاكلة التي تجمع بين الممارسة والنظرية، هو يلتفت وينظّر ويُحلّل كم هائل من هذه البيانات، كم هائل من هذه التقارير، يصل إلى الاستنتاجات المطلوبة بعقل باحث، أكاديمي، مفكّر، وفي نفس الوقت هو مُشتبك بشكلٍ مباشرٍ مع المُعطيات التي يطرحها الواقع والتي لا يمكن تكميمها، لا يمكن معالجتها بالأرقام الرياضية. فكان أنيس النقّاش جامعاً لهاتين المُعادلتين. 

باختصار أن تكون عقلاً مفكّراً وباحثاً وتنبش في أدبيات وأمّهات الكُتُب وفي نفس الوقت تكون في الميدان حصاناً عربياً أصيلاً، هذه معادلة ليس من السهل أن تجتمع في صدر شخص واحد، اجتمعت في رأس وقلب أنيس النقّاش.

 

عبدالرحمن عزالدين: شكراً جزيلاً لك الكاتِب والباحِث السياسي محمّد فرج، الشكر أيضاً للأستاذ في جامعة ويسكونسن دكتور سيف دعنا، وشكراً لك أيضاً صديق الراحل الكبير أنيس النقاش، الكاتِب والباحِث السياسي أستاذ وليد شرارة.

والشكر الدائم لكم مشاهدينا على المتابعة، كما كنّا قد قلنا سابقاً فإنّ هذا الجزء من عشريّة النار سنُهديه لروح الراحل الكبير أنيس النقّاش، على أن يتحدّد اللقاء في حلقات مقبلة من عشريّة النار، إلى اللقاء.

 

محور المقاومة... ملامح البدايات

مع بداية التسعينيات.. كيف كانت طبيعة العلاقة الإيرانية السورية، وماذا عن حزب الله في تلك المرحلة أيضاً؟ وبعد انتصار حزب الله التاريخي بإخراج القوات الإسرائيلية المحتلة لجنوب لبنان عام 2000 كيف كانت ملامح الدور السوري وطبيعة علاقته مع المقاومة، وكذلك طبيعة الموقف الإيراني في تلك المرحلة؟ ما هي انعكاسات حرب تموز على دور حزب الله؟ كيف تطورت العلاقة بين أطراف محور المقاومة وأي دور أداه المحور في تطوير قدرات المقاومة الفلسطينية؟

المزيد