نقل المعركة إلى أفغانستان

يقول عزام في كتابه الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان: جهاد الطلب طلب الكفار في بلادهم بحيث يكون الكفار في حالة لا يحشدون لقتال المسلمين, قالقتال فرض كفاية و أقل فرض الكفاية سد الثغور بالمؤمنين لإرهاب أعداء الله.. ويعلل عبد الله عزام ذهابه إلى أفغانستان وتركه فلسطين بفتوى لإبن تيمية الحراني القائل: و إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة.. #أ_ل_م

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

يقول أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الراحل في عبد الله عزام صاحب كتاب (الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان) أنّه عجزت نساء المسلمين أن تلد مثله، ورأي بن لادن يشبه آراء كثيرين ممَن انتسبوا لما يُسمّى بالجهاد العالمي في عبد الله عزام. وهذا الأخير هو مَن تحدّث في بعض كتبه بأنّ الملائكة تحارب السوفيات في أفغانستان، والطير الأبابيل هي مَن يُسقِط طائرات الجيش الأحمر، وليس السلاح الأميركي المُقدّم مجانًا للمجاهدين الأفغان، والأفغان العرب. وفي كتابه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان"، قال عبد الله عزام لقد حقّق الجهاد الأفغاني من الانتصارات ما أوصل الروس إلى الاعتقاد أنّ الأفغان لا يموتون، وأوصل الأفغانيين أيضًا إلى الاعتقاد أنّ أسلحة روسيا لا تضرّهم، ولا تهزمهم، ولقد سمعت من أفواه المجاهدين الكرامات والبشائر الكثيرة التي تشبه الأساطير. يحسبها الإنسان ضربًا من الأوهام والخُرافات والأحلام، ولا يمكن أن تتحقّق في عالم الواقع، لكنها حقائق تُرى يوميًا، ووقائع يشهدها الذين يُبصرون ممَّن يعيشون الجهاد ويخطّون التاريخ الإسلامي بدمائهم ويبنون صَرْحَه بجماجمهم.

ولِدَ عبد الله عزام في قرية تابعة لبلدة جنين في فلسطين عام 1941. تأثّر بالفكر الإخواني في صِغره، ثمّ انتسب إلى كلية الشريعة في جامعة دمشق، ونال شهادة الليسانس في الشريعة بتقدير جيّد جدًا. ودرس أيضًا في الجامعة الأردنية، ثمّ في الأزهر حيث نال شهادة الدكتوراه في أصول الفقه. توجّه إلى أفغانستان، وقاد مشروع تعويم القضية الأفغانية في العالم العربي بعد أن جعل منها قضية إسلامية مركزية تحارب المُلحدين الروس كما في أدبيات عزّام. وعلى الرغم من أنّ عزام بات سلفيًا إلا أن بعض سلفيي الحجاز عارضوه، في ما ذهب إليه فالشيخ سفر الحوالي أحد مُنظّري الجهاد في السعودية يعترض على مبدأ أولوية الجهاد في أفغانستان على الجهاد في غيرها من الأماكن، وخاصةً فلسطين. ويقول البدء بأفغانستان كلام مُناقض للأدلّة الشرعية، فلا تُبنى الأحكام الشرعية، ولا يستنفر الناس على مجرّد رأي ولا مانع من أن يًبدي المرء رأيه، لكن ليس له أن يلزم به الأمّة، ولا يغلو فيه.

يقول عزام في كتابه "الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان" جهاد الطلب طلب الكفّار في بلادهم بحيث يكون الكفّار في حال لا يحشدون لقتال المسلمين، فالقتال فرض كفاية، وأقل فرض كفاية سدّ الثغور بالمؤمنين لإرهاب أعداء الله. ويُعلّل عبد الله عزام ذهابه إلى أفغانستان، وتركه فلسطين بفتوى لإبن تيمية الحرّاني القائل، وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا رَيْب أنّه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلّها بمنزلة البلدة الواحدة. لكنّ عزام أسّس الأفغان العرب الذين أحرقوا بلاد الإسلام، ومزّقوها، ودكدكوها فيما بقي الفرنجة على قوّتهم وسطوتهم وجبروتهم. يستغلّون الحرائق الداخلية التي هيّأ لها هذا الجهاد المُزيَّف الذي هو من صنعهم بعد أن استغبوا العقول الإسلامية. وفي ظهيرة 24 نوفمبر تشرين الثاني 1989 قُتِل عزام قرب مسجد سبع الليل في مدينة بيشاور الباكستانية. 

كتاب "الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان، نقل المعركة إلى أفغانستان" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الدكتور كمال حبيب الأكاديمي والباحث، ومن الدوحة في قطر الأستاذ محمد توفيق الباحث في الحركات الإسلامية وسوسيولوجيا الدين، ومن مصر أيضًا ومن القاهرة تحديدًا الدكتور نبيل عبد الفتاح الباحث المُتخصّص في شؤون الجماعات الإسلامية.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال عبد الله عزام لم يكُ عابرًا في المشهد الإسلامي الحركي، هو واحد من الذين أثروا وأثّروا في ما يُسمّى بالجهاد العالمي، وأسّس الأفغان العرب. وطبعًا أنت تعلم أنّه ترك فلسطين وتوجَّه إلى أفغانستان. هل أفغانستان أوْلى من فلسطين في نظره؟ ولماذا هذا الغلوّ في إعلان معارك وهمية في جغرافيا المسلمين؟

كمال حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم تحية لك أخي يحيى وللمشاهدين الكرام.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

كمال حبيب: عبد الله عزام كما تفضّلت هو مَن أسّس لمفهوم الجهاد المُعَوْلَم، الجهاد المُتجاوِز للحدود والذي يقصده كل العالم، وهو يتبنّى مقولة قتال العدو البعيد، وقد كنا تحدَّثنا سابقًا عن محمد عبد السلام فرج الذي أسّس لما أطلق عليه آنذاك في كُتيّبه عن الجهاد أنّ مسألة قتال العدو القريب هنا نحن أمام قتال العدو البعيد، أنا مع كلام الشيخ سفر الحوالي في قصة الغلوّ، أرفض مثلًا واحدًا أراد أن يغلو في الصلاة، في الصيام، في مثل هذه الأمور مبدأ جيد، مبدأ من المبادئ الحقيقية للإسلام، لكنّه أراد أن يغلو فيه أن يزايد فيه وأن يضعه في مرتبة مختلفة عن المرتبة التي رتّبها الله سبحانه وتعالى، والنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم في سياق النَسَق التشريعي الإسلامي. كما الذين جاؤوا وانتقدوا عبادة النبي صلّى الله عليه وسلّم فواحد قال أنا أقوم ولا أنام، ويصلّي ويصوم ولا يفطر، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم قال لهم ألا هلك المُتلطّعون.

فالإسلام جاء بالشريعة الإسلامية السَمِحة التي تأخذ بالاعتبار أنّ الفتاوى من هذه العينة هل هذه الفتاوى قابلة للتطبيق أم لا؟ فأنت قلت إنّ الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان، وذهبت تقول إنّ الجهاد أهمّ من الصلاة، أهمّ من الصيام، أهمّ من الزكاة، أهمّ من الحجّ، أهمّ من كل هذا الكلام. فهذا كلام غير منطقي لماذا؟ لأنّ الله رتّب الإيمان، ثمّ الصلاة، ثمّ كذا.

أنا أقصد أن أقول إنّ فلسفة المُغالاة في مبدأ حتى لو كان مبدأً صحيحًا، فنحن هنا نعارضه فعبد الله عزام غال غلوًا كبيراً في مسألة الجهاد، واعتبره ليس فرض عين رغم أنّ الفقه التقليدي يقول إنّه هو فرض كفاية، ونحن نعرف أنّ محمد عبد السلام فرج في كتاب الفريضة الغائبة قال إنّه هو فرض عين، واليوم ليس فرض عين، بل أهم فروض الأعيان يعني أهم من جميع الفروض الأخرى بما في ذلك الإيمان نفسه والتوحيد نفسه الذي لا يدخل الإنسان الإسلام إلّا به. هنا منطقة الغلوّ في هذه القصة، هنا عبد الله عزام غال في فكرة الجهاد، وكما تفضّلت حضرتك اعتبر أنّ أفغانستان القتال فيها أهم من القتال في فلسطين. لماذا قال هذا؟ لأسباب عديدة ذكرها في الفتوى إنّ أراضيها مفتوحة، والراية فيها راية إسلامية، ومَن يجاهدون هناك يصومون ويصلّون ويزكّون، إنّما الجهاد في فلسطين ناس قوميون وعلمانيون وكل هذا الكلام، وإنّ الوصول إلى فلسطين مسألة صعبة. هنا القصة، فتوى عزام الذي ذهب ونال موافقات عليها في مينا في الحجّ من مئة عالم، ومنهم عبد العزيز إبن باز والشيخ إبن عُثيمين وغيره هذه الفتوى كانت في سياق أجلاد، كما تفضلت حضرتك ما كانت لهذه الفتوى أن تروق بهذا الشكل وأن يأتي الشباب إلّا لو كان هناك سياق دولي يرعى هذه الفتاوى، ويُهيّئ لها ويأخذ الشباب من بلادهم، ومن أوطانهم ليضعهم في محرقة هي محرقة أفغانستان نحن نعرف نتائجها حتى اليوم.

أنا أقصد أن أقول إنّ القصة ليست مجرّد فتوى حتى العلماء القدامى يتحدَّثون في مسألة الفرق بين الإفتاء والقضاء يقولون إنّه لديك فتوى يا شيخ عزام هذه الفتوى تُلزِم بها الأمّة كلّها، وتستخدم أداة الضرورات الخمس وهم أداة حفظ الدين والنفس والعقل والمال وكذا، وتقول إنّ المرأة تخرج من دون إذن زوجها والمدين يخرج من دون إذن دائنه والولد يخرج من دون إذن أبيه. وهذا لم يراعِ في هذه القصة مسألة الاستقرار الاجتماعي للمجتمعات التي يخاطب شبابها، ولذلك سفر الحوالي في جزء مما ذهب إليه كان واعيًا بخطر أنّ الشباب السعودي يذهب وفقًا لهذه الفتوى إلى أفغانستان، وهناك يحدث تغيير لعقله الذي أطلق عليه عَسْكَرة سلوكه وعقله، ثمّ يعدّ ممثلًا خطرًا على هذا المجتمع.

لذلك هو قال إنّ رأي عبد الله عزام هو رأي أنا أقول إنّ هذا الرأي لا تلزم به الأمّة لأنّ الفتوى هي ماذا؟ الفتوى هي خبر لمُستفتي إنت حضرتك ذهبت مُتوهّمًا في قصة أهمية أفغانستان مسألة مركزية في الجهاد، وذهبت بفتوى وتريد أن تُلزِم بها الأمّة وذكرت قصة التترس ودفع الصائل، وحتى هو قال في الفتوى حتى تنتفي صلائع الأخرى لا تحدث التقدّم في العالم الإسلامي كلّها لصالح الجهاد، بل إنّ المسلمين لا يدّخرون في البنوك لصالح الجهاد، بل إنّ إطفال المسلمين لو جاعوا نتركهم جوعى ونذهب لندفع لمسألة الجهاد. هنا مسألة الضيعة، ومسألة الاحتراب التجارة والصناعة وإقامة العمران وإقامة حياة الناس هو حتى اعتبرها مسألة تختصر ولا قيمة لها من أجل ما تصوّره مفهومًا للجهاد في أفغانستان.

 

يحيى أبو زكريا: طبعًا هو في كتابه  يشير إلى باب كامل حُكم القتال الآن في فلسطين وأفغانستان غير أنه يتجاوز فلسطين وينساها ويجعلها ملفًا ثانويًا، ويستدرك بفصل آخر البدء بأفغانستان لأنّ المخابرات الأميركية قالت فلنبدأ بأفغانستان، وهنالك جيش أحمر يجب أن ندكدكه بغباء المسلمين.

دكتور نبيل عبد الفتاح مرحباً بك في برنامجنا، وسعيد للقياك مجدّدًا بعد أن كنّا التقينا في تونس. ما هو الأثر الذي أبقاه عبد الله عزام في خارطة الحركات الأصولية في العالم العربي والإسلامي؟

 

نبيل عبد الفتاح: حقيقةً أنا أودّ بداية وعلى أهمية مناقشة ذات الطبيعة الشرعية حول الأُسُس والأسانيد التي استند إليها عبد الله عزام أو غيره من الحركيين الإسلاميين، والذين لديهم بعض الخطاب الإفتائي، ما مدى صلاحيتها في التفسير ظاهرة عبد الله عزام؟ والظاهرة الجهادية على اختلاف أنماطها التي ظهرت في أعقاب مشاركة عديد من المجاهدين العرب في أفغانستان؟ هذا النمط من الجدل والتفسيرات على أهميّته في اعتقادي أنّه لن يفسّر تفسيرًا متكاملًا لهذه الظاهرة.

أولًا أعتقد أنّ السياقات التي أنتجت فيها الخطاب الإفتائي لعبد الله عزام حول الجهاد أو غيره ونظرية قتال العدو البعيد التي جاءت في أعقاب التنظير البسيط الذي قدّمه محمد عبد السلام فرج في كُتيّبه المعروف إنّ هذا النمط يعطي تبريرًا، أو مُسوّغًا شرعيًا لفعل جهادي عنيف خارج سياقاته التاريخية. ولا يمكننا فَهْم ما تمّ في أفغانستان وعمليات التجنيد والتعبئة ذات الطابع الديني والسياسي بامتياز في حشد العديد من الشباب العرب للقتال في أفغانستان بعيدًا عن أدوار الدول وأجهزتها التي كانت أفغانستان أحد ملاعبها الأساسية. هنا يبدو الدور الأميركي والبريطاني والأميركي على وجه التحديد الذي نقل إليه التقليد البريطاني في استخدام الأفكار الإسلامية المُسيّسة، ومنها كان تاريخيًا جماعة الإخوان المسلمين وغيرها ثمّ جاءت حركات التحرّر الوطني، هذا التقليد نقل إلى الولايات المتحدة الأميركية ولا يزال مؤثّرًا في دوائر صنع القرار داخلها.

الدور الأميركي أثناء الحرب الباردة وفي محاولة حسم هذه الحرب الباردة ببعض النقاط الساخنة على نحو ما تمّ في أفغانستان كان بهدف في حقيقة الأمر ضعضعة الإمبراطورية الماركسية السوفياتية، وبالتالي هل يمكن استبعاد هذه السياقات البالغة الأهمية في الحرب الأفغانية وفي تنظيم المجاهدين الأفغان وطالبان وغيرهم من الجماعات التي وفدت من الشرق الأوسط من البلدان العربية بعيدًا عن هذا الدور الاستخباري الذي قامت به الولايات المتحدة الأميركية وشاركت بفعالية فيها المخابرات السعودية، وكذلك الأمر أيام الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في مصر. وعلى فكرة وليّ العهد السعودي الحالي الأمير محمد بن سلمان أقرّ بأنّ ذلك الأمر كان موضعًا للاتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وبين ولاة الأمور في المملكة العربية السعودية.

هنا من الأهمية بمكان النظر في ما وراء النصوص، فعبد الله عزام ليس بعيدًا عن ذلك، عبد الله عزام عمل كأستاذ في إحدى الجامعات السعودية جامعة الملك عبد العزيز، وعمل أيضًا في الجامعة الإسلامية في باكستان. النقطة المهمة إنّ القضايا التي قيّد لي أن أقرأ تحقيقاتها ودلائل الثبوت فيها والأحكام الصادرة لا يهمني هنا سوى التحقيقات التي جرت مع عديد ممّن تمّ القبض عليهم بواسطة السلطات المصرية تحت إسم اشتهر إعلاميًا بالعائدون من أفغانستان. غالب هذه التحقيقات تشير إلى أمور عينية وكذلك إلى أمور واقعية بامتياز كيف كان يتمّ التجنيد؟ كان يتمّ التجنيد من المساجد، كان يتمّ التجنيد من الأردن، كان يتمّ التجنيد أيضًا من الذين لم يستطيعوا أن يجدوا عملًا، وهم يسعون وراء الرزق في الهجرة المؤقتة إلى المملكة العربية السعودية، ثمّ نفذت أموالهم وليست معهم إقامات ولا يوجد عمل للغالبية الساحقة.

النقطة الثانية المهمة من الذين كان يتمّ استقطابهم كان يتمّ استقطابهم من داخل المسجد النبوي مسجد الرسول عليه أفضل الصلوات والسلام، وكذلك أيضًا من الكعبة ومن بعض المساجد الأساسية التي كان بعض كُرماء الناس يخصّصون بعض مالهم لإطعام هؤلاء، وكان بعضهم يجد منامة في بعض هذه المواقع المُقدّسة. المهم كان يأتي أحد رجال المخابرات الذين يتابعون هذا النمط من المُصلّين الذين بهم عَوَز، ولا يجدون عملًا، ثمّ يستقطبونهم من خلال بعض الشقق داخل المملكة، ثم يبدأون في الإعداد والتنشئة الدَعوية، أو إعادة التنشئة الدينية لهؤلاء ثمّ يرسلونهم أولًا إلى المعسكر التي كانت المملكة العربية السعودية والمجاهدون السعوديون في المملكة في باكستان بمنطقة بيشاور، ويتمّ إعدادهم هناك على بعض التدريبات العسكرية والقتالية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور نبيل كل هذه النقاط مهمّة، وأزيدك من القصيدة بيتًا أنّ الأفغان الجزائريين العائدين وقد بلغ عددهم 2000 تقريبًا، معظمهم أقرّ أنّ الطريق إلى أفغانستان كانت عبر المملكة العربية السعودية، وهناك من ادّعى أنّه كان يحصل على جوازات، وتتمّ الرحلة من جدّة والرياض، ثمّ بيشاور جلسة استراحة في بيشاور والدخول إلى أفغانستان.

 

نبيل عبد الفتاح: هناك معسكر سعودي قبل أن ينفصل عنه المصريون ويتمّ إنشاء معسكرهم الخاص الذي كان لتنظيم القاعدة في ما بعد. أعتقد أنّ عبد الله عزام لا يمكن أن يكون بعيدًا عن هذه الأجواء قطّ، وإلا أصبحنا سُذَّجاً بالتحليل السياسي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح فقط لمزيد من المعلومات أنّ عبد الله عزام صحيح. دعني استكمل الحلقات والأفكار مع الأستاذ محمد توفيق.

أستاذ محمد بالعودة إلى الكتاب "الدفاع عن أراضي المسلمين أهمّ فروض الأعيان"، أنت تعلم إنّ الأفكار عادةً عندما تُطرَح تهدف إلى تكريس مشروع سياسي كبير جدًا مثلما هيَّجت كتب الجهاد والثورة على الحكّام الكثير من شبابنا، فإنّ هذا الكتاب كان له الأثر الكبير في استجلاب الشباب العربي والمسلمين إلى أفغانستان للمشاركة في معارك وهمية خاسرة. بدليل أنّ المجاهدين تقاتلوا في ما بعد وسوف نرى أنّ عبد الله عزام يُقال إنّ حكمت يار هو مَن قتله، تفضّل أستاذ محمد.

 

محمد توفيق: بدايةً أحبّ أن أشكرك أستاذ يحيى على الاستضافة الكريمة وعلى مشاركتي للدكتور كمال والدكتور نبيل بالطبع هذا شرف لي وأمر عظيم.

 

يحيى أبو زكريا: يا أهلًا وسهلًا، ونحن نُشرَّف ونُسْعَد بك.

 

محمد توفيق: الله يبارك بحضرتك.

 

يحيى أبو زكريا: حماك الله.

 

محمد توفيق: بالطبع فكرة الكتب التأسيسية، أو المحطات التأسيسية في ما يتعلق برحلة العمل الجهادي، عبد الله عزام بلا شكّ يمثّل  محطة أساسية من المحطات التي مرّت عليها التحوّلات الجهادية، لكن أنا أحبّ أن أشير هنا إلى ثلاثة عوامل مركزية ممكن أن توضح بشكل كبير ما يمكن أن نسمّيها جيولوجيا العنف الجهادي في مرحلة من المراحل. العامل الأول هو عامل مُتعلّق بشخصية عبد الله عزام، والسياق الذي كان يتحرّك فيه عبد الله عزام وهو شخصية ولِدَت في ظلّ الأزمة الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وشارك مع فتح في البدايات حينما كان في فلسطين في بعض المعارك، فممكن أن نقول إنّ قضية الإسلام والدفاع عن الإسلام ولِدَت في فؤاده مُبكرًا، وبالتالي تشكّلت في داخله هذه الخبرة والرغبة في الحركية، وهذا سيظهر لاحقًا في المحطّات التي مرّ عليها لاحقًا عبد الله عزام. العامل الثاني ممكن أن نسمّيه النصّ المُنْفَعِل أو النصّ الغاضب كما يُسمّيه عبد الله الطحاوي إنّ عبد الله عزام شارك بشكل أو بآخر في تشكيل خيال سياسي وخيال مرجعي ديني يتضمّن هذا النصّ الغاضب بمعنى أنّ الخطاب الإسلامي، أو الخطاب التعبوي الجهادي تحديدًا دائمًا ما يتطلّب عوامل للدفع وعوامل للحشد وعوامل لتحريك الشباب وإحياء القضية وجعل هذه القضية قضية الإسلام، ومواجهة الكفّار دائمًا قضية مركزية، دائمًا في أفئدة الشباب وأفئدة المسلمين، وبالتالي دائمًا ما يتطلّب إنتاج خطاب لذلك الكتاب بشكل أو بآخر فيه من هذه السَمة سٍمة الإنفعالية الكثير. لذلك حينما يقرأ أحد الشباب المُنفعِل أو الغاضِب هذا الكتاب وكأنّه ينبغي عليه أن يسلم لأنّه يتضمّن هذه السرّ، وسيظهر أيضًا في بعض الخصائص في ما يتعلّق بالتبرير.

العامل الثالث هو العامل الثقافي، ثقافة المقاومة في هذا الوقت كانت رائجة، ثقافة الأيديولوجيا بشكل أو بآخر غير كان موقف عبد الله عزام من منظمة التحرير، أو من حركة فتح كان موقفًا يمكن أن يُقال عنه متُطرّف بعض الشيء لأنّه لا يراهم يحاربون من أجل الإسلام، لكن يحاربون من أجل أفكار أو أيديولوجيات أخرى، فكانت هناك غلبة في هذا الزمان. طبعًا طبيعة الصراع بين مصر والسعودية في وقت من الأوقات عبد الناصر والحُكم في المملكة العربية السعودية هناك أيضًا في الظلال  تظهر فكرة الحرب ما بين الناصرية والإسلاموية التي كانت تروِّج لها السعودية في وقت من الأوقات. هذه العوامل الثلاثة شاركت بشكل أو بآخر في تشكيل هذا الخيال السياسي، الخيال الماورجعي الديني فتشكّلت هوية جهادية بشكل أو بآخر.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ محمد أشير إلى أنّ عبد الله عزام تحوّل فعليًا إلى أيقونة لكثير من الشباب الباحث عن الجنّة والحور والخيال الإسلامي، إلى درجة إنّ مهنّد الشرعة يقول فيه عبد الله عزام رمز الثورة الإسلامية السنّية وعلى شباب المسلمين الاقتداء به بدل الاقتداء بتشي غيفارا.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نواصل حلقتنا، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج كتاب الدكتور عبد الله عزام رائد الجهاد الأفغاني، وقائد الأفغان العرب كتاب "الدفاع عن أراضي المسلمين أهمّ فروض الأعيان" يعني أهمّ فروض العين إنّ صحّ التعبير. الذي عجبت له دكتور كمال، ولعلّك قادرٌ على تفسيره في كل جملة وأخرى بين كل سطر وآخر استحضار لإبن تيمية الحرّاني. فمثلًا يقول في صفحة 41 يقول إبن تيمية، "وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنّه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة وإنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم ونصوص أحمد"، يقصد أحمد إبن حنبل رحمه الله صريحة في ذلك. ألا يمكن إسقاط هذا النصّ على فلسطين، لمّا تمّ إسقاطه بالضرورة على أفغانستان. يا سيّدي هذا ينطبق على فلسطين وهي التي تستجمع الإجماع وتلبّي كل الشروط. فأريد أن أعرف لماذا في كل نصّ جهادي ثوري يستحضر إبن تيمية مع احترامنا للجميع؟

 

كمال حبيب: لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الكتب المؤسِّسة للعنف التي أناقشها ونثير النقاش والجدل حولها الآن كلّها خلقت من رحم الأزمات في سياق أزمة، لو أخذنا من البداية أبو الأعلى المودودي وسيّد قطب وصالح سرّية ومحمد عبد السلام فرج وجهيمان، ونحن الآن مع عبد الله عزام كل هؤلاء خلقوا في سياق أزمة.

 

يحيى أبو زكريا: حتى كتب إبن تيمية دكتور كمال؟

 

كمال حبيب: سأصل في الكلام، وأنت تسألني لأفسّر، وبالتالي كما يُقال الأشباه والنظائر أنا في سياق الأزمة التي أنا موجود فيها، وهذه إحدى المشاكل أذهب وآتي بنصّ كان في سياق أزمة أيضًا، وهو نصّ إبن تيمية. إبن تيمية كما تعرف كانت نصوصه في سياق أزمة، إنّ عالم الإسلام يتعرّض لهجمة من التتار ويتعرّض لهجمة من الصليبيين، وكان قبله سنة 658 سقطت الخلافة العباسية، وبالتالي كان العالم الإسلامي في سياق صدمة وأزمة وهو بدأ يكتب، وإبن تيمية كان على خلاف مع مذهب الإمام أحمد نفسه، وعلى خلاف الفُقه التقليدي القديم في كثير من الأشياء في ما يتعلّق بالطائفة المُمتنعة عن الشرائع وتصنيفات التتار وكل هذا الكلام. وبالتالي وهذه أحد المشاكل الكبيرة لأنّ عبد الله عزام، ولأنّ مَن كتب الكتب المؤسِّسة للعنف عاشوا أيضًا في سياق أزمة فيلجأ إلى مَن كتب عن الأزمة بدلًا من أن يُبدِع هو حلًا لأزمته يستسهل ويذهب إلى إبن تيمية، فيأتي بنصّ إبن تيمية.

من هنا نصّ إبن تيمية نصّ مهمّ جدًا بالنسبة للتيارات السلفية الجهادية، لكن أودّ أن أقول إنّ إبن تيمية ليس مسؤولًا عن ذهاب مَن ذهب إليه لاستلقاط، أو أخذ بعض ما كتب لماذا؟  أنا أعتبر أنّ عبد الله عزام كلّ مَن كتب الكتب التي أطلق عليها أنّها مؤسِّسة للعنف باعتبارها كتباً أيديولوجية، يعني ماذا؟ أفكار أصحابها ثم ذهبوا يدعّموها بكتب الفُقه الشافعي والحنبلي وكتب إبن تيمية وغيره، عبد الله عزام مسؤول عما كتب عندما يذهب لإبن تيمية، فإبن تيمية ليس مسؤولًا عن ذلك. لماذا؟ لأنّني أعتبر أنّ إبن تيمية داخل في سياق الفقه التقليدي والنَسَق التشريعي، لم يخرج غالٍ في شيء، لكن هؤلاء لديهم أيديولوجيا، وهي أيديولوجيا الذهاب إلى أفغانستان، وهذا يردّ على سؤال حضرتك لماذا ذهب إلى أفغانستان ولم يذهب إلى فلسطين؟ لأنّ السياق الذي شجّعه على ذلك الذهاب إلى أفغانستان، وبالتالي أودّ القول إنّ أيديولوجيا العصر الحديث التي أسمّيها الأيديولوجيا الفاتنة لسيّد قطب وغيره ممّن سحرت الشباب، ولم يستطيعوا مع حداثتهم وغرّتهم وسذاجتهم أن ينفذوا إلى أصلها. هم المسؤولون وليس إبن تيمية، هذه مهمة جدًا، وبالتالي عبد الله عزام هنا مسؤول عن هذه القصة.

نحن نقول إنّ أشكال التخلّف والنهضة التي واجهها العالم الإسلامي مع نهاية القرن الثامن عشر، ومع بداية صعود الغرب وإنّ الدولة العثمانية تتراجع ويهزم المسلمون بدأ هنا سؤال النهضة لماذا المسلمون يهزمون دائمًا ومجتمعاتهم لا تنهض هذا هو السؤال.

الأخ عبد الله عزام ذهب إلى أنّ الجهاد بالمفهوم المغالى فيه هو الذي سينشئ الدولة الإسلامية في أفغانستان، وهذه إحد الأسباب يقول لك نحن سننشئ دولة إسلامية في أفغانستان، وثمّ نأتي من أفغانستان فاتحين إلى فلسطين. قال لك أنشئ دولة اسلامية بدايةً كما تفضلت حضرتك، هناك ابستمولوجيا الجماعة أو البرادايم للجماعات الإسلامية هي المسألة المعرفية عندهم، عند مالك بن نبي لماذا لم يقرأه هؤلاء الناس؟ ولديك أيضًا علي شريعتي ومحمد باقر الصدر.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

كمال حبيب: عندك علماء الأزهر محمد عبدو الذي ينظر إليه نظرة سيّئة لديهم، وهناك محمد رشيد رضا رغم سلفيته في بعض التفتحات، ولديك مدرسة الفقه المصري عبد الوهاب خلاف ومحمد أبو زهرة، وكل هؤلاء يتجاوزهم تمامًا ويذهب ويؤسِّس هو بأيديولوجيا عبد الله عزام يقول لك إنّ الجهاد فرض عين على كل مسلم، أنا قرأت في سورة الأعراف في بعض التفسيرات الناس الذين يقفون على الأعراف وبينهما رجال وعلى الأعراف رجال إنّ بعض المُفسّرين القدامى قالوا إنّ الرجال هؤلاء المُنتظرين لم يدخلوا الجنّة ولا النار لأنّهم لم يستأذنوا آباءهم حين ذهبوا ليجاهدوا.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

كمال حبيب: أنا أقصد أن أقول إنّ فكرة الجهاد هنا في نسق نظامي عبد الله عزام رجل مُختصّ بالشريعة، هل قرار الجهاد في أفغانستان أمر متّصل بعبد الله عزام كفقيه؟ والعسكريون وبقية الأمّة كلّها وكلّ هذا الكلام تحمّلهم إثم أنّ العلماء والدين كلّها والدنيا كلّها تحمّلهم أنت من دون تبريرات منهم.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال طرحت الآن إشكالًا كبيرًا. 

دكتور نبيل، أشار الدكتور كمال إلى أنّ عبد الله عزام احتكر القرار الجهادي العالمي وحصره في أفغانستان، لكن في الواقع معظم فُقهاء الأمّة في ذلك الوقت دعوا عبد الله عزام وساندوه في ما ذهب إليه من فتوى، وهو يذكر في مقدّمة الكتاب الشيخ عمر سيف، الشيخ سعيد حوا الإخواني الشيخ ناصح علوان، الشيخ نجيب المطيعي، بن باز، أبو بكر جابر الجزائري. إذا راجعت الفتاوى آنذاك كأنّ كلّ الأمّة الإسلامية في أفغانستان. هل ضحك؟ وهل ضحك؟ وهل ضحك على علماء المسلمين من قِبَل المخابرات الأميركية والأنتلجن سارفس البريطانية؟

 

نبيل عبد الفتاح: لم يضحك عليهم أحد، هنا أيضًا العودة إلى السياقات بالغة الأهمية. في هذه الفترة السوق الديني بالمعنى السوسيو سياسي الذي كان سائدًا في المنطقة العربية، السوق الديني العربي والسوق الديني الإسلامي العالمي كان يسخّر بحال من حالات التنافس بين مُنتجي الخطابات الدينية والخطابات الإفتائية والتعويل. وكان الميل الراجح إلى تأييد ما ذهبت إليه الدولة السعودية والسادات في مصر وغيرهم بضرورة نقل بعض أعداد المُتطرّفين بالنسبة إلى مصر إلى خارج الديار المصرية في أفغانستان، وليذهبوا حيث ذهبوا ماتوا أو استشهدوا الخ هذه التوصيفات أين كانت. وبالتالي توقيع بعض هؤلاء العلماء على فتوى عبد الله عزام هو جزء من ظاهرة بناء المكانة في الأصوات الدينية الوطنية والإقليمية والدولية. وخاصةً أنّ عبد الله عزام وهذا أمر يُفسّر لماذا لم يركّز على القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب المركزية والأولى حتى هذه اللحظة؟ هو في الحقيقة هروب لأنّه لن يجد له مكانة في وسط المنظمّات السياسية الفلسطينية، سواء تحت عباءة منظمّة التحرير الفلسطينية، أو التنظيم الأكبر وهو تنظيم فتح. صحيح إنّ هناك أيديولوجيات مُتعدّدة المصادر والاتجاهات داخل منظمة التحرير الفلسطينية، لكن لم يكن الخطاب الإسلامي فيها هو الأبرز نتيجة السياق الأيديولوجي الذي كان حاكمًا في منطقة الشرق الأوسط وللجماعات المعارضة على اختلافها وتعدّدها. وبالتالي لم يكن لصوت عبد الله عزام ولا لنبض خطابه الديني التقليدي النقلي المُفارِق للواقع التاريخي وللحظة التاريخية التي يعيشها عالمنا ويعيشها المسلمون، وهم في وضع أكثر تخلّفًا من غيرهم حتى من مجتمعات جنوب العالم، وبالتالي كان لجوؤه إلى هذه النزعة النقلية المُتشدّدة يهدف أولًا إلى بناء التميّز بينه وبين الفقيه التقليدي أيًا كانت مذاهبه، وفي نفس الوقت ليجد تمايزًا بينه وبين أيضًا مَن يرون أنّ الجهاد فرض عين وليس عين من الأعيان يسبق الأعيان الأخرى. هذا ما يعطي للباحث تفسير ظاهرة الغلوّ والتشدّد. ثمّ أن ذلك جاء محمولًا على سياسة تمثّلها الدولة السعودية أو النظام السعودي باتفاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية، وحال التوافق في منطقة الشرق الأوسط أنظمة تقليدية أنظمة محافظة، أنظمة لديها علاقات وثيقة العُرى مع الولايات المتحدة الأميركية. وبالتالي أيضًا عدم الرغبة في خلق نزاع وتوتّرات كبيرة مع الدولة الإسرائيلية، بحيث يؤثّر ذلك على علاقات السعوديين والسادات وملك الأردن وغيرهم مع الولايات المتحدة الأميركية لأنّ أيّ مساسٍ أو أية إثارة لنزاعات ما بين إسرائيل وبين أي بلد عربي لأنّه لو قال الأوْلى بالجهاد هو مواجهة الاحتلال وتحرير الأراضي العربية، أو الأراضي الفلسطينية والعربية قبل الاتفاق الذي تمّ مع الأردن ولا زال الوضع في الجولان المحتل، وبالتالي لو قال إنّ الأولوية للجهاد في الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة بالقطع لم يكن أحد سوف يؤيّده، لا ممّن كان يعمل لديهم في المملكة العربية السعودية، أو أيضًا في باكستان. وبالتالي أعتقد أنّ عبد الله عزام نمط من الدُعاة الأيديولوجيين الذين يسندون آراءهم إلى الغلوّ في الإفتاء، وبعيدًا أيضًا عن فُقه الجمهور نفسه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور نبيل طبعًا هو كان يُكفّر المناضلين الوطنيين، ويقول يستحيل أن يُحرّروا فلسطين، كفّر فتح، وكفّر كل الفصائل الوطنية الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية.

 

نبيل عبد الفتاح: صديقي العزيز من السهولة بمكان أن يستخدم سلاح التكفير السياسي والتكفير الديني أساسًا، وهو تكفير في حقيقة الأمر سياسي في محاولة لاستبعاد وإقصاء ونفي خصومه السياسيين، سهل جدًا، وقد استخدمت آليات التكفير في مواجهة كل المُخالطين، وأدّى سلاح التكفير إلى التذرّي في الحركة الإسلامية السياسية على اختلاف جماعاتها في مجمل العالم العربي والإسلامي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور نبيل لنا عودة إلى الموضوع.

أستاذ محمد توفيق عندما تعمل النظر في كُتُب عزام، تجدها متنوّعة من كتبه "الإسلام مستقبل البشرية"، جيدّ أنّه فكَّر في المستقبل قليلًا، "الحق بالقافلة، حكم العمل في جماعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، حماس الجذور التاريخية، السرطان الأحمر، في الجهاد آداب وأحكام، إلى دلالات الكتاب والسنّة على الأحكام من حيث البيان وهو رسالة الدكتوراه من الأزهر الشريف".

ما الذي بقي اليوم من عبد الله عزام؟ هل مازال رائدًا؟ هل مازال مرجعًا مُستلهمًا؟ أم أنّه أدّى دوره في مرحلة أفغانستان واستثمر هذا الفكر وجيوش الشباب وانتهى أمره؟

 

محمد توفيق: حقيقة أستاذ يحيى إذا حاولنا أن نفكّر في التكوين العلمي لمرحلة من المراحل التي أسَّس عبد الله عزام لنفسها فيها سنجد أن الكتاب الأكاديمي العلمي والوحيد تقريبا والذي لم ينشر حتى بشكل واسع بين الأتباع وهي رسالة الدكتوراه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

محمد توفيق: الكتاب والسنّة على الأحكام، وهو كتاب جيّد جداُ وأثنى عليه الكثير من المُناقشين في الأزهر لكن انقطع بعد ذلك عبد الله عزام عن التصنيف والكتابة الأكاديمية وهو يمكن أن يكون بثناء أساتذته برع فيها.

ممكن أن نقول إن عبد الله عزام مرّ بأربع محطات المحطة الأولى وهي المحطة الفلسطينية والنشأة والمحطة الثانية الوسيطة والتي كان فيها جزء من تكوينه العلمي وتدريسه في الأردن ودراسته في سوريا ثم التدريس في الأردن وثم المملكة العربية السعودية.

والمرحلة الثالثة هي المرحلة الأفغانية التي الأصل أنتج فيها وتولد فيها حركيته وأفكاره وأساليبه وخطابه التعبوي وقمّة عمله الحركي إنْ جاز التعبير.

هناك نقطة مهمة إذا ما نظرنا في كتابه أولاً الكتاب آخر طبعة أعتقدت صدرت عام 2016 والتاريخ مهم في بيان بقاء وحضور عبد الله عزام بشكل أو بآخر أو إعادة إنتاجه بالتحديد بعد الربيع العربي وبعد الأحداث التي تلت الربيع العربي بعد 2013.

هنا نقطة مهمة تشير إلى أن بعض الشباب لجأ إلى إعادة النظر مرة أخرى بدلاً من أن ينظر في كتب مالك بن نبي كما ذكر الدكتور كمال أو حتى المسيري وغيره مثلاً في فكرة إعادة التفكير في المستقبل أو الحاضر أو محاولة فَهْم ما مرّ بنا من كبوات وانتكاسات لا رجع مرة أخرى إلى كتب سيّد قطب وأبو الأعلى المودودي وعبد الله عزام.

الأمر الآخر أن هناك خصيصة في هذا الكتاب الذي نتناوله اليوم فكرة أولاً الحشد حشد المُقدّمات والثنائات من مختلف التيارات كما ذكرتم سعيد حوا، عمر سيف، إبن باز، وإبن عُثيمين وغيرهم هذا له دور في بناء القيمة التي تنتج قوّة هذا الخطاب وقوّة تاثيره على الشباب حينما يعلم الأتباع أو المُحبين أو المُستمعين أو القارئين هذا الكتاب أثنى عليه الشيخ إبن باز وأثنى عليه الشيخ سعيد حوا وغيره هذا لديه تأثير على القارء والمُتلقّي.

الأمر الآخر إذا نظرنا إلى بنية الكتاب سنجد أن عبد الله عزام حاول أن يُجيب على كل الأسئلة المشكلة ومن ضمنها حتى ما ذكرناه في الحلقة فكرة الاستعانة بالأميركان أو معرفة الأميركان يدعموننا أو يمدّون بالسلاح أو أنه أصلا رؤيتهم للأنظمة العربية إنها أنظمة غير شرعية وإنها لا تحكم بالشريعة وعلى الرغم من ذلك تتقبّل منها الدعم أو يسافر إليها أو غيره.

أجاب عنها عبد الله عزام إنه على الرغم بأنه يقطع بعدم جواز ذلك لكن يرى أنه يرخص في وقت الحد.

فبقية الكتاب والحقيقة الموضوعية أن عبد الله عزام لديه قدرة على الحجاج وسوق الأدلّة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ محمد توفيق ومع ذلك نشير إلى أنه كان متوجهاً إلى مسجد سبع الليل في مدينة بيشاور سنة 1989 في 24 نوفمبر وهناك انفجرت نواسف قرب السيارة وكان في سيارة شفروليه حمراء عبد الله عزام الذي قضى.

لكن مَن قتله حسب الصحافي رونن بيرغمان في كتابه "انهض واقتل أولاً" يقول إن الموساد لم يكُ متورِطاً في اغتياله لأن الموساد نفّذ 3000 عملية في الخارج ليس من ضمنها اغتيال عبد الله عزام يحتمل أن المخابرات الأفغانية الكان أو المخبارات الباكستانية ويضع احتمالاً ثالثاً أنه صفي من قلب قلب الدين حكمت يار أو أحمد شاه مسعود.

وهكذا انتهى عبد الله عزام وتشتّت أسرته بالكامل كما تشتّت بعده العالم الإسلامي.

الأستاذ محمد توفيق من الدوحة في قطر شكراً جزيلاً لك.

الدكتور كمال حبيب الصديق العزيز شكراً جزيلاً لك، الدكتور نبيل عبد الفتاح شكراً جزيلاً لك.