واقع العلاقات الدينية في فلسطين والمشرق

الحياة المشتركة، واقعها، ضرورتها ومأزوميتها... وواقع العلاقات الدينية في فلسطين والمشرق... ولمحة عن الدور المسيحي حضارياً.

 


المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم،الخاسِر الأكبر في ما يحدث في المشرق والعالم العربي هو الحياة المشتركة بين مُكوّناته، وربّما يكون الهدف من الحرب والاحتراب إثبات أننا مجتمعات مُفتّتة ومُجزّأة ويُسيء بعضها الظنّ ببعض، ولطالما دفعت الحروب الناس إلى التقوقع والإنكماش أو إلى الهجرة عن الحياة المشتركة وضرورتها والصعوبات التي تعترض تحقيقها. سنحاور سيادة المطران قيس صادق المعاون البطريركي لغبطة بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأورثوذكس أسقف أرض روم، وهو من أصولٍ لبنانية وُلِد في عمّان وخدم في الأردن ولبنان ورومانيا، درس في معهد اللاهوت في بوخارست ويحمل دكتوراه في الحق القانوني واللاهوت العملي، ودبلوماً عالياً في العلوم السياسية وآخر في العلوم الحقوقية، وترأّس مركز الدراسات المسكونية في عمّان ومن مؤسِّسي المركز الأورثوذكسي في القاهرة، وله مؤلّفات عديدة في اللاهوت وحقوق الإنسان والتنمية والعدالة الاجتماعية، قبل الحوار تقريرٌ عن واقع العلاقات بين الأديان.

تقرير: 

يُعدّ الدين عنصراً من عناصر الثقافة المجتمعية، وبالرغم من أن الأديان تدعو في غالبيّتها إلى السلام مع الآخر إلا أن تاريخ البشرية شهد ويشهد صراعاتٍ اتّسمت بأعمال عُنفٍ واعتداءاتٍ وقتلٍ ومجازر على خلفيّةٍ دينية وطائفية تستهدف الأفراد أو الطوائف، كما تجلّت بسياساتٍ رسمية وتشريعاتٍ قمعية وتمييزية.

تذرَّعت الجماعات المُسلّحة باسم الدين لتُبرّر الفظائع التي تُرتَكب، ودُعِمت في بعض الأمكنة من أجهزة الدول برغم إدانة مجلس حقوق الإنسان الدعوات إلى الكراهية الدينية والعنف.

من جهةٍ ثانية مثّل مفهوم حوار الأديان وجهاً آخر منذ القِدَم حيث تتّفق الأديان السماوية وغير السماوية على نقاطٍ كثيرة تتعلّق بالنظام الأخلاقي وقواعد السلوك اليومي، ويشير حوار الأديان إلى التفاعُل التعاوني البنّاء والإيجابي بين الأفراد من مختلف المُعتقدات والتقاليد الدينية وغيرها من التوجّهات الروحية والأفكار الإنسانية.

كما ظهرت هيئاتٌ ومُبادراتٌ في العالم تدعم التوعية حول قِيَم التسامُح والعيش المشترك وقبول الآخر، وكَثُرَت اللقاءات بين أهل الديانات السماوية من أجل العمل على نشر الأمن والسلم ونَبْذ العنف والحرب لصون كرامة الإنسان.

ويعتمد الحوار على الإيمان بمبادئ الدين وأهدافه والرغبة في الوصول إلى الحق والاعتراف به والدعوة إلى الله بالحكمة والموعِظة الحَسنة.

لم يتمكَّن الحوار بين الأديان من القضاء على أشكال العنف الديني المختلفة في العالم، لكن معظم المؤمنين يأملون أن يكون السِلم هو الذي يحكم العلاقة بين الأديان. 

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أحيّيك سيادة المطران قيس صادق، سيّدي شكراً على تلبية دعوتنا، أريد أن أسألك سؤالي الأوّل لنبتدئ بالحياة المشتركة، كيف تتبدَّى الحياة المشتركة في هذا المشرق، في هذه المنطقة من العالم بين المسيحيين والمسلمين؟

المطران قيس صادق: بدايةً أتقدّم بالشكر الجزيل لسعادتكم على استضافتي في هذا البرنامج الذي يضع الحروف في النصّ في مكانها الأصيل ويضع كما نقول اليد على الجرح.

غسان الشامي: شكراً يا سيّدي. 

المطران قيس صادق: وأنا أُهنّئكم على هذا البرنامج حقيقةً الذي أتابعه شخصياً تقريباً منذ سنين طويلة. في ما يتعلّق بموضوع هذا العيش وهذا الشرق الذي نقول إن حضارته قد نُسِجَت على يد شعوبه، وهو يُشكّل لوحةً فُسيفسائية فنية، حضارية، ثقافية نسجتها الشعوب التي كانت في هذه المنطقة، ومن دون هذه الشعوب تتلاشى هذه اللوحة، وإن غاب أحد مُكوّناتها ومُكوّنيها فهذه اللوحة كما نقول وكونها فُسيفساء فإنها ستنفرط، وبالتالي لا يمكن أن نرى هذه المنطقة برسالتها الحضارية إلا بوجهين مُتلازمين أو بمسيرتين مُتلازمتين هي المسيرة الحضارية المسيحية والإسلامية لأنهما العنصران الأساسيان اللذان كوّنا هذه الحضارة المعروفة بالحضارة العربية الإسلامية، وبالتالي بالرغم من كل الظروف التي مرّت على هذه المنطقة إن كانت رخاءً أو شقاء فكانت هذه الحضارة هي الرائدة دائماً في حملها هاتين الرسالتين إلى العالم، ونحن نعلم ما هو الدور الذي لعبته الحضارة العربية الإسلامية في عصر الانحطاط الأوروبي ونقول كان هناك تنوير عربي إسلامي للقارة الأوروبية في القرون الماضية، وبالتالي بالرغم من كل هذه الظروف الصعبة التي مررنا بها هناك رسالة واحدة مشرقية نحملها للعالم مسيحية - إسلامية.

غسان الشامي: نعم يا سيّدي في الواقع أريد أن أشير إلى أمرٍ صغير، دائماً نُحبّذ أن ندخل في المُصطلح لذلك أنا قلت الحياة المشتركة بدل العيش المشترك لأنه في العيش يشترك الإنسان والعجماوات، أما الحياة فهي حياة إنسانية سامية ولكن سيّدي أنا اريد أن أسأل سيادتك وأنت لاهوتي عن المُرتكز اللاهوتي للحياة المشتركة في هذا العالم.

المطران قيس صادق: شكراً على هذا التوضيح، طبعاً هناك مُصطلحات وتعابير قد تُستخدَم من دون أن تعبّر عن الواقع المُعاش، أنا من المؤيّدين للحياة المشتركة أكثر من العيش المشترك. البُعد اللاهوتي لهذه الحياة المشتركة أقول مسيحياً ولاهوتياً هذا واجبٌ مسيحي، هي وصيّةٌ للسيِّد المسيح أن نعيش نحن في هذا العالم كالملح الذي يذوب ويتلاشى من أجل أن يعطي العالم مذاقاً طيّباً، وكالسراج الذي يُضيء بنوره هذا العالم فينطفئ شيئاً فشيئاً بصمت. هنا الفضيلة أنه يذوب أو يتلاشى أو ينتهي بصمت، فالمسيحي في هذا العالم حيثما حلّ هو الخميرة التي تخمّر العجين كلّه، وهو الملح الذي يعطي العالم مَذاقاً طيّباً، وهو النور الذي يُنير ويُبدِّد ظُلمة هذا العالم، ولذلك هذه وصيّة إنجيلية موجودة في الكتاب المُقدّس، طبعاً النصوص الكتابية واضحة جداً حول هذا الموضوع، كيف على المسيحي أن يكون خادماً وكيف يكون مُحبّاً للآخرين، والعِظة على الجبل بحسب إنجيل متّى الرسول هو نصّ واضح في كيفيّة تعامُل المسيحي مع المسيحي ومع غير المسيحي، وبذلك هذه وصيّةٌ إلهية وأمرٌ إلهي أن نعيش حياةً مجتمعية مع الآخرين والأرض التي نحن عليها هي وطننا، والوطن بالنسبة إلى المسيحيين كما يقول آباء الكنيسة هو بمثابة الأمّ المشتركة لنا جميعاً، والوصيّة الكنَسية للدفاع عن الوطن ومحبّته وخدمته واضحة جداً عند المغبوط أوغسطينوس وعند القدِّيس يوحنا الذهبي الفمّ والقدّيس باسيليوس الكبير أنه كما لكلّ واحدٍ منا أمَّاً جسدية لنا أمٌّ مشتركة هي الوطن وعلينا أن ندافع عنها لأنها أمّنا جميعاً. 

غسان الشامي: هل هذا هو اللاهوت العملي أو لاهوت الواقع أو لاهوت الحياة سيادة المطران قيس؟ 

المطران قيس صادق: التعاليم شيء والممارسة شيء آخر، المسيحي مدعوٌّ لأن يمارس مسيحيّته من خلال تعاليمها وتجسيدها على أرض الواقع، إذاً اليوم كيف تُعاش الأمور، هذه دراسة ميدانية تستحق أن تأخذ حيِّزها الوافي لكي نستطيع أن نستقرئ الواقع الذي نعيشه. لا أستطيع أن أحكم بالمُطلق على الواقع ولكن اليوم للأسف هناك تحديات كبيرة تواجهنا نحن كمسيحيين في هذه المنطقة فُرِضَت علينا من المنطقة ومن خارجها، أيضاً هناك ظروف صعبة يمرّ بها المجتمع الشرق أوسطي المسيحي والمسلم، أيضاً ظروف فُرِضَت عليه من الداخل ومن الخارج وبالتالي علينا دراسة هذه الظروف وكيف نتعامل معها لكي نتخلّص من سلبياتها ونطوّر من إيجابياتها.  

غسان الشامي: سيّدي ما المصاعب والمشاكل التي تعترض الحياة المشتركة، في المعيوش الأمور ليست زهريّة، ليست ورديّة، معنى ذلك أن هناك مَن يضع العصي في دواليب هذه الحياة المشتركة.  

المطران قيس صادق: نعم كلام سليم، هذا هو الواقع، اليوم نحن عندما نقوم بدراسة الماضي ونقارنه بالواقع نرى أن واقعنا أليم. المشكلة في المنطقة هنا أننا لا نقرأ التاريخ بموضوعية، نحن لا نقرأ الثقافة والأدب بموضوعية، الكثيرون من أبناء المنطقة من هذا النسيج الوطني الشرق أوسطي أو الإقليمي الشرق أوسطي أو العربي هناك عناصر ظُلمت، لم يظلمها التاريخ فقط كتاريخ ولكن ظُلمت من الذين دوّنوا التاريخ، المؤرِّخين، فحُجِب عن المسيحيين على سبيل المثال دورهم في بناء الحضارة العربية الإسلامية، هذا ما كنا ندرسه في المدارس، تاريخ العلوم والطب عند العرب والمسلمين، أنا درسته في الثانوية ولكن للأسف أُلغيت هذه المادة، كنا ندرس الفلسفة وعِلم المنطق، أُلغيت هذه المادة لأنها تنمّي التفكير والنقد الفكري والحسّي عند المُفكّرين، وبالتالي هناك توجّهات في المنطقة هي من الداخل، هي أجندة فُرِضَت من الخارج لشَرْخ هذه الوحدة أو هذه الحياة المشتركة التي كانت تتميّز بها المنطقة، وبالتالي هذا جلب علينا الويلات وعصر الظلم والظلمة في أوقاتنا هذه، وهذا سبب لما نراه اليوم من تجاذباتٍ ومن انشقاقات وويلاتٍ وحروبٍ لأن الصف الداخلي أو كما نقول النسيج الداخلي بدأ بالتفكّك.

غسان الشامي: أنا أعلم محبّتك لموضوع التربية والمناهج سأتركه إلى ما بعد ولكن لأتابع في هذا الموضوع. سيّدي نحن أيضاً أمام سطوة للديموغرافيا واضحة وصريحة في هذا المشرق وفي العالم العربي، هناك ومن دون أن نلبس قفّازاتٍ تزايُد سكاني إسلامي وتناقُص سكاني ديموغرافي مسيحي واضح وصريح وفي أمكنة يصبح المسيحيون قلّةً قليلة وأحياناً تريد مجهراً كي تراها، والهجرة عاملٌ خطير في ذلك، ألا يهدِّد هذا الحياة المشتركة مستقبلاً برأيك؟ هل يمكن لقلّةٍ أن تشترك مع أكثرية في حياة؟ 

المطران قيس صادق: هذا واقع أليم حقيقةً، أنا لا أتحدَّث عن العدد بل عن الفاعلية وإنْ كان عدد المسيحيين قد أصبح قليلاً ولكن المطلوب منهم أن يكونوا أكثر فاعليةً في هذا المجتمع. اليوم الكل يعلم بأن هناك أجندات لتهجير المسيحيين والمسلمين ومنهم الأدمغة، وهنا أركِّز على موضوع تهجير الأدمغة وليس الهجرة، الطيور تهاجر والإنسان يهاجر والكل يهاجر من أجل مستقبلٍ أفضل وأكثر سلامةً وهكذا، ولكن الموضوع هنا هو موضوع تهجير المسيحيين في المنطقة وتهجير الأدمغة، هذا هو الخطر الذي يُهدِّدنا. في العام 1987 من القرن الماضي باختصار ظهرت فكرة تهجير وتفريغ المسيحيين من لبنان، وناشد الكاردينال صفير آنذاك السفارات والدول الأوروبية بألا تمنح التأشيرات للبنانيين المسيحيين بالهجرة من لبنان، وكانت هناك فكرة تقسيم لبنان إلى كانتونات، وأصدرت على ما أعتقد جريدة النهار دراسة حول الحصص التي كانت موزَّعة على الدول الأوروبية وأستراليا ونيوزيلندا وأميركا، ما هو عدد المسيحيين وما هي الخبرات التي هم بحاجة إليها من السنّة والشيعة، كانت أعداد قليلة جداً ولكن المسيحيين كان عددهم أكبر. قداسة الكاردينال رحمه الله آنذاك عندما ناشد الأوروبيين بعدم منح اللبنانيين المسيحيين تأشيرات الهجرة أفشل مُخطّط تقسيم لبنان، وأنا كنتُ آنذاك مُقيماً في لبنان وكنتُ أتابع عن كَثَب كل هذه الأمور التي تتعلَّق بالحضور المسيحي لأن هذا في عُمق وصُلب حياتنا اليومية، وبالتالي كان الهدف من تفريغ المسيحيين في لبنان وهذا نموذج هو أن يبقى الجنوب شيعياً والجبل درزياً والبحر سنّياً لأنه كما نقول حجر الميزان هو المسيحي، المسيحي يسكن مع الشيعي ومع السنّي ومع الدرزي ولكن كما نرى في لبنان من الصعب أن يقيم السنّي في حيٍّ مع الشيعي والشيعي مع الدرزي وما إلى ذلك. فإذاً كان القاسم المُشترك هو المسيحي، فكان تفريغ لبنان من المسيحيين هو علامة لإقامة الدويلات الثلاث في لبنان، هذا كان واضحاً للجميع.

غسان الشامي: ولكن الغرب بطريقة أو بأخرى لم يحترم هذه الإرادات، هو ما يزال يغرف من الأدمغة ومن المسيحيين في هذا المشرق.

المطران قيس صادق: نعم، الشقّ الثاني هو موضوع العدد، الخميرة قليلة جداً، فهي تخمِّر العجين والقليل من الملح يعطي الطبخة طعماً جيّداً وشمعة صغيرة تُبدِّد ظُلمة غرفة بكاملها، إذاً الخوف ليس على عدد المسيحيين وإنما على تفاعلهم في هذا المجتمع الذي يعيشون فيه. موضوع العدد،أولاً نحن أجرينا دراسة حقيقةً في ما يتعلّق بموضوع مركز الدراسات المسكونية وأشرفتُ عليها مباشرةً، في العام 2000 أقام مجمع الفاتيكان مجمعاً لدراسة وضع المسيحيين المشرقيين والهجرة والحضور المسيحي في الشرق الأوسط، وأنا قمتُ بهذه الدراسة عن الأردن، وبعد أن قمتُ بمسحٍ لعدد المسيحيين من سجلات الكنائس، طبعاً هناك تناقُص كبير، مثلاً في الأردن أقل بكثير من 2% وهذا أمر واضح، في العراق بسبب الظروف الأخيرة هاجر المسيحيون، وفي سوريا الأمر نفسه وفي لبنان ومصر والسودان، إذاً هناك تهجير كما قلتُ ولكن العدد لماذا يتناقص؟ أولاً نحن وأتحدَّث عن المسيحيين ومن خبرتي وعلاقتي الرَعوية مع المسيحيين، نحن نكتفي من حيث الإنجاب بطفلين أو ثلاثة ونقف، إذاً هناك برنامج للحدّ أو لتنظيم الأسرة.   

غسان الشامي: نحن مُقصِّرون باللغة الدارِجة. 

المطران قيس صادق: نشكر الله على كل شيء وعلى كل ما أعطانا، هذه بركة لأننا نسعى دائماً لأن نوفّر العيش الأفضل والتعليم الأفضل لأبنائنا وهذه كلفة كبيرة، اليوم مصاريف مرتفعة جداً في موضوع الدخل، في حين أن غيرنا يتزوَّج وهناك تعدُّد زوجات ونحن مثلاً في المنطقة في الأردن هناك حالات كثيرة من تعدُّد الزوجات تتخطّى على ما أعتقد منذ بضعة سنوات الثلاثين ألف حالة، ولكن إجمالاً هناك تعدُّد زوجات وإنجاب أكثر، والشيء الثاني هو الهجرة من أجل الدراسة، ومَن خرج خارجاً لم يعُد بل على العكس سحب أهله وأقام في الدولة التي وفَّرت له مستقبلاً آمناً وأكثر رخاءً، وبالتالي الزواج المُتأخّر عند المسيحيين هو ظاهرة واردة.

غسان الشامي: سيّدنا اسمح لي أن نذهب إلى فاصل ثم نتابع وإياك هذه الرحلة في الحياة المشتركة على أن نكون في القسم الثاني مع فلسطين والتربية، أعزائي انتظرونا في حوارٍ مع سيادة المطران قيس صادق.

المحور الثاني:

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدَّداً من أجراس المشرق، سيادة المطران قيس صادق إذا ذهبنا وإيّاك إلى فلسطين وأنا أعلم جيّداً مدى اهتمامك ومحبّتك وحضورك في هذا الجزء العزيز من بلادنا، أولاً كيف تقرأ العلاقات الدينية في فلسطين؟ 

المطران قيس صادق: شكراً على هذا السؤال، الحقيقة في كثيرٍ من الأحيان تجرح، العلاقات المسيحية - المسيحية في فلسطين وأنا أرصد كل ذلك عن قُرب هي علاقاتٌ يحكمها الوضع الراهن للستاتيكو الدولي الذي ينظّم العلاقات بين الكنائس في فلسطين، كل هذه العلاقات المسيحية - المسيحية قائمة على هذا الوضع الراهن الذي تمّ نَسْج خيوطه في المؤتمرات الدولية بحسب التشريعات والفرامانات السلطانية العثمانية والامتيازات المذهبية التي مُنحت لمختلف الكنائس في فلسطين وخاصة في مؤتمر برلين الذي أكّد على هذا الوضع الراهن، وبالتالي ما يحكم اليوم العلاقات المسيحية - المسيحية في فلسطين هو هذا الوضع الراهن، ومَن قال غير ذلك فهو غير واقعي لأننا نحن اليوم لا نرى هذه العلاقات كما من المفروض أن تكون مسيحية - مسيحية تحمل هذه الروح المسيحية، روح الحوار المسيحي - المسيحي الذي هو معدوم اليوم. نرى بيانات مشتركة بين رؤساء الكنائس عندما تحدث فاجعة أو حادثة أو يكون هناك أمر بحاجة إلى موقفٍ مشترك يوقّعون هذا التقرير أو البيان وهذا يكفي. أما في ما يتعلّق بموضوع التلاقي المسيحي – المسيحي فهو أمرٌ ضعيف ليس كما هو في سوريا وفي مصر وفي لبنان، نرى البطاركة أو رؤساء الكنائس إلى جانب بعضهم البعض يتحادثون ويتعاطون في القضايا اليومية والشؤون المشتركة بين كنائسهم، هذا هو الأمر الواقع للأسف الذي نعيشه اليوم وهو أمر واضح، ما نراه من خلافات على الأرض، على الأماكن، على الحجر، ونحن أصبحنا وكأننا عَبَدَة حجارة وليس عَبَدة إله، في الكنائس تتضارب الطوائف والكنائس مع بعضها البعض على قطعة صغيرة من الحجر إذا تخطّى أحدهما تنظيف الأرضية.  

غسان الشامي: ولكن هناك أيضاً أراضٍ تُباع سيادة المطران، هناك مَن يُسرِّب أراض.

المطران قيس صادق: طبعاً هذه مشكلة ومعضلة في ما يتعلّق بموضوع تسريب الأراضي، أنا تابعتُ كثيراً من هذه الأمور منذ الخمسينات أي بعد إقامة الدولة الصهيونية المُغتصبة على أرض فلسطين، هناك للأسف إيجارات وبيوعات ولكن لها مظلاتها أي مُتستَّر عليها بمظلات رسمية وغير رسمية، أمور كلّها كما نقول من تحت الطاولة، أمر مؤسف، والدول المعنيّة أو السلطات المعنيّة بذلك لم تأخذ موقفاً واضحاً حول ذلك، هذه أمور مُعقّدة جداً.

غسان الشامي: أريد أن أعود في فلسطين ومن دون قفازات سيادة المطران، هل فعلاً هناك حياة مشتركة في فلسطين؟  

المطران قيس صادق: تقصد مسيحية - إسلامية؟

غسان الشامي: طبعاً. 

المطران قيس صادق: نقول آثارنا تدلّ علينا، في فلسطين حيثما تنقّلتَ هناك أثرٌ مسيحي والمسيحية هي قبل الإسلام بسبعمئة سنةٍ تقريباً، ونحن المسيحيون العرب مُتأصّلون في العروبة قبل المسلمين. كما قلتُ للأسف نحن لا نقرأ التاريخ بموضوعية، يُنكرون علينا السبعمئة سنة لماذا؟ لماذا تُنكَر علينا السبعمئة سنة وهي كانت عصر ازدهار في المسيحية ودخل الإسلام عليها في مرحلةٍ كانت المسيحية العربية مزدهرة جداً. اليوم كما قلتُ لك في المنطقة إن قمنا بمقارنة الماضي والحاضر نرى الحاضر قاتماً في كل العلاقات المسيحية الإسلامية وفي الحياة المشتركة إن كان ذلك بقصد أو بغير قصد، إن كان ذلك شعبياً أو رسمياً. في الدول العربية حيث يوجد المسيحيون الدستور أو القانون يقول بأن جميع المواطنين سواسيةً ولهم حرية التعبير والدين والمُعتقد إلى آخره، ولكن على أرض الواقع هذا الأمر غير مُطبَّق كما نرجوه، هذا هو الواقع والواقع أليم، نحن نعلم بأن الواقع أليم. في فلسطين للأسف في عيد الميلاد المجيد الماضي ظهر بيانٌ رسمي عن وزارة الأوقاف أو دائرة الأوقاف الإسلامية حماس بمقاطعة احتفالات "الكريسماس"، وهذا كان بياناً رسمياً بوثيقة رسمية مُصادَق عليها من المسؤول عن الوَعظ والإرشاد ونظّموا حلقات لتوعية الشعب بعدم مشاركة المسيحيين في أعيادهم، وهذا استتبع ردّة فعل حيث قام البعض بإحراق شجرة عيد الميلاد في الجليل الأعلى في إحدى القرى، وأصبحت هناك تشنّجات في الشارع الفلسطيني بين مسيحي ومسلم ولكن حقيقةً هناك من المُستنيرين وأنا أقدّم شكري الجزيل للمُستنيرين الفلسطينيين المسلمين الذين استوعبوا هذا الأمر وأخذوا موقفاً قاسياً ضدّ هذا المنشور الذي صدر عن حماس.

غسان الشامي: ولكن أيضاً سيادة المطران المسيحيين لم يبتعلوا، لم يستطيعوا ازدراد ما قاله الشيخ عَكْرَمة صبري أو حتى ما قاله سابقاً إمام الحَرَم المكّي، هناك نوعٌ من النظر بريبة إلى مواقف يمكن أن تكون دول وراء هذا الأمر ولكن أنا أيضاً أريد أن أذهب معك في فلسطين، ذكرتَ كلاماً هاماً جداً قبل قليل، فلسطين بالنسبة للمسيحيين أين موقعها في الوجدان المسيحي، في اللاهوت المسيحي؟ هل تستقيم مسيحية من دون فلسطين؟ هل تستقيم مسيحية من دون أرض السيِّد المسيح؟ 

المطران قيس صادق: طبعاً كما قلتُ لك بأن في كل مكانٍ، في كل بقعةٍ، في كل زاوية هناك أثرٌ مسيحي وهذه أرضٌ مُقدّسة فيها وُلِدَ السيِّد المسيح وفيها عاش وفيها صُلِب وقام، والميلاد كان في بيت لحم، إذاً في كل بقعةٍ هناك أثرٌ مسيحي، وفلسطين بالنسبة إلينا نحن العرب المسيحيين هي انحناءة السماء على الأرض وارتفاع الأرض إلى السماء، هناك تلتقي فلسطين، عندما تنحني السماء وترتفع الأرض نحو السماء في نقطة اللقاء هذه هي فلسطين بالنسبة إلينا، والقدس بالنسبة إلينا هي مِعراجنا دائماً نحو السماء وانسكاب النعمة الإلهية على الإنسان، نرى في وجه الإنسان الفلسطيني اليوم السيِّد المسيح المُعذَّب، مغارته أصبحت اليوم خيمة الفلسطيني المُشرّد وهكذا نحن بالنسبة إلينا فلسطين والقدس بالذات لا يمكننا أن نرى القدس من دون مُصلّين. اليوم يهجّرون المسيحيون في القدس، ما الفائدة من المعبد، من الكنيسة من دون الساجدين، ما الفائدة؟ هل تبقى تراثاً حجرياً؟ متحفاً مستقبلياً؟ أين نحن من هذا الحضور المسيحي؟ اليوم للأسف الحكومات العربية وعدت في مؤتمر القدس وفي مؤتمراتٍ كثيرة خُصِّصت للقدس لم يدعموا سكان القدس بقرشٍ واحد وإن دُعموا فهذا لا يكفي. بالنسبة إلينا فلسطين لا نساوم عليها ولا نقبل من أيٍّ كان أن يساوم على عروبتنا نحن المسيحيين العرب، لا نقبل أن يساوم أحد على عروبتنا وعلى وطنيّتنا وعلى محبّتنا وعلى التصاقنا وعشقنا لفلسطين. 

غسان الشامي: أيضاً أريد أن أسألك كيف تقرأ أو فعلاً كيف ترى موقع الفلسطينيين عملياً ومكانتهم في الدفاع عنها؟

المطران قيس صادق: طبعاً اليوم هناك تجاذبات دولية وإقليمية وهناك مَن يبيع ومَن يشتري ويُتاجر، وهناك القوى العُظمى التي تقهر الشعوب الفقيرة والضعيفة والمُستضعفين في الأرض، وبالتالي كلّها شبكة مُتشابكة مع بعضها البعض أثّرت سلباً على قيام الفلسطينيين بحمل هموم قضيّتهم وهموم شعبهم إلى العالم. اليوم الإعلام الفلسطيني حاله حال الإعلام العربي، ضعيف جداً مُقارنةً بالإعلام الصهيوني. أنا اذكر الطفل الدرَّة، الإعلام الإسرائيلي ألبسه القبَّعة وبدأ يسوِّق الصورة للعالم الغربي بأن هذا الطفل الذي قُتِل هو يهودي صهيوني قُتِل بنار الثوّار العرب، إذاً اليوم هناك تقصير حقيقةً ولكن أنا أقول الوقت ما زال لصالحنا، اليوم اتّحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا نشط جداً في حمل رسالة الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية إلى الدول والشعوب الأوروبية، أصبحت هناك قفزة نوعية وتفهُّم بواسطة الفلسطينيين في الخارج للواقع الفلسطيني في السويد والنروج والدول الاسكندنافية وحتى في بريطانيا وفي أميركا وحتى في أميركا اللاتينية. ما زال كما قلتُ الوقت لصالحنا، كما أرى في أوروبا وبريطانيا أن أمهر الأطباء هم فلسطينيون، عليهم أن يلعبوا دوراً كبيراً في نقل هذه الرسالة الوطنية إلى تلك الشعوب التي يعيشون في وسطها. أما في الداخل الانشقاق القائم بين الفلسطينيين يقوِّض هذه القضية ويضعفها، نحن بحاجة إلى حوارٍ وطني فلسطيني - فلسطيني من دون التدخّل من الخارج ومن دون فرض أجندات خارجية أو ذاتية، يجب أن تكون المصلحة العامة الفلسطينية من أجل مستقبلٍ أفضل للشعب الفلسطيني وتحرير أرضه من الصهيونية.

غسان الشامي: لديّ بضعة أسئلة عن فلسطين ولكن لكي أستفيد من الوقت مع سيادتك، أنت مُهتمٌّ بوسائل التواصُل الاجتماعي، ماذا يمكن أن تقدِّم وسائل التواصُل الاجتماعي أولاً لفلسطين؟ وسائل الاتصال المعاصرة للكنيسة؟ للمناقب؟ للأخلاق؟ كيف يمكن الاستفادة منها؟ هل هذا الإعلام الديني الذي نراه يمكنه أن يخدم هكذا قضية؟   

المطران قيس صادق: نحن اليوم في جائحةٍ عالمية وقد ساعدت كل وسائل التواصُل الاجتماعي على التقارُب ما بين الشعوب والأمم وبين أبناء الوطن الواحد، وكل شيء أصبح مكشوفاً ومُنكشفاً على الكل، والجميع مُنكشف على الجميع، وهذه فرصة ثمينة جداً، شئتَ أمْ أبيتَ العالم كلّه أصبح داخل بيتك، اقتحمك بإرادتك أو من دون إرادتك، إذاً ماذا علينا أن نفعل؟ أنا أعتقد بأننا مدعوّون اليوم لكي نستخدم وسائل التواصُل الاجتماعي من أجل تعزيز القوّة الوطنية، الثقافة الوطنية، الثقافة الدينية ولكن بعد تغييرٍ جذري للخطاب الديني إنْ كان مسيحياً أو إسلامياً. الإشكالية   اليوم هي إشكالية الخطاب الديني إن كان مسيحياً أو إسلامياً، نحن علينا أن نُجدّد هذا الخطاب لأن الخطاب ليس فقط أن تعظ عِظة نصف ساعة أو ساعة، الخطاب هو سيرورة تربوية، تنشئة بيتية، مدرسية، جامعية، مجتمعية وليس مجرَّد خطاب، أنا لا أتحدَّث عن خطاب يعني عن عِظة أو خُطبة.

غسان الشامي: أريد أن أستفيد من الدقيقتين الباقيتين لأسألك عن موضوعٍ أنت مُهتمّ به أيضاً وهو يصبّ في هذا، مناهج التنشئة الدينية في مسألة قبول الآخر هل هي موجودة؟ هل هي فاعلة؟ هل هي مؤذية أم صالحة؟  

المطران قيس صادق: حقيقةً كل ما هو موجود يستحقّ الحرق لأنه سيّىء، في ما يتعلّق بهذا الموضوع المناهج بحاجةٍ إلى إعادة نظر، مناهجنا في الدول العربية هي مناهج إقصائية، إما أن تكون إقصائية دينية أو إقصائية سياسية أو حزبية، نحن ما زلنا نربّي أولادنا على عبادة الإمبراطور وليس على محبّة الوطن، ليس على المواطنية ولكن على "الشِلليّة"والفئوية. نحن ما زلنا في هذه المرحلة، نحن بحاجةٍ إلى تجديدٍ جذري وإعادة نظر كليّة في موضوع المناهج المُتعلّقة بقبول الآخر واحترامه، بتربويّة الحوار. ليس هناك من شيء يتحدَّث عن قبول الآخر أو عن تربوية الحوار، كيف تناقش الآخر، أنت تتناقش معه والمُناقشة هي من نقش الحجر أي جمَّله، زيَّنه، هذَّبه، ثقَّفه، عندما تتناقش مع الآخر فأنت تخرج بفكرةٍ جديدة.   

غسان الشامي: للأسف الشديد انتهى الوقت، أنا بانتظاركم في بيروت وبكل محبّة. أعزائي أن تصبح القَيَم السامية التي تحترم الإنسان وحياته وحقوقه في أسفل اهتمامات البنى السياسية والاجتماعية في بلادنا أمرٌ يدعو إلى الأسف والأسى، وللعودة إلى صفوف الأمم الحيّة موحَّدين لا بدّ من استنهاض العِلم والتربية والأخلاق معاً. شكراً لسيادة المطران قيس صادق من كل قلبي شكراً على حضوره معنا في أجراس المشرق، شكراً لزملائي الأحباء في البرنامج والميادين، أينما كنتم سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.