الدار والديار.. التكفير اللامحدود

حلمي هاشم، المكنى بـ"شاكر نعم الله"، من مواليد القاهرة في 17 نوفمبر - تشرين الثاني 1952، التحق بكلية الشرطة في 1970 وتخرج سنة 1974 ثم إلتحق بالإدارة العامة للأمن المركزي ضابطاً برتبة ملازم وبعد أن ترك الأمن المصري أصبح أهم فقيه ومنظر للتكفير اللامحدود, وتحول إلى مرجعية فقهية حمراء لداعش وفصائل الذبح فهو المقر بكل أشكال العنف اليوم نناقش كتاب الدار والديار وللإشارة فإن علماء السلف درجوا على معالجة فقه الديار وحكمها فالسرخسي الحنفي أفتى فيها, وكذلك الكاساني وأبو يوسف ومثل هذا الفقه كان وليد مرحلة قلقة في تاريخنا الإسلامي, ومن خلال كتابه الدار والديار كفر حلمي هاشم الجميع وحمل على العالم بل طالب بقتل أولاد غير المسلمين لانهم مشركون أيضا وداس حتى على مبدأ الولادة على الفطرة... وبمجرد أن يحكم هاشم على أي دار أنها دار كفر حتى لو كانت في الجغرافيا الإسلامية فحرقها جائز و سبي نسائها مشروع وقطع رؤوس رجالها عمل فاضل ودكدكتها تقرب الدخول إلى الجنة... والديار التي لا ينتفض شعوبها على الحكام الجائرين فحكم كحكم الحاكم الجائرين القتل جائز في حقهم.

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

حلمي هاشم المُكنّى بشاكر نعمة الله من مواليد القاهرة في 17 نوفمبر تشرين الثاني 1952. التحق بكليّة الشرطة عام 1970، وتخرّج العام 1974، ثمّ التحق بالإدارة العامة للأمن المركزي ضابطًا برتبة ملازم، وبعد أن ترك الأمن المصري أصبح أهمّ فقيه، ومُنظّر للتكفير اللامحدود، وتحوّل إلى مرجعية فُقهية حمراء لداعش وفصائل الذبح. فهو المُقرّ بكل أشكال العنف والتطرّف والذبح وبيع النساء كغنائم حرب، والذي حوّله من الأمن إلى اللاأمن هو مُعايشته لقضية الكليّة الفنيّة، وبطلها صالح سريّة، ومحاكمة جماعة التكفير والهجرة بقيادة شكري مصطفى. تبلور فكره التكفيري بعد اعتقاله وانضمامه إلى حلقات الدرس في السجون، وبعد إطلاق سراحه أسّس مكتبة لبيع الكتب الدينية، ثمّ اتّجه إلى تأليف الكتب الدينية. بدأ مشواره مع فكر التوقّف والتبيّن، وتأثّر بفكر شوقي الشيخ مؤسِّس جماعة الشوقيين.

ألَّف هاشم ما يزيد على نحو 25 مؤلّفًا، منها التكفير بالعموم، وكتاب أحكام الذرية، والردّ على شُبهات في الحاكمية، وأصحاب السبت، وأصحاب الحد، الربوبية والطاغوتية، الدار والديار، حجّة الله البالغة، معالم سنن الاعتقاد، نظرات في واقع محمّد قطب المعاصر، وقاعدة مَن لم يكفّر الكافر فهو كافر. وكتاب التوقّف بين الشكّ واليقين، وهو الكتاب الذي يردّ فيه على الذين يتوقّفون عن تكفير الشعوب، ويجعل تكفير مَن لم يكفّر من أهل الكفر أساس وأصل الدين. ومَن توقّف عن تكفيرهم فهو كافر لأنّه بحسب زعمه فإنّ كل الديار الآن ديار كفر، والأصل في أهلها الكفر، ومَن لم يُكفّر الكافر أو توقّف عن تكفيره خالف أصل الدين.

نناقش اليوم كتاب الدار والديار، وللإشارة فإنّ علماء السلف درجوا على مُعالجة فُقه الديار وحكمها، فالسرخس الحنفي أفتى فيها، وكذلك الكاساني وأبو يوسف، ومثل هذا الفُقه كان وليد مرحلة قلقة في ترايخنا الإسلامي. من خلال كتابه الدار والديار كفّر حلمي هاشم الجميع، وحمل على العالم، بل طالب بقتل أولاد غير المسلمين لأنّهم مشركون أيضًا، وداس حتى على مبدأ الولادة على الفطرة. وبمُجرَّد أن يحكم هاشم على أية دار أنّها دار كفر حتى لو كانت في الجغرافيا الإسلامية، فحَرْقها جائز وسبي نسائها مشروع، وقَطْع رؤوس رجالها عمل فاضل، ودكدكتها تقرِّب الدخول إلى الجنّة. والديار التي لا تنتفض شعوبها على الحُكّام الجائرين، فحُكمهم حُكم الحاكِم الجائر. فالقتل جائز في حقّهم، ولهاشم رسالة غريبة، مَن لم يُكفّر الكافر فهو كافر. نحن إذًا، أمام فُقه يتنفّس كفرًا وينمو في بحبوحة التكفير. وفي 24 شباط فبراير 2016 حُكِمَ عليه بالسجن لمدة خمس سنوات ويقينًا فإنّ فكره التكفيري سيتّخذ أبعادًا جديدة خصوصًا وأنّ السجون تُعْتَبر أهمّ رحم أسود للفكر الأسود الذي جعل حياتنا العربية سوداء.

"الدار والديار لحلمي هاشم، التكفير اللامحدود" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النّقاش الباحث والأكاديمي الدكتور كمال حبيب الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، ومن مصر الحبيبة أيضًا الدكتور محمّد الشرقاوي أستاذ الفلسفة الإسلامية ومُقاربة الأديان والدراسات الاستشراقية، ومن إسطنبول الأستاذ الفاضل خير عمر الخبير في الحركات السياسية والاجتماعية.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال حلمي هاشم ضابط أمن المفروض أن يحرس الأمن، وأن يحافظ على النيل وعلى مصر الحبيبة. كيف حدث هذا التحوّل من الأمن إلى اللاأمن، ومن ضرورة الحفاظ على أمن الوطن والدولة إلى دكدكة أمن الوطن والدولة؟

 

كمال حبيب: بسم الله الرحمن الرحيم تحياتي لك أخي العزيز دكتور يحيى، وللمشاهدين وللضيوف الكرام.

 

يحيى أبو زكريا: أهلًا وسهلًا.

 

كمال حبيب: بالنسبة إلى حلمي هاشم الذي بلغ في تطرّفه مدى لم يقترفه أحد أشدَّ حتى من الخوارج الأزارِقة القدامى. وبالقطع هو تأثّر بشكري مصطفى لأنّ قاعدة مَن لم يُكفّر الكافر فهو كافر، هذه القاعدة استخدمها شكري مصطفى في سجون عبد الناصر في أواخر الستينات، واستخدم ما نطلق عليه دورة التكفير بمعنى أنّه يقول مثلًا إنّ الحاكِم كافر، ثمّ يأتي إلى شخص مثلًا لم يُكفّر الحاكم فيكفّره، ثمّ يقول لشخصٍ ثالثٍ هذا الشخص الذي لم يُكفّر الحاكم ما حكمه عندك، فإذا لم يُكفّره كفّر الشخص الثالث، وهكذا في دورة تكفير مُرعبة تجعل الناس جميعًا كفّاراً. وحكاية الأخذ بالقواعد الفُقهية كمن لم يُكفّر الكافر، فهو كافر طبعًا هذا مقصود به الكافر المقطوع بكفره الذي ذكره القرآن الكريم كأبي لهب وأبي جهل وصناديد الكفّار، وأئمة الكفر. أمّا أن تسحب هذا الكلام لتواجه به المسلمين، وتواجه به المجتمع المسلم، فهذه مشكلة كبيرة فيما نطلق عليه الفكر التكفيري أن يأخذ قاعدة من القواعد التي استخدمها الفقهاء من قبل، وثمّ يطبّقها تطبيقًا خطأ كمثلًا في كتاب الدار والديار. هو استخدم مثلًا قواعد مُعيّنة، وبدأ من باب أصول الفُقه وربط بين فكرة التوحيد وبين أصول الفُقه، ثمّ انتهى إلى أنّ فكرة المسؤولية الجماعية مثلًا وفكرة الفعل السلبي، وفكرة ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، وفكرة أنّ الأمر بالشيء يلزم أيضًا الأمر بتوابعه، هو أخذ قواعد فُقهية قعّدها الفقهاء، وهذه القواعد يمكن أن نناقش فيها ليست مثلًا لا تبلغ مبلغ الحجَّة القاطِعة التي لا تناقش. وأخذ هذا الكلام وبدأ يُكفِّر الناس جميعًا مثلًا فكرة تبعية المحكومين للحاكم فكرة صمت المحكومين عن ألا يقوموا على الحاكم يعتبرهم هنا أتباعاً له، وأنّهم مسؤولون عن ذلك. وثمّ يستدعي نماذج غريبة جدًا مثلًا إمرأة فرعون، وأصحاب الكهف، وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا سماعه الخوض في هذه الآيات كأنّه مسؤولية سلبية لمَن لم يفعله وكل هذا الكلام.

فهو هنا يستخدم شططًا غريبًا ومريعًا يحاول فيه قدر الإمكان أن يُكفّر المسلمين جميعًا، وأن يدخل من فكرة الدار والديار إلى فكرة تكفير المجتمعات المسلمة كلّها لدرجة أنّني سألت أين المجتمع المسلم؟ أنت قلت إنّ أحكام الديار يرتبط بها مثلًا حُكم الهجرة، حُكم الجهاد، حُكم المعاهدة، حُكم العلاقة مع الأخ، حُكم المُستأمنين، هو قال هذا أين يوجد المجتمع المسلم الذي تتحدَّث عنه لا يوجد على ظهر البسيطة مجتمع مسلم أو دار مسلمة بمعيار حلمي هاشم، وبالتالي نحن أمام شخص يجب أن يوضَع موضوع التحليل النفسي، لديه هَوَس وأشبه ما يكون بالهزاء، وما يفعله لا علاقة له لا بالإنسان، ويجب أن يكون رحيمًا على أهله، وأن يكون رحيمًا باتجاه الناس والإسلام نفسه قال "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وقال"ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضّوا من حولك". ولكن هذا الشخص يحوسِل المسلمين ويجعلهم أداة عقد، ويطلق عليهم أحكام الردّة الجماعية حتى الخوارج القدامى لم يفعلوها. أنا سألته أنت تُكفِّر الناس جميعًا بالمسؤولية الجماعية، وبتبعيّتهم للحُكّام وموقفهم السلبي من عدم قيامهم على هؤلاء الحُكَّام أو الصَدع بالحق كرؤيته، المسلمين والكلام الذي تتّخذه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال إذا سمحت الفرق بين الخوارج في الماضي والخوارج اليوم هو أنّ الخوارج في الماضي كانوا عُلماء، كانوا حفَّاظاً للقرآن، عارفين بالسنّة النبوية، طبعًا مع مُخالفتنا لما ذهبوا إليه في تكفير المسلمين. دكتور محمّد شرقاوي ما هي العوامل التي تصنع مثل ظاهرة حلمي هاشم وهو ليس محصورًا في أرض مصر التي نحب، هو موجود في الجزائر، في ليبيا، في مورتيانيا، حتى في فلسطين، هو موجود في كل رقعة جغرافية عربية مسلمة؟

 

محمد شرقاوي: بسم الله الرحمن الرحيم بدايةً تحياتي لحضرتك يا دكتور.

 

يحيى أبو زكريا: أهلًا وسهلًا.

 

محمد شرقاوي: أهلًا بك، وللساداة والسيّدات المشاهدين والمشاهدات ولزملائي الضيوف. الحقيقة هذا السؤال الذي تفضّلت ووجَّهته لي سؤال مهم للغاية لأنّنا سنتناول فيه، أو يجعلنا نُركِّز ونتناول الأسباب أو الظروف التي يمكن أن تنتج أمثال هذا الشخص لأنّنا لو بقينا نتكلَّم عن طروحاته وأفكاره وآرائه، وما قدَّمه وما فعله، وكذا لن تكفي حلقة ولا حتى حلقات. فحديثنا عن العوامِل أو عن الظروف التي تصنع أو تنتج هذا الشخص حلمي هاشم، وتنتج أمثاله أيضًا يمكّننا بشيء من التدبّر وشيء من التأمّل أن نحصرها في سببين: سبب يمكن أن نُطلق عليه سبباً داخلياً، وهو في تقديري انحراف نفسي وعقلي ليس أكثر من هذا ولا أقل، هذا شخص هو بلغ في غلوّه مدىً بعيدًا وأفقًا بعيدًا جدًا، لكن هو وأمثاله ينتسبون ويتّصفون بما يوصَف بأنّه انحراف نفسي وانحراف عقلي. هذا الانحراف يجعل صاحبه أو يدفع صاحبه إلى أن يكون مُقلّدًا تقليدًا أعمى، وأن يُغيّب عنه تمامًا تمامًا الفكر الناقِد الذي يجعله يوازِن ويُقارِن ويستنبط ويستنتج وينظر إلى الأدلة والبراهين، ويكون استنباطه منقطيًا صحيحًا مبنيًا على القواعد، سواء كانت قواعد الشرع، أو قواعد الأصول، أو قواعد المنطق.

هذه الحقيقة تدفعه إلى التعصّب، والتعصّب يؤدّي به إلى نوع من التقوقع، أو الانتفاء على ذاته، وتبلغ به الحال انسدادًا نفسيًا، وانسدادًا عقليًا، وانسدادًا اجتماعيًا يجعله يميل إلى مُخاصمة المجتمع الذي يعيش فيه مُخاصمة تامّة. فيعمل أو يذهب للقول بهجرة هذا المجتمع واعتزاله وتكفيره. بعد ذلك هو يبحث عن مسوِّغ، ويبحث عن مُبرِّر، ويبحث عن ما يدفعه لعزلته، أو لهجرته لهذا المجتمع من الدين ليغطي به حالته ويستخدم تأويلات دينية وتبريرات دينية وأحكاماً دينية ومُصطلحات دينية، وحتى فتاوى دينية لكي يقنع نفسه، ولكي يقنع غيره بصحّة موقفه في مُخاصمة المجتمع الذي يعيش فيه لأنّ هذا المجتمع في تصوّره، في عقله، في عقيدته مجتمع كافر أو مجتمع مُرتدِّد بصرف النظر عن أنّ هذا المجتمع تُقام فيه الصلوات وتؤدَّى فيه الزكوات، ويُحْفَظ فيه القرآن هذا سبب داخلي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور سنغوص في كل النقاط دعني أيضًا أشرك معي الأستاذ خيري عمر من إسطنبول.

أستاذ خيري عندما تطّلع على ما كُتِبَ في فقه الديار في الأزمنة الغابرة في تاريخ السَلَف الإسلامي، تجد أنّ المنحى العام البياني العِلمي في هذه الكُتُب هو كيفيّة تعامل الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى، أي هو فُقه في العلاقات الدولية بلغة اليوم، لكن الديار والديار لحلمي هاشم، وكما قال كمال حبيب في مقالة له الدار والديار مبتدأ أين الخبر؟ ربّك أعلم. الدار والديار لو ترجم إلى اللغات الأجنبية الإنكليزية، الفرنسية، الإسبانية، لكان قرار حرب على هذه الدول، ولكان قرار حرب على المجتمعات الإسلامية نفسها. من ذا الذي دفع حلمي إلى أن يصيغ نظرية التكفير هاته التي فاقت الأزارقة كما قال ضيفي وأخي وزميلي الدكتور كمال؟

 

خيري عمر: المشكلة هنا يمكن أن تكون في الترجمة في حدّ ذاتها باعتبار أنّ الكتاب لا يحمل نمطًا فكريًا واضحًا، وأعتقد أنّ هذه هي المشكلة الأساسية نستكمل النقاش في ما يتعلق بأنّه لماذا نناقش هذه الكتب أو هذه الأفكار رغم أنّها يعوزها الكثير من المنهجية أو الترتيب العلمي، أو حتى قراءة الظواهر. أعتقد أنّ هذه القضية الأساسية، هناك الكثير من الكتابات واطّلعت على غيرها كثيراً فإنّها خفيفة من ناحية المستوى، ضعيفة من ناحية الترتيب الحَدثي، أو عرض القضية الخلافية، أو قضية النقاش، وأيضًا أنّها لا تحمل أيّ فكر تطوّري. بالعكس إنّها تقوم كلّها على فكرة الهدم، وفكرة إعادة البناء مع كثرة الاستبعاد يريد البناء على فئة محدودة جدًا إنّها يمكن أن تقوم بإعمار البشرية مرّة أخرى، وبالتالي هنا أعتقد أنّ التحدّي الأساسي هنا في فَهْم هذه الظواهر التي تتوالى على عصور مختلفة وهي منتشرة في عصرنا الحالي، هي لماذا تعاود هذه الأفكار الابتعاث في ظلّ الأوضاع السياسية المختلفة وبنفس الأفكار البسيطة؟ مثلًا إذا راجعنا، مثلًا كتاب الفريضة الغائبة، وهو وقع في خطأ منهجي كبير، هو أنّه أراد نقل الأحكام التي طُبِّقت على التتار على الواقع الحالي، وبالتالي أعتبر كل الناس تتار أو غير مسلمين. وفي ما يتعلّق بكتاب الدار والديار لكاتبه، وأنا لا أعتقد أنّه كتاب تأليفيًا،  أو مؤلّفًا، هو يعيد إنتاج مُتماثل لا يقدِّم جديدًا في هذا الشأن بقدر ما أنّه يوغِل تمامًا في فكرة الاستبعاد والاستثناء لأنّه كل الناس غير مسلمين إلا مَن تمتّع بصفةٍ معينة إلّا من كان تحت ولايته، أو تحت ولاية دولة إسلامية. حتى الدولة الإسلامية فيها الكثير من الاستبعادات مِن هي المنطقة أو المكان، وبالتالي هو اعتبر أنّ المعيار لديه هو وجود السلطة الحاكمة التي تظلّ تحتها، أو تطبّق الشريعة وفقًا لمفهومه، وأنّ هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يكون فيه. ولكن القضية الأساسية، وهو يغفل كثيرًا من الاتجاهات الاجتماعية التي تتعلّق بدراسة الأقلّيات وغير المسلمين كيف يكون وضعهم تحت السلطان خصوصًا وأنّ كل المجتمعات لا تخلو من وجود أقلّيات أو غير مؤمنين بهذه القضية.

فإذا كان السلطان حاكِمًا، وأنّه يُقيِّم الناس على أساس العقيدة، فبالتالي أنّ مثل هذه الكتابات أعتبرها نوعًا من التفكير لا أودّ القول بأنّها بصوتٍ عالٍ، أو شغبطة هي أعتقد أنّها لا تتصدّى بجديّة لقضايا التطوّر في العالم الإسلامي، وبالتالي هنا إذا ما رجعنا إلى الكتاب بحدّ ذاته هو أنّه يُطلق صفة الكفّار أو حتى التكفير، أو الحُكم السلبي والموقف السلبي على كل السكان تقريبًا حتى بمن فيهم مَن كانوا تحت الدولة الإسلامية في وقت ما، وبالتالي في المعيار المعاصر هنا أنّه لا يوجد مجتمع مسلم إلّا مَن كان تحت داعش على سبيل المثال، وإذا مازالت دولة داعش، فإنّنا نكون هنا أمام مَن هو المسلم هل الذي يُقيم العبادات ويُقيم الصلاة فقط، ويؤدّي الفرائض، لا لكن الاعتبار هو أنّه طالما لا توجد سلطة أو سلطة مسلمة تطبّق الشريعة، فإنّما كلّما هو تحت ذلك يعتبر مشكوكًا فيه أو من الكفّار. وأعتقد أنّ القياس الذي عمله هنا لارتباطه بالتعريف بالمكان هو ورد في سورة يوسف "وسأل القرية التي كنّا فيها والعير التي أقبلنا فيها". وبالتالي هو يقول أيّ عِلم من اللغة الذي يجعل من هذه القضية، أو هذه المسألة قضية للنقاش.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ خيري عندما تفكّك الدار والديار جملة جملة كلمة كلمة، تجد الكثير من التجافي بين منطلقاته التي وضعها بناءً على رؤية خارجية وبين السيرة النبوية الواقعية. ففي الفصل الأول يتحدَّث عن دار مكَّة مثلًا في دار مكَّة الرسول لم يقتل أحدًا، ولم  يجاهد أحدًا، وهذا دليل على أنّ دعوة الإسلام دعوة سلمية إنسانية، كان الرسول يبحث عن القِيَم الإنسانية. في المدينة المنوَّرة صالحَ الرسول اليهود وعاهَدَ النصارى وسمح للجميع بالحريّة الدينية. للأسف الأيديولوجيا دمَّرت حتى السيرة النبوية في عُرف مثل حلمي هاشم.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نواصل البحث بُعيد الفاصل.

 

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، عدنا والعود أحمدُ، ومَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج ونُفكّك كتاب الدار والديار لحلمي هاشم، هذا الكتاب الذي ازدحم بقنابل النصّ ونصوص القنابل. دكتور كمال الدكتور حسن حنفي في كتابه "الحركة الإسلامية في مصر" في الصفحة 102 يقول إنّ الذي تحكّم في الحركات الإسلامية المصرية العقيدة والطريقة، أو الفكر والممارسة فالعقيدة هي التوحيد والمنهج هو الطريقة والجهاد. لماذا دائمًا نحصر الجهاد في السيف، في الخنجر، في الرصاصة، الجهاد مفهوم عام يشمل البناء الحضاري، يشمل بناء المستشفيات، يشمل البحث العلمي، يشمل الارتقاء بالدولة إلى مصاف الدول الصانِعة للدور في المسرح الدولي، يشمل الكثير من الأمور. لِمَ حصر الجهاد بالسيف والعسكر والعنف والعنف المُضاد؟

 

كمال حبيب: سؤال مهمّ، وحتى حلمي هاشم من غرائبه أنّه مثلًا في تفسيره لقول الله تعالى: "وقل جاء الحق وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقًا"، يقول قُل جاء الحق يعني جاء السيف، وليس ظهور الإسلام في مكَّة ودخول المسلمين إليها في العام الثامن الهجري. ففكرة القتال سيطرت على العقل الحركي والعقل الجهادي والعقل العربي فيما أطلق عليه لأنّ الأفراد على سبيل المثال  الماليزيين لا يفهمون هذا الفَهْم، الإسلام العربي بالذات هو عنده هذه القصة، وهي قصة من أسمائها الإسلام المواجه  وشرعيته قائمة على فكرة مواجهة الدولة، وليس اعتبار الدولة دولتنا جميعًا، وأنّني حتى حين أقاومها أو أختلف معها، أو أرى سبيلًا لإصلاحها، أو حتى تغييرها يكون من داخلها على أرضيّة أنّها دولتنا جميعًا.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

كمال حبيب: لكن شرعية هذا الإسلام المواجه، أو هذا العقل المواجه، أو هذا العقل القتالي قائمة على فكرة اعتبار الدولة جاهلية واعتبار الدولة تعبيرًا عن مُنازعة الله سبحانه وتعالى حقّه في التشريع، وحقّه في الحاكمية وكذا، وبالتالي لا بدّ من إزالة هذه الدولة، والمجيء بدولة جديدة، أو بسلطان جديد هذا السلطان الجديد يحكم بالشريعة وفقًا لتصوّر هذا العقل التمامي الذي لا يتصوّر أنّ المجتمعات البشرية في سيرتها فيها كلّ الأطياف، وفيها كل الأحوال، وفيها تقلّب في المعاش. هو لا يتصوّره يريد صبّ الناس جميعًا صبًّا واحدة فكرة الديار والكلام الذي تفضّلت به حضرتك، والقتال أنا فكّرت بهذه القصة، وما هو اهتمام حلمي هاشم بموضوع الدار والديار وجعلها عنوانًا، ويستحضر مكَّة، وخيبر، والمدينة ويُجهد نفسه، وكما أقول أنا (يشال ويتهبل) حتى يصل إلى نتائج تصل به إلى تكفير الناس، ونفي الإسلام عن هذه الدور، وتلك المجتمعات بإشارات واهية، مثلًا "وتلك القرى أهلكناهم"، يريدها مثلًا أنّ القرآن تحدَّث عن أحكام الديار. أنا أتحدَّث عن فكرة الغربة وحكاية بدأ الإسلام غريبًا وشعور حلمي هاشم بالغربة وتقديسه لفكرة الاعتزال وفكرة الاستعلاء الإيماني، ففكرة الغربة هذه تشعره بأنّه موضوع الدار الدار التي تكثر غربتها، الدار التي تكثر عزلتها، الدار التي تكثر حزنه والدار التي تكثر تمرّده، كل هذا الكلام لذلك فكرة الدار والديار مهمّة لهذه الجوانب النفسية. وأودّ القول هنا إنّ موضوع الدار والديار، هذا موضوع فقهي وليس عقدياً بمعنى أنّه مثلًا الفقهاء القدامى تحدّثوا عن مسألة العلاقة مع العالمين قائمة على الصيغة التي كانت موجودة في هذا الوقت، وهي صيغة الحرب، ولكن هناك معاهدة هناك إستئمان المُستأمنين وكذا. لكنّ الفقهاء المعاصرين يجعلون السلم هو الأصل، وأنّ هناك معاهدات دولية في العالم الآن هذه المعاهدات تعتبر عقدًا مُنظّماً للعلاقات بين الدول.

هذه مسألة فكرة الاتصال وسقوط الحدود والعالم المفتوح اليوم، ووَهْم الدار لم يعد هناك أمر إسمه دار إسلام ودار حرب، وإنّما أصبحت الدار دارًا واحدة، وكان الفقيه التقليدي القديم لا يتصوّر أنّ تكون هناك شريعة من دون دار، لذلك عظَّم فكرة الدار جدًا، وأصدر أحكاماً كفكرة أنا بريء ممّن يقيمون في دار الكافرين، وكل هذا الكلام، وهو نصوص جزئية متعلّقة بفكرة الدار القديمة ومركزيتها. لكن الآن أصبح هو حامل هذا الدين مع غياب دول إسلامية في الغرب وانتشار المسلمين هناك ووجودهم الآن لا تجد بلدًا في الغرب، لا يوجد فيها مسلم. الآن مَن يحمل هذا الدين الإنسان، وليس الدار بمعنى الإنسان المسلم الموجود في أميركا، والموجود في بريطانيا، والموجود في روسيا وفي كل العالم، هذا الإنسان هو الذي يحمل مسؤولية هذا الدين وهو الذي يحمل دعوته.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال إذا سمحت في هذه النقطة تحديدًا نحن أمام رسولين أمام محمّدين أمام نبيّين. عندما تقرأ شخصية الرسول في القرآن هو الليّن، هو الطيّب، هو الخلوق، هو المُرْسَل للإنسانية قاطبة، هو الذي يشفق على الجميع حتى على المُشركين والكفَّار. وعندما تقرأ الرسول في الأثر الحديثي تجده الذبَّاح، الجزَّار، القادِم بالرُعب. إذًا، مبدئيًا لتصحيح الصورة، وإعادة الألَق للإسلام يجب أن ننتصر لرسول القرآن، ونرمي رسول الأحاديث المزوَّرة التي كان وراءها كعب الأحبار، وعبد الله إبن منبا، وبن سلام وغيرهم من عتات الصهيونية آنذاك الذين سرقوا موروثنا، هذا الرسول لا نقرّ به. وأنت تعلم القاعدة تقول إذا تعارض القرآن والسنّة، فالمبدأ أن نعمل بالقرآن ونترك السنّة جانبًا.

دكتور محمّد شرقاوي طبعًا حلمي هاشم ليس مُجرَّد فكرة هي فكرته موجودة في الموروث الإسلامي، وبالتالي عندما كان يبيع الكُتُب في مصر. وأنا تتبّعت حركة تكوّنه الفكري، كان ينقل ورداً في هذا الكتاب، ورداً في هذا الكتاب، فهو ضحية هذه الأفكار المطروحة في المتون الإسلامية. لماذا لا نقوم الآن بتطهير هذه المتون حفاظًا على أجيالنا حتى نسلّم الراية لجيل يؤمن بالعقل أولاً وبعقلانية الشرع لأنّه لا يمكن للشرع أن يُضاد العقلانية والأنْسَنة، ولا يمكن أن يكون الإسلام ضدّ الإنسانية؟ تفضل دكتور محمّد.

 

محمّد شرقاوي: أقول هذا سؤال مهمّ، لكن دعني بداية أعلّق على ما تفضّلت به، وهو أنّ هناك رسولاً قرآنياً، وهناك رسول في السنّة النبوية المُطهَّرة، الحقيقة بعض الناس ينتزعون بعض الأحاديث من سياقاتها ومن المناسبات التي قيل فيها الحديث، ومن الحادثة التي قال بها الحديث ويوظّفونها في سياقات مختلفة تمامًا، وهذا ما فعله الحقيقة صاحبنا وغيره من الكتَّاب في هذا الصَدَد، لكن القول على الإطلاق بأنّ هناك رسولاً يصوّره القرآن وهناك رسول آخر تصوّره الأحاديث والسنّة المُطهَّرة ربما يحتاج إلى شيء من التوضيح، أو شيء من التقييد. وإذا عدنا إلى كتاب صاحبنا، فالحقيقة هذا الكتاب مليء بالألغام ومليء بالأحكام والطروحات غير الإسلامية على الإطلاق الذي تتصادم مع المبادئ الإسلامية الأساسية والأحكام الإسلامية والمقاصد والمعاقب الإسلامية الأساسية. فقد بالغ في الغلوّ مبلغًا بعيدًا ليس الغلوّ في تكفير المجتمعات التي لم تؤمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم ولم تقبل بالإسلام، لكنّه كما نعلم جميعًا وأنا أعيد هذا الكلام، وأؤكّد عليه ربّما بعض المشاهدين لم يقرأوا الكتاب، ولم يُتَح لهم الاطّلاع عليه، هذا الكتاب يتصادم تمامًا مع روح الإسلام ومع قواعده.

أنا حقيقة لا أقول هذا الكتاب فقط، ولكن معظم ما كتبه هذا الشخص يتناقض ويتصادم ويتعارض مع مقاصد الإسلام، ومع روح الإسلام ومع ما قدَّمه الإسلام للإنسانية وللبشرية، بل وللعالمين. هذا الدين من ألف بائه أنّه دين الرحمة، "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فكيف يكون معظم الكلام حول هذا الشخص وعند زملائه وأمثاله حديث عن دماء، حديث عن القتل، حديث عن هجرة المجتمعات الإسلامية والانعزال عنها. هذا الدين من مبادئه ومن سماته الأساسية أنّه دين السلام السلام الشامل، ليس سلام المسلمين فقط، ولكن سلام الإنسانية، لكن سلام العالم كلّه. الإسلام يؤسِّس لهذا السلام، ويريد من الجميع أن يعيشوا بسلام مسلمين وغير مسلمين، هذا طبعًا ينزع السلام وينزع الأمن، هذا الدين أيضًا كما هو معلوم من أساسياته، ومن ألف بائه أنّ رسوله صلّى الله عليه وسلّم جاء ليسمو بأخلاق الإنسان، بأخلاق الإنسانية، ويقول المسلمون هم الذين يجاهدون جهادًا كبيرًا، جهادًا لأنفسهم في سبيل التزام الأخلاق الأخلاق العالية الأخلاق السامية والأخلاق الرفيعة.

طبعًا عندما نقلّب في صفحات هذا الكتاب في جزأيه من أوله إلى آخره نجده يصادر هذه المسائل ويتناقض تمامًا مع الرحمة، مع السلام، مع الأخلاق العالية المثالية حتى مع كرامة الإنسان، وهي قاعدة إسلامية أساسية للإنسان من حيث هو إنسان.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد بالاستقراء العقلي والمنطقي عندما نرى لوحةً جميلة جذّابة نقول ما أعذبها، وما أذكى رسمها، إذا رأينا سيارة مُنمَّقة نقول ما أبدع المهندس الذي صاغها، الدين من سنخ الديَّان الله تعالى حكيم، مُحبّ، مُعطي، كريم، حنّان، منّان، يقينًا هذا الدين من سنخه. أصلًا لو كان التكفير شرعيًا لو كانت هذه النظرية صحيحة لمّا يخلق الله العباد، وهو مالك الوجود وعلّة الوجود وأصل الوجود. دعني أمضي إلى الأستاذ خيري، أستاذ خيري في الدار والديار الكثير من العبارات المُقزّزة والمليئة بالكراهية، ثقافة الكراهية، ثقافة البغضاء، ثقافة الإقصاء، ثقافة الاستئصال، لا تصلح في مجتمعنا الراهن حيث عدد البشرية أزيَد من سبعة مليارات. حتى ثقافة الدار والديار عندما وضعت كان عدد المسلمين قلّة، مجموعة آلاف اليوم نحن في سبعة مليارات، لو طبّقنا هذا الفقه لكانت الحروب العالمية هي سيّدة الموقف في المسرح الدولي.

 

خيري عمر: صحيح تمامًا القضية الأساسية، هل يمكن أن نعتبر ذلك فقهًا؟ أم ليس كذلك؟ أعتقد أنّ مشكلة الفكر العنيف هو ليس فكرًا جهاديًا إنّ الفكر العنيف هو لا يعرف كيف يقرأ المصادر، وكيف يصنّفها؟ وكيف يستخلص منها أحكامًا؟ عندما أشرت حضرتك في الملاحظة الختامية في القسم الأول هو أنّه لديه قراءة لمكّة قبل وبعد، ولديه قراءة للمدينة، ولديه قراءة لمدن أخرى. لكن عندما نحقّق أو ندقّق بهذه القراءة، هو لا يستطيع أو هذا التيار العنيف بالذات لا يستطيع ضبط النصوص، ولا يستطيع تأويلها، بالتالي هنا القضية الأساسية أعتقد أنّها نوع من الأفكار المبعثرة تظهر في ظلّ أزمات سياسية مُعيّنة، وأنّ الأزمات السياسية هنا ترتبط بحياة هذه الظواهر، ومن هنا القضية الأساسية أنّه لا يمكن تطوير هذا النقاش، أو نقاش هذه المجموعات لأن تكون من المصادر الرئيسية لفَهْم العالم، أو وضع تصوّر للعالم. بالتالي هنا القول بأنّ هناك نظرية للجهاد بين قوسين لهذه المجموعات أو نظرية للتطوّر أو نظرية لإقامة الدولة هي كلّها أفكار انفعالية لا تصلح لإقامة مجتمعات حتى النماذج التي أقيمت فيها هذه المجتمعات سواء في منطقة وسط آسيا، أو في شرق وغرب العراق من قِبَل داعش كانت هي نماذج بدائية جدًا لا يمكن القياس عليها، أو أنّها يمكن أن تكفي لاستيعاب التنوّع البشري والتنوّع الديني على مستوى العالم. من هنا القضية التي عرض لها هذا الكتاب هي قضايا وقفت مثلًا عند العصور الأولى، وبالتالي هذا نوع يتجاهل كثيرًا، ونحن نتجاهل كثيرًا أنّ هذا الفكر يمثّل حال استثناء، لكن هناك أصول كثيرة واجتهادات فكرية كثيرة أخذت بالاعتبار بمصادر التشريع، بمصادر الفقه، وبمستويات التكفير أيضًا، أو بمستويات الخروج مثلًا هو رغم أنّه يقول إنّ السلطة طالما وجدت لتطبّق الشريعة فإنّ ما تحتها يكون مسلمون، ولكنّه بعد ذلك توسّع في الاستبعاد، وهذا هو دَيْدَن كل الأفكار العنيفة بهذا الشكل.

فالقضية الأساسية هنا ما أثرته في السؤال الأول، هو لماذا نناقش مثل هذه الظواهر؟ لكي تتمّ التوعية بشأنها، ولكي تتمّ مناقشة ماذا تقول؟ وهل يمكن أن يمثل قناعة فكرية متكاملة لإقامة مشروع حضاري أو مشروع سياسي حتى؟ على الأقل أعتقد أنّه يمكن أيضًا  كيف تكافُح العنف أو تنقل ناساً كثيرة من مرحلة العنف والتكفير إلى مساحة الاعتدال، هذا هو جهد مطلوب، ولكن الجهد الآخر أعتقد أنّه مطلوب أيضًا هو كيف اجتهدت الاتجاهات الرصينة في تصوّر المجتمع والدولة والإسلام وكيف تكون الحضارة. أعتقد أنّه يمكن إقامة نقاشات متوازنة بين هذين الاتجاهين بحيث لا نقع فقط في خطأ التركيز على حال الاستثناء والظواهر الانفعالية ونترك الأسئلة الأخرى. عندما أشار الدكتور محمّد إلى أنّ الفكرة الأساسية في موضوع السنّة النبوية المُطهَّرة هي ليست مسؤولة عن القراءات المُتحيّزة، أو القراءات الاستثنائية، أو القراءات السطحية لها. وهناك كثير من العلماء والمدارس الفقهية والمذاهب عرفت كيف تستفيد وفق أصول منهجية من القرآن والسنّة والمصادر الأخرى في الاجتهاد والقياس وغيرها، ما المشكلة بالفعل؟ المشكلة بالفعل هي أنّ هل ترتبط بالدولة القومية المعاصرة؟ هل ترتبط بأنّ المجموعات هي ردّ فعل على سياسات أخرى؟ هل يمكن أن تناقش في هذا الإطار خصوصًا أنّ سيسيولوجيا التطوّر الاجتماعي في بلدان الشرق الأوسط، أو في كثير من البلدان لا تسير على وتيرة واحدة، أو يصعب على الدول فبعض الأماكن  تمتصّ حال التوتّر التي تحدث نتيجة سياسة ما.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ خيري ممّا قاله الدكتور محمّد عابد الجابري رحمة الله عليه في كتابه "الخطاب العربي المعاصر وبنية العقل العربي وتكوين العقل العربي"، يقول: "نحن على امتداد قراءتنا للموروث الإسلامي وجّهنا السهام إلى كل شيء، للنصّ كما فعل نصر حامد أبو زيد، للتاريخ الإسلامي للأحاديث الإسلامية،  جهة واحدة حيّدناها وهي العقل المسلم كان  يجب أن نوجّه السهام إلى العقل المسلم الذي أنتج مثل هذه الخرافات".

دكتور كمال لا أتصوّر أنّ حلمي هاشم لم يتلق لقاح (BCG) أو لقاح الحمّى، أو لقاح الشلل في صِغَره. في كتابه الدار والديار الفصل الثاني دار الكفر ومباحثه يتحدَّث حتى القطّة في دار الكفر كافرة، حتى البطّة كافرة، حتى الدجاجة التي تصدّر لنا مجمّدة كافرة. يا أخي اليوم الدكتور كمال، الغرب يصنع لنا السيارة، ويصنع لنا الملابس، ويصنع لنا السيارات، ويصنع لنا اللقاح  الذي سينقذ البشرية، ويصنع لنا المصاعد والهواتف والأقلام والصحون وكل شيء. إذا كان مبدأ حلمي هاشم صادقًا، فإذًا لنذهب إلى البادية ونتشري ناقة وانتهى الأمر. أليس كذلك؟

 

كمال حبيب: هذا الكلام لأنّه كما تعرف هو مسيرته كانت مسيرة مشوبة بالالتحاق أو التأثّر من أكثر الجماعات عُنفًا وتطرّفًا، التكفير شكري مصطفى التوقّف والتبيّن، كل هذه المجموعات العنيفة جدًا في حكمها على الناس، وترسل زخّات من العِقَد كما أشرت على المجتمعات المسلمة. هم في الحقيقة ليست لديهم فكرة التحضّر، أو التمدّن، أو الإيمان بأنّ الاسلام جاء لتحقيق مصالح الناس، ولتحقيق تمدّنهم ولتحقيق تحضّرهم، ولتحقيق عالمية إسلامية حقيقية يمكن أن تقدّم للعالم حتى الغربي ما يكون شفاء له على المستوى الأخلاقي، وعلى المستوى القِيَمي، وعلى المستوى الفلسفي. هم يريدون مجدَّدًا العودة إلى البادية، فكرة الهجرة إلى البادية وفكرة أحاديث آخر الزمان التي تقول يأتي على الناس زمان يكون خير ماله فرس ومثل هذه الأمور. صحيح أنا معك في هذا الكلام، لكن أنا أريد أن أشير إلى أمر سريع وهو فكرة أنّ هذا الرجل حلمي هاشم الذي كان ضابط شرطة كتب كُتُباً، والفكرة الأساسية التي أتته، وأنا أجلس وأفكّر بهذه القصة وقد تسبّب قبل أن يتحصّن كتب كل هذه الكُتُب وجاء أصول وفقه والفقه الجنائي الإسلامي وأشياء غريبة جدًا من المصادر التي لم يسبقه إليه أحد من الأصوات والتيارات المؤسِّسة للعنف نفسه يعتبر شاذًا جدًا جدًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور كمال انتهى الوقت للأسف أرجوك أنت قلت إنّهم يريدون العودة إلى البادية، ألم تقرأ ما قاله شاعرنا، وما الحب إلّا للحبيب الأول.

دكتور كمال حبيب شكرًا جزيلًا لك، دكتور محمّد شرقاوي شكرًا جزيلًا لك، الأستاذ خيري عمر شكرًا جزيلًا لك.