الفكر القومي العربي وخير الدين حسيب

خير الدين حسيب ومساهماته في العروبة والعمل العربي المشترك والمؤتمر القومي العربي ومركز دراسات الوحدة العربية... قراءة للواقع والآفاق والإمكانات والمعيقات.

 

المحور الأول:

غسان الشامي:أحيّيكم، أسّس خير الدين حسيب مركز دراسات الوحدة العربية عام 1975 كمركزٍ توثيقي يهتمّ بالقضايا العربية ويعرض الحلول لها، وفي عام 1990 كان من مؤسّسي المؤتمر القومي العربي كمنظمة وإطار عمل سياسي لشخصياتٍ عربية ذات توجُّهٍ قومي. يقوم المشروع النهضوي العربي في أهداف المؤتمر ومبادئه على روافع ستّ هي: الوحدة العربية، الديمقراطية، الاستقلال الوطني والقومي، التنمية المستقلة، العدالة الاجتماعية، التجدّد الحضاري. رحل حسيب وبقي السؤال، ماذا تحقّق من المبادئ الستّة ومن المحيط إلى الخليج عربٌ يهرولون إلى صفقة القرن والتطبيع والتفكُّك ونسيان فلسطين والانحناء المُذلّ أمام الإسرائيلي. السؤال حقّ، وعن أفق العمل العربي المشترك وتكريماً للراحل حسيب سنتحدّث مع الأستاذ معن بشّور الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي، ومن تونس مع الأستاذ أحمد الكحلاوي عضو الأمانة العامة للمؤتمر، وستكون معنا مداخلة للدكتورة لونا أبو سويرح مديرة مركز دراسات الوحدة العربية، كل هذا بعد تقريرٍ عن الراحل خير الدين حسيب.

تقرير: 

وُلِدَ خير الدين حسيب في الموصل عام 1929، درس ونال شهادته الجامعية من بغداد عام 1954، وتابع دراساته في مدرسة الاقتصاد في لندن وحاز درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج في المالية العامة عام 1960، حيث نشط في الجمعيات الطلابية وأصبح نائب رئيس رابطة الطلاب العرب في بريطانيا.

عُيِّن رئيساً لشعبة الإحصاء والأبحاث في شركة النفط العراقية، وعمل محاضراً في جامعة بغداد في الستينات والسبعينات، وبات مديراً عاماً لاتّحاد الصناعة عام 1961، حيث بدأ العمل على مخطّطٍ لتشريعاتٍ اشتراكية منها قانون تأميم البنوك، وتعديل قانون ضريبة الدخل والتركات.

تولّى عام 1963 وظيفة محافظ البنك المركزي بدرجة وزير، وأصبح رئيساً للمؤسّسة الاقتصادية العامة في العراق. وكان وراء دراسةٍ اعتُمِدَت أساساً في عملية تأميم النفط لكنّه سُجِن تسعة أشهر عام 1968 ثم عاد إلى التدريس في جامعة بغداد التي تركها إلى بيروت عام 1974، حيث عمل في اللجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة.

بعد عامٍ ساهم في تأسيس مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت لتعميق الوعي بقضايا الأمّة العربية فشغل منصب المدير العام، ثم رئيس مجلس الأمناء حتى أيلول عام 2017 حيث أشرف على نشر مئات الكتب والدراسات ومجلّة المستقبل العربي، كما أنشأ منظمة المؤتمر القومي العربي عام 1990 والتي ضمّت نحو 800 مُثقّفٍ ومُفكِّرٍ وكاتبٍ وسياسي منهم رؤساء دولٍ وحكومات ووزراء ونواب سابقون.

وتولّى أمانته العامة في سنواته الأولى، كما عمل بفاعليةٍ في المؤتمر القومي الإسلامي، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، والمنظمة العربية للترجمة، والمنظمة العربية لمُكافحة الفساد حيث أطلق المشروع القومي النهضوي العربي مع مُفكّرين آخرين.

أصدر عدداً من الكتب منها "مصادر الفكر الاقتصادي العربي في العراق"، "رؤية في القضايا العربية"، "أوضاع الأمّة العربية ومستقبلها"، "نتائج تطبيق القرارات الاشتراكية في السنة الأولى"، "مستقبل العراق"، "الاحتلال"، "المقاومة"، "التحرير"، و"الديمقراطية".

توفّى في الثاني عشر من آذار مارس عام 2021.

غسان الشامي: تحيّةً لكم، أهلاً بك أستاذ معن بشور ضيفاً عزيزاً سيّدي، ما هي إسهامات خير الدين حسيب في المؤتمر القومي العربي وكيف تراه بعده؟ 

معن بشور: مما لا شك فيه أن المؤتمر القومي العربي كان أحد ثمار مركز دراسات الوحدة العربية الذي أُسّس كما تفضّلت وذكرت عام 1975 والذي كان إطاراً ليس فقط للتوثيق ولبحث شؤون الأمّة العربية بل كان إطاراً لتفاعل المُثقّفين والمُمارسين العرب من المحيط إلى الخليج، لا بل كان جسراً بين مُثقّفي المغرب والمشرق فعرَّف الكثير من أبناء المشرق بكبار المُثقّفين في المغرب وربّما من أبرزهم الدكتور محمد عابد الجابري، وعرَّف الكثير من أبناء المغرب بمُثقّفين ومناضلين من المشرق العربي. وشعر هذا المركز بأن عليه أن يستشرف مستقبل الوطن العربي فكلّف في بداية الثمانينات عشرات الباحثين والمُفكّرين العرب بإعداد دراسةٍ حول مستقبل الوطن العربي سنة 2020 أو 2025، وانصبّ جهد هؤلاء على إجراء استطلاعاتٍ واستبياناتٍ وغيرها، ووصلوا إلى نتيجة أن هذا الوطن العربي أمام ثلاثة سيناريوهات: السيناريو الأكثر سوءاً وهو أن تبقى أوضاع الوطن العربي كما كانت عليه في الثمانينات بمعنى أقطارٌ مُتناحِرة، وهذا يؤدّي إلى تفكّك هذه الأقطار ذاتها كما نرى اليوم وهذا هو السيناريو الذي سيأتي.

غسان الشامي: حصل ما قبل السيناريو.

معن بشور: بدأ يحصل ما قبل السيناريو لكن الآن بأسوأ الأوضاع كما نرى في العديد من أقطارنا العربية، ثم كان السيناريو الثاني الأسوأ ولكن ليس الأكثر سوءاً وهو يقول إنه ستقوم منظمات تكامل إقليمي وكانت قد بدأت تقوم في ذلك الحين: مجلس التعاون الخليجي، مجلس التعاون العربي الذي ضمّ مصر والعراق والأردن واليمن والذي يعود مثيله اليوم من دون اليمن، مصر والعراق والأردن وأيضاً اتّحاد المغرب العربي. وكان يقول هذا السيناريو إن هذه التجمّعات إذا لم تتكامل ستنفرط ثم ستفرط الأقطار نفسها في ما بعد. السيناريو الثالث وهو السيناريو الجيّد هو سيناريو التكامل العربي، سيناريو النهوض العربي، لتوفير شروط هذا النهوض لا بدّ من مشروعٍ للنهوض العربي بعناصره الستّة التي تفضّلتَ وذكرتها، هذا المشروع يحتاج إلى مَن يحمله، ووصل هذا الاستشراف إلى أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا في ظلّ قيام كتلةٍ تاريخية من كل قوى النهوض في الأمّة بغضّ النظر عن خلفياتها التاريخية. هنا نشأت فكرة المؤتمر القومي العربي كإطارٍ يجمع أبناء السلالات القومية السابقة: الناصرية والبعث والقوميون العرب وشخصياتٍ مستقلّة كمقدّمة لبناء هذه الكتلة التاريخية الذي أخذ مبادرةً في ما بعد المؤتمر القومي بتشكيل المؤتمر القومي الإسلامي لتفاعلٍ بين التيارات، ومؤتمر الأحزاب العربية الذي تمّ تأسيسه في الأردن وكان الفضل الكبير فيه للراحل عبد العزيز السيّد. المؤتمر القومي العربي إذاً هو من ثمار مركز دراسات الوحدة العربية، وهو فكرة من أفكار بناء كتلةٍ تاريخية تحمل المشروع النهضوي العربي في مواجهة التحديات.

غسان الشامي: أستاذ معن المؤتمر في تعريفه إطارٌ للتحاور والتشاور بين الداعمين للمشروع النهضوي العربي، ما هو حال المشروع النهضوي العربي بعدما ذكرتَه من السيناريو الأوّل؟ هل هو تحت السيناريو الأوّل أم فوقه؟  

معن بشور: نحن نخوض معركة نهوض الأمّة على كل المستويات وبالتأكيد في هذه المعركة جولاتٌ أحياناً ننتصر فيها وأحياناً أخرى نتراجع، مثلاً حين نتحدّث عن مقاومةٍ فلسطينية أو مقاومة لبنانية أو عراقية للاحتلال الأميركي أو عن صمودٍ في سوريا فهذا يعني أن هناك مَن يقاوم مشروع الهيمنة ومَن يسعى إلى الاستقلال الوطني الذي هو أحد العناصر الرئيسية في المؤتمر القومي العربي. حين تقوم هبّات شعبية جرى استغلالها في ما بعد وتزييفها لكن جوهرها الأساسي الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، معنى ذلك أن هذه الأهداف موجودة في ضمير الأمّة العربية وتعبّر عن نضالها من أجل تحقيقها بشكلٍ أو بآخر لكنها أيضاً تواجه مَن يسعى إلى تزييفها وتهميشها وتجويفها وأخذها باتجاهات أخرى. إذاً هناك معركة تدور كل ساعة وكل يوم بين حَمَلة المشروع النهضوي العربي وبين المُتضرّرين من انتصار هذا المشروع. اليوم تحدّثت عن التطبيع، هناك بالتأكيد حكومات تهرول نحو التطبيع ولكن هناك أيضاً قوى شعبية تناهض هذا المشروع. بالأمس عقدنا مؤتمراً عربياً عاماً "متّحدون ضد التطبيع" حضرته 500 شخصية عربية، المؤتمر القومي العربي كان له دورٌ قيادي في هذا المؤتمر مع مؤتمراتٍ وهيئاتٍ أخرى كالقومي الإسلامي والأحزاب العربية ومؤسّسة القدس الدولية واللقاء اليساري العربي والجبهة العربية التقدّمية. إذاً هناك معركة تجري اليوم مثلاً في مواجهة التطبيع ولا نستطيع أن نقول إن المُطبّعين قد انتصروا، حين يضطر نتنياهو إلى تأجيل زيارته أو حين تضطر الحكومة الصهيونية إلى إبلاغ مواطنيها بعدم الذهاب إلى الدول التي طبّعت معها خوفاً من نقمة الناس فهذا يدلّ على أن هناك مواجهة، في البحرين هناك مواجهة، في المغرب هناك مواجهة، في السودان، وفي مصر والأردن مواجهة قديمة.إذاً حين وُضع هذا المشروع وحين شاركنا في وضعه وحين أعلنّاه مع الدكتور خير الدين حسيب في 22 شباط 2010 كنا ندرك أننا سنواجه صعوباتٍ وقوىً عديدة، لكن التصميم ما زال موجوداً والمؤسَّسات التي شارك في تأسيسها الدكتور خير الدين حسيب ما زالت موجودة وتقوم بمهماتها في مقاومة هذه القوى. 

غسان الشامي: دكتور أحمد الكحلاوي مرحباً بك في أجراس المشرق والميادين، سيّدي كيف تقرأ من مكانك من تونس ما قدّمه خير الدين حسيب للفكر العربي؟ 

أحمد الكحلاوي: الدكتور خير الدين حسيب مثلما قدّمه منذ حين الأستاذ معن بشّور هو مؤسِّس هذا المؤتمر ومؤسِّس المركز ومجلّة المستقبل العربي والعديد من المؤسّسات الأخرى والمؤتمرات الأخرى التي ذكرها الأستاذ معن، إضافةً إلى أنشطة أخرى مثلاً مخيّم الشباب القومي العربي الذي كان يؤمّه العديد من الشباب العرب من كل الأقطار تقريباً والذي تخرّج من مخيّماته آلافٌ مؤلّفة من الشباب القومي العربي، إضافة إلى نوادٍ ثقافية، هناك نوادٍ أسّسها الفقيد خير الدين حسيب في بعض الأقطار ولكنها لم تتواصل بسبب نقص التمويل لأن الأنشطة التي ذكرتُها كلّها تتطلّب التمويل، والمال سبب من أسباب تعطُّل بعض الأنشطة والأعمال التي تنتمي وتتعلّق بالمؤتمر القومي العربي. طبعاً على مستوى الفكر خير الدين حسيب أطلق أفكاراً جيّدة وعديدة، لكن في نفس الوقت خياره الذي ذهب إليه تحت عنوان الكتلة التاريخية بحاجة إلى قراءة دقيقة تدفعنا إلى إعادة قراءة الأمر ومعالجته بطريقة صحيحة. الكتلة التاريخية التي عمل عليها المرحوم الدكتور خير الدين حسيب تضمّ بالأساس عدّة تيارات وأطراف، ولكن بالأساس التيار القومي العربي والتيار الإسلامي الديني بصفةٍ عامة، واتّضح من خلال الممارسة أن هذا التعميم التيار الديني أو التيار الإسلامي السياسي بصفةٍ عامة، ثمّة مطبات كان من المفروض أن يهتم الإنسان بها ويعتني بها، أعطيك مثالاً وقع عندنا في تونس عندما نستضيف الدكتور خير الدين حسيب في يومه الأوّل ووصوله إلى تونس يتحدّث مباشرةً عن الكتلة التاريخية الممثَّلة بالشيخيْن، ويُقصد بهما زعيم حزب نداء تونس وهو حزب ليبرالي والآخر هو شيخ الإسلام السياسي والمقصود به الشيخ راشد الغنوشي، فعندما ندقّق النظر نعرف أن هناك حركة تاريخية أُسّست لتدمير العروبة ولمناهضة القومية العربية وهو تيار الإخوان المسلمين، ورأينا ما رأيناه خلال العشر سنوات الأخيرة من عذابات ومخاطر كبيرة جداً مثّلها هذا التيار الذي اعتُبر مع الأسف الشديد أنه يمثّل ركناً أساسياً في الكتلة التاريخية، ولكن من خلال العمل الميداني رأينا بأن الإخوان المسلمين دمّروا العروبة. 

غسان الشامي: أسألك وآمل بقليلٍ من الوقت أن تقول لي، ذكرتَ الوضع الإسلامي ولكن لم تقل لنا ما هو موقع المؤتمر القومي العربي في المغرب العربي بين الناس؟ 

أحمد الكحلاوي: المؤتمر القومي العربي موجود بين الناس والطاقات العديدة تتعامل مع هذا المؤتمر وتتعاون مع مخرجاته، وعقدنا الكثير من الأنشطة في المغرب، في الجزائر، في ليبيا التي كانت سابقاً ليبيا الوطنية الحرة المناضلة وليست ليبيا الآن التي دمّرها حلف الناتو بقرار من الجامعة العربية مع الأسف الشديد. المغرب العربي هو عربي بالفعل ولكن هناك بعض القضايا التي تتعلّق تحديداً بالمغرب العربي، هناك مثلاً قضية الصحراء الغربية، هذه القضية التي وكأنها صُنعت من أجل أن يقوم اتحاد المغرب العربي، هذا الاتحاد أُعلن منذ 30 سنة تقريباً ولكنّه يعمل شكلياً، هناك إدارة موجودة وأمين عام له ومؤسّسات ولكن هذا الاتحاد لا يعمل. إن كلفة عدم وجود الاتحاد أغلى وأعلى من كلفة وجوده وهذه كارثة يا أخي، ولكن المؤتمر موجود وله أنشطة داخل هذه الأقطار.   

غسان الشامي: أستاذ معن بشّور من مبادئ المشروع النهضوي العربي هو التجدّد الحضاري، أتمنّى أن تصف لي أين هو موقع التجدّد في ظلّ ما ذُكر وما ذكرته أنت والأستاذ أحمد من هذا الوراء العميم، السلفية الفكرية إذا أردتَ، أين هو مشروع التجدّد؟  

معن بشور: مشروع التجدّد الحضاري انطلق من فكرة بسيطة أننا أمَّة ساهمت في صناعة حضارة كان لها أثرها على مدى الإنسانية وهي الحضارة العربية الإسلامية التي أكّد المؤتمر أنه ساهم فيها عربٌ مسلمون وغير مسلمين وساهم فيها أيضاً مسلمون عرب وغير عرب، هذه الحضارة ككل حضارة إما أن تذبل وتتهاوى وتتّجه اتجاهاتٍ إنغلاقية ومُتخلّفة، وإما أن تتجدَّد من خلال تلاحُمٍ بين هذا الإرث الحضاري وبين مُتطلّبات العصر. من هنا جاءت فكرة التجدّد الحضاري بمعنى عدم تخلّينا عن حضارتنا ولكن في نفس الوقت السعي من أجل أن تصبح هذه الحضارة أكثر تجدّداً وأكثر ارتباطاً بتحدّيات العصر ومشاكله. من هنا فكرة التجدّد الحضاري أننا لسنا من الذين يقطعون مع ماضيهم ومع حضارتهم وفي الوقت نفسه لسنا من الذين يعيشون أسرى هذا الماضي ويبقون يتداولون في تفاصيله من دون الأخذ بعين الاعتبار ماذا حلّ بالبشرية، وبهذا المعنى نحن نكون قد قدّمنا ردّاً متجاوزاً لمَن يحاول أن يلغي حضارتنا من جهة ولمَن يحاول أن يقدِّم حضارتنا بالأشكال الرديئة التي تفضّلتَ وأشرتَ إليها. 

غسان الشامي: يقول البعض إنكم شاطرون في البيانات والخطابات، أنا بحثتُ مع كثيرين قبل إعداد هذه الحلقة، أنت ماذا تقول؟ 

معن بشور: لا شك أن البيانات في هذه الأيام مهمة لأن البيانات المُضادّة هي المُهيمنة على الساحة لكن هذا خطأ كبير لأن الكثير من المبادرات العملية التي قامت في الأمّة العربية بمواجهة التحديات المُتعدّدة قام بها أعضاء من المؤتمر، المؤتمر ليس حزباً، المؤتمر ليس تنظيماً وليس مركز دراسات، المؤتمر إطارٌ للتحاور والتشاور، نخرج بمواقف وقرارات معيّنة ويسعى أعضاء المؤتمر كلٌّ من موقعه سواء في حزبه أو في جريدته أو في وسيلة إعلامه أو في نقابته أو في كل أشكال العمل التي يعمل بها يسعى إلى تنفيذ ذلك. أعطيك مثالاً حين جرى الحصار على العراق مَن الذي ساهم في كَسْرِ هذا الحصار جواً وبراً؟ مَن الذي احتضن المقاومة العراقية حين كانت تُتّهم أشكالاً ألواناً في ذلك الحين غير أعضاء المؤتمر القومي العربي في أقطارهم؟ مَن الذي أخذ مبادرة من أجل إخراج واقعنا العربي من هذا الذي رافق ما يُسمّى بالربيع العربي؟ نحن كمؤتمر قومي عربي أطلقنا عدّة مبادرات، في سوريا أطلقنا مبادرة من أجل دعم سوريا بوجه التدخل الأجنبي ومن أجل الحوار والإصلاح، وكذلك الأمر في اليمن وحتى في مصر وفي ليبيا وحيث كانت هناك إشكالات، كنا نسعى لحلّها ضمن إمكاناتنا. أيضاً مَن الذي أخرج التظاهرات من أجل المقاومة في لبنان في العام 2006؟ مَن الذي جاء من مصر كوفودٍ شعبية تحت القصف ليعلن التضامن مع لبنان ولينقل هذا التضامن؟

غسان الشامي: أحتاج إلى فاصل، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الأستاذ معن بشّور، الأستاذ أحمد الكحلاوي والدكتورة لونا أبو سويرح، انتظرونا. 

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحيّةً لكم مُجدّداً من أجراس المشرق، معنا من ألمانيا الدكتورة لونا أبو سويرح مديرة مركز دراسات الوحدة العربية، سيّدتي ماذا أضاف مركز دراسات الوحدة العربية إلى فكرة العروبة والفكر القومي العربي؟ 

لونا أبو سويرح: أهلاً أستاذ غسان وشكراً على الاستضافة، لا شك أن مركز دراسات الوحدة العربية منذ تأسيسه في العام 1975 من 45 عاماً حقّق إنجازاتٍ رفيعة وضعته على قمّة المراكز البحثية العربية المستقلّة، وجعلت من إصداراته الدورية وكتبه مرجعاً رئيسياً للباحثين والمُثقّفين العرب في شتّى القضايا المحورية التي تناولتها هذه الإصدارات. المركز يلعب دوراً محورياً في حركة الفكر العربي وفي المواجهة الفكرية والثقافية في قضايا الوحدة ومشكلاتها والتحديات المعاصرة التي تواجهها بلداننا العربية. مجلّة المستقبل العربي وهي المجلة الشهرية التي تصدر عن المركز منذ أكثر من 41 عاماً وتخطّت ال 500 عدد في تشرين الأول أكتوبر الماضي رسالتها وعي الوحدة العربية ووحدة الوعي العربي، وقد نجحت في رسالتها على النحو الذي ساهم في تعزيز دور المُثقّفين والباحثين العرب في مواجهة التحديات التي نعيشها على مستوى الأمّة وعلى مستوى الدولة في منطقتنا العربية.  

غسان الشامي: في العادة كان المركز يُصدر 50 عنواناً في الشهر وهذا فعلاً رقم كبير في النشر، الآن نحن في العام 2021 توفّى المؤسّس، أريد أن أسألك أيّة مشاريع مستقبلية للمركز في النشر؟ هل سيبقى ضمن النشر الوَرَقي أيضاً في ظلّ طغيان النشر الإلكتروني؟  

لونا أبو سويرح: في الحقيقة المركز الآن يسعى لأن يعود إلى دوره الذي تأسّس من أجله كمركز فكر وتوجيه. المركز عندما تأسّس في العام 1975 من نُخبة من المُثقّفين والسياسيين العرب في عزّ المدّ القومي العربي تأسَّس من أجل أن يكون مركز فكر، ثم اتّجه للنشر الوَرَقي كموردٍ لدخل المركز، وأيضاً لنشر الثقافة والفكر والمُنتجات من ندوات المركز أو حلقاته النقاشية في كتبٍ يتناولها القرّاء العرب في العالم العربي أو خارجه. اليوم نسعى لأن نعود مرة أخرى إلى  دورنا كمركز فكر وتوجيه، نعمل بصورة شفّافة وأكثر فعالية ومتفاعلين مع القضايا الراهِنة في الوطن العربي على جميع الصُعُد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ما يشغلنا اليوم من قضايا نبدأ العمل عليها في القريب العاجل إن شاء الله كمشاريع بحثية هي الهوية العربية وهي شغلنا الشاغل اليوم من واقعها وتحدياتها ورؤيتها المستقبلية، وأيضاً اللغة العربية في الواقع العربي والتحديات التي تواجهها، هذه بعض الأمثلة من المشاريع البحثية التي سنعمل عليها، وقد توجَّهنا منذ ثلاثة أعوام إلى النشر الإلكتروني بكل قوّتنا من خلال شراكات ومن خلال وسائل التواصُل الاجتماعي والمنصَّات الإلكترونية حتى نستطيع أن نصل إلى أوسع شريحة من الشباب ومن الباحثين ومن المُهتمّين بالشأن العربي في منطقتنا وخارجها.  

غسان الشامي: سيّدتي ذكرتِ الهوية العربية، هل الهوية العربية تحتاج إلى إعادة تقميش؟

لونا أبو سويرح: هي تحتاج إلى إعادة بحث في واقعنا وتحدّياتنا اليوم، الشباب العربي يعيش حالاً من التشرذم الفكري والثقافي بسبب تشرذمنا السياسي في منطقتنا في الآونة الأخيرة. انتماء الأجيال العربية الجديدة لهويّتها العربية كما عرفناها على مدار العقود السابقة يختلف عن انتماء الأجيال السابقة وتفكيرهم في هويّتنا. اليوم الوطن العربي يعيش أزماتٍ سياسية وحروبٍ داخلية، يعيش أزمات هجرة وفقر وبطالة، كلّها تؤثّر على هويّتنا، فانطلاقاً من دورنا كمركز أبحاث أو كمركز فكر أن نعمل على نَبْش هذه القضايا والعمل على إحياء الهوية العربية والنظر إلى مكوّناتها في واقعنا الحالي مستمدّة بالطبع من تاريخنا الثقافي والقومي لكن أيضاً مع مُراعاة المُستجدّات الحاضرة والمستقبلية.

غسان الشامي: انا أريد أن أشكرك جداً سيّدتي على هذه المشاركة.

لونا أبو سويرح: أشكرك جداً على الاستضافة. 

غسان الشامي: أستاذ أحمد الكحلاوي المشروع النهضوي العربي يعتمد مبدأ الديمقراطية أيضاً، أين هي في المؤتمر وفي البلدان العربية؟

أحمد الكحلاوي: أولاً يجب أن نتّفق على أيّة ديمقراطية تخدم مصالحنا، ومن أيّ أصلٍ تأتي هذه الديمقراطية، الديمقراطية بمعنى تمكين جماهير هذه الأمّة من أن تشارك وتكون المشارك الرئيسي في تحديد أوضاعها ومستقبلها. إذا كان الأمر يتعلّق بديمقراطية من هذا النوع فكلّنا في المؤتمر وخارجه مُتّفقون على أننا يجب أن نصنع لأنفسنا ديمقراطية تخدم أهدافنا كالتي جاءت في الأركان التأسيسية للمشروع القومي العربي التي ذكرتموها منذ حين، أما إذا كانت الديمقراطية تلك التي تأتينا عبر الطائرات التي تدمِّر أوطاننا والتي تأتينا عبر البواخر التي تحاصرنا وتأتينا عبر الأقمار الصناعية فهذه ليست ديمقراطية، هذا الغرب لا يرسل لنا ديمقراطية. 

غسان الشامي: نحن نقصد الديمقراطية الحقّة بعيداً عن الديمقراطيات المُسْتورَدَة.

أحمد الكحلاوي: ولكن الذي نراه مثلاً في ما سمّي بالربيع العربي وشعارات الديمقراطية والحرية إلى آخره، هذه تأتي من خلال دعاوي ديمقراطية غائبة في الوطن العربي، فإذا كانت الديمقراطية المقصودة تلك التي تأتينا عبر الجواسيس وأجهزة المخابرات والتي لا تمثّل طبيعة مجتمعنا. نحن بحاجة إلى ديمقراطية تعكس طبيعة مجتمعنا العربي وليست ديمقراطية تعكس مجتمعات الغرب في أميركا وأوروبا إلى آخره، هذه الديمقراطية يجب أن نصنعها نحن وبإمكاننا ذلك. نحن علّمنا الإنسانية ما لم تعلم، نحن حكمنا العالم سبعة قرونٍ وصنعنا الحضارة، الغرب بقي 400 سنة يتعلّم الطب العربي باللغة العربية. نحن أمّة صانعة للحضارة وقادرة على أن تصنع ديمقراطيّتها الخاصة بها والتي تستجيب لطبيعة مجتمعها العربي، لذلك في المؤتمر القومي العربي نتحدّث عن ديمقراطية عربية تخدم مصالحنا وتساعدنا على أن نكون متوحّدين في الحوار وفي القرار من أجل أن ننهض بأنفسنا، هذه إذاً فكرتي حول الديمقراطية.  

غسان الشامي: أستاذ معن بشّور ما هي المبادرات التي تحضّرون لها، تستعدّون لها، ستقومون بها، مشاريعكم؟ 

معن بشّور: من دون شك مشاريعنا بشكلٍ أو بآخر نوعان، هي تخطيطٌ لحشد أكبر قوىً ممكنة لمواجهة التحديات المفروضة علينا، مثلاً اليوم هناك تحدّي التطبيع الذي يريد تصفية القضية الفلسطينية. نحن في المؤتمر القومي العربي وقبلها صفقة القرن مع المؤتمرات والهيئات الأخرى بادرنا إلى حشد أكبر قدرٍ ممكن من قوى مختلفة أحياناً في مواضيع بلادها أو أمورها الداخلية لكننا حشدناها ضدّ صفقة القرن وضدّ التطبيع اليوم، ونسعى إلى إطلاق برنامجٍ مُتحرّر ضدّ التطبيع. عقدنا لكل هيئات مُناهضة التطبيع اجتماعاً الأسبوع الماضي من أجل وضع خطة لمُناهضة التطبيع، هناك فكرة من أجل مُلتقيات مُتخصّصة بمُناهضة التطبيع، ملتقى تربوي، حقوقي، شبابي، إعلامي إلى آخره، وهناك أيضاً تفكيرٌ بمشاريع من أجل النهوض بالواقع العربي. أنا أعطي مثالاً بسيطاً، الآن فكرة الوحدة العربية رغم ألا حل لمشاكل أقطارنا وهي مشاكل متعدّدة، القُطريات لم تقدّم حلاً لا اقتصادياً ولا أمنياً ولا سياسياً بل على العكس من ذلك هذه الأقطار تتفتّت، يجب أن يكون باستنهاض فكرة الوحدة العربية ليس بالمعنى الدستوري الجامد، ليس بمعنى الوحدة الاندماجية وإنما كما قال المشروع القومي العربي من خلال وحدة اتحادية. الآن في لبنان رئيس الجمهورية تحدّث عن تكاملٍ مشرقي بين لبنان وسوريا والعراق والأردن وأيضاً نحن نريد أكثر من ذلك، تكامُل عربي.

غسان الشامي: يعني مثل التكامُل المغربي، مجلس التعاون الخليجي، مجلس تعاون مشرقي. 

معن بشور: تماماً وهذا المجلس يجب أن يتعاون مع التجمّعات الإقليمية الأخرى لأننا في مواجهة العدو الصهيوني. المشرق العربي وحده ليس كافياً إذا لم يكن هناك مشروع عربي عام وخصوصاً مصر في قلبه لمواجهة هذا المشروع. نحن نسعى لنفكّر بالانتقال من الدفاع كما يقولون، الدفاع عن العروبة والقومية العربية إلى الهجوم باتجاه تحقيق شكلٍ من أشكال التكامل أو التشبيك كما يُسمّيه دائماً زميلنا والأمين العام السابق الدكتور زياد حافظ، التشبيك بين الأقطار العربية لمواجهة احتياجاتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

غسان الشامي: أستاذ بشورلطالما كان الصراع مع إسرائيل عامل وحدةٍ بين المواطنين العرب ويمكن أن يكون عاملاً شكلانياً أيضاً بين الدول العربية وربّما بعض الدول لا التي خاضت حرب 1973، دور هذا التوحيد العربي تفتّت في ظلّ صفقة القرن، الاستسلام، الانهزام، التطبيع، وأصبحت فلسطين لدى الكثير ممّن آمن بها حلماً بعيد المنال، كيف ترون دور المؤتمر العربي في استعادة جوهر ما جمع العرب وهو المسألة الفلسطينية؟ 

معن بشور: أولاً المؤتمر القومي العربي كما قلنا ليس حزباً، هو يطرح رؤىً تتبنّاها أحزابٌ، نقابات، جمعيات، يتبنّاها إعلام. نحن نعتقد ربمّا على عكس ما هو سائد ورائج أنه بمقدار ما نجد انقضاضاً على القضية الفلسطينية وتهميشاً لها ومحاولة إخراجها من أيّ جدول أعمالٍ عربي رسمي أو حتى شعبي يجب أن نسعى بالاتجاه المعاكس. تحدّث أخي أحمد عن مخيّمات الشباب القومي العربي، هذا معناه أن نُدخل الشباب في قلب هذه المعركة وهم في قلبها، مَن الذي يقاتل في فلسطين؟ في لبنان وفي سوريا والعراق وفي اليمن؟ هم شبابنا، هم شباب الأمَّة. كيف يمكنني أن أصدِّق أن قضية فلسطين قد أصبحت خارج الوجدان العربي وأنا أرى الملايين تخرج تحت القصف في اليمن من أجل فلسطين، وأنا أرى ما أراه في لبنان من مقاومةٍ غيرّت معادلاتٍ كثيرة. 

غسان الشامي: ولكن لم يخرج شاب واحد في المملكة العربية السعودية يا أستاذ. 

معن بشور: كل بلد له ظروفه التي يجب أن تُدرَس لكن حتى في المملكة العربية السعودية حين قيل إن قمّةً عربية ستنعقد في الظهران يومها ستكون قمّة التطبيع والتنازل عن القدس بعد أن اعتبر ترامب القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني، ماذا اضطّر الملك سلمان حينها أن يقول؟ قال إن هذه قمّة القدس، لماذا قال ذلك؟كم من السياسيين العروبيين واليساريين والإسلاميين موجودون في المعتقلات بسبب تمسّكهم بفلسطين؟ كم من الفلسطينيين موجودون في المعتقلات؟ نحن نعلم أن حال الواقع العربي ومن هنا نحن نسعى للديمقراطية لأن الديمقراطية تتيح الفرصة للمواطن العربي أن يعبّر عن رأيه. الكثير يسألون لماذا أوروبا اتّحدت ونحن لا نتّحد؟ لسببٍ بسيط أن المجتمعات الأوروبية قادرة أن تعبّر عن رأيها ونحن ما زلنا محجوزون، هناك قمعٌ حقيقي في الوطن العربي يحول من دون أن نعبّر عن رأينا في موضوع فلسطين وغيره. 

غسان الشامي: أستاذ أحمد الكحلاوي برأيك ماذا يحتاج مشروع الوحدة العربية ليصبح ظاهرة شعبية حقيقية جارفة؟ 

أحمد الكحلاوي: هذا يمكن وهو بحاجة إلى بعض الشروط أوّلها تفعيل الأنشطة التي يقوم بها الشباب العربي الملتزم بالمخيّمات مثلاً، أرى أنه علينا أن نستفيد من هذه الآلاف المنتشرة والتي تؤمّ المخيّمات منذ حوالى 30 سنة يا أخي بأعداد كبيرة جداً. يجب أن نعود إلى هذه الطاقات الجبّارة، هم موجودون بالتأكيد في بعض الأنشطة التي تتمّ في بعض الأقطار ولكن المؤتمر القومي العربي يمكنه أن يفكّر في هذا الأمر بإيجاد صيغة عملية من شأنها أن تجعل الشباب يقومون بأدوارٍ مشتركة في نفس الوقت، في نفس الزمان وفي نفس المناسبات من أجل ان تتكوّن عبر حركية شبابية مشتركة في كامل الأقطار لنفس القضية، مثلاً قضية يوم الأرض، نحن في تونس هذه السنة شبابنا في المدارس الإبتدائية وفي المعاهد الثانوية أحيوا يوم الأرض باعتبار أن الأرض تمثّل ركناً أساسياً في مقوّمات هذه الأمَّة مثلها مثل الشعب، ولذلك شبابنا العربي يمكن أن نزيد من الاهتمام به والتنسيق بين أطرافه أو بين مُكوّناته من أجل أن تُحدَث أنشطة تتمّ في نفس الوقت وفي نفس المواضيع. كذلك النوادي الثقافية وهي مسألة هامة جداً، نفس الموضوع يُناقَش في كل الأقطار من خلال نفس الوثيقة التي يمكن أن تصدر عن المؤتمر القومي العربي، بهذا الشكل يمكن أن يستمر هذا المؤتمر ويطوّر من أعماله، الحرية السياسية مثلاً بدأ حديث الديمقراطية، هناك حد أدنى يجب أن يتوفّر من الحرية السياسية التي يمكن أن تقود إلى مشاركة شباب الأمَّة في كل ما يتعلّق بالأمَّة، أو قضية سوريا مثلاً كان من المفروض أن ننهض جميعاً في كل أقطارنا وفي نفس الوقت وبنفس القوَّة من أجل أن ندين هذه الجريمة التي تعرَّضت لها سوريا والتي تسبَّب بها هذا التيار الذي دمَّرنا والذي يجب أن نحمي شبابنا ممّا يقوم به هذا التيار.

غسان الشامي: أستاذ معن بشّور مرّتان ذكر الأستاذ أحمد الكحلاوي التيار الإسلامي السياسي، هناك ترابُط ما بين المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي، هل تربطون القومية العربية ونحن نعلم من أين أتى مفهوم القومية بالإسلام؟ ألا يؤدّي ذلك إذا كنتم تربطونها إلى تطفيش أو إبعاد أو إقصاء مَن هم غير مسلمين أو مَن هم غير عرب ويعيشون في البلدان العربية؟ 

معن بشور: في الحقيقة هذا موضوع حسّاس ويجب أن يُوضَّح، نحن نتحدَّث عن تكامُلٍ وترابط بين العروبة كهوية قومية لأبناء الأمَّة العربية مسلمين وغير مسلمين وبين الإسلام كعقيدة لغالبيّة العرب ولكن أيضاً كثقافة وحضارة لغير المسلمين في المنطقة. أنا أعتقد أن العديد من المسيحيين لهم عقيدتهم وديانتهم المسيحية لكنهم يعتبرون أن جزءاً من ثقافتهم ومن حضارتهم مرتبط بالثقافة العربية الإسلامية، لذلك لا نرى تناقضاً في هذا الأمر، على العكس من ذلك الكثير من رموز العروبة والدفاع عن المُقدّسات الإسلامية هم رجال دين مسيحيين، المطران كبوجي ماذا؟ المطران عطا الله حنا ماذا؟ الأب إيمانويل مسلّم ماذا؟ أنا أتحدَّث عن أناس داخل فلسطين أما خارج فلسطين فهناك شخصيات كثيرة عربية مسيحية.

غسان الشامي: الكرد، الأمازيغ.

معن بشور: هنا العروبة، لذلك أنا أستشهد دائماً بكلمة جميلة جداً للإمام الشيخ محمّد مهدي شمس الدين رحمه الله يقول: "ليس في هذه المنطقة أقلّيات، في هذه المنطقة أكثريّتان، أكثرية عربية فيها المسلم وغير المسلم وأكثرية إسلامية فيها العربي وغير العربي". أريد أن أسألك بيان 11 آذار الذي اعترف بالحقوق الشرعية والثقافية والقومية للكرد في العراق مَن الذي أصدره؟ ألم يصدره حزبٌ قومي كان يحكم العراق آنذاك؟ نحن في المؤتمر القومي العربي نعتزّ بأن العديد من مؤسّسينا من المغرب ومن الجزائر ومن تونس هم أمازيغ ولم يشعروا يوماً من الأيام أنهم بعيدون عن العروبة، على العكس تماماً هم يعتبرون أن ثقافتهم عربية وأن محاولة الفصل هذه بين الأمازيغي وبين العربي في المغرب العربي هي محاولة أوّل مَن رفضها هو المجاهد الكبير محمّد عبد الكريم الخطّابي الذي رفض أن يُعلَّم شباب المغرب إلا اللغة العربية. 

غسان الشامي: ولكن الأرمني والكردي والشركسي، هذا موجود. 

معن بشور: هم جزء من مكوِّنات الأمَّة وكانوا يعيشون طيلة حياتهم داخل الأمَّة ولهم مواقع فيها، صلاح الدين الأيوبي قاد الأمَّة العربية كما قاد الأمَّة الإسلامية وهو كردي، لم يسأل أحدهم كيف يقودنا صلاح الدين الأيوبي وهو كردي، نحن حتى الآن نتغنّى بصلاح الدين الأيوبي ونعتبره بطلاً من أبطال العروبة والإسلام. أنا أعرف العديد من الشباب الكرد كانوا يقاتلون في صفوف الثورة الفلسطينية.

غسان الشامي: انتهى الوقت، قل بدقيقة إذا سمحت.

معن بشور: العروبة حين تكون عروبةً إقصائية تكون مُنافية لمفهومنا للعروبة، العروبة إذا لم تكن تجميعية بين العرب وغير العرب وبين الأديان المختلفة فلا تكون عروبة في تقديري، العروبة توحيدية تجميعية لا إقصاء فيها لا لعرقٍ ولا لقومية ولا لدين. 

غسان الشامي: شكراً، الوحدة حلم وهناك أممٌ نهضت من خلال الأحلام، انظروا إلى ما قاله مارتن لوثر كينغ عام 1963 "لديّ حلم" لكن الوحدة العربية يبدو أن دونها عملٌ كثيرٌ لا علاقة له بالأحلام أبداً بل بالواقع والوقائع التي تغضّن الكثير من الكوابيس. شكراً لخير الدين حسيب الذي حرّضنا غيابه على هذه الحلقة، والشكر موصولٌ للأستاذين معن بشّور وأحمد الكحلاوي والدكتورة لونا أبو سويرح، وأيضاً لزملائي في برنامج أجراس المشرق والميادين على جهودهم، أيامكم وحدة ومستقبلكم مزدهر، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.  

 

 

لغات المشرق القديم

اللغات في المشرق القديم من السومرية حتى السريانية وصولاً إلى العربية.. التشابه في المفردات والقواعد والنحو والصرف.. بنيانها ومدلولاتها ومكانتها في التاريخ ولماذا يتناولها البعض بشكل تعصبي؟

المزيد