العقل الداعشي في الديانات التوحيدية

هل تحمل الديانات التوحيدية بذور الداعشية في نصوصها أم في فهم أتباعها؟ ما الموقف اللاهوتي المسيحي منها؟ ما هو توصيف العقل الداعشي؟ وهل يبرر الخوف واللاأمان ردود أفعال منغلقة ومتعصبة وعنصرية وسلفية؟

 


المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، لم تخلُ ديانةٌ من الدعْوَشة في ممارسات أتباعها، ففي اليهودية فاتحة التدعيش، في سِفر العدد يقول "فتجنّدوا على مديان كما أمر الربّ وقتلوا كل ذكر"، ويهوه يقتل مئات الآلاف عند دخول شعبه ما سمّوها أرض الميعاد، وصحيحٌ أن النصّ الإنجيلي المسيحي يخلو من القتل لكن الممارسة الداعشية تبدأ منذ العهد البيزنطي بالقتل وتدمير آثار السابقين وصولاً إلى القرون الوسطى ومحاكم التفتيش وممارسات الفرنجة في المشرق، ولولا عصر التنوير والعلم لكان الغرب موحشاً، وكذلك في الإسلام حيث دخلت ثقافة السيف والقتال لكن أسوأ التبديات في الدَعْوَشة بانت في عصرنا الحاضر عبر التكفير والذبح والوهْبنة والطلْبنة والقاعدة والقائمة والخلافة بالسيف والدم. ومن هنا سيكون لقاؤنا مع الدكتور أسعد قطان أستاذ كرسي اللاهوت الأرثوذكسي في جامعة مونستر في ألمانيا، تقريرٌ عن تبديات التدعيش في المسيحية قبل عصور التنوير وبعده نأتي إلى الحوار. 

تقرير:

طيلة القرون الأولى من المسيحية لم يذكر التاريخ أفعال قتلٍ وذبحٍ رغم الخلافات اللاهوتية بل ردّ المسيحيون على الاضطهادات والتعذيب بإظهار الشجاعة في الإيمان واحتمال الآلام أسوةً بيسوع، لكن ما إن اقترنت المسيحية بالإمبراطورية الرومانية منذ الإمبراطور قسطنطين الذي وضع شعار الصليب على السيوف حتى تغيّرت الآية وبدأ عهدٌ لا يمتّ إلى المحبة والغفران، حيث جرى التعامل مع مَن لم يقبل ديانة الدولة بقسوة، ودُمّرت معابد الوثنيين أو جرى الاستيلاء عليها وتحويلها إلى كنائس.

في بدايات القرن الثالث عشر حاربت الكنيسة الزندقة كخروجٍ عن العقيدة، وبلور المجمع اللاتيران الكنسي عام 1139 التشريعات البابوية ضد الزنادقة، وطُبّقت على الألبيجيين إبان الحروب الصليبية وكانت عقوبة الزندقة والهرطقة الحرق.

أما محاكم التفتيش في فرنسا وإسبانيا والبرتغال فكانت علامة بؤسٍ قمعت العلماء والمُفكّرين مثل كوبرنيكوس وجوردان  وبرونو وغاليليو وديكارت.

وقاد الزعيم الكاثوليكي المُتعصّب روبرت لو بوغر محاكم التفتيش في جنوب فرنسا منتصف القرن الثالث عشر فقتل وأحرق وأباد قرىً، فيما تحمّل الراهب توماس توركمادا المتوفّى أواخر القرن الخامس عشر وِزْر آلاف الضحايا طيلة 17 عاماً من ترؤّسه محاكم التفتيش في إسبانيا.

يكفي ذكر ما حصل خلال حروب الفرنجة ضد المسيحيين والمسلمين معاً لتذكُّر سلسلة القتل باسم الدين، وتكفي نتائج مذبحة سان بارتيليمي في باريس عام 1572 والتي ذُبِح فيها آلافٌ من البروتستانت لتكوين صورة عمّا يفعله التعصّب الديني بالشعوب. 

أوروبا اعتنقت التنوير العِلمي والاجتماعي وفصلت الدين عن السياسة فأقلعت، ماذا عنا نحن؟

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أحيّيك دكتور أسعد قطان بعد زمنٍ التقينا، دكتور قطان هل تحمل الديانات التوحيدية في نصوصها نُذُر أو بذور الداعشية والقتل؟ 

أسعد قطان: أولاً أريد أن أشكرك على الدعوة.

غسان الشامي: أنت نادراً ما تأتي إلى لبنان.

أسعد قطان: صحيح، هل الديانات التوحيدية تحمل بذور العنف في نصوصها؟ طبعاً إلى حدٍّ ما، النصوص بالتأكيد فيها مظاهر عنف إذا أخذنا التوراة اليهودية أو العهد القديم ولكن أيضاً العهد الجديد في بعض نصوصه إذا أخذنا كتاب الرؤيا مثلاً الذي هو المقاربة التفسيرية التقليدية، رؤيا يوحنا اللاهوتي هي مقاربة تفسيرية رمزية ولكن إذا فسّرنا هذا الكتاب على منحى حرفي فنحن نستطيع الخلوص إلى استنتاجاتٍ تبرّر ممارسات عنفية، وفي القرآن الكريم الإشكالية معروفة حيث هناك نصوص تحرّض على العنف وهناك نصوص سلامية جداً، مثلاً الكلام الذي يقوله قابيل لقايين: "ولئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يدي لأقتلك إني أخاف الله ربّ العالمين". إذاً هناك نصوص تعبّر في القرآن الكريم أيضاً عن اللاعنف ولكن نعرف أيضاً أن هناك نصوصاً عنفيّة تدعو إلى محاربة الآخرين وإلى القتل، هل نستطيع أن نقول إن نصوص الأديان التوحيدية فيها بذور للعنف؟ لا أستطيع أن أجزم في الموضوع ولكن طبعاً هناك نصوص نستطيع أن نبني عليها ممارسات عنفية، والسؤال الذي يُطرَح في نهاية المطاف ليس ماذا تقول النصوص في ذاتها ولكن البشر الذين يؤمنون بهذه النصوص، كيف يتعاملون معها وكيف يحوّلونها إلى ممارسات، وأعتقد أن هذه هي النقطة المركزية. 

غسان الشامي: سأستغلّ فقهيّتك اللاهوتية لأن الموضوع الذي سنتكّلم عنه أغلبه في المسيحية، في المسيحية كيف تفسّر لاهوتياً التناقُض واسمح لي أن نتجادل قليلاً بين كلام السيّد المسيح أن "مَن ليس لديه رداء فليبِع رداءه وليشتري سيفاً" وبين ما قاله لبطرس: "اردد سيفك إلى غمده، مَن أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ"، أليس هذا طرفي نقيض واحد يدعو إلى السيف وآخر يدعو إلى حجبه؟  

أسعد قطان: إذا اعتبرنا إننا نستطيع أن نقرأ هذه النصوص بصرف النظر عن سياقها نصل إلى هذا التناقض الذي استنتجته أنت، ولكن في تصوّري أن الكلام الذي يبدو عنفياً في كلام السيّد عن موضوع السيف، هذا الكلام قاله يسوع الناصري قبل أيامٍ قليلة من ذهابه إلى الصليب وبالتالي كان يتوجّه إلى تلاميذه ويطلب منهم أن يتّخذوا موقفاً صارماً حاداً كالسيف لأنهم سيواجهون سياقاً جديداً بعد موته على الصليب، وبالتالي هو يحرّضهم على عدم التردّد، يطلب منهم ويستعمل السيف بوصفه استعارة، هذا هو التفسير المقبول في المسيحية، وأعتقد أنه لدينا أسباب كافية كي نقول إن هذا التفسير منطقي للنصّ إذا أبقيناه في سياقه ولم ننزعه من إطاره النصّي أولاً والتاريخي ثانياً.   

غسان الشامي: أنا لا أحاول انتزاعه ولكن تعلم أنه عندما تريد أن تصل إلى نتائج في الحوارات يجب أن تأخذ كل شيء، مثلاً نصّ آخر "أنا لم آتِ لألقي سلاماً بل سيفاً".

أسعد قطان: صحيح، السيف بمعنى الفصل.

غسان الشامي: أي أن الرجل يترك أباه، الزوج يترك زوجته، هل أتى لعالم جديد؟ هل السيف هنا فعلي أم رمزي؟  

أسعد قطان: السيف هو استعارة هنا تشير إلى ضرورة اتّخاذ موقف واضح في المسألة الإيمانية، هذا رأيي في الموضوع. المقاربة التي تنتهجها أنت لا أوافق عليها لأنها لا تأخذ بالاعتبار النصوص الأخرى في العهد الجديد وفي الكتاب المُقدّس ككل. نحن المسيحيون لدينا معيار لتفسير نصوص الكتاب المُقدّس بمجملها وهذا ينسحب على نصوص العهد القديم وأيضاً على نصوص العهد الجديد.

غسان الشامي: ولكن في العهد القديم دكتور قطان النصّ يشي بالفعل، ذبحوا حتى الأبقار والخراف وحرّموهم تحريماً. 

أسعد قطان: أنا لا أنفي العنف عن نصوص العهد القديم، وكما ذكرت لا أنفي أن هناك مظاهر عنفية في بعض نصوص العهد الجديد ولكن السؤال الأساسي هو ما هو المعيار الذي نستند إليه كي نفسّر هذه النصوص، والمعيار الذي نستند إليه هو ظاهرة موت يسوع المسيح على الصليب، وهذا الموت كان موتاً لاعنفياً، وبحسب المقاربة المسيحية فإن موت يسوع على الصليب كشف وجه الله الحقيقي، وهذا يعني أن النصوص الأخرى العنفية يجب أن نضفي عليها صفة النسبية سواء كانت في العهد القديم أو في العهد الجديد لأن مرجعنا النهائي والأخير في تفسير هذه النصوص هو محبّة الله التي ظهرت على الصليب بموت يسوع الناصري.

غسان الشامي: ما الموقف اللاهوتي المسيحي الفعلي من القتل والدعْوَشة؟ 

أسعد قطان: بادئ ذي بدء أنا لديّ تحفُّظ على استعمال لفظ الدَعْوَشة للتطرّف في المسيحية، أعتقد أن مسألة داعش هي مسألة مرتبطة بالثقافة الإسلامية، بمفهوم الأمّة الإسلامية، داعش هي اختصار لكلمة الدولة الإسلامية في العراق والشام، ولذا أواجه بقليلٍ من التحفّظ استعمال هذا المفهوم، وأنا لست مع إسقاطه على المسيحية، أفضّل أن أستعمل عبارة التزمّت أو التطرّف الذي قد يصل إلى حدّ العنف بمعنى العنف المسلّح ولكنني أتحفّظ قليلاً على استعمال لفظ الدَعْوَشة. والآن نعود إلى سؤالك، سألتني عن تفسير ظاهرة العنف في المسيحية، أعتقد أن هناك مجموعة من العوامل التي يجب أن نأخذها في الاعتبار، العامل الأوّل على المستوى الفردي، العنف مرتبط بسيكولوجيا الفرد بالدرجة الأولى وهو أيضاً مرتبط بسيكولوجيا الجماعات بمعنى أن هناك جماعات تعتبر نفسها متفوّقة على الجماعات الأخرى، هي سيكولوجيا التفوّق الكاذب، هذه السيكولوجيا إذا أخذتها إلى خواتيمها تتحوّل إلى تطرّفٍ يمكن أن يؤدّي إلى العنف، هذا من جهة ومن جهةٍ ثانية أحد العوامل الذي أدّى في المسيحية في مقاربةٍ تاريخية إلى الكثير من العنف وبعض هذا العنف ذكرته أنت شخصياً في مُقدّمتك هو التماهي ما بين المؤسّسة الكنَسية والدولة، الدولة التي مارست العنف عبر العصور سواء الدولة الرومانية وفي ما بعد الدولة البيزنطية أو في القرون الوسطى، وللأسف شهدنا عبر التاريخ تماهياً واضحاً ما بين المؤسّسة الكنسية ومؤسّسة الدولة اتّخذ أشكالاً متعدّدة، وهذا التماهي أدّى إلى نوعٍ من الضغط على الذين كانوا لا يقبلون الإيمان المسيحي أو ينتمون إلى منظوماتٍ عقائدية أخرى ما أدّى إلى اضطهادهم وإلى إجبارهم مثلاً على المعمودية. إذاً أحاول أن ألخّص، هناك عامل أنثروبولوجي، هناك بعض البشر يميلون إلى العنف وبعضهم يمجّون أو يستكرهون العنف. هناك عامل السيكولوجية الجماعية ولا سيّما عندما تعتبر الجماعة نفسها متفوّقة على جماعةٍ أخرى، البيض مثلاً يعتبرون أنفسهم متفوّقين على السود أو الفرس يعتبرون أنفسهم متفوّقين على العرب أو العرب على الفرس كما شهدنا في الأزمنة العربية ما يُعرف بالشعوبية انطلاقاً من واقعنا المعاصر، المجموعات المسيحية، الروم الأرثوذكس الذين يعتبرون أنفسهم متفوّقين وأعلى مرتبةً من الموارنة أو غيرهم، ويُضاف إلى ذلك التماهي ما بين الدولة والمؤسّسة الكَنَيسة أو الكنيسة كمؤسّسة. يُخيّل لي أن هذه العوامل الثلاث هي العوامل الأكثر تحديداً لظاهرة العنف في المسيحية.

غسان الشامي: حتى أضع الأمور في نصابها، أنا استخدمتُ تعبير "الدَعْوَشة" صحيح أنها تنظيم الدولة الإسلامية ولكن في مندرجاته وإسقاطاته هو عنفٌ كبير ودمٌ وقتل، من هذا المنطلق فقط لا غير، وهنا سأعيدها عليك، الممارسات الصليبية، محاكم التفتيش ماذا تختلف عن الداعشية؟ قتل كوبرنيكوس، غاليله، ديكارت، محاكم التفتيش وحدها دكتور من أين أتت؟ هل من خللٍ في الكنيسة، من خللٍ في الاجتماع، من علاقة الدولة بالكنيسة كما قلت؟  

أسعد قطان: إذا أخذنا محاكم التفتيش كمثال أعتقد أن هناك عاملين مُحدِّدين الأوّل هو العامل الذي ذكرته وهو التماهي ما بين المؤسّسة الدينية الكنيسة والدولة لأن الكنيسة حكمت بسيف الدولة واستعملت العنف باسم هذا التماهي وهذا الخلط ما بين الدولة والكنيسة، وعلى هذا المستوى أعتقد إننا مدينون للحداثة لأنها أتت بهذا الفصل ما بين الدين والدولة، هذا من جهة ومن جهةٍ أخرى إضفاء صفة الإطلاق على الرأي الكَنَسي، عدم قبول الآخر بمعنى إضفائه صفة الإطلاق على ما كان يُعتبر في ذلك الوقت رأياً لاهوتياً يختصّ بأمورٍ علمية ما أدّى إلى اضطهاد علماء مثل غاليله وكوبرنيكوس، وهذا يُعيدنا بمعنى من المعاني إلى ما ذكرته قبلاً وهو فكرة التفوّق، عندما أعتبر أن رأيي متفوّق على آراء الجماعات الأخرى أو على آراء العلماء، مثلاً عندما أكون لاهوتياً وما أعتبره حقاً في الكتاب المُقدّس يتفوّق على رأي العلماء وفي النهاية مَن يقوم بالعملية التفسيرية الأخيرة؟ لا أتكلّم هنا عن تفسير نصوص الكتاب المُقدّس فقط ولكن عن تفسير الظواهر الموجودة في الطبيعة وفي العالم. مَن هو مرجعيّة التفسير؟ لقد احتاجت الكنيسة إلى قرونٍ كثيرة حتى تتعلّم التواضع وحتى تتعلّم أنها في الأمور الطبيعية والفيزيائية والبيولوجية ليست هي مرجعيّة التفسير وإنما تفسير هذه الظواهر يقوم به العلماء، ولقد احتاجت الكنيسة إلى فترةٍ تعلُّمٍ طويلة كي تدرك أيضاً أن كتابها المُقدّس ليس كتاباً يختصّ بالعِلم، ليس كتاباً ينظّر أو يُطلق النظريات العلمية وإنما هو كتابٌ لاهوتي يتحدّث عن مشروع الله لخلاص البشرية.

غسان الشامي: إسمح لي أن أقرأ بعض الأشياء، في فرنسا أدّت محاكم لاهوتية قام بها شخص شهير إسمه روبرت لو بوغر إلى إحراق مناطق بكاملها قرب تولوز من طائفة الكاثاريين في القرن الثالث عشر، لكن أبشع محاكم التفتيش تاريخياً هي في إسبانيا وسأوصّف بأن أكبر داعشي في القرون الوسطى هو توماس توركمادا وهو راهب ترأّس محاكم التفتيش، أحرق عشرة آلاف و220 شخصاً، ذبح 6048 شخصاً، عذّب أكثر من 65 ألف شخص، حكم بالأشغال الشاقة على 124 ألف شخص، هذا لا فرق بينه وبين ما يحصل في العصر الحالي ولكن سؤالي هنا دكتور قطان، مَن المسموح له أن يتصرّف بدلاً عن الله الذي خلق الإنسان على صورته ومثاله؟ دينياً مَن يسمح لراهب أو مَن يسمح لخليفة؟ ما هذا العقل؟ كيف توصّف الداعشية؟ 

أسعد قطان: عندما تضفي صفة الإطلاق على رأيك الفكري أو اللاهوتي أو العلمي، عندما تعتبر أن ما تقوله سواء على مستوى اللاهوت أو على مستوى الفكر أو العلم أو الثقافة، عندما ترفض فكرة التعدّد لأن التعدّد هو القيمة الكبرى بحسب ما علّمتنا إياه الحداثة، عندما ترفض هذا، تضفي صفة الإطلاق على آرائك، تهمّش آراء الأخرين فأنت سيكولوجياً تضع نفسك في موقع الله لأنك دخلتَ في عملية الإطلاق فيما الله فعلياً هو المطلق الوحيد وكل شيء آخر يجب أن نعتبره نسبياً. بالتالي السيكولوجيا هذه، الآلية التي تؤدّي إلى الظواهر التي ذكرتها أنت هي منطلقة من أنك تعتقد أن رأيك مطلق وحين تعتبر أن رأيك مطلق فأنت وظائفياً وضعت نفسك في موقع الله، ليس وجودياً وإنما وظائفياً أنت تعتبر نفسك أنك تتكلّم باسم الله وتعمل بسلطانه وتحمل سيفه بالمعنى الرمزي لأن الله لا يحمل سيفاً، هذه هي المشكلة. 

غسان الشامي: ذكرتَ قِيَم الحداثة والتنوير، ما هو موقعها في وقف القتل، العنف، التدعيش؟ 

أسعد قطان: أنا شخصياً أعتقد أن ما أتى به القرن الثامن عشر في أوروبا وفي الغرب بشكلٍ عام، ما نطلق عليه تسمية عصر التنوير أعتبر أن هذا إنجاز ثقافي وفكري لا مثيل له، شيء فريد في تاريخ البشرية برأيي وهو أيضاً شيء ذو دلالات للبشرية ككل لا لأوروبا الغربية أو للأشخاص الذين يعيشون في الغرب أو للمسيحيين من دون سواهم من البشر الآخرين. هذه الظاهرة بما أتت به من منجزاتٍ فكرية، مثلاً فصل الدين عن الدولة أو القول إن الدولة من المحظور أن تتماهى مع دين مُعيّن أو مع عرق مُعيّن أو مع لون مُعيّن أو مع إثنيّة مُعيّنة، هذا إنجاز فكري مذهل وأعتقد أنه ما زال إلى اليوم له تداعيات كبرى على حياتنا الحاضرة. كل مسألة الدولة كما خرقها فلاسفة عصر التنوير في القرن الثامن عشر، التنظير للدولة الحديثة، السلطات وفصل السلطات، منظومة حقوق الإنسان التي تبلورت في ما بعد والتي انطلقت أيضاً من فلاسفة عصر التنوير، لا يمكن أن نتصوّر منظومة حقوق الإنسان كما تبلورت في القرن العشرين من دون خلفيّتها الفلسفية ومن دون تأصيلها الفلسفي في فلسفة القرن الثامن عشر. بتصوّري كل هذا كان إنجازاً عقلياً وثقافياً كبيراً جداً وأعتقد أنه كان مفصلياً في عملية تعلُّمٍ طويلة الأمد استغرقت ربّما قرنين من الزمن، ولكنها كانت عملية تعلُّمٍ كبرى خاصة للمسيحيين لأنهم تعلّموا كيف يعيدون قراءة كتابهم المُقدّس انطلاقاً من مبادئ عصر التنوير ومن أخلاقياته ومنطلقاته الأخلاقية.

غسان الشامي: حان وقت الفاصل لدينا، هكذا يقولون لي، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الدكتور أسعد قطان، انتظرونا. 

المحور الثاني:   

غسان الشامي: تحيّةً لكم مجدداً من أجراس المشرق، دكتور أسعد قطان نحن في المشرق نعيش عصر اللايقين والخوف، كيف يتعامل المسيحيون وكنائسهم مع أزماتٍ وجودية كهذه الأزمة المستشرية في العشر الماضيات؟

أسعد قطان: هذا سؤال الأسئلة، أودّ أن تسمح لي بادئ ذي بدء بملاحظةٍ منهجية، أعتقد إننا يجب أن ننتبه ألا نقع في تطرّفين في ما يختص بوضع المسيحيين في هذه المنطقة من العالم، التطرّف الأول الذي نجنح إلى الوقوع فيه هو أن نعتبر أن المسيحيين جسمٌ غريب وكأنهم يأتون من كوكبٍ آخر وهذا ما نسمّيه بالإنكليزيةExotic، والتطرّف الثاني هو أن نعتبر المسيحيين جسماً جوهرانياً لا يتبدّل، غير قابل للتغيّر والتبدّل وهذا ما يشار إليه باللغة الإنكليزية بلفظ Essentialize. تصوُّري أنا أننا يجب أن نتنبّه إلى عدم الوقوع في هذين المحظورين أولاً، وإذا اعتبرنا هذا منطلقاً منهجياً مقبولاً للدخول لتناول إشكالية الوجود المسيحي في هذه المنطقة، يُخيّل لي أن المسيحيين لا يختلفون كثيراً عن سواهم، شأنهم شأن الآخرين بمعنى أنهم خاضعون لقاعدة التعدّد كما غير المسيحيين في هذه المنطقة من العالم، مثلاً بعض المسيحيين في منطقتنا تضامنوا مع ما يُسمّى بالثورات العربية أو الربيع العربي وبعضهم الآخر لم يتضامن، بعض المسيحيين اليوم يؤيّدون المنظومة الطائفية أو الخطاب الطائفي والبعض الآخر ينتقدون ذلك، حتى في مسألة الخوف لأن معظم المسيحيين في هذه المنطقة من العالم لا شك بأنهم خائفون على مصيرهم، ولكن حتى في مسألة الخوف هم متساوون أيضاً مع الجماعات الأخرى بمعنى أن الجماعات الأخرى بصرف النظر أكانت أكثرية أم أقلية نلاحظ أنها خائفة أيضاً على مصيرها كجماعات. وتالياً أعتقد أن المسيحيين لا يختلفون كثيراً عن الآخرين في الطريقة التي تعاملوا بها مع المُتغيّرات في العالم العربي، هذا على مستوى القاعدة أما إذا ذهبنا إلى مستوى القيادات الكَنَسية التي عليها مسؤولية لأنها قيادات، أعتقد أن الجوّ العام من دون الوقوع في التعميم، بالطبع هناك استثناءات دوماً لكن الجو العام كان جواً من التخبّط وانعدام الرؤية، جواً من الاكتفاء بردّ الفعل عوضاً عن الذهاب إلى الفعل. أستطيع أن أعطي مثالاً بسيطاً من السياق اللبناني، الأحداث الأخيرة في لبنان أظهرت بمعنى ما وبطريقة ما قصور النظام الطائفي، أن هذا النظام غير قابل للحياة ولكننا نجد تردّداً حتى اليوم عند الزعامات والقيادات الدينية التي تنتقد الساسة في لبنان ورغم ذلك نجد تردّداً في فضح النظام الطائفي.

غسان الشامي: لا تريد دفنه، هي مستفيدة منه.   

أسعد قطان: طبعاً، هذا ما كنت أودّ قوله إنها مستفيدة من هذا النظام ولذلك هي مُتردّدة كثيراً في فضح مساوئه، وهذا ينسحب على أمورٍ أخرى، مثلاً في المحاكم الكنسية هناك تردُّد في إحقاق حقوق النساء لأن الكنائس في معظمها هي كنائس ترتكز على عقلية ذكورية وتستنسخ ذاتها ذكورياً. إذاً أنا أميّز لكي نقوم بنوعٍ من الخلاصة بين مستويين، مستوى القيادة الكنسية وأعتقد أن هناك تقصيراً كبيراً على هذا المستوى، طبعاً هناك استثناءات، ومستوى القاعدة وأعتقد أن القاعدة لا تختلف كثيراً عن البشر الآخرين الذين يعيشون في هذا الشرق، هي تتشارك معهم أيضاً في الخوف، الخوف هو الوحش الذي يلتهمنا جميعاً. 

غسان الشامي: هذا الخوف هل هو عاملٌ فعلي بدفع الكائن البشري إلى التطرّف؟ وهل يؤدّي إلى نوعٍ من التقوقع والحمائية والعنصرية؟ 

أسعد قطان: طبعاً، الخوف هو العامل المُحدّد الذي يجعل الكلمة الأخيرة لهرموناتك لا للعقل، لا لملكة العقل والتعقّل فيك، والخوف يؤدّي إلى التطرّف وهذا التطرّف يمكن أن يتحوّل إلى تطرّفٍ مُسلّح وعُنفي، والخوف يؤدّي إلى ظاهرةٍ أخرى في تصوّري هي ظاهرة تصاحب العنف في كثيرٍ من الأحيان وهي ظاهرة اختزال التاريخ والميل إلى أسطرة بعض الجوانب من التاريخ وإهمال جوانب أخرى، وهذا ما يؤدّي إلى اختلالٍ في التوازن بقراءة تاريخنا، التاريخ مسألة حسّاسة ودقيقة جداً.

غسان الشامي: وفي بلادنا استنسابية جداً.

أسعد قطان: صحيح، كان يقول مُعلّمنا المطران جورج خضر إن التاريخ ينحتنا ويشكّلنا ولكن من جهة أخرى الطريقة التي نتعامل بها مع تاريخنا تنطلق في العادة من اعتباراتٍ حاضرة، إذاً التاريخ موجود أيضاً في الحاضر وهذه الاعتبارات الحاضرة إذا تحكّم فيها الخوف تؤدّي إلى تعامل غير متوازن مع تاريخنا بحيث إننا نهمل بعض الجوانب التاريخية، مثلاً الصفحات البيضاء، صفحات التعايش البيضاء مع المسلمين، مع اليهود، مع العلمانيين، نأخذ جوانب أخرى عنفية من التاريخ ونُفرط في تسليط الضوء عليها حتى الوصول إلى حدّ أسطرتها، ونقوم على وجه العموم بمقاربةٍ غير متوازنة لتاريخنا ونلوذ بهذا التاريخ. هذه هي المشكلة أي أن التاريخ يصبح بالنسبة إلينا هو الملجأ فنستعيض عن الحاضر بالتاريخ، لا نعود مواطنين يسعون إلى تشكيل الحاضر ونصبح كياناتٍ لا تؤمن بالحاضر، لا تؤمن بتشكيل الحاضر ولا بقدرة الحاضر على التشكّل وإنما نصبح مجرّد كياناتٍ تلوذ بتاريخها وبقراءةٍ اختزالية للتاريخ.

غسان الشامي: دكتور قطان أنت تعلم جيّداً أن الإنسان عند أرسطوطاليس هو كائن اجتماعي.

أسعد قطان: صحيح.

غسان الشامي: هل تنتفي هذه الصفة في أزمنة الحرب والألم والقتل والذبح في الإنسانية وفي الإنسان؟ هل تُغيّر طبيعة الإنسان؟ 

أسعد قطان: لا تنتفي كلياً، أنت لا تتوقّف عن كونك كائناً اجتماعياً ولكن الخوف كثيراً ما يفضي إلى تقوقع الجماعات على ذاتها، وبالتالي إلى تقليلٍ من القيمة المضاعفة لفكرة الحيوان الاجتماعي أو الكائن الاجتماعي. أعتقد أن الطريقة التي صاغ فيها أرسطو هذا المفهوم وهو مفهوم ما زال عظيم الآنيّة حتى اليوم هو مفهوم يأخذنا في نهاية المطاف إلى الانفتاح على الآخر. أنت إذا كنت حيواناً اجتماعياً، إذا كنت كائناً اجتماعياً فأنت مطالَب بأن تنفتح على الآخر وبأن تعترف بالتعدّد بوصفه القيمة الكبرى، فإذا أتى الخوف تنغلق على ذاتك، الجماعات تنغلق على ذاتها وتتقوقع وهذا ما يؤدّي في نهاية المطاف إلى تقليلٍ من القيمة المضاعفة لهذا المفهوم. 

غسان الشامي: الخوف إذا أخذنا هذه المصطبة المشرقية أدّى إلى هجرةٍ واسعة ويمكن أنها ظهرت نافرة وناتئة في المجموع المسيحي، ما هو ثمن البقاء روحياً واجتماعياً؟ أخاطب فيك اللاهوتية الفلسفية.

أسعد قطان: في اللغة العامية هناك مثال أحبّه كثيراً، يُقال باللبنانية: "اللي بيته من زجاج ما بيراشق الناس بالحجارة"، ولذا شخصياً أتحفّظ قليلاً على إطلاق أحكام مطلقة في هذا الموضوع لأنني شخصياً لا أعيش في هذا البلد، قرّرت الارتحال قبل عددٍ من السنوات، ولكنني أعتقد وأقول أيضاً مع فيروز بفكرة "منكمّل باللي بقيوا"، أعتقد أن البقاء في هذه المنطقة من العالم وعلى هذا المستوى لا أميّز كثيراً بين الذين يقيمون هنا وبين الذين ارتحلوا لأن مَن ارتحلوا يحاولون بشتّى الوسائل أن يدعموا مَن بقوا هنا في وجودهم وفي بقائهم، أعتقدأن البقاء في هذه المنطقة من العالم يستحق أن نناضل من أجله ولا سيّما أن المسيحية بواسطة المسيحيين الذين يعيشون في هذه المنطقة من العالم تتّخذ مجموعةً من المعالم والطوابع الثقافية التي لا يمكن تعويضها إذا اندثرت المسيحية في المشرق. المسيحية دائماً مُتجسّدة في ثقافات وفي لغات وهذا يعني أننا إذا نزعنا المسيحيين مع كل ثقافاتهم، مع كل الحضارة، مع كل ما قاموا به، مع كل إسهاماتهم الفكرية فهذا يعني أن المسيحية العالمية ستخسر كثيراً، ولهذا أعتقد أن بقاء المسيحيين في هذه المنطقة من العالم مسألة تستحق أن نناضل من أجلها.  

غسان الشامي: بعض المسيحيين انخرط في الدفاع عن أرضه، معادلة دفاع، تعرف أن هناك قرى مسيحية في سوريا والعراق دافع فيها الناس لكن ظهر نوعٌ من المدافعين على وسائل التواصل الاجتماعي، مثلاً ظهرت ظاهرة مَن أسموا أنفسهم "نسور الروم"، أولاً هذه التعابير على ماذا تدلّ؟ هم لم يدافعوا على الأرض، لم يقاتلوا دفاعاً عن قرية ولكن في العالم الافتراضي هل هذا تعبير مسيحي؟ ماذا يختلف عن تعابير الأسد الداعشي أو النمر الوردي؟

أسعد قطان: كعالِم ومؤرِّخ يُخيّل لي أن فكرة النسر مستمدّة من النسر البيزنطي المزدوج الوجهين والذي ينظر إلى الشرق والغرب في آنٍ معاً، وأنت تعرف أن هذا رمز روماني قديم لأن الرومان كانوا يعتبرون أن إمبراطوريّتهم المترامية تمتد في الشرق والغرب، وكما تعرف كانوا يسمّون البحر الأبيض المتوسّط "بحرنا" ويعتزّون بأنهم موجودون في الشرق والغرب معاً، ولكن أعتقد أن النسر أيضاً له دلالات أخرى ربّما تكون عنفية إلى حدٍّ ما. ما يشغلني في هذه الجماعات التي تتّخذ مثل هذه الرموز هو المعضلة التي تطرّقتُ إليها قبل قليل وهي معضلة الذهاب إلى الماضي واستحضاره واستدعاء أجزاء منه واعتبار هذه الأجزاء برنامجيةً للحاضر، استخلاص برنامج من الإمبراطورية البيزنطية التي باتت اليوم غير موجودة، وبالتالي هم يلوذون إلى التاريخ ويأخذون جزءاً منه ويضفون عليه صفة الإطلاق ويُفرطون في التشديد عليه، ولا يقومون بمقاربةٍ نقدية وعلمية لتاريخ الإمبراطورية البيزنطية لأننا نعرف كمؤرّخين أن الإمبراطورية البيزنطية لها ما لها وعليها ما عليها وأن فيها الغثّ والسمين وفيها الجيّد والسيّىء وفيها الجمال والانحراف.

غسان الشامي: أنا سألت هذا لأنني التفتُّ أن مؤرّخ الكرسي الأنطاكي في دمشق يُطلق على غبطة البطريرك يوحنا العاشر صفة "نسر أنطاكيا"، وكما قلتَ النسر هو رمز بيزنطي وأيضاً يُطلق عليه "شيخ العشيرة الأنطاكية"، ألا ترى في هذا الموضوع نوعاً من سلفيّة فكرية غير حداثوية؟ 

أسعد قطان: في ما يختصّ بالبطريرك أعتقد أن المسألة لها دلالات رمزية أخرى لأن البطريرك إسمه يوحنا وشفيعه هو يوحنا الإنجيلي الرابع، وكما تعرف بحسب تقليد الكنيسة وفي الأيقونات وفي الرسوم البيزنطية النسر هو علامة أو رمز الإنجيلي الرابع وذلك لأن الإنجيل الرابع حلّق في سماء اللاهوت. أعتقد أن هذا هو الربط ولكنني رغم ذلك أودّ أن أدلي بدلوي في ما يختصّ بمسألة القبيلة والعشيرة لأنها مسألة مهمة. مجدّداً الألفاظ التي نستعملها في كثيرٍ من الأحيان بحاجة إلى تحديد ما نُطلق عليه عادةً في أوساطنا وفي مصطلحنا نتكلّم كثيراً عن العقلية القبلية والعقلية العشائرية، ونقول إننا نتعامل مع بعضنا البعض كقبائل هو في الحقيقة ليس فقط ظاهرة بدوية وإنما ظاهرة حضارية أيضاً بمعنى ما أسمّيه أنا سيكولوجيا المجموعة المتفوّقة. ما هي القبيلة في نهاية المطاف؟ القبيلة هي التي تعتبر ذاتها متفوّقة على القبائل الأخرى، لغتها أفضل، حضارتها أفضل، ثقافتها أفضل، أفخاذها أفضل، بهذا المعنى معالجة هذه المسائل يجب أن تكون عبر القيام بمقاربة نقدية تفكيكية لمفهوم المجموعة التي تعتبر نفسها متفوّقة، وهذا لا يأتي إلا من طريق الإيمان بالتعدّد بوصفه قيمة وبأننا كلنا سواسية أمام الله وأمام البشر وأننا في نهاية المطاف لا نمتلك الحق بل ننتسب إليه وهو لا ينتسب إلينا. 

غسان الشامي: كنتُ أريد أن أستكمل ولكن بقيت لديّ ثلاث دقائق ولكن كان الموضوع هو جيش إلكتروني لمساعدة الرئيس عون إسمه "جيش جدعون"، لاحِظ لم يختاروا من التاريخ التوراتي إلا جدعون والقتل مع أنهم سلميون ولكن أعرف أن هناك موضوعاً أنت تابعته، مقاربة الكنائس لجائحة كورونا كيف قرأتها؟

أسعد قطان: شكراً على السؤال، كان لديّ انطباع وأنا أتابع موضوع الجائحة والطريقة التي تعاطت بها القيادات الكنسية مع هذا الموضوع بأننا نستعيد أزمنةً غابرة وهي أزمنة النقاش والجدل مع كوبرنيكوس وغاليله. في الحقيقة مسألة الجائحة أعادت طرح السؤال عن العلاقة ما بين العلم والدين بشكل قوي جداً. الطريقة التي تعامل بها القادة الكنسيّون مع هذه المسألة على وجه العموم وطبعاً هنا لا أريد أن أقع في التعميم مرة أخرى، لكن على وجه العموم كان هناك نوعٌ من التعقّل وذلك لسببين، السبب الأوّل هو أن الجائحة أصابت قادة دينيين من مطارنة وبطاركة.

غسان الشامي: توفّى بطريرك صربيا. 

أسعد قطان: تماماً، والسبب الثاني هو أن القادة الكنسيين تجنّبوا على وجه العموم الإفراط في المُقاربات الغيبية لهذه المسألة لأنهم كانوا سيصطدمون حتماً بالدولة ليس لأن معظمهم مقتنعين بأهمية العقل والمقاربة العقلانية، ولكن رغم ذلك سمعنا أصواتاً متطرّفة في الكنائس، لاهوتيون تكلّموا، كهنة، أساقفة، أصوات متطرّفة وخصوصاً ما أزعجني شخصياً أو ما أخافني هو أن البعض صار يتوقّع من الله أن يقوم بأعجوبة هنا ويجترح أعجوبة هناك من أجل شفاء المؤمنين وذلك عوضاً عن أن يعمل العلماء على هذه المسائل، ونحن نعرف أولاً أن هذا غير مسموح بحسب الكتاب المُقدّس لأن يسوع يقول لإبليس في الكتاب المُقدّس "لا تجرّب الربّ إلهك"، الله هو الذي يقرّر متى يقوم بالأعجوبة لا نحن البشر، هذا أولاً ومن جهةٍ ثانية نحن نعرف كلاهوتيين أو على الأقل هذه قناعتي كلاهوتي أن مُخطّط الله أن التطوّر والتقدّم العلمي وقدرة الإنسان على اجتراح حلولٍ للأمراض هو جزء من مشروع الله لخليقته.

غسان الشامي: شكراً جزيلاً. في الأزمات ينكفئ المرء على نسيجه الأقرب ويعمّ الخوف الجماعات الصُغرى ويتفشّى التعصّب وتظهر تعابير الحمائية والألفاظ التي أقلّ ما يُقال عنها داعشية، وهي تعبيرٌ عن مكنوناتٍ ربّما لا تزال راسخةً في النفس البشرية التي زُهق منها الملايين في صراعات الأديان عبر التاريخ. أشكر الدكتور أسعد قطان على قبوله السير معنا في هذا المركب الصعب، والشكر للزملاء في أجراس المشرق والميادين على جهدهم، عسى أن تكون أيامكم نوراً من نور، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.   

لغات المشرق القديم

اللغات في المشرق القديم من السومرية حتى السريانية وصولاً إلى العربية.. التشابه في المفردات والقواعد والنحو والصرف.. بنيانها ومدلولاتها ومكانتها في التاريخ ولماذا يتناولها البعض بشكل تعصبي؟

المزيد