سباق التسلح

#كلمة_حرة

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني بالإنكليزية Free Word وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديثٍ عن موضوعٍ يتّسم بأهميّة عالميّة ألا وهو المَيْلُ نحو إعادة التسلُّح بدلاً من نزع السلاح في حدّ ذاته، والتوجّه نحو نشر الأسلِحة النووية بدلاً من الحدِّ منها، وخطرُ بدءِ سباقٍ جديدٍ نحو التسلُّح ما سيزعزع استقرار العالم بأسرِه. (بريطانيا) هي دولة نووية لا شكّ في ذلك وهذا ما منحَها مقعداً بين المقاعِد الخمسة الدائِمة في مجلس الأمن التابع للأُمم المتّحدة، لكن حتى أسلِحتها التقليدية تحمِلُ أهمية واستعملت مراراً على مدى العقود الأخيرة على الأقل. استُخدِمت الأسلِحة البريطانية في حرب التحالف بقيادة (السعودية) على (اليمن) وهو أمرٌ مثير للجدل إلى أقصى الحدود، في الحقيقة قد تُبادر (الولايات المتّحدة الأميركية) إلى الانسحاب من هذه الحرب قبل البريطانيين. الحال هي أنّ (بريطانيا) تُعَدُّ عضواً مؤسّساً وركيزةً لحلف "الناتو" أو "منظّمة حلف شمال الأطلسي". لقد تعمّدتُ تحديد الإسم بالكامل لأنّ هذا الإسم يلقى احتراماً في ذكره أكثر من واقع الحال في هذه الأيام، لأنّ (شمال الأطلسي) بصراحة هو آخر بقعة على وجه الأرض قد تنشُر فيها "منظمة حلف شمال الأطلسي" أسلِحتها اليوم. حتى (كولومبيا) التي تقع في (أميركا) الجنوبية باتت الآن عضواً منتسباً إلى حلف "الناتو"، حلِّلوا ذلك فهو أمرٌ غريب. بالطبع، كل بلد يحتاج إلى دفاع لا محالة، ويتوجّب على كلّ بلد الدفاع عن حدوده وعن مصالِحه الأساسية، ولستُ هنا في معرِض الاعتراض على صون قوّاتٍ مُسلّحة تضُمّ عدداً كافياً من العسكريين الذين يتلقّون أجراً جيداً ويتمتعون بكفاءة عالية في (بريطانيا) لكن لديّ شخصياً أسئِلة عن الاستثمار غير المتناسِب الذي نقوم به في الأسلِحة النووية التي لا يُمكن استخدامها بحُكمِ طبيعتها التعريفية لأنها إنْ استُخدِمَت سيتم الردّ على استخدامها، وسيُمحى برمّته البلد الذي أحبه عن وجه الأرض. عدم التناسب الكبير لنفقات (بريطانيا) على برنامج "ترايدنت" للأسلِحة النووية يعترض عليه الكثير من الضباط العسكريين والأدميرالات والمارشالات والجنرالات. يعتبر كثيرون في صفوف القوّات المُسلّحة أنّ هذا المبلغ المُقدَّر بمئات المليارات من الجنيهات يجب أن يُصرَف بدلاً من ذلك على الأسلِحة والقوّات المُسلّحة التقليدية. مع ذلك وعلى الرغم من كلّ الحقائِق التي تُشير إلى غياب التنازُع بين القوى العُظمى وتفكُّك حلف "وارسو" وكذلك النظام الشيوعي في (روسيا) و(الصين) كذلك التي لا تعتزم محاربتنا على الإطلاق إلا في أدراج النقود في المتاجِر ومحلات السوبر ماركت وأماكن الهايبر ماركت في جميع أنحاء بلادنا. حقيقة أننا لا نزال نراكم قوّتنا النووية الآن ونزيد نفقاتنا في المجال العسكري وننفق الأموال على المُعدّات العسكرية بدلاً من إنفاقها على الأشخاص في طريقةٍ أو في أُخرى هي مسألة سنبدأ في مناقشتها هنا الآن. بالتأكيد تُنفِق جملةً من البلدان الأُخرى مبالغ أكثر بكثير لاسيّما (الولايات المتّحدة الأميركية) التي تنفق عسكرياً أكثر من البلدان العشرة التي تليها مرتبةً في العالم في الإنفاق العسكري، فكّروا فقط في الموضوع. تنضمّ إليّ اليوم مجموعة من الخبراء المميّزين جداً لمناقشة السؤال التالي، لماذا زادت (بريطانيا) ميزانيّتها العسكرية ومخزونها من الأسلِحة النووية؟ "روبرت شو" هو خبير في الشؤون الأمنيّة والدفاعيّة خدم لعقدين في الجيش البريطاني ورجل ضليعٌ في مجال الاستخبارات. تولّى تنظيم التدريب في الأمم المتّحدة و"الناتو" في (أفغانستان) و(ليبيا) و(أوكرانيا) و(نيجيريا) و(الصومال) وحاز على شهادة الماجيستير في الأمن الدولي؛ أخبرتكم أنهم ضيوف مميّزون. "روبرت"، ما هو الجواب على ذاك السؤال الأساسي؟ لماذا؟               

روبرت شو: في البداية، تحتاج القوات العسكرية دائِماً إلى تحديث. على القوات العسكرية منع نشوب الصراعات وهي تُسهِم في ذلك في كونِها أداة ردع، ولتكون قوات ردع أمام أيّ خصم لا بدّ من أن تبدو قوات جديرة بالثقة وأن تحظى بمعدّات حديثة. المشكلة أننا لسنا منعزلين عن أي أحد آخر، ليس عن حلفائنا فحسب لكن عن أيّ خصمٍ محتمل يواظبُ على تحديث قوّاته. (روسيا) حدّثت منظومات أسلِحتها النووية بالكامل منذ نهاية الحرب الباردة و(الصين) تتطلّع إلى تحسين منظومتها وتعزيز قدراتها على ضربة ثانية باستعمال غوّاصة قادرة على إطلاق صواريخ بالستية وما إلى ذلك. بالتالي، من منطلق الحفاظ على قُدرة الردع وحفظ السلام يجدر بنا تحديث منظوماتنا، لكن لسوء الحظ منظومات الأسلِحة معقّدة للغاية وباهِظة الثمن وتأتي مع فاتورة ضخمة. منظمات عسكرية كثيرة كانت تعاني نقصاً في التمويل لسنوات وأعتقد أنك ذكرت للتوّ أنّهم يتلقّون أجراً جيداً والأمر كذلك بالفعل، أوافقك الرأي تماماً يا "جورج"، هم يتقاضون أجوراً جيدة جداً حتى أن المعاشات التقاعدية لكبار الضبّاط جيدة للغاية ومع ذلك هناك نقص استثماري كبير في البنى التحتية إذ يعيش الجنود في ثكنات متداعية قائِمة منذ الحرب العالمية الثانية من دون مياه استحمام ساخنة لشهورٍ متتالية ويقتاتون نوعيّة غذائية فقيرة وإلى آخره، بالتالي يحتاج الجيش إلى المال بالفعل ليس فقط من أجل شراء دبابات جديدة أو تحديث الأسلِحة النووية إنما يحتاج إلى الاستثمار الجدّي في جنوده وإلى تحديث قدراتهم وصونهم 

جورج غالاواي: في الحقيقة قد نكون على وشك التخلّي عن دبابات بعدما عفا عليها الزمن وأنا أؤيّد وجهة نظرك. جنود المشاة خاصتنا يفتقرون إلى السكن الجيِّد والمعدّات والأسلِحة ولا يتلقّون أجراً جيداً فيما باتت مبالغ ضخمة من المال تُنفَق لتحديث قوّة من الأسلِحة النووية، لكن لأيّ غرض؟ أوضحت حضرتك نُقطة مفادها أنّ الترسانة النووية الروسية خضعت للتحديث والأمر كذلك بالطبع، فترسانتها أضعاف حجم ترسانتنا. إن أطلقنا سلاحاً نووياً واحداً تجاه (روسيا) سترُدّ بإطلاق عشرين سلاحاً نووياً علينا ونُمحى من الوجود، من المهم جداً توضيح هذه النُقطة. بالتالي، ما مدى مصداقية هذا الموقف؟ وإلى أيّ مدى يُعدُّ ذلك اقتصاداً عسكرياً جيداً؟ أليس من الأفضل أن نُنفق هذا المال على زيادة عدد الجنود وتحسين أدائِهم وأوضاعِهم بدلاً من إنفاقه على أسلِحةٍ لن تُستخدَم؟

روبرت شو: أفهم وجهة نظرِك وكلّنا أملٌ ألا تُستخدم الأسلِحة النووية، لكن أُعيد القول إنّ الأمرُ يتعلّق بعامِل الردع الذي يحتاج إلى تحديث مستمر. في الواقع يمتلك الجيش البريطاني الحدّ الأدنى من الرؤوس الحربية المسموح به في المُعاهدات وتكمن قوّتنا في الغوّاصات البحريّة 

جورج غالاواي: ونحن على وشك زيادة هذه الرؤوس الحربية بعدما كنّا ملزمون بخفض عددها بموجب معاهدة " الحدّ من انتشار الأسلِحة النووية "، نحن في الواقع نسعى إلى زيادتها. مع ذلك وفي الوقت نفسه نحن نُعطي البلدان الأُخرى درساً مفاده: " لا تجرؤوا على التفكير حتى في الحصول على أسلِحة نووية" 

روبرت شو: إنّها سياسة عالمية. نحن لا نرغب أن تنتشر الأسلِحة النووية حول العالم وتغدوا في أيدي الجميع، نحن نحتاج فقط إلى تحديث ما نمتلكه. مُجدّداً، الأمر كلّه يتمحوَر حول عامل الردع بالفِعل. لقد أثبتت (روسيا) بالفعل قدرتها على الردع، وخلال فترة الحرب الباردة وضَعَ الروس خطّة لغزو (ألمانيا الغربية) تحت مُسمّى "خطّة الأيام السبعة"، وهذا مضحك لأن سياسة (روسيا) في ذلك الوقت سعت إلى جعل فكرة استخدام سلاح نووي تكتيكي كضربة أولى مقبولة من دون الحاجة إلى تعرّضها لضربة أولى وربما لا تزال هذه هي السياسة التي يتبعونها اليوم. من خلال هذه الخطّة التي وضعوها في فترة الحرب الباردة كانوا في الحقيقة يريدون ضرب جميع البلدان بالسلاح النووي تكتيكياً، وهذا مضحك لوحده، ومن ثمّ غزو هذه البلدان والوصول إلى نهر (الراين) في غضون سبعة أيام وفقاً للخطّة. لكن الضربات النووية كانت لتقتصر على استهداف البلدان التي لم تمتلك قدرة ردع نووية وبالتالي لم يكونوا يهدفون إلى قصف (فرنسا) أو (بريطانيا) أو (الولايات المتحدة) بالأسلِحة النووية لمعرِفتهم أنّ هذه البلدان قد تكون لهم بالمرصاد

جورج غالاواي: لم تكن لترُد بالأسلِحة التكتيكيّة، أستبعِد ذلك. بالطبع يُشكل هذا الموضوع محطّ اهتمام كبير للأجيال الجديدة، هذا الشعور المُناهِض لاستخدام الأسلِحة النووية وهذا النوع من الأحاديث المروّعة التي نُجريها عن الضربة الأولى والضربة الثانية، نتحدّث كما تعلم عن تهديد وجودي يطال الإنسانية من خلال استخدام هذه الأسلِحة النووية. "باتريك كريستيز"، أنت شاب مقيم وأنت نجمنا الصاعِد في مجال الإذاعة والتلفاز والصحافة، هل يساورك القلق حيال حقيقة أننا نزيد من قوّة أسلِحتنا النووية من دون مٌبالاة؟ 

باتريك كريستيز: أولاً عليكم تقبّل أنني لن أبقى شاباً إلى الأبد لكن نعم، ينتابني القلق لأنني لم أكن قد وُلِدتُ بعد أثناء الحرب الباردة ولم أتعرّض إلى ما كان حينها خطر حقيقي كما كانت تصوّره الأفلام التعليمية التي كانت تُعرَض أحياناً في المدارِس وتُعالِج كيفية التصرّف في حال حدوث انفجار قنبلة نووية

جورج غالاواي: تختبئ تحت الطاولة

باتريك كريستيز: يبدو لي وكأنه فيلم خيال علمي ولديّ خبرة في ذلك وأرى ما يحصل بوضوح. أنظر، أشعُر بالقلق إزاء ذلك لكن هل اعتقدتُ ذات مرة بصراحة أنّ الأمور ستنتهي بمحرقة نووية؟ كلا، لم أعتقد ذلك، هلّ فكّرت أننا سنواجه جائِحة عالمية وسنخضع لإقفالٍ تام مدّة عامٍ كامل؟ كلا أيضاً، لم أُفكِّر في هذا أبداً، بالتالي من الممكن أنني مُخطئ في شأنِ كل شيء. لكن من وجهة نظري، يُمكنني أن أفهم رغبة الحكومة في زيادة ترسانتها النووية لكنّي لا أتفق معها بالضرورة، أظن أنك أوضحت فكرة أننا إذا أطلقنا سلاحاً نووياً على (روسيا) ستُطلِق علينا في المقابل عشرين سلاحاً نووياً. الأمر برمّته غير صائِب أليس كذلك؟ صاروخ واحد كفيل بإنهاء الأمر أليس كذلك؟ والأمر وارِد ما دامت هذه الأسلِحة موجودة. بالتالي، في ما يتعلّق بهذا الأمر، أعتقد أنّ الحكومة قد ترفع سقف ترسانتها النووية لإخفاء المُشكلة التي تُعاني منها القوّات المُسلّحة من ناحية التمويل وعدد الجنود الذين يلتحقون بصفوف قوّاتنا العسكرية والذي انخفض خلال أحد عشر عاماً، أعني الذين يخدمون في الجيش، والعناصر العسكرية الأُخرى في حال تراجُع وركود أيضاً، لقد عانينا من هذه المُشكلة الكبيرة طويلاً. أنا سأطرح سؤالاً، ما الذي يدفعنا اليوم للانضمام إلى الجيش البريطاني؟ صدرَ تقرير عن لجنة الدفاع تناول فيه رئيس اللجنة حال القوات المُسلّحة في البلاد ومعاناتها، وكان مفاد التقرير بصورة أساسية أنّه إن أمَرَ "بوتين" أو "شي جين يينغ" بالتحرّك العسكري سيجري تدميرنا بالكامل، فمن الضروري بذل جهودٍ كبيرة لتدارُك الأمر. تناولنا فكرة أن جنودنا هم الأفضل تدريباً في العالم وقد يكونون كذلك حقاً لكنّهم مُجهّزون بمعِدّات قديمة الطراز، لذا عندما نُرسِلكَ للقتال والتضحية بأوصالِك لمُجابهة الإرهابيين حول العالم، أو مَن نحسبهم إرهابيين حول العالم، وعند عودتِك إلى الوطن نحن وقّعنا على تعهّد للقوات المُسلّحة ينصّ على أولوية منحِكَ منزلاً ورعاية صحيّة وعقليّة وكثيراً ما امتنع المُستشارون المحليّون عن الالتزام بذلك. بالتالي، ما أهمية الانضمام إلى الجيش البريطاني؟ نُرسلك إلى معارِك مع نقص في التجهيزات أحياناً بحسب التقرير، وعندما تعود إلى بلدك لن نعتني بك حتى! فينخفض عدد المُلتحقين. إنه وقت صعب حقيقةً يعيشه الجيش البريطاني ويسعني تفهُّم الحكومة الآن عن سبب التستُّر على الأمر حين تقول إنّها تُنفِق أموالاً كثيرة على الأسلِحة النووية 

جورج غالاواي: أنت ذكرت كلِمة الإرهاب وكان عليّ فِعلُ ذلك في كلِمتي الافتتاحية. أليس الواقع أنّ عدوّنا رقم واحد ليس (روسيا) أو (الصين) أو (إيران)، بل الإرهاب أليس كذلك؟ أيّ رجُل يُخبّئ عبوة ناسِفة في صندوق سيارته أو حتى أيّ رجل يحمِلُ سكّيناً في جيبه على جسر (لندن)، هذه هي التهديدات الحقيقية التي لسنا على أتمّ الاستعداد لمواجهتها كما ينبغي. أعني، بدلاً من امتلاك رأسين أو عشرة رؤوس حربيّة نوويّة إضافية أُحبِّذ وجود مزيدٍ من الأشخاص لحماية حدودنا، أٌحبِّذ وجود المزيد من الأشخاص لحماية الناس في الشارِع، ماذا عنك؟ 

باتريك كريستيز: أوافقك الرأي تماماً. أعتقد أنّه على (بريطانيا) الاعتراف أيضاً بالتهديدات التي شكّلتها لنفسها. لقد تدخّلنا في الشرق الأوسط والآن نحن نواجه أحياناً تداعيات ذلك، في شوارِع جسر (لندن) أو سوق (بورو ماركت) أو أي مكان، هذا يحصل أحياناً أليس كذلك؟ أنا أوافقك الرأي تماماً، لكن ما سأقوله أنّه لمدةٍ طويلةٍ جداً يتمحور جلّ اهتمام العالم حول الأسلِحة النووية وقلت أنّك لا تظنّ أنّ (الصين) و(روسيا) عدوّتانا الأساسيتان وأنت مُحِقّ تماماً، لكنّي في أية حال لستُ متأكداً من مدى تمكُّننا من الوثوق بالحكومة الصينية حالياً، وفي رأيي تكمن عدة أسباب وراء ذلك. في الحقيقة، تُستخدم الأسلِحة التقليدية في مواقع معينة في العالم بفعاليّة كبيرة ومن الواضح أننا لا نصل إلى المُستوى المطلوب في هذه المجالات، لذا من المنطقي أن نُحاوِل تعزيز أسلحتنا التقليدية وهو أمر لا نفعله من خلال إعادة نشر الأسلِحة النووية. ما يُمكنني قوله في ما يتعلّق بـ (بريطانيا)، أعتقد إننا تسبّبنا في كثيرٍ من المشاكِل وسمحنا بنسبة عالية من جهاديي "داعش" العائِدين إلى (السعودية) ما يدلّ على أمرٍ ما، وهذا ليس سوى القليل مما نعرِفه بصراحة، كما أعتقد أنّ هذا أمرٌ يستحق أن نعيره انتباهاً أكثر 

جورج غالاواي: أنا متأكِّد من أننا سنفعل ذلك. سننتقل إلى المشاكل الاقتصادية التي يطرحها هذا التوسُّع العسكري بعد قليل، لكن دعني آخذ بسرعة وجهة نظر أميركية من "ديفيد روفيكس" وهو موسيقي وناشط معروف جداً ويستخدم المنصّات للبثّ المُباشِر، تفضّل "ديفيد" 

ديفيد روفيكس: إنّه من دواعي سروري 

جورج غالاواي: هلا تبدأ في إخبارنا القليل عن الموازنة العسكريّة في (بريطانيا)؟

ديفيد روفيكس: أعتقد أنّ بعض الأمور الخطيرة تحدُث في ظلّ كل هذه الأحاديث عن (الصين) وهذا الارتفاع في الإنفاق العسكري في (المملكة المتّحدة) و(الولايات المتّحدة)، وأظنّ أنّ الإنفاق العسكري يعود إلى كون (بريطانيا) إمبراطوريّة حتى الساعة وهي جزء من إمبراطوريّة أميركية أوسع نطاقاً ولديهم الكثير من المشاريع الإمبريالية 

جورج غالاواي: هل سياسة زيادة الموازنة العسكرية أمرٌ يقتصر على (بريطانيا)؟ أم أنّ الأمرُ نفسه يحصل في كلّ أنحاء العالم؟ 

ديفيد روفيكس: هذه الأساطير حول الحرب الباردة تعود إلى زمنٍ بعيد وتتعلّق في الطُرُق التي اتّبعتها البلدان الغربيّة كـ (الولايات المتّحدة) و(المملكة المتّحدة) لمنافسة السوفيات وما إلى ذلك، لكن ما تراه عندما تنظُر إلى الحقيقة الفعلية هو أنّ (الولايات المتّحدة) و(المملكة المتّحدة) و(فرنسا) هي التي تأخذ هذه المُبادرات، وفي هذه الحال (الولايات المتحدة) على الأخص التي تملك برنامجاً قيمته مئة مليار دولار يهدِف إلى تصغير الأسلِحة النووية وإلى تعزيز قدرات القيام بالضربة الأولى ومسألة الغوّاصات التي كانت تُحاصر (الاتّحاد السوفياتي) والتي لا تزال تُحاصِر (روسيا)، فيضعون الأسلِحة النووية في أقرب المواقع إليها في المياه في كل مكان حولَ البلد حيث لا تزال أسلِحتها متمركِزة على اليابسة. أعني، إنْ نظرت إلى التاريخ وإلى الحاضر تُلاحِظ أنّ "الناتو" هو المُعتدي هنا و(المملكة المتّحدة) و(الولايات المتّحدة) هما المُعتديان هنا وهذا واضِح وضوح الشمس، و(روسيا) هي في موقع خوفٍ ودفاع وهي مُحاصرة، فيشعُر الناس هناك بالخوف لأنّه على ما يبدو "الناتو" عازم على غزو البلاد لأنّ تحالف "الناتو" يُجري مناورات عسكرية باستمرار على الطرف الآخر من حدودهم في كل مكان ويُحاصرهم بالقذائِف النووية ويعمل الآن على تصغير القذائِف النووية من أجل استعمالها فعلياً. فكرة استعمالها فعلياً غير وارِدة على حدِّ قولهم لكنّها لا تبدو كذلك لأنّ كلاً من الديمقراطيين والجمهوريين يظنان أنّ ابتكار جيلٍ جديد من الأسلِحة هو فكرة سديدة ويبدو أنّ كثيراً من السياسيين في (بريطانيا) يدعمون الفِكرة أيضاً 

جورج غالاواي: بصفتك من عامّة الشعب، ما رأيك في زيادة موازنة الأسلِحة النووية في (بريطانيا) بدلاً من السعي بجُهد أكبر إلى نزع السلاح؟ 

ديفيد روفيكس: في الوقت نفسه المسألة متناقِضة فعلاً ونعيش حالياً فترة متناقِضة في زمن التحفيز هذا لأنه، مثلما هي الحال هنا في (الولايات المتحدة) كما في بلدان عديدة في العالم لاسيّما الغنيّة منها، قرّرت الإدارة الأميركية مجموعة حوافز ضخمة كما يُسمّونها ستعود بالفائِدة الجدية على عشرات ملايين الأشخاص في البلاد بمَن فيهم أفراد عائِلتي، هذا النوع من الأمور يُشير إلى الصورة المُحتملة عمّا قد تكون الحياة عليه في ديمقراطية ناجِحة على أرض الواقع حيثُ تُمثلُ المُجتمعات محطّ اهتمام مثلما هي الحال في بلدان عديدة في (أوروبا) حالها أفضل بكثير مقارنةً بالواقع هنا أو في (بريطانيا). هنا يعيش الملايين في خِيَم في الشوارِع والمُقارنة رهيبة والحاجة إلى مسكن ورعاية صحية وطعام واضحة جداً. إنْ نظرت من النافذة في هذه المدينة في (بورتلاند) وفي (نيويورك) وفي (سياتل) وفي كل أرجاء البلاد تُلاحِظ فقراً مُدقعاً. يأتي أشخاص من جهة "الأُمم المتّحدة" إلى هنا وهُم معتادون على مُخيّمات اللجوء، ينظرون إلى المُدن في (الولايات المتّحدة) ويصفون الظروف بأنها أسوأ من مُخيمات لجوءٍ كثيرة لأن الناس لا يستطيعون الوصول إلى خدمات النظافة العامّة المتوفرة غالباً في مُخيمات اللجوء التي تُديرها الأُمم المتّحدة. إنّه وضعٌ رهيبٌ ومأساوي جداً ولسنا في حاجة إلى دفع سبعمئة مليار دولار سنوياً على المجال العسكري، لا نحتاج إلى أيّ هذا، على النقيض، نحتاج لإنفاق هذه الأموال على احتياجات الناس، يُمكن أن يغدو هذا البلد أو هذا العالم مكاناً جميلاً إن لم تُنفِق (الولايات المتحدة) و(المملكة المتحدة) مبالِغ ضخمة على المجال العسكري. ناهيك عن إنفاق الأموال على المجال العسكري، استخدما قدراتهما العسكرية لتدمير حياة ملايين الأشخاص المجهولين الذين لا يُحصى عددهم في (العراق) وفي (سوريا) وفي (أفغانستان) والعديد من البلدان الأُخرى وأحدثا أزمات لجوءٍ واسعة وشاسعة تؤدّي إلى تنامي حكومات اليمين المتطرِّف في (أوروبا) وإلى كثير من التداعيات. يقع هذا على عاتق (الولايات المتّحدة) و(المملكة المُتّحدة) والحكومات و"حزب العُمّال" والمُحافظين والديمقراطيين والجمهوريين، جميعهم دعموا هذا النوع من السياسات 

جورج غالاواي: "شابير رازفي"، هل كل هذه الأموال تُهدَر أم أنّ لذلك فائِدة اقتصادية، كعامِل مُضاعِف على سبيل المثال؟ أقصد، لا أدري كم وظيفة يدعمها الإنفاق العسكري، لكن هل هذا جزء من نهج التخطيط أم هو مُجرّد خدعة مُضلّلة بحيث يدّعون أنّ لديهم أسلِحة نووية وأنّهم أقوياء حتى وإن كان خلف الستار أُناس يُعانون من الجوع؟

شابير رازفي: هذه مسألة بالغة الأهمية عندما ننظُر إلى الإنفاق العسكري. قال صديقنا من (الولايات المتّحدة) إنّهم يُنفِقون من سبعمئة إلى ثمانمئة مليار دولار على المجال العسكري بينما الأشخاص ينامون في الشوارِع. لذا من الواضح أنّ للإنفاق على المجال العسكري جانب سلبي، وإذا تكلّمت عن أيّة دولة لديها أسلِحة ماذا يجب أن يكون هدفها من ذلك؟ يجب أن يكون دفاعياً وأنا أفهم ذلك وأتفق عليه، لكن هل نحن فعلاً ننفِق هذه المبالغ الكبيرة لأغراض دفاعيّة؟ أم لنُغامر في (العراق) أو (أفغانستان) أو (سوريا) أو أينما قد يطرأ أمر ما، ويتطلّب ذلك أموالاً؟ من السخرية أنني أشعُر طوراً بالضحك وتارة بالبكاء! منذ أُسبوع عندما تحدّثنا عن الإنفاق على المجال العسكري نال ممرضونا زيادة على الأجر بنسبة واحِد في المئة فقط! بعد أن صفّقنا لهم في الشوارع في الجزء المُبكِر من الإغلاق، ها نحن نزيد نبخل بنسبة واحد في المئة على أجر من يُسمّونهم 

جورج غالاواي: المحاربون 

شابير رازفي: المُحاربون، لذلك نرى التناقض في مسألة الإنفاق العسكري. حقيقة الأمر هي مثلما أشار زملائي الآخرون وهُم مُحقّون، أنّ الأسلِحة النووية لا تحمينا فعلاً على هذا النحو إن تحدّثنا عن إبادة، تماماً كمقولة "جون كينيدي" الشهيرة إن لم تُخني ذاكرتي، أنه على الإنسان أن يُنهي الحرب وإلا ستُنهي الحرب البشرية. لذا، إن كنّا فعلاً نسعى إلى إبادة بعضنا البعض، الأمر ليس مهماً فعلاً. لكن إن أردنا التحلّي بضمائِر حيّة حول الكائِنات البشرية وإنشاء بيئة قابلة للاستمرار اقتصادياً كي تُصبِح الهوّة بين الأغنياء والفقراء في الغرب، والتي أصبحت شائِعة جداً، كما تعلم جيداً أنّه حتى في (المملكة المتّحدة) بات الطلب على "بنك الغذاء" متزايداً بصورةٍ مُفرِطة، ليس في السنة المنصرمة بسبب الجائِحة فحسب بل طوال السنوات العشر الأخيرة منذ الأزمة الاقتصادية. لذا نحن نواجه مشاكل فادحة في بلداننا، فـي (بريطانيا) التي ليست بلداً فقيراً بل هي خامس أو سادس أكبر اقتصاد في العالم، من هنا لا يجوز أن يجوع أحد في بلدٍ مثل هذا البلد ولا يجوز أن ينام أيّ أحد في شوارِع (لندن) أو شوارع مُدن أُخرى. إن عجزنا عن إدارة أساسيات توفير القوت للمُجتمع فلماذا نُنفق الأموال على الأسلِحة النووية إذا؟ ولماذا نطوّرها عندما لن تكون مفيدة البتة؟ أودّ أن أقول نُقطة حول كلمة "الناتو" المُختصرة التي يجب ألا تُدعى "منظمة حلف شمال الأطلسي"، فقد أدعوها اليوم "منظمة شمال الأطلسي الإرهابية " لأنّ هذا ما يفعلونه، يُرهبون العالم سواء في (أفغانستان) أو في غيرها من الأماكن ويأخذون الأموال باستمرار من (أوروبا) و(أميركا) و(بريطانيا)، لكن لأيّ غرض؟ يُمكنها أن تنفِق هذه الأموال على تحسين البُنى التحتيّة في (الولايات المتّحدة) أو على توفير ضمان اجتماعي أفضل أو على التخلُّص من بنوك الغذاء في بلدنا يا "جورج"  

جورج غالاواي: مواضيع مهمّة، لدينا المزيد منها بعد الفاصل      

المحور الثاني 

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بنقاشٍ عن مسائِل تتّسم بأهميّة عالمية، ألا وهي إنفاق مبالغ مُفرِطة من الأموال على أسلِحة الموت والدمار وانتشار الأسلِحة النووية. "روبرت شو"، ألا يتعلّق الأمر برُمّته ببناء إمبراطوريات؟ لا أعني في الطريقة التقليدية بل داخلياً. بنى "الناتو" نفسه من دون كلل أو من دون رادع أو حدود لطموحه، وذكرتُ سابقاً أنّه غالباً ما تواجد خارج مساحة مناطق "الناتو" كما كان مُخططاً له سابقاً، كما أنّ في داخل قوّاتنا المُسلّحة يسعى الأشخاص المُتحكّمون ببرنامج "ترايدنت" باستمرار وراء الميزانية العسكرية. أنت رجل من خلفية عسكرية، أما من شعور في أوساط الجيش، أي من قِبَل العسكريين الكادحين، أننا ننفق على هذا الجزء من جهود الدفاع؟

روبرت شو: تماماً، ستكون دائِماً ثمّة سياسات داخلية، ولا يُمكننا جنيُ الأموال نوعاً ما، إذ أنّ جزءاً من الأموال مُخصّص للإنفاق والتحديث العسكري لذا يجب أن تُغطّي الميزانية كل الثغرات حيثُ سيعيدون تشكيل الهيكليّة تماماً لمواكبة المُستقبل، ومن هنا التعليقات حول الوحدات الإلكترونية في الفضاء حيثُ تكمُن التهديدات، لذا سيغيّرون تركيبة القوّة نفسها 

جورج غالاواي: لا يُمكن مُحاربة هذه التهديدات بأسلِحة نووية بحُكم طبيعتها 

روبرت شو: تماماً 

جورج غالاواي: أعني أنّه يُمكن تفهُّم حجّة زيادة الإنفاق على الحرب الإلكترونية، بصراحة أُفضِّل الحرب الإلكترونية على الحرب الحقيقية لأن الضرر يطال على الأقل الكومبيوترات والأنظِمة، لكن لا يُمكنك إطلاق الأسلِحة النووية في حربٍ إلكترونية ولا إطلاق الأسلِحة النووية إلى الفضاء ولا استخدام الأسلِحة النووية ضدّ "داعش" أو تنظيم "القاعِدة". أشعُر فقط أنّ القوّة النووية الضاربة هي مُفارقة تاريخيّة 

روبرت شو: أُكرِّر، هي ليست قوّة ضاربة بل قوّة رادِعة وإن افتقرت لها بينما غيرك من البلدان يمتلك أسلِحة نووية، لا تُخطئ فَهمي، أٌفضِّل ألا يمتلكها أي بلد من بلدان العالم بذلك لا نعود مضطرين لمعالجة هذه المُشكلة لكن لا نستطيع أن نعود بالزمن إلى الوراء، في نهاية المطاف الأسلِحة النوويّة موجودة وبعض البلدان يُكدِّسها وغيرها يستخدمها وفقاً لسياسات معيّنة. إذاً، حتى نكون مستعدين لردع أيّ هجوم نووي من أي بلد كان نحتاج لامتلاك أسلِحة نووية. لسنا في حاجة إلى كمٍّ هائلٍ منها إنّما إلى عددٍ قليل فحسب أو إلى تحديث عدد منها في الحدّ الأدنى بهدف الردع ليس إلا. لكن مُجدّداً، يجب أن تكون عصرية وحديثة وأداة ردع وهذا هو بيت القصيد.  نحن لا نسعى إلى مهاجمة أحد ولن نستخدمها ما دامت أداة ردعٍ فاعِلة لقصف أهداف 

جورج غالاواي: ما قلته وضعني في حيرة من أمري. شرحت فكرتك على نحوٍ ممتاز ومع ذلك تنتابني الحيرة تجاه ذلك، ما الذي يدفعك إلى شراء مزيد من الأسلِحة؟ في إمكانك صقلها أو صيانتها لكن ما الذي يدفعك إلى شراء المزيد منها؟

روبرت شو: لأنّ الأمر لا يتعلّق في الأسلِحة فحسب بل في التدابير المُضادّة لها أيضاً وأُعيدُ القول، منذ نهاية الحرب الباردة طوّرت بلدان كثيرة منظومات صواريخ مُضادة للصواريخ الباليستيّة وغيرها بغية حماية نفسها من أيّ هجوم. الأمر برمّته يتعلّق بخلق توازن بين الضربتين الأولى والثانية ويتعلّق بامتلاكك أداة ردعٍ حديثة في حال بادر العدو إلى الهجوم أولاً بحيث يُمكنك الرد على الهجوم، لذلك تميل الغالبيّة إلى شراء الغوّاصات القادرة على توجيه ضربة ثانية. إذاً للتغلّب على نُظم الرفض النشِطة هذه التي في حوزة بلدان أُخرى كـ (الصين) و(روسيا)، أي البلدان ذات الأسلِحة النوويّة، يتعيّن عليها زيادة كميّة الرؤوس الحربيّة على غرار التسليح التقليدي الذي يتطلّب منك مزيداً من الطائِرات المُسيّرة ونُظُم الدفاع 

جورج غالاواي: مع أنّ المفارقة الساخرة هي أنّ البلدان التي بادلتنا بأكبر قدر من العدوان والكراهية خلال الفترة الماضية كانوا شركاءنا السابقين في (الاتحاد الأوروبي) وليس (روسيا) ولا (الصين). "شابير" اعذرني، لم أحصل على إجابة على نُقطتي السابقة، إن كانت لديك إجابة أطلعني عليها من فضلِك. هل من منفعة اقتصادية لهذا الكمّ من الانفاق العسكري؟ هل يولِّد هذا الإنفاق البحث والتطوير وفُرَص العمل في مجال الهندسة والتصنيع وما إلى ذلك؟ هل يدرّ هذا الإنفاق أيّ خير؟ 

شابير رازفي: إسمع يا "جورج"، كثيراً ما تُستخدم تلك الحِجّة وأعتقد أنّ ثمّة مُغالطة في حجّة أنّ التسلُّح يوفِر فُرص عمل ويُساعِد في إتاحة الفُرصة لتطوير العلم والتكنولوجيا ومجال البحث والتطوير، والحجّة الأكبر التي نتذكّرها جميعاً هي الصفقة التي أبرمتها الحكومة البريطانية مع (السعوديّة) 

جورج غالاواي: صفقة "اليمامة" 

شابير رازفي: أجل، صفقة "اليمامة"

جورج غالاواي: كانت تلك أكبر صفقة بيع تُبرَم في التاريخ 

شابير رازفي: ولا تزال قائِمة حتى الساعة إلى حدٍّ ما، وقد بلغت نسبة الرشاوى المدفوعة فيها نحو ست مليارات من الجنيهات الإسترلينيّة إن كنت تذكُر

جورج غالاواي: نعم، وكلها تقاضاها السعوديّون

شابير رازفي: مليار جنيه فقط تقاضاها الأمير "بندر التركي" ووُزِعت المليارات الخمسة الأُخرى على أشخاص آخرين، واسمح لي أن أقول إنّ صديقنا السيّد "بلير" أوقف التحقيق في مسألة الصفقة مُستخدماً الحُجّة التي حاولت التلميح إليها إلى حدٍّ ما وهي الحفاظ على فُرص العمل في بلدنا. نحن في حاجة إلى التخلُّص من هذه الحجّة والاعتراض عليها بقوّة. إن كان الإنفاق العسكري أو الصادرات العسكرية تؤمّن فُرَص العمل لهذا البلد لماذا لا نعتمد على المُنتجات المُراعية للبيئة عوضاً عنها؟ لماذا لا نوفِّر مزيداً من الفُرَص التعليمية؟ لا يزال الناس حول العالم يطمحون إلى تعلُّم اللغة الإنكليزية، لماذا لا نُنفِق المزيد من المال على التعليم؟ ذلك سيؤمّن فُرَص عمل للمُدرِّسين والأكاديميين وغيرها من الأمور 

جورج غالاواي: "شابير"، لقد جلتُ العالم بأكمله كعضو في البرلمان البريطاني ولم يسبق لأحد أن سألني إن كان في وسعنا إرسال المزيدٍ من القنابل البريطانية

شابير رازفي: بالضبط 

جورج غالاواي: كان الجميع يطلبون أن نرسل لهم المزيد من المُعلِّمين لتعليمهم اللغة الإنكليزية 

شابير رازفي: لقد شرحت بوضوح الفِكرة التي أتناولها، لأنني عندما أُسافِر حول العالم لا يكفّ الناس عن سؤالي عن كيف في استطاعتهم الذهاب إلى (إنكلترا)، وعندما أسألهم عن السبب يُجيبون أنّهم يرغبون في تعلُّم اللغة الإنكليزية، إذاً الطريق أمامنا سالِكة

جورج غالاواي: قوّة ناعمة أجل

شابير رازفي: بالفعل، نمتلك قوّة ناعِمة لكننا لا نستخدمها في الطريقة الصحيحة لتأمين المزيد من فُرَص العمل وتأمين صادرات أكثر وتأمين كل أنواع الفُرص التي قد تنشأ بفعلِ كوننا دولة سلميّة لا دولة عدوانيّة تبيع الأسلِحة. سأتجرّأ وأقول إنّ (بريطانيا) كانت أكبر مورِّد أسلِحة لـ (السعودية) في العام الماضي كما تعرفون جيداً لأنّ الخبر وُثِّقَ أخيراً، وأين تُستخدَم هذه الأسلِحة؟ تُستخدم في (سوريا) وتُستخدم في (اليمن) لقتل المدنيين، إذاً تتلطّخ أيدينا بالدماء عندما نبيع تلك الأسلِحة بغية تأمين بضعة آلاف فرصة عمل في البلد، هل هذه في الحقيقة سياسة ناجحة؟ ثم، أعلن السيّد "روب" منذ بضعة أيام أنّ (بريطانيا) ستستمرّ في بيع الأسلِحة للجميع بغضّ النظر عن سجلّهم لحقوق الإنسان. إذاً في الحقيقة، لقد ابتعدنا تماماً عن التحلّي بأُسس أخلاقيّة عالية وتجرّدنا من الأخلاقيات. وفي الختام، أودّ أن أقول أمراً في غاية الأهمية وهو أنّ علينا نحن أن نُقيِّم أنفسنا كجنس بشري يبلغ عددنا اليوم ثمانية مليارات نسمة حول العالم هل نريد أن نمحو البشريّة عن الوجود فعلاً بقتلِ الجميع بواسطة الأسلِحة النووية؟ لا أعتقد أنّ هذا لا يمُتّ للمنطق بأيّة صلة

جورج غالاواي: في عصرٍ يُفتَرَض بنا أن نُقَلِّص مخزوناتنا من الأسلِحة، أعلنت (بريطانيا) للتوّ أنّها ستزيد من مخزوناتها. معنا رجل الآن يتربّع على قمّة الصحافة البريطانية ولا زال يوثّق هذه المسألة منذ سنوات كثيرة وهو مراسل صحيفة "الغارديان" السابق والخبير في الشؤون الخارجية "جوناثان ستيل". "جوناثان"، ما رأيك في إنفاق (بريطانيا) على الدفاع؟

جوناثان ستيل: أعتقد أنّ الحكومة البريطانية تريد أن تبقى حليفة مُقرّبة من (الولايات المتّحدة) وما زالت (الولايات المتّحدة) تدفع جميع بلدان " الناتو" والأعضاء الجُدد إلى إنفاق المزيد على الدفاع وتخصيص إثنين في المئة على الأقل من ناتجها المحلّي لهذا الإنفاق، و(بريطانيا) اليوم ستُخصص 2.2 في المئة من ناتجها على الدفاع. إذاً نحن نُظهِر للأميركيين أننا حلفاء مُخلصون جداً لهم وأنّنا نتبع تعليماتهم التي تتعلّق بالإنفاق على الأسلِحة العسكريّة 

جورج غالاواي: أين تكمُن أهميّة ذلك لا سيما وأنّ ميزانيات دولتنا التي تُنفِق على أمورٍ أُخرى باتت متدنّية إلى حدٍّ رهيب حالياً؟

جوناثان ستيل: هذا سؤال جيِّد وما من إجابة واضحة عليه. إنّه لأمرٌ غريب كما ذكرت، لاسيما في ظلّ الأزمة الراهنة، أنّ هناك جدلاً حول زيادة أُجور الممرضين بنسبة واحد في المئة فقط وتجميد أُجور بعض الناس ما أثار امتعاض الكثيرين، والحكومة تعتقد أنّه من الضروري إنفاق المزيد على الدفاع. أعني لقد أنتجوا استعراضاً استراتيجياً كان من المُفتَرَض أن يُحدّد التهديدات الجديدة التي تواجه (بريطانيا) لكنّهم لم يتوصّلوا حقاً إلى أيّ جديد باستثناء الحرب الإلكترونيّة وربما رؤية جديدة للمُستقبل وسينفقون المزيد على الفضاء بما في ذلك عسكرة الفضاء. لكن كما تعلمون لن يُهاجمنا أحد من الفضاء، لذلك إنفاق المزيد على عسكرة الفضاء أمرٌ غريب بعض الشيء. وهناك بالطبع مسألة التسلُّح النووي أيضاً، نحن نزيد الأسلِحة النووية بنسبة أكبر من أربعين في المئة من 180 إلى حوالى 260 رأساً حربية، وهذا مجدّداً أمر غير ضروري ولا يوجد مبرّر واضح له. أعلنَ "بوريس جونسون" هذا القرار أمام البرلمان منذ عدّة أيام ولم يتمكّن من تقديم تفسير واضح لقرار كهذا

جورج غالاواي: رفع سقف تخزين الرؤوس سيكون مثيراً للجدل في بعض الأوساط، هل تعتقد أنّه سيُسبّب ردّ فعلٍ عنيف؟ 

جوناثان ستيل: يتساءل الناس في (اسكتلندا) وفي مناطق أُخرى من البلاد عن ضرورة ذلك، و"حزب العُمال" تحت قيادة "كير ستارمر" يدعم الأسلِحة النووية بحماسة أكبر مما كانت عليه تحت قيادة "جيرمي كوربين". تساءلوا عن هذا الإنفاق المُتصاعِد وهم قلقون في شأن الأسلِحة التقليدية كالدبابات والدروع وغيرها من أسلِحة المُشاة التي ينبغي إنفاق المزيد عليها لا على الأسلِحة النووية. ثمّ بالطبع يُساور الشكّ الكثير من الناس حيال الإنفاق المُتزايِد على الأسلِحة ولا يريدون أن تنفِق الحكومة المال على الأسلِحة النووية أيضاً. إذا هناك جبهة واسعة من الانتقادات تواجه الحكومة 

جورج غالاواي: ألا يتعارَض ما يقومون به مع مُعاهدة "الحدّ من الأسلِحة النووية"؟ 

جوناثان ستيل: هذا صحيح، جزء من معاهدة "الحدّ من انتشار الأسلِحة النووية" التي أحد شروطها أن توافق البلدان الأُخرى على عدم تصنيع الأسلِحة النووية الخاصّة بها أو شراء أسلِحتها النووية من أيّ مصدرٍ آخر على أساس أنّ القوى النووية الخمس ستحدّ من أسلِحتها تدريجاً، هذا الجزء من المُعاهدة لم يتحقق على الإطلاق. منذ التوقيع على معاهدة " الحدّ من انتشار الأسلِحة النووية" قبل نحو خمسة وعشرين عاماً ازداد تصنيع الأسلِحة النووية. نتطلّع قُدُماً إلى المعاهدة الأميركية الروسية بعد أن ينتهي العمل بمعاهدة "نيو ستارت" خلال أيام وقد وافق الطرفان على تجديدها ما يضع سقفاً للأسلِحة النووية التي تمتلكانها (الولايات المتحدة) و(روسيا). إذاً الحجّة المُتداولة حالياً هي أنه في وقت الحدّ من القوة النووية ومن عدد الرؤوس الحربية تقوم (بريطانيا) بزيادة عدد رؤوسها النووية  

جورج غالاواي: صحّح لي إن كنتُ مخطِئاً يا "جوناثان"، لكن منذ التوقيع على مُعاهدة "الحد من انتشار الأسلِحة النووية"، هل كانت (بريطانيا) أول بلد يعترِف بأنه يزيد من ترسانته بدلاً من الحدّ منها؟ 

جوناثان ستيل: لطالما أفصحوا عن عدد الرؤوس الحربية النووية التي لدينا، لكن كانت إحدى النقاط التي ذكرها "بوريس جونسون" أنّهم من الآن فصاعِداً لن يُفصِحوا عن تفاصيل الأسلِحة وعددها. إذاً لقد انخفض عددها خلال حكومة "ديفيد كاميرون" من نحو 225 إلى 180، إذاً لقد حدّينا منها ولكن الآن "بوريس جونسون" يزيدها لكن ليس إلى المستوى نفسه التي كانت عليه عندما كان "ديفيد كاميرون" رئيس الوزراء بل تعدّته، من 225 إلى 260. بالتالي، أعلن أنّ أيّة زيادات أو تغييرات في المُستقبل لن تُعلَن من حيث الأرقام 

جورج غالاواي: إلى أين تعتقد إننا مُتّجهون؟ وما هي العواقب المُترتِّبة على هذه الزيادة في عدد الرؤوس الحربية، ليس من ناحية تمويلها فحسب بل من ناحية تأثيرها العسكري الاستراتيجي؟ 

جوناثان ستيل: لا أعتقد أنّ شيئاً سيحدُث حيال ذلك، فالبلدان الأُخرى لن تنتقد (بريطانيا) ولا حتى البلدان النووية الأُخرى، والمعارضة السياسية في (بريطانيا) ليست قويّة بما يكفي لإلغاء قرارها لذلك ستبقى الأمور على حالها مع الكثير من علامات التساؤل والكثير من الاهتمامات والكثير من المُشكّكين في مدى ضرورتها وسبب إعطاء الأسلِحة النووية الأولويّة في الاتفاق رغم أنّ كثيراً من الأمور الأُخرى في حاجة إلى تمويل بما في ذلك نُظُم الرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية والتعليم وغيرها 

جورج غالاواي: وأخيراً "جوناثان"، أليس من خيار أمام عامة الشعب سوى أن يقبلوا بما حصل؟ 

جوناثان ستيل: قد تقلب حكومة جديدة الموازين لكن في طبيعة الحال لن تُجرى انتخابات قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، كما أنّ حكومة "حزب المُحافظين" الراهنة تتمتّع بغالبية ساحقة في البرلمان لذا لن يُقدِم أعضاء البرلمان المُحافظون على التمرُّد أو الانتفاض وستنجو الحكومة بفعلتها 

جورج غالاواي: "باتريك"، هل كان التصريح الذي أدلى به "دومينيك روب" استثنائياً؟ مع أنه لم يبدو كذلك على الرغم من إعلان "روبن كوك" إنّنا سنتبع سياسة خارجيّة أخلاقيّة، إما لم يُصدِّق كلمة مما قاله أو على الأقل لم يُصدِّق رئيسه "توني بلير" أيّة كلمة مما قاله، ولم نحصل بَعد على أيّ بُعدٍ أخلاقي للسياسة الخارجية. ربما كان السيّد "روب" صادقاً تماماً بقوله إنّنا سنقوم ببيع الأسلِحة لأيّ شخص بغضّ النظر عن سجلّه في حقوق الإنسان 

باتريك كريستيز: نعم، وسأذكُر بعض الأشياء في هذا الشأن، حينما تُعادل تكلفة المدرّس اليوم تكلفة قنبلة سنرى حينها تغييراً حقيقياً، هذه هي الحقيقة المرّة حيال هذا الموضوع. أمّا بالنسبة إلى "دومينيك روب"، فأمره أثار حيرتي طويلاً وأنا لا أفهمه مُطلقاً ولطالما شبّهته بشخصٍ على وشك صدم أرنب بسيّارته، تلك النظرة الغريبة أُشبِّهها بمسيرة "دومينيك روب" السياسية. لم أفهم يوماً عقليّة "روب" 

جورج غالاواي: أتساءل إنْ كان وليد ذكاءٍ اصطناعي 

باتريك كريستيز: وكأننا فقط جاهزون من أجل "روب" 

جورج غالاواي: قد يكون "روب" أول اختراع في مجال الذكاء الاصطناعي لدينا 

باتريك كريستيز: نعم، لن يُفاجئني ذلك 

جورج غالاواي: في الحقيقة قد لا يكون بشرياً 

باتريك كريستيز: وهو لا ينام ليلاً، كل ما عليك فعله هو إطفاء زرّ تشغيله. لكننا صمدنا في أيّة حال، أمام حكومة "تيريزا ماي"، أليس كذلك؟ يجب أن أتوقّف عن قول ذلك علناً، لكن في أيّة حال من ناحية ما نناقشه الآن، أعتقد أننا نتجادل حولَ ما إذا كانت الطريقة التي تُنفِق بها الحكومة ميزانيّتها العسكرية صحيحة أم لا. أعتقد أنّه من الخطر أن تفوتنا نُقطة واضحة نسبيّاً، علماً أنني لا أُشاطر الحكومة الرأي لكن أتفهّم حاجتها إلى فعلِ ما تفعله. نحن نعيش اليوم ظروفاً جديدة حيثُ أصبحنا للمرة الأولى خارِج (الاتّحاد الأوروبي)، أعتقد أنّ تعميم اللقاح دليل على أنّنا لا نستطيع بالضرورة أن نثق بأصدقائِنا الأوروبيين بقدرِ ما كنّا نظنّ، بالإضافة إلى ذلك يتولّى "جو بايدن" اليوم رئاسة (أميركا) وهو شخصٌ، أظنّ إننا نرى ذلك للمرّة الأولى، سيكون حليفنا الأقدم على غرار ما كان عليه "جورج بوش" 

جورج غالاواي: نقطة جيّدة جداً 

باتريك كريستيز: والآن إذا نظرنا إلى ما تفعله (الصين)، نعم نعلم أنّ (الصين) لن تتغيّر، لكنها دولة لا تخلو من المشاكل، ولن تُغيِّر (روسيا) أساليبها أيضاً. لذلك الآن وللمرة الأولى، مع معرِفة مسبقة بالفوضى التي ستنجم عن هذه الجائِحة، يُمكن القول إنّ (بريطانيا) تُعاني اليوم من الوِحدة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. لذا أتفهّم موقف الحكومة وهو أنّ واجبها الأول والأخير هو حماية مواطنيها، لكن كيف ستفعل ذلك؟ ستُنفِق أموالاً طائِلة على الأسلِحة النووية لأنّ هذا ما يتعيّن عليها فعله.  إذا يُمكنني أن أتفهّم موقفها، ولا أقول بالضرورة إنني أتّفق معها. أعتقد إننا يجب أن نتوقف عن التساؤل عن أسباب قيامهم بذلك، لكن سواء اتخذوا القرار الصحيح أم لا يُمكنني تفهُّم الأسباب الكامنة وراء قراراتهم بفعلِ تلك الأشياء 

جورج غالاواي: "روبرت"، أعتقد أنّك عرضت نُقطة جيّدة جداً سواء كانت مسألة واضحة أم لا، إلا أنّها لا تُناقش على نطاقٍ واسع. "جو بايدن" لا يُحب (بريطانيا) كثيراً لأسباب متعدّدة منها الخلفية العرقية والسياسية وغيرها، الحقيقة هي أنّه لا يُحب (بريطانيا) كثيراً، هل توافق "باتريك" الرأي في أنّ ربما سبب ما نقوم به هو لأننا نشعُر أنّنا من دون أصدقاء أكثر من أيّ وقتٍ مضى؟

روبرت شو: أعتقد أنّه بصرف النظر عن كل أشكال العلاقات السياسية التي تربطنا بالبلدان الأُخرى تتميّز هذه العلاقات بحالتها الانتقاليّة الدائِمة، ولحُسن الحظ السياسيون لا يدومون إلى الأبد بل يتمّ انتخاب غيرهم ويتركون مناصبهم ويأتي آخرون مكانهم. ما قد أقوله على المُستوى الشخص وبناءً على تجربتي الخاصّة، بعدما عملت على مقربة من أناس في حلف "الناتو" من مختلف الدول وكان جزء كبير منهم بالتأكيد من الأميركيين، سأقول إنّنا نتشابه كثيراً على أرض الواقع ونتعاون بالفِعل، والعلاقة التي تربطنا أقوى من أيّ وقتٍ مضى من الناحية الواقعيّة. ستلتقي دائِماً بأشخاص لا يُحبّونك لاسيما في الجيوش الأجنبية  ، الضباط العسكريون الأميركيون في الأخصّ لم يكونوا يحبّون (بريطانيا) عندما عملت معهم في (أفغانستان) وستُصادِف دائماً أشخاصاً يكرهون الإنكليز وآخرون يعشقونهم

جورج غالاواي: ما رأيك في وجهة نظر "باتريك" القائِمة على تراجع اهتمام الناس في الانضمام إلى الجيش البريطاني؟ لا تتّسِم هذه المؤسّسة بالجاذبية ولا تدفع أُجوراً عالية ويتمّ تجاهلها على نحوٍ مُخجِل، كما تتعرّض للإهمال على نطاقٍ واسع. إن عدتَ من الجيش متضرّراً نفسياُ لا تتوقّع معاملة أفضل بل توقّع الأسوأ. إذاً، إن أنهيت خدمتك وكنت بلا مأوى، تذكّر أنّ معظم المُشرّدين في الشوارِع لديهم خلفيّة عسكريّة كما تعُجّ السجون بأُناس من خلفيات عسكريّة أيضاً، مشهد الانضمام إلى الجيش ليس جذّاباً، أليس كذلك؟ لا بدّ من أنّ الأمرُ يثير استياءك

روبرت شو: هذا صحيح نوعاً ما نظراً إلى خبرتي يا "جورج"، يمكن أن أقول إنّ التجنيد والالتحاق في السلك العسكري لطالما مرّ في مراحل ازدهار وتدهور ويعتمد التجنيد في غالبيّته على الاقتصاد الخارجي. عندما تُعاني فئة كبيرة من الشعب الإنكليزي من البطالة تزداد نسبة التوظيف في التجنيد ويلتحق معظم الناس في الجيش لأنها وظيفة. لطالما وجدنا محترفين أشدّاء في السلك العسكري البريطاني لأنهم حلموا طويلاً في أن يُصبحوا جنوداً ولطالما أصبحوا بالفعل جنوداً، لذا ستجد دائِماً شبّاناً غيّورين على وطنهم ويُحافظون على معايير الجيش المهنيّة بصرف النظَر عن التحاق الآخرين حصرياً من أجل المال. لا ينضمّ المحترفون إلى السلك العسكري بهدف المال بل رُغبةً منهم في الدفاع عن بلدهم وأبنائهم. إذاً سيستمرّ هذا العامِل في التغيّر، لكن ما أريد قوله هو إنّني أتّفق معك كلياً على أنّ السلك العسكري اقترف فظاعات في حقّ جنوده على مرّ الزمن لكن الأمر لم يكن هكذا دائِماً وهذا ما أظهرته قصائِد "روديارد كيبلينغ" عن "تومي قمّ بهذا وتومي قم بذاك"، ولا يزال الوضعُ على حاله اليوم. إذاً، يأتي مُعظم أفراد السلك العسكري من المناطق الفقيرة في المدن والبلدات ويفتقرون إلى العِلم، كما شهِدوا على الكثير من الجرائِم في حياتهم، لذا ما أعنيه هو أنّ السلك العسكري يوجّههم نحو طريق جديدة يشعرون فيها بالثقة ويتدرّبون وإلى آخره ويمنحهم فُرصة في الحياة أو سينتهي بهم المطاف كمُدمني كحول في الشوارع أو كمجرمين، لكن هذا ليس في الضرورة بسبب الجيش بل لأننا قمنا بتجنيدهم حين أتونا منكسرين 

جورج غالاواي: كان الممثل الكوميدي الاسكوتلندي "بيلي كونولي" يقوم بمشهد هزليّ في شبابي، حين كنت حتى أصغر من "باتريك"، عن شباب يلتحقون بالجيش ويجولون العالم ويزورون أماكن رائِعة ويلتقون بأُناسٍ مثيرين للاهتمام ثمّ يقتلونهم. أليست هذه هي المُشكلة يا "باتريك"؟ أعني، سيتعيّن عليك تغيير تسريحة شعرِك كلياً إذا ما قررت الالتحاق بالجيش البريطاني اليوم

باتريك كريستيز: لا أظن أنهم سيقبلون بي، صحيح؟ 

جورج غالاواي: نتحدّث عن أفراد جيلك. أعني في حقبة خدمتك يا "روبرت" رأينا إننا لم نخِض حروباً كثيرة حينها، لكن في الآونة الأخيرة لم نخرُج مُطلقاً من الحروب في (سيراليون) و(يوغوسلافيا) و(أفغانستان) و(العراق) بالطبع بالإضافة إلى تدخّلنا في (ليبيا) وفي (سوريا)، يا لها من حربٍ طويلة. لا بدّ من أنّ ذلك يُسبّب نفوراً لدى الشباب من جيلك

باتريك كريستيز: بالفعل، وأعتقد أنّ كثيرين من أفراد جيلي يملكون اليوم وعياً سياسياً أكبر من الأجيال السابقة وأعتقد أنّ وسائِل التواصل الاجتماعي والأوضاع العامّة أدّت دوراً رئيسياً في ذلك، كما أعتقد أنّهم أكثر حكمةً عالمياً ويملكون آراء أكثر وضوحاً بالإضافة إلى أنّ بلادنا اليوم تشهد موجة كبيرة من الهِجرة ما يؤدّي إلى زيادة التنوُّع بين الناس، وهذا يعني أنّ المزيد من الناس يأتون من البلدان التي غزوناها أليس كذلك؟ إذاً، هل من المُرجّح أن ينضمّ هؤلاء إلى الجيش؟ بالطبع لا. إذا عاينّا المدارِس والأنظمة التربوية أظن بصراحة أنّ بين أفراد الجيل الأصغر توجد نزعة أنا لا أحبّذها بصراحة، نزعة تدريبية وأيضاً توجه للجيل الأصغر نحو إحراق ماضي (بريطانيا) ويتجلّى ذلك في أنّ الشُرطة تحرُس تمثال "ونستون تشرشل"، أعني هذا الحدث كفيل بإخبارِك ما تحتاج أن تعرِفه. إذا تنظر في هذا الأمر وتفكّر، ما هي الفائِدة من الانضمام إلى الجيش؟ ما نسبة الإقبال على الانضمام إلى الجيش؟ وغيرها من الأسئِلة التي تطرحها على نفسك. في المناسبة، أعتقد أنّ الجيش يُمكن أن يكون شيئاً رائِعاً، لا تسيئوا فَهمي، لكن عندما يتمّ إرسالك للقتال في مكانٍ ما مثل (اليمن) على سبيل المثال أو أي مكان آخر يُصبِح من الصعب اتّباع الأوامر على نحوٍ أعمى، فالوعي عند الناس ازداد اليوم ناهيك عن مسألة (فلسطين) أيضاً. أعني أنت تدرُس كلّ خياراتك اليوم قبل أن تدخُل إلى الجيش، وأعتقد أنه أمرٌ ينطبق على كثيرين ممن هم في سنّي. إذاً، نتيجة لذلك أعتقد أنّ الجيش بات ربما أقلّ جاذبيّة للأشخاص في عُمري ممّا كان عليه في الماضي ذلك لأنّ الناس أصبحوا ربما أكثر إدراكاً لطبيعة الجيش السياسية. لا تكمُن المُشكلة في الجيش في حدّ ذاته فالسياسيون يستخدمون الجيش أحياناً لأغراضٍ شائِنة وهنا تتبلور المُشكلة ويُصبح الناس أكثر وعياً لذلك 

جورج غالاواي: "شابير"، الكلِمة الأخيرة لك. لقد غزونا نصف العالم واحتللناه وكانت الإمبراطورية البريطانية شاسعة لدرجة أنّ الشمسَ لم تغِب عنها أبداً واعتاد جدّي الأكبر الإيرلندي على القول " ذلك لأنّ الله لا يثق بالبريطانيين في الظلام". أنت تأتي في الأصل من جزء من تلك الإمبراطورية، هل تكره الجيش البريطاني؟

شابير رازفي: أعتقد أنّ الكراهية كلمة قويّة جداً يا "جورج"، لا أظن أننا نملِك الوقت الكافي للتعمُّق في الجانب الفلسفي الذي يمنعنا من استخدام مُصطلح الكراهية في هذا السياق. ما يُمكن أن أقوله هو أنني أتيت من (لندن) ولم أكن أعلم أنّ (لندن) كانت جزءاً من الإمبراطورية البريطانية

جورج غالاواي: قصدتُ تاريخياً 

باتريك كريستيز: من الجيِّد أنّ الردُّ كان موجّهاً لك هذه المرة على سبيل التغيير 

جورج غالاواي: من أين أتيت أنت؟ أنا من الشارِع المُجاوِر 

شابير رازفي: بالضبط، نعم (لندن) كانت معقل الإمبراطورية البريطانية لكنها بالطبع لم تكُن الإمبراطورية البريطانية إن أردت. من الواضح أنّ (بريطانيا) خلّفت بصماتها في جميع أنحاء العالم، هذا هو الواقع، لكنّي أعتقد أنّ "شاشي تاهور"، وهو سياسي هندي تحدّث بنبرة حادّة عن الإمبراطوريّة البريطانية وما قدّمته هذه الإمبراطورية للعالم، كما تعلم يُقال أنّه لولا تدخُّل البريطانيين في (الهند) لما كانت (الهند) دولة فقيرة اليوم ولا أُريد تكرار كل ما قاله "شاشي تاهور"، لكنه قال إنّ (الهند) كانت تُتنِج 25 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي البريطاني في ذلك الوقت وعندما رحل البريطانيون أصبحت هذه النسبة تُعادل أربعة في المئة فقط. وأيضاً في بيانٍ كلاسيكي له صرّحَ "شاشي تاهور" أنّه غالباً ما يُقال لمواطني المُستعمرات السابقة لاسيّما الهنود منهم إنّهم لم يستقلّوا الحافلة، وكان ردّ "شاشي تاهور"، "إن البريطانيين دفعونا تحت الحافِلة، لذلك لم نتمكّن من ركوب الحافلة". إذاً يُفترَض أن نُعالِج مجموعة كبيرة من القضايا، لكن ما فعلته (بريطانيا) أنّها من خلال الإمبراطورية ومن خلال انتزاع الثروات من الدول الفقيرة أصبحنا بلداً قوياً ومُزدهراً وأسّسنا لدولة الرفاهية. لذا، إن جاء المهاجرون إلى هذا البلد لتحسين حياتهم الاقتصادية أنا لا أُمانع ذلك في الحقيقة أبداً إذا أتوا في سبلٍ شرعية، وخير مثال على ذلك وزيرة الداخليّة الحالية وما أُسميه بتجربة "بريتي باتل"، كما تعلمون هي من أصول أوغنديّة، فلولا فترة حُكم "عيدي أمين" ولو لم يُسمَح للآسيويين بالقدوم والاستقرار هنا في (المملكة المتحدة) لما أصبحت وزيرة داخلية في هذا البلد. لذلك تعتمد الفوائِد التي يجلبها المُهاجرون من المُستعمرات السابقة إلى (المملكة المتّحدة) على نموّ اقتصادها. وكما ذكر "باتريك"، نرى تنوّعاً ثقافياً على نطاقٍ أوسع فيتعرّف الناس على بعضهم البعض والناس يقدّرون ذلك. إن لديك سورياً أو عراقياً يعيش هنا فما هي أسباب مجيئه؟ لأنّ "صدّام" خلقَ مُشكلة كبيرة للعراقيين ولهذا السبب قدموا إلى (الولايات المتّحدة)، ولماذا خلق "صدّام" المُشكلة لشعبه العراقي؟ لأننا زوّدناه بالأسلِحة وسمحنا له بخوض حرب مع (إيران) وسمحنا لـ "صدّام" باستخدام الأسلِحة الكيميائية وغيرها، لهذا السبب هرب الناس من (العراق)، لذلك لدينا التزام كـ (بريطانيا)، أي كإمبراطورية استغلّت ثروات دول أُخرى، بالسماح لهؤلاء الأشخاص بالمجيء إلى هنا في صورة قانونية والإسهام في تطوير الأُمّة 

جورج غالاواي: تكاد الفرحة لا تسعني لأنّ الإمبراطوريّة أرسلت إلينا "بريتي باتل"، أسوأ وزيرة داخليّة مرّت علينا على الإطلاق، لكن أخشى أن يكون وقتنا قد انتهى. أتمنّى أن تكونوا قد استمتعتم بجولتنا عبر الأُفق التاريخي العسكري والاستراتيجي البريطاني. كنت معكم أنا "جورج غالاواي" وأنتم كنتم جمهوراً رائِعاً. شكراً لكم على المُتابعة 

 

 

 

 

أفغانستان والعراق

المزيد