التكفير الأفريقي.. بوكو حرام نموذجاً

"بوكو حرام" تتألف من كلمتين، "بوكو" وتعني بلغة الهاوسا التعليم الغربي، والكلمة العربية حرام، ومن ثم فإن "بوكو حرام" تعني التعليم الغربي حرام وقد تأسست جماعة بوكو حرام عام 2002 في ولاية بورنو بشمال نيجيريا بزعامة محمد يوسف، لكن الوجود الفعلي للحركة بدأ عام 2004 بعد أن انتقلت إلى ولاية يوبي على الحدود مع النيجر ..و أصبحت جماعة بوكو حرام تشكل أكبر تهديد في في أكبر دولة منتجة للنفط في القارة السمراء. #أ_ل_م

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

تعرّفت أفريقيا أو قارّة المستقبل العذراء كما يُسمّيها الاستراتيجيون الغربيون على الإسلام، وانفتحت على مبادئه وقِيَمه وأخلاقه، فتفاعلت معه وانتعشت فيها طرق الذِكر والعرفان وتحفيظ القرآن الكريم. وكانت للمعاهد الصوفية أكبر الأدوار في التصاق الأفارقة المسلمين بالمنهج الوَسطي والاعتدال والانفتاح على الآخر. 

ومع بدايات إحياء ثقافة التكفير والقتل باسم الله ورسوله في العالم العربي والإسلامي تمّ التركيز على أفريقيا لإلحاقها بمحور القتل الديني، وذلك باستغلال الظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الأفارقة. ومن الجماعات التكفيرية التي أجرمت وقدَّمت نموذجًا أحمر، وأحرقت وقتلت واغتصبت وخطفت النساء والأطفال جماعة بوكو حرام، والإسم الرسمي لها جماعة أهل السنّة والجهاد. أمّا بوكو حرام فيتألّف من كلمتين بوكو وتعني بلغة الهاوسة "التعليم الغربي"، والكلمة العربية حرام، ومن ثمّ فإنّ بوكو حرام تعني التعليم الغربي حرام. وقد تأسّست جماعة بوكو حرام عام 2002 في ولاية بورنو في شمال نيجيريا بزعامة محمد يوسف، لكنّ الوجود الفعلي للحركة بدأ العام 2004 بعد أن انتقلت إلى ولاية يوبي على الحدود مع النيجير. وأصبحت جماعة بوكو حرام تشكّل أكبر تهديد في أكبر دولة مُنتجة للنفط في القارّة السمراء. عمل قائدها السابق محمد يوسف الذي اغتيل في ثلاثين يوليو تموز 2009 على إنتاج جماعة التوحّش الموغِلة في قتل المدنيين والأبرياء وإحراق قراهم.

في يونيو حزيران 2010 ظهر أبو بكر شيكاو كخليفة ليوسف ليواصل نهج العدمية والفوضى الأمنية العارمة. في نيسان 2014 قامت بوكو حرام باختطاف قرابة 276 فتاة من إحدى المدارس الأجنبية في منطقة شيبوك بولاية بورنو شمال نيجيريا. أعلنت جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد المعروفة إعلاميا باسم بوكو حرام في تسجيل صوتي منسوب إلى زعيمها أبي بكر شيكاو مُبايعتها زعيم تنظيم الدولة الإسلامية تاريخئذٍ أبا بكر البغدادي، وسمّوه خليفة المسلمين.

ويربط أفارقة مُتابعون لشؤون الإرهاب في أفريقيا، وفي غرب أفريقيا تحديدًا هذا الإرهاب بالدوائر الغربية التي أسهمت في دور كبير في خلق مشكلات التطرّف والإرهاب في أفريقيا، وخصوصًا في جغرافيا مزدحمة بالذهب الأسود. فكيف نشأت وتأسَّست بوكو حرام في أكبر دولة إسلامية في أفريقيا؟ وما هي العوامل الداخلية والخارجية لتوسّع نفوذ بوكو حرام؟ وكيف كانت بدايات الارتباط بالقاعدة وداعش؟ ومن يحرّض على تحويل القارّة السمراء إلى قارّة حمراء بالإرهاب والعنف؟

ولا تخفي بوكو حرام جذورها السلفية وقادتها يقرّون بأنّ الحركة تسعى إلى القضاء على ما يُسمّونهن بالشركيات والبدع في أوساط أتباع الطُرق الصوفية ذات الانتشار الواسع في شمال نيجيريا.

"التكفير الأفريقي بوكو حرام نموذجًا" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من العاصمة النيجيرية لاغوس الدكتور الخضر عبد الباقي مدير المركز النيجيري، ومن الجزائر الأستاذ الفاضل يوسف مشرية الخبير الدولي في التطرّف ومُكافحة الجماعات المُتشدِّدة.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور الخضر مرحبًا بك من لاغوس، ونتمنّى لكم الأمن والأمان والتوفيق في كل مساراتكم النهضوية. أفريقيا كانت مُسالِمة تحبّ الإسلام الوسطي المعتدل، تنتشر فيها طُرق الذِكر والعِرفان. كيف بذرت بذرة التكفير في نيجيريا وفي أفريقيا عمومًا؟

 

الخضر عبد الباقي: باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أشكر لكم في قناة الميادين هذه الدعوة وهذه الاستضافة، وأشكرك بشكل خاص دكتور يحيى، ولضيفك الكريم من الجزائر الشقيقة.

طبعًا أفريقيا كما تفضّلت في هذه المقدّمة الضافية التي عرجت على بداية الفكر التكفيري لجماعة بوكو حرام في نيجيريا تحديدًا، وأمّا ما يتعلّق بالمُتغيّر الذي دخل على أفريقيا، وحوّله من القارة المُتُّسمة بالهدوء والاستقرار والمنسجمة مع الروح المُتسامِحة المُتصوّفة حسب توصيف المقدّمة التي تفضّلت بها.

هناك عدّة عوامل التي جعلت هذا الفكر المُتعجرِف أن يتمكّن من القارّة الأفريقية بشكل عام، وأفريقيا وجنوب الصحراء هو قد أعزو ذلك إلى الاحتلال الغربي لأفريقيا كان سببًا لأنّ علماء أفريقيا والإمبراطوريات الأفريقية ذات المرجعية الإسلامية تحديدًا، وإذا تحدّثنا عن نيجيريا دولة عثمان بلوفودي، وهذه الدولة التي قامت في مدينة سكوتلو في نيجيريا، وقضى عليها الاستعمار البريطاني في نيجيريا عام 1914 آخر مواجهة بين الطرفين. طبعًا العلماء في تلك الفترة بأدبيّاتهم هناك بعض الكتابات التي أرخت لضرورة المواجهة مع الفكر الغربي، فبالتالي أنا أعزو وجود لبذرة المواجهة والاحتكاك مع الآخر كانت موجودة من قبل، وقبل أن تخرج علينا بوكو حرام. فبالتالي التراث الثقافي الفكري الموجود والمنتشر والسائد في شمال نيجيريا الفُقهي والفكري كان يحمل كثيرًا بين طيّاته ممّا يمكن أن نسمّيه بفكر الصِدام مع الغرب تحديدًا لأنّه يؤسِّس لمواجهته وللجهاد كما هو مؤصَّل في الفُقه الإسلامي.

طبعًا إذا طلب منّا أن نستشهد لذلك، هناك كتب ومؤلَّفات في هذا المجال كتاب بيان وجوب الهجرة، ووجوب نصب الإمام، وإقامة الجهاد للشيخ عثمان بولفودي، وإرشاد أهل التفريط والإفراط إلى الصِراط المستقيم، وفي مسائل تكفير العُلماء والعامّة، وهناك كتاب آخر سِراج الإخوان في أهمّ ما يحتاج إليه في هذا الزمان حُكم علماء السوء وجهاد ناطقي الشهادة وحُكم من تحيّز للكفّار من العلماء. كل هذه الخلفية التراثية في تراثنا الفُقهي الفكري في شمال نيجيريا تعطينا نموذجًا أنّ هناك أصلًا، وأنّ هناك تراثًا فكريًا استندت إليه هذه الجماعة المُتطرّفة في الآونة الأخيرة. وبعد ذلك هناك في شمال البلاد، هناك سيطرة لثقافة الأقلّية المسيحية في البلد، بالإضافة إلى ذلك أنّ هناك امتعاضًا من الغالبيّة المسلمة أنّه لا بدّ من المواجهة، وهناك داخل البيت الإسلامي في نيجيريا تحديدًا في شمال البلاد الخلافات السنّية الصوفية، والخلافات السنّية الشيعية، والخلافات في داخل البيت الإسلامي. كل هذه تمثّل الأرضية التي تأسّست عليها، أو بَنَت شرعيّتها عليها الجماعات المُتطرِّفة ومن بينهم جماعة بوكو حرام.

طبعًا جماعة بوكو حرام كما تفضّلت في مقدّمتك الرائعة تعطي شرعية لنفسها أنّها تواجه الفكر الاستعماري، الفكر الذي يقاتل كلّ ما هو إسلامي. فبالتالي هذا الكلام كلام جميل وكلام قد لا يختلف عليه إثنان أنّه الاحتكام إلى شرع الله والتمكين لكتاب الله والتمكين لسنَّة رسول الله، ولكن كيف؟ على دماء الأبرياء؟ هل على دماء الدولة الوطنية؟ هل على دماء العُلماء والصالحين والأخيار؟ هنا الإشكال. أنا سبق أن قلت إنّ الأرضية كانت طيّعة وكانت مناسبة إلى حدٍ ما لتحتكر هذه الجماعة المُتطرِّفة الشهيّة وتسحب البساط من تحت أقدام العلماء وطَلَبة العِلم والمرجعيات الدينية.

ومن الأسباب الرئيسة التي مكَّنت لهذه الجماعة أن تختطف الدين وأن تختطف الشرعية من أصحابها العُلماء الربّانيين أنّ الخطاب الإسلامي كان مُتواريًا من المرجعيات الدينية، وأنّ الوضع في البلد وأفريقيا وجنوب الصحراء، ووجود نظام عِلماني فإنّ أمور الدين وتسيير النظام وتسيير الشأن الديني يخضع للاجتهدات الفردية، وليس هناك سلطة ما نُسمّيه وزارة الشؤون الدينية ولا المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، هذه الهيئات التي يمكن أن تكون لها صفة المرجعية أو المعيارية للخطاب. فبالتالي هذه الجماعات المُتطرّفة الذين اختطفوا الدين، واختطفوا الشرعية الدينية بهذه الشعارات البرَّاقة استخدموا هذه الشعارات لدَغْدَغة عواطف الناس، وتمكّنوا من عامّة الناس، وسيطروا لفترة قبل أن تنكشف أمورهم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف مشرية سمعت ما قاله الدكتور الخضر عبد الباقي من أنّ البيئة الداخلية والصراع المذهبي بين كل المِلَل والنِحَل، وغياب المرجعية الإسلامية الوطنية هو الذي سمح بتفتيق بذرة التطرَّف والعنف. ما الذي تضيفه إلى ما قاله الدكتور أستاذ يوسف؟

 

يوسف مشرية: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه.

أمّا بعد، حيّاكم الله أخي يحيى، وحيّا الله ضيفك من نيجيريا الحبيبة والشقيقة الشيخ الخضر عبد الباقي. نعم مقدّمة جميلة لك ولضيفك من نيجيريا، أضيف كذلك على أنّ أفريقيا، أفريقيا الأمان، أفريقيا السلام يُذكّرنا ببداية دخول الإسلام إليها كيف لا، ونذكر تلك المقولة الشهيرة لنبيّ الإسلام الذي أرسله الله رحمة للعالمين أن اذهبوا لملك بالحبشة فإنّه لا يظلم عنده أحد.

هكذا كانت أفريقيا منذ بدايات العهد الإسلامي، منذ بدايات الفتح الإسلامي إلى أن انتشر الإسلام في كل ربوع أفريقيا، وأذكّر ضيفك الكريم من نيجيريا على أنّ مملكة سوكوتو الواقعة في شمال نيجيريا حكمت أكثر من قرن من الزمان، مملكة الهوسا هذه المملكة التي كانت تعجُّ بالحضارة والعلماء في كل الميادين للأسف الشديد. وهذا شأن جميع أفريقيا في غربها وفي شرقها بوسطها وفي جنوبها إسلام الحضارة، إسلام السلام، إسلام الأمان، كيف لا ونذكر أعظم طريقتين في أفريقيا هي الطريقة التيجانية التي مهدها بالجزائر في مدينة الغواط لمؤسّسها سيدي محمّد التيجاني، والطريقة الثانية الطريقة القادرية الكونتية وإلى يومنا هذا أحفاد محمّد عبد الكريم الماغيلي موجودون في شمال نيجيريا. هكذا انتشر الإسلام في ربوع أفريقيا بمملكة غانا، وفي مملكة سانغاي، ومملكة السودان الغربي، ومملكة السودان الشرقي، هكذا أفريقيا الإيمان وأفريقيا السلام. ثمّ اصطدمت مع موجة الاستعمار والاستثمار الغربي فواجهت الاستعمار الغربي، ورفعت راية المقاومة المشروعة وهي الجهاد في سبيل الله، دفع الصائل ودفع الظالم أيًا كان. لكن للأسف الشديد بعد استقلال هذه الدول الإفريقية برمَّتها بما فيها نيجيريا في ستينات القرن الماضي بقي الاحتلال، وبقيت الهيمنة الاقتصادية على هذه الدول، والغرب يده ليست بريئة، أقول وأذكّر مرة أخرى إنّ الغرب ليست يده بريئة على ربوع دول أفريقيا. فأفريقيا الغربية يحكمها الاستعمار الفرنسي إلى يومنا هذا، وخيرات أفريقيا وخيرات ربوع أفريقيا وخيرات غرب أفريقيا إلى يومنا هذا تسيطر عليها فرنسا وغيرها من الدول المُهيمنة. 

وأضيف أمرًا آخر سيّدي الكريم على أنّ نشأة تلك الجماعات المُتطرّفة، واليوم تنتشر للأسف الشديد مثل الفطريات في منطقة الساحل وجنوب الصحراء بما فيها منطقة شمال أفريقيا، فنشأة بوكو حرام كانت حتميّة لا محالة. فبالتالي إنّ وجود هذا الصراع الداخلي داخل البيت المسلم هو الذي يؤجِّج لمثل هذه الصراعات. أنا أضيف كان يمكن للإخوة في نيجيريا بحُكم أنّ الولايات الموجودة في نيجيريا لها ما يُسمَّى بالحكم الفيدرالي، ولكل حاكم داخل ولايته له ما له من المشروعية، وله من الصلاحيات يستطيع بها إصلاح الوضع، فإنّ الطبيعة لا تأبى الفراغ، فوجود بوكو حرام وانتشارها للأسف الشديد في شمال نيجريا وسيطرتها على الكثير من المناطق هناك هو الذي ساعد على وجود هذا الفكر.

 شمال نيجيريا يعمّ بالأمان وفيه غالبيّة مسلمة، لذلك فإنّ يد الصهيونية العالمية ويد الماسونية تريد ماذا؟ تريد تقسيم نيجيريا إلى وضعين إلى الشمال المسلم، وإلى الجنوب الغني بالثروات الطبيعية الغني بالنفط وغيره والمُطلّ على المحيط، وهو ذو غالبيّة مسيحية فيريدون تأجيج هذا الصراع رغم أنّ من قبل كان التعايُش قائمًا، كان التعايُش مع الآخر مع كل الأقلّيات، وإنّ الغالب على أفريقيا هو الوثني. لكن كان التعايُش قائمًا، فدخول الإسلام إلى أفريقيا في البداية كان عن طريق التجّار المُسالمين عن طريق الكلمة الطيّبة، فدخل الناس في دين الله أفواجًا.

ذكرت نشأة بوكو حرام على يد محمّد يوسف سنة 2002 رغم أنّ البداية كانت بداية مُسالِمة في ظاهرها الدعوة والجهاد والسنَّة، لكن بعدها انقلب وانحرف الأمر إلى التقتيل والتكفير والتفجير، أي عدم قبول الآخر حتى داخل البيت المسلم بداية بتبديعه، وثمّ تكفيره، وثمّ تفسيقه، وثمّ نزع ثياب الإسلام عنه وتفجيره، وهذا الذي يقع الآن سواء في خلافة محمّد يوسف، ثمّ في خلافة أبو بكر شيكاو، وحالياً في خلافة أبو مصعب البرناوي الذي بايَع الآن تنظيم داعش في العالم، وأطلق على تنظيمه ولاية غرب أفريقيا أو ولاية أفريقيا.

إذًا، هذه هي الحال الآن رغم أنّ التاريخ والماضي يدلّ على أنّ أفريقيا هي أفريقيا السلام والأمان سيّدي الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف، أشير إلى أنّ تنظيم داعش هو من عين برناوي، وقال شيكاو عن التنظيم لكن شيكاو لم ينصاع لقرار داعش في المركز.

دكتور الخضر أفريقيا محل استقطاب دولي، أفريقيا التي هي قارّة المستقبل القارّة البِكر، هذه القارّة التي دعني أقول لك مُتأسِفًا باكيًا أنّ العرب والمسلمين فرَّطوا فيها إلى أقصى درجة، العربي يحلم أن يذهب إلى الغرب إلى بريطانيا، إلى سويسرا، إلى أميركا. لكن نسينا أنّ الثقل الاستراتيجي في أفريقيا، فتقدّمت أميركا إلى القارّة، ومن قبل أميركا كانت بريطانيا وفرنسا. هل لهذا الصراع الدولي على قارّة مازالت بِكرًا مازالت لم يستخرج كل ما لديها من خيرات، دور في إذكاء التطرّف والعنف؟

 

الخضر عبد الباقي: شكرًا لك دكتور يحيى على هذا السؤال الرائع جدًا. دعني أقول لك أستاذنا الفاضل أنّ الواقع  في موضوع بوكو حرام تحديدًا أصبح موضوعاً معقّدًا. كان المفروض أنّ الموضوع بدأ بداية بدائية كانت المسألة مسألة بدائية في أساسها، ثمّ تعقّدت وتحوّلت إلى لعبة في أيدي الذين يمكن أن نُسمّيهم الرأسماليين الكبار والقوى الدولية الكبرى. أعود لأفسّر ما قلته بأنّ موضوع بوكو حرام أصبح الآن بيد القوى الكبرى، والقوى والدول الكبرى ليست  ببعيدة عن هذا الملف إطلاقًا، وتعرفون الخلافات السياسية في سياسة ليّ الذِراع ولبعض الحكومات السابقة في نيجيريا وبدءًا من العام 2010 وحتى الآن هناك خلافات بين الإدارات السابقة وحتى الإدارة الحالية مع بعض الدول الكبرى منها الولايات المتحدة الأميركية والقوى الاقتصادية العالمية الصين والقوى الإقليمية الكبرى وأوروبا، هذه القوى الكبرى ليست بريئة وليست نزيهة في تدخّلها في ملف مواجهة جماعة بوكو حرام.

يمكن إذا أردت أن أوضّح أكثر، كلٌ يدَّعي الوصل بليلى، وليلى لا تقرّ لهم بذاك. كل هذه الجهات المختلفة والتي لم أذكرها أيضًا عرضت على نيجيريا مساعدات ودعماً إلخ لمُكافحة جماعة بوكو حرام والتنظيمات الإرهابية مُمثّلة بجماعة بوكو حرام. وخاصة عندما اختطفت التلميذات على أرض نيجيريا على رقعة صغيرة من أرض نيجيريا، وتواطأت القوى الكبرى بما فيها طائرات الاستطلاع وحتى دخلت إسرائيل والصين وقوى أخرى تبحث عن مكان اختطاف تلك التلميذات. لأقول لك يا أستاذنا أنّ الموضوع أصبح ورقة ضغط، ورقة سياسية تستخدمها بعض القوى الكبرى في الموضوع وكذلك السابقة في نيجيريا. وأنا لا أبرِّىء الجهات التي ذكرتها والقوى الاستعمارية القديمة والقوى الاستعمارية الجديدة ليست بعيدة عن هذا الملف وأنّها تستخدم ملف بوكو حرام كورقة لتمرير بعض المصالح.

 

يحيى أبو زكريا: وسأعطيك مؤشّرين يدّلان على ما ذهبت إليه عندما زارت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة نيجيريا، قالت لقد أمّنا حاجة أميركا من النفط من نيجيريا لمدة ربع قرن وأزيَد، ولم تعد لنا حاجة إلى النفط العربي. ومذ ذاك بدأ الحفر لنيجيريا، كما أنّ اللقاء الذي أجراه الصحافي الأميركي مع أبي محمّد الجولاني زعيم جبهة النصرة قبل فترة، وسأله هل تضرّون بأميركا وإسرائيل؟ قال نحن لا نضرّ بهما. بعد يومين حدثت عملية أمنية في روسيا كان وراءها أبو محمّد الجولاني وجبهة النصرة أو تحرير الشام.

مشاهدينا فاصل، سرّ يا حصاني قبل أن يطول لساني.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، عدنا والعود أحمد. 

مَن أدرك حلقتنا الآن موضوعنا والتكفير الأفريقي بوكو حرام نموذجًا. وقى الله أفريقيا من الفوضى والإرهاب، وفي أفريقيا الكثير من المشاكل، ولا تحتاج إلى دَكْدَكة التكفير. من الكتب التي صدرت في سياق دراسات بوكو حرام كتاب أصدره مرصد الأزهر لمُكافحة التطرّف بعنوان "لماذا تتصدَّر بوكوحرام الجماعات الأكثر دموية في العالم، ومن الكتب أيضًا "بوكو حرام" التمرّد في نيجيريا، وأيضًا، هناك كتب التكفير، والتفكير في الخطاب الديني. وهناك كتاب أيضًا عن شبكة بوكوحرام الأيديولوجيا، والمسار والخطط والأفكار لمَن أراد أن يعرف أكثر بوكوحرام.

أستاذ يوسف بوكوحرام هي نسخة عن داعش في المشرق العربي، داعش ملأت الدنيا دمًا، وقتلًا، وحَرْقًا، وغصبًا. ورأينا أسواق بيع النسوة مسيحيات، وحتى المسلمات والأيزيديات في الموصل، واغتصاب الفتيات، وتدمير وحرق والهجوم على قرى، هذه السادية في القتل إلى ما ترجعها؟ كانت نسخة فضخّمت العمل الأمني من خلال عمليات خطف بالمئات 

 

يوسف مشرية: شكرًا سيّدي. نعم بوكو حرام أو غيرها من الجماعات الإرهابية التكفيرية المنتشرة للأسف الشديد في كل ربوع العالم بما فيه العالم الإسلامي والعربي، الآن غرب أفريقيا يعجّ بالجماعات التكفيرية، جماعة تنظيم توحيد الجهاد في غرب أفريقيا الذي انقلب إلى دولة داعش في غرب أفريقيا، وتنظيم أنصار الدين من تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وتنظيم ماسينا، وتنظيم كذلك المرابطين، وتنظيم الملثّمين. كل هذه التنظيمات الإرهابية التكفيرية أصبحت تعجّ في منطقة الساحل وجنوب الصحراء. تصوّر على أنّ الجماعات التكفيرية الإرهابية وصلت إلى الموزمبيق والكونغو الديمقراطية وبنين. لم أكن أتصوّر يومًا أنّ هذه العدوى انتشرت انتشار النار في الهشيم، تصوّر أخي الكريم في أبجديات بوكوحرام أنت ذكرت في مقدّمتك الرائعة على أنّ بوكوحرام معناها حرام وضرر ودجل أن ندرس في المدارس النظامية والمدارس المدنية، وهذه الفكرة جاءت إلى أبجديات تنظيمات التكفير، تنظيمات الهجرة والتكفير التي نشأت في سجون مصر يومها مع جماعة مصطفى شكري، جماعة الهجرة والتكفير والعزلة الشعورية وغيرها.

إذًا، فهذه أبجديات موجودة في كتاب العمدة في إعداد العدّة لعبد القادر عبد العزيز، وفي كتابات أبي مصعب مصطفى الأنصار وغيرها، وفي كتابات أبي محمّد المقدسي. فهذه أبجديات موجودة منتشرة عند الشباب والآن مع العولمة والنت انتشرت.

إذًا، مُجرَّد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق وسوريا الذي انطلق إلى تنظيم الخلافة الإسلامية، أصبحت كل التنظيمات التكفيرية الإرهابية في كل العالم الإسلامي شرقًا وغربًا تُبايع البيعة الإلكترونية لخليفة المسلمين. إذًا، القابلية موجودة لهذا التكفير، ولكن تحت رعاية صهيونية، وتحت رعاية ماسونية، وتحت رعاية غربية. تريد تفجير الأقلّيات، وتريد مثل هذه الأقلّيات والشحن الطائفي أن يؤجّج في الدول الغنية بالنفط. رأيت كيف يُباع النفط في بيجي بـ 9 دولارات تأخذه شركات مشبوهة عالمية، نفس الأمر الذي يُراد الآن بنيجيريا، وذات الأمر الذي أريد بالصومال، ونفس الأمر الذي يُراد الآن بمالي. وكان يُراد بها يومها في الجزائر، فنحن نمتلك تجربة كبيرة في مُقارعة الإرهاب والتكفير سواء بالمقاومة، ثم كذلك بالعلاج، ثم بالوقاية. لذلك هذه التجربة التي مررنا بها بالعشرية السوداء، وكلّفت عشرات آلاف القتلى نتيجة الفكر التكفيري، ونتيجة الفكر الإرهابي.

الآن الحمد لله نحن نسعى إلى أن نصدّر هذه التجربة لإخواننا في أفريقيا، لذلك فإنّ العلاج لا يأتي من الخارج أينما كان التدخّل الأجنبي فإنّه يزيد الطين بلّة، أعطيك مثالاً سيّدي انظر الآن إلى مالي بعد سقوط النظام في ليبيا مباشرة سقطت شمال مالي في كدال. ومنذ عام 2013 كل الدول الغربية بزعامة فرنسا أنشأت ما يسمَّى بدول الساحل الخمس عسكريًا، ولم تستطع إلى يومنا هذا أن تقضي على مجموعات إرهابية عددها بالمئات فقط. إذًا، هناك علامة استفهام كبرى، وبالتالي فإنّ الحلّ هو إفريقي محض، والحلّ هو بيد الأفارقة، والحلّ بيد النيجيريين.

إذا أردنا حقيقة أن نعالج المشكلة في نيجيريا فعلى الإخوة في نيجيريا أن يمتلكوا العلاج لعلاج هذه الظاهرة، وقد يستعينون بإخوانهم الأفارقة في الجزائر وفي غيرها في مُقاربة أمنية ومُقاربة دينية، أو مُقاربة اجتماعية، أو اقتصادية وغيرها. ونيجيريا أكبر دولة غنيّة في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا والجزائر، هذه الدول الثلاث هي محور أفريقيا.  بالتالي يُراد لها أن تسقط، ولكن هيهات هيهات فإنّ مَن له تاريخ ومَن له حضارة لا يسقط أبداً، فبوكوحرام هي ظاهرة وهي سحابة تمرّ بإذن الله. وأنا أدرك جازمًا، وقد زرت نيجيريا عدَّة مرات، والتقيت بضحايا بوكوحرام في سجونهم، تأمّل سيّدي لا يعرفون كلمة واحدة باللغة العربية، ولا يحفظون آية واحدة من كتاب الله عزّ وجلّ، فهؤلاء ضحايا هذا الفكر الذي تحالف ما بين فكر تكفيري إرهابي بتغطية صهيونية ماسونية غربية تريد السيطرة على خيرات نيجيريا سيّدي الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: ذكَّرتني لمّا زرنا أيضًا مكاناً كان فيه بعض المُعتقلين من الإرهابيين الذين ذبحوا وأكلوا الأكباد، فسألنا أحدهم ماذا تحفظ من القرآن الكريم؟ قال سورة الأخلاص. قلنا له ما شاء الله ثلث القرآن هاتِ اتلوها علينا قال بسم الله الرحمن الرحيم، قل هو الله أحد والله يحب المحسنين، قلنا له يا هذا هذه ليست سورة الإخلاص، إذا سورة الإخلاص لا تحفظها فكيف تذبح عباد الله.

دكتورنا الخضر عبد الباقي مدير المركز النيجيري للبحوث العربية أشار الأستاذ يوسف إلى طرائق للتعامُل مع الإرهاب، والواضح أن نيجيريا لحد الآن تمارس الفعل الأمني، والحال الأمنية مطلوبة مع مَن يقتل ويذبح طبعًا، لكن هل من أساليب مُعيّنة لإعادة هؤلاء إلى حضن الوطن ودعوتهم إلى الكفّ عن قتل الناس وإلحاق الضَرَر بدولة نيجيريا أكبر دولة في أفريقيا؟

 

الخضر عبد الباقي: أشكرك على هذا السؤال، وقبل ذلك أريد أن أوضّح نقطتين أو ثلاث بما تفضّل به الأستاذ يوسف.

أولًا عندما تحدّثنا عن جماعة بوكوحرام أنّ الخلفية الفُقهية، هناك في التراث الفُقهي أو الديني ما يستخدمونه نفس الأمر هو الذي استخدمته عناصر المؤسّسة لجماعة بوكو حرام. فجماعة بوكو حرام بكل بساطة جماعة دَعَوية عادية لجأوا إلى العنف، جماعة دَعَوية اجتماعية مجتمعية مسالمة جدًا، لكن بعد أن تقدّم بها الوقت واستغلّت الجماعة استغلالًا سياسياً انحرفت الجماعة. لكن عندما تحدّثت عن الخلفية الفُقهية أو في التراث الفُقهي وأيضًا عندما نسمع إسم الجماعة جمعية الدعوة السلفية نعرف أنّ في بعض التراث، وفي بعض النقولات التي يستند إليها أفراد الجماعة أو بعض الأفكار التي هي قد تكون داخل المدرسة الإسلامية أيضًا فيها بعض المُبالغة. اختارت الجماعة أو الأفراد السياسيون الذين يريدون أن يستغلّوا الإسلام لتوظيفها في مآربهم السياسية، وجدوا أنّ هذه الجماعة لديها بعض الأمور التي فيها غلوّ، لماذا لم يلجأوا إلى جماعات مُتصوّفة؟ هم لجأوا إلى الجماعات التي رأوا فيها أنّها تستخدمها في بعض أفكارها هذه نقطة، ولكن ليس معنى ذلك تحميل النصوص الفُقهية أو التراث الفُقهي الإسلامي كلّه أنّه هو المسؤول عن سلوك هذه الجماعة المُتطرّفة، إنّما هناك بعض أفكار الجماعات المُتطرّفة.

النقطة الثانية جماعة بوكوحرام وظّفت توظيفًا سياسيًا لا غير. ما تدعو إليه جماعة بوكوحرام في معظم الأدبيات والمسألة الفكرية وأرجو ألا أُفهم خطأ بهذا الكلام، ما تدعو إليه جماعة بوكوحرام في أدبيّاتها الفكرية ليس جديدًا على الساحة النيجيرية، مثلًا مُحاربة التعليم الغربي إسمح لي أن أقول لكم هذا الكلام معظم ما يُقارب 95 بالمئة من علمائنا يُحرّمون تعليم الغرب قبل بكوحرام، وبعضهم حتى الآن يحرِّمون تعليم الغرب. هذا بمعنى هذه الأفكار معظم ما تدعو إليه جماعة بوكوحرام ليس جديدًا في الساحة والخطاب الإسلامي على الساحة النيجيرية. المُتغيِّر الوحيد عند بوكوحرام مع بعض الأفكار في الخطاب الإسلامي الموجود قبل بوكوحرام أنّ بوكوحرام حمل السلاح في وجه الدولة فقط، هذا هو الفارِق.

أنا أعرف عند علمائنا وبعض العلماء الكبار الذين لا يتعاطفون مع التعليم الغربي قيادات الدولة، رؤساء الدولة، الوزراء يتقرَّبون منهم ويعرفون منهجهم، ولكنّهم لا يرفعون السلاح بوجه الدولة ولا يدعون لمقاتلة الدولة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور الخضر من فضلك، هل أفهم من قولك أنّ بوكو حرام لديهم حاضنة شعبية وجماهيرية باعتبار أنّ طروحاتهم محاربة التعليم الغربي، محاربة الاستكبار الأميركي والفرنسي والبريطاني بمعنى هل يتمتّعون بدعمٍ جماهيري قبل أن ينتقلوا إلى حمل السلاح؟

 

خضر عبد الباقي: نعم هذا هو الذي حصل لأنّ الذين اختاروا جماعة بوكوحرام للتوظيف السياسي وجدوا أنّ أكثر الجماعات تعاطفًا، وأكثر الجماعات شعبية وأكثر الجماعات تأثيرًا في الساحة، وفي المنطقة التي وظّفوهم فيها هي الجماعة السلفية للدعوة والجهاد هي الجماعة، ولذلك اختاروهم بعناية لأنّ لهم أرضية كبيرة، ولأنّ لهم شعبية كبيرة وعلماء الجماعة وعناصرالجماعة وقياداتها يتميّزون بالبلاغة في خطاب الجماهير.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور الخضر، أنا طامع في سعة معلوماتك من ذا الذي سخَّر بوكوحرام وجيَّرها سياسيًا في هذا المنحى الأمني الإرهابي. هل تُسمّي لي أطرافًا محلية وعربية وإسلامية وحتى دولية؟

 

الخضر عبد الباقي: أنا أقول لك بالمعنى العام لما يتّصل بذلك من أمور استخباراتية وأمور أمنية، وأنتم أدرى بهذا الأمر بوكوحرام أو الجمعية السلفية للدعوة والجهاد جماعة دَعَوية اجتماعية كما قلت، وجاء وقت الاستحقاقات الرئاسية والانتخابات، فبعض الرأسماليين الكبار والمُتنفّذين في السياسة يريدون أن يترشّحوا، وهم يريدون الأصوات، وأن يؤثّروا في الساحة وعلى الجماهير خاصة في منطقة الشمال الشرقي لنيجيريا لم يجدوا مَن  يخدمهم في هذا المجال إلا قيادات جماعة السلفية للدعوة والجهاد، فلجأوا إليهم وصار بينهم اتفاق بمونيش خلف الكواليس، وأصبحوا يحضرون مجالس الدعوة ويحضرون الدروس العامة، وكما يقول المثل الشعبي عندنا القطّ فجأة بدأ يتوضّأ لا هو وضوء القطّ، إنّما هو للخداع ليست غايته الصلاة.

 

يحيى أبو زكريا: وما أكثر القِطط في خط طنجة جاكرتا.

 

الخضر عبد الباقي: وبالتالي بعد أن كسبوا ما يريدون والخطاب الدَعَوي لقيادات لجماعة السلفية للدعوة والجهاد  تعاطف معهم واستخدموهم في ما نُسمّيه بالدعوة السياسية والمُرشّحون فازوا بالفعل، وطبعاً هناك اتفاقات ضمنية إذا فزنا سيكون كذا وكذا، ولذلك بعدما فازت القيادات، ووصلوا السلطة، وانقلب السحر على الساحر. هنا بدأت المشكلة ولذلك موضوع بوكوحرام موضوع أصلًا سياسي أكثر منه ديني، فتنكّرت القيادات التي فازت وأدارت ظهورها لقيادات الجماعة.

طبعًا قيادات الجماعة هنا أمام الضغط الشعبي، وهناك وعود وأنّهم سيقومون بإصلاحات وأمور تنموية، وهناك تنكّر لكل هذه الوعود. هنا غيَّرت قيادات جماعة الدعوة والسلفية خطابها أيضًا ضدّ القيادات السياسية كما تفضّل الأستاذ يوسف الولاية لها سلطتها، فأمرت الأجهزة الأمنية ففتحت النار على القيادات، وقدَّمت تقارير للقيادة المركزية للدولة أنّ هؤلاء هم إرهابيون. هنا دخلت الجماعة السلفية للدعوة والجهاد في مواجهة مع الدولة، في البداية لم يكونوا جماعة إرهابية ولا يعرفون كيف يستخدمون السلاح.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور الخضر دعني أنقل هذا الإشكال إلى الأستاذ يوسف.

أستاذ يوسف القِططة الداخلية التي تأتمر بالنمور والضباع الخارجية ربما تهدف إلى ما يلي، تتبّع معي هذه الفكرة، القارّة الأفريقية قوية استراتيجيًا وبمواردها هي غنية جدًا إلى درجة أنّ الاستراتيجيين الغربيين يقولون إنّ الثروات المقبلة التي تحتاجها البشرية مازالت موجودة في أفريقيا. وبالتالي لو ذهبت أفريقيا إلى الإسلام الحضاري فسوف تشكّل في العالم الإسلامي ثقلًا مؤثّرًا إلى أبعد الحدود. فخذْ أفريقيا إلى إسلام العنف، إلى إسلام الدم، وهكذا تقوى الإثنيات ويضعف الإسلام في القارّة الإفريقية هذا أولًا. ثانيًا القِططة الداخلية أيضًا في كل  دولة عربية تستثمر الأزمات وتستثمر العنف. أنت تعرف في الجزائر كم من مسؤول صار غنيًا من وراء الإرهاب في سوريا، في العراق، في اليمن، فيوجد طابور خامس في كل سلطة عربية وإسلامية وأفريقية يستثمر العنف ليقوّي رصيده المالي وليزداد تبعيّة لمُشغّليه في الغرب. ما رأيك في النقطتين؟ أدام الله عليك النعمتين

 

يوسف مشرية: أحسن الله إليك دكتور يحيى. ففكرة القطط سوف أخذها وبمباركة الشيخ عبد الباقي الخضر من نيجيريا وسوف أكتب عنها عمودًا في الجريدة، وهي فكرة رائعة جدًا استلهمتها من هذه الحلقة المباركة. دعني أعود قبل أن أتناول فكرتك الرائعة إلى الدكتور الخضر، الموروث الإسلامي الحضاري نعم صحيح فيه كثير من الغطاء لما يقع الآن في كل أبجديات الجماعات التكفيرية الإرهابية، ولكن هذه قد تبدو مُغالطة للجميع لأنّ الموروث الإسلامي الثقافي الفُقهي العقدي عاش زمانه ليس مكتوباً علينا أن نعيش في القرن الثاني الهجري أو القرن الرابع الهجري تلكم اجتهادات بشرية تلك أمَّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم.

فنحن نعيش أنّ النصّ الديني المُقدَّس الموجود في الوَحيين الشريفين، فهذا الذي لا بدّ من أن نجتهد به الآن وما فرَّطنا في الكتاب من شيء عُلماء الشريعة، وعُلماء الدين وعُلماء التنوير وعُلماء الحضارة الإسلامية لأنّ من خصائص الإسلام أنّه صالح لكل زمان ومكان وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين. ففُقهاء هذا الزمان عليهم أن يجدِّدوا الخطاب الديني، ولا أقول النصّ ففَهْم النصّ لا بدّ من أن يتعايش مع الزمان والمكان، ويتعايش مع الدولة الوطنية، يتعايش مع الدولة الحديثة، وألا نشوّه صورة الإسلام بموروثنا القديم الذي عاش زمانه، وله ذلك فهذه فكرة رائعة جدًا سيّدي الكريم.

نعم ما يحصل للأسف الشديد، وما وقعت به القطط بتآمر من الضباع الكبيرة هو الذي ورَّط أفريقيا في هذا المستنقع للأسف الشديد، وما عاشته نيجيريا مع بوكوحرام، فكانت من جماعة دعوية اجتماعية خيرية، ثمّ انقلبت بفعل فاعل ولا استبعد يداً صهيونية في هذا أقول جيدًا، وذكّرني هذا بأحد المراجعات الفكرية مع أحد الأمراء من الجماعة الإسلامية المُسلّحة في الجزائر، وكان يومها هو الذراع اليمنى لجمال زيتوني الإرهابي، قال كنّا نستقبل فاكسات تأتينا من عاصمة بني صهيون من تل أبيب ومن لندن وغيرها بمعنى على أنّ التدخّل الأجنبي الصهيوني هو الذي يوجِّه هذه الجماعات ويخترقها ويحوِّلها من جماعات دعوية نمطية إلى جماعات سياسية، ثمّ إلى جماعات دموية، وهذا الذي يقع الآن مع بوكوحرام سيّدي الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف تأكيدًا لكلامك لا تنسى أنّ جمال زيتوني وغيره كانت بحوزتهم رشّاشات عوزي الإسرائيلية التي كانت تأتي من الجوّ والذي مكر بنا في التاريخ الإسلامي إنّه يمكر بنا اليوم أيضًا، تفضّل.

 

يوسف مشرية: نعم سيّدي الكريم رغم ذلك لست من دُعاة ومن مُناصرة دُعاة المؤامرة، نعم هذا موجود للأسف الشديد، لكن في الداخل لنا القابليّة لذلك، وأنا أضمّ صوتي إلى صوت الدكتور عبد الباقي. علينا أولًا بتجديد الموروث، وتجديد الخطاب الديني داخل البيت المسلم، وعلينا بما يُسمّى بالمُقاربة الذكية الحل في أيدينا. نحن الأفارقة ليس مكتوبًا علينا أن نعيش تحت الهيمنة الفرنسية أو الهيمنة البريطانية أو الهيمنة الأميركية، لنا البديل في ذلك هو القائل اطلبوا العِلم ولو في الصين. أنا أعتقد على أنّ التصعيد الأخير الذي يحصل في أفريقيا بفعل فاعل وظهور هذه الجماعات الإرهابية بهذا الشكل في السنوات الأخيرة هو فقط تهديد للهيمنة الصينية الاقتصادية التي افتتحت شراكتها بكل موضوعية مع علاقة رابح رابح مع الأفارقة، وهذا الذي يهدِّد الآن الهيمنة والاقتصاد الغربي بما فيها الهيمنة الفرنسية أولًا، والهيمنة البريطانية والهيمنة الأميركية.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف صدقًا أفريقيا صارت ساحة صراع بين أميركا والصين، بين فرنسا وبريطانيا، لكن الأفارقة على امتداد تاريخهم صفعوا الاستعمار الغربي، وطردوه داحرًا صاغِرًا ذليلًا كما طرد ثوّار الجزائر المجيدة المُجاهِدة فرنسا المُستعمِرة.

دكتور الخضر ربما الصينيون يأتون بالدواء إلى أفريقيا، كلّمني عن الدُعاة المسلمين، كل داعٍ مسلم من المشرق العربي يأتي إلى أفريقيا ومعه بضاعته المذهبية. للأسف الشديد هؤلاء يتحمَّلون وِزْر الفتنة في أفريقيا، يأتي هذا بمذهب مُعيَّن ينشره في أفريقيا، يأتي ذاك بمذهب مُعيَّن ينشره في أفريقيا، للأسف الشديد لا توجد استراتيجية دَعَوية تلصق الأفارقة بالإسلام كانت هناك استراتيجية لإلصاق الأفارقة بالمذهب الفلاني والفلاني والجميع يتحمّل المسؤولية. ما الذي تقوله في هذا السياق؟

 

الخضر عبد الباقي: أشكرك دكتور يحيى على هذا السؤال، وقد أتيت على جرح غائر بالنسبة إلى وضع الخطاب الدَعَوي في أفريقيا. حقيقة هذه من المظاهر غير الصحية التي نلاحظها في المشهد الدَعَوي في أفريقيا، وما تطرّقت إليه أنّ المسألة الآن أصبحت أفريقيا كأنها كل واحد يصدِّر بضاعته الأيديولوجية والمذهبية إلى أفريقيا. هذا قد لا يكون بدعًا أفريقيا لأنّ هذا قدر بلاد المسلمين عامة، والإسلام أتانا من البلاد العربية، فكلّ ما له علاقة بالإسلام لا بدّ من أن يأتي من البلاد العربية، ولأنّ البلاد العربية والجزيرة العربية في مقدّمها هي موطن ومهد الإسلام، ومنها خرج الإسلام إلى أصقاع البرية. كلّ ما نشهده الآن انعكاسات لما هو يحدث في العالم العربي خلافات مذهبية، تصدير أيديولوجية لكل دولة، وأيديولوجية كل جماعة من الجماعات التي تأصّلت، وانتشرت في بلدان العربية. فها هي أفريقيا، وإن كنت أقول هذا بكل مرارة صدى لما هو يحدث في البلاد العربية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور الخضر أنا أحب كلّ المسلمين، ولي علاقات بكل المسلمين بكل خط طنجة جاكرتا. أحيانًا يتواصل معي البعض يقول لي من أهل السنّة والجماعة تأمّل هذا الشيعي تسنّن أو يتصل بي بعض الشيعة يقولون أنظر هذا السنّي تشيّع، أقول لهم هل نسيتم هل نسيتم أنّ ملايين المسلمين يكفّرون ويلحدون ويخرجون من الإسلام. الله قال ويدخلون في الإسلام ويدخلون في دين الله أفواجا وليس في المذاهب أفواجًا.

 

الخضر عبد الباقي: أنا معك في هذا، لكن هناك وضعية معقّدة في أفريقيا المناخ السياسي والمناخ الاجتماعي والمناخ القانوني في أفريقيا يسمح بذلك، وما سبق وقلته في المقدّمة إنّ التعامل مع التفكير الشعبي الديني من قِبَل الدولة إذ يتّسم بشيء من العلمانية، بل كل مسموح له بأن يروّج لبضاعته ولأيديلوجيته وفكره.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

دكتور الخضر عبد الباقي من لاغوس في نيجيريا شكرًا جزيلاً لك أمتعتنا، ونسأل الله لكم دوام التوفيق والأمن والأمان لأنّ الأمن هو شرط الأساس لبناء النهضة والحضارة.

الأستاذ يوسف مشرية الخبير الدولي في شؤون الإرهاب من الجزائر المجاهدة الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

الشباب الفلسطيني في الغرب

لم تؤدّ الحياة الغربية بكل إفرازاتها ورفاهيتها إلى سلخ العرب والمسلمين في أوروبا عن محور قضاياهم فلسطين وما تتعرّض له من ظلم صهيوني سافر ومتواصل . وتؤكّد التظاهرات الشبابية التي إنطلقت في أكثر من عاصمة غربية دعما لفلسطين أنّ الجاليّة العربية في الغرب ورغم أنّها بعيدة عن جغرافيا الحدث الفلسطيني, لكنّها موجودة في دائرته السياسية والإعلامية وتداعياته اليوميّة, والأكثر من ذلك فإنّ الآباء الفلسطينين والعرب إستطاعوا أن ينقلوا عقيدتهم بضرورة إسترجاع فلسطين إلى أبنائهم الذين ولدوا في أوروبا والذين لا يعرف بعضهم العالم العربي, بل لا يتكلم أكثرهم اللغة العربية, وهؤلاء الأولاد المولودون في أوروبا يحيطون علما بتفاصيل القضية الفلسطينية ورغم السيطرة الصهيونية على مفاصل الإعلام الغربي إلاّ أنّ كل ذلك لم يزعزع إيمان هؤلاء بفلسطينهم وجبروت الكيان الصهيوني, والأطفال المولودون في أوروبا والذين لم يروا فلسطين ولا العالم العربي كانوا في طليعة التظاهرات التي شهدتها مدن أوروبية دعما للقضية الفلسطينية, وقد نجحت العوائل العربية في جعل الهمّ الفلسطيني همّا عربيا وإسلاميا بالدرجة الأولى.

المزيد