الفنانة آمنة النصيري

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. فنّانةٌ تشكيليّةٌ بارِعة وأُستاذةٌ في عِلمِ الجمال وفلسفته في بلادٍ زاخرةٍ بالجمال وكَرَم الطبيعة، لكنّها للأسف فريسةُ الحروب والمِحَن. مُبدِعةٌ لا تعتبرُ الفنّ ترفاً بل جزءاً عضوياً من مُكوِّنات الوعي والهويّة، لوحاتها مزيجٌ من أصالةٍ ومُعاصرةٍ تستلهِمُ الموروثَ العظيمَ لبلادها وتُطِلُّ من شُرفتها على العالمِ وما فيه من حَداثةٍ ومُستجِدّات. أمّا المرأةُ فحاضِرةٌ في أعمالها بكل ما تُمثِّله وترمُز إليه أو بكّلِ ما تُعانيه وتُناضِلُ لأجلِه. "بيتُ القصيد"، بيتُ المُبدعين العرب يُضاءُ بإطلالةِ المُبدِعة اليمنيّة الدكتورة "آمِنة النُصيري". أهلاً وسهلاً، نوّرتِ "بيت القصيد" 

آمنة النُصيري: أهلاً بك أُستاذ "زاهي"، سعيدة بوجودي معك

زاهي وهبي: نحن أسعَد بوجودكِ. سيّدتي، هل يولَدُ الفنان فنّاناً أم يتعلَّم الفنّ؟

آمنة النُصيري: جزء كبير يولَد مع الفنّان وهو الموهبة. الفنان يولَد مُحبّاً لمجالٍ مُعيّن من الفنون ثمّ تأتي ظروف مُعيّنة تُساهِم في نموّ هذه الموهبة 

زاهي وهبي: هل يُمكننا القول إنّكِ ورِثتِ حبّ الرسم من والِدتكِ؟ 

آمنة النُصيري: نعم، إلى حدٍّ كبير. أنا نشأت في بيتٍ مُثقف يهتمّ بالفنون والثقافة وكانت أُمّي مُحبّة للفنّ وتُمارِس الفنّ، ترسُم في كل فُرصة تجدها، تُطرِّز وتكتب شعراً عاميّاً وتقرأ كثيراً، فورِثتُ منها حبّ الفنّ

زاهي وهبي: في هذا المعنى، هل تنتقل الموهبة أو ينتقل الفن في الجينات؟ حضرتكِ ورثتِ شيئاً من هذا من الوالدة، ربما أورثتِ لإبنكِ لأنه أيضاً فنّان تشكيلي! كأنّ الجينات تلعبُ دوراً إلى جانب ما يكتسبه الإنسان في الحياة؟

آمنة النُصيري: نعم، الجينات تلعب دوراً وقد أثبتت العلوم هذه المسألة، هناك جزء كبير من المهارات يورَّث، ولهذا السبب "غسّان" إبني أيضاً فنّان وهذه مسألة حقيقية طبعاً إلى جانب البيئة الفنية التي نشأنا فيها وتوافرت لنا. أنا تعلّمتُ من أُمّي ثمّ وُجِدَ إبني "غسان" في بيئة فنيّة أيضاً

زاهي وهبي: نعم، الوالدة كانت من أشدّ أنصار تعليم البنات في مرحلة كان تعليمُ البنات فيها ربما ليس خطوة مرحباً بها من كل العائِلات، من كل الأُسر، من كل الآباء. صحيح أنّها رفعت دعوى على زوجها، على والدكِ، لأجل هذا الأمر؟ 

آمنة النُصيري: نعم هذا صحيح، عندما وصلنا إلى المرحلة الإبتدائيّة وكنت في الصفّ السادس أرادوا لي أن أتوقّف عن الدراسة فرَفَعَت قضيّة في المحكمة بالفعل 

زاهي وهبي: هذا ليس سهلاً، حلو جداً

آمنة النُصيري: وخسِرت القضيّة رغم أنّها جمعت شهادة الأساتذة وكان إلى جانبنا أُناسٌ كثيرون لكن المحكمة رأت أنّ من حقّ الأب أن يُقرّر مصيرَ بناته. لهذا السبب انتقلنا إلى (جمهورية مصر العربية) لنواصل التعليم

زاهي وهبي: نعم، خسِرَت الدعوى، وماذا ربِحت؟ خسِرَت القضيّة أمام القضاء لكن ماذا ربِحَت؟ 

آمنة النُصيري: ربِحت تعليمنا، ربِحت الإرادة، إرادة المرأة الحرّة 

زاهي وهبي: نعم. قبل أن نُتابع الأسئِلة دعينا نذهب برفقتكِ إلى (صنعاء)، (صنعاء) المُحاصرة، (صنعاء) المعرّضة للقصف الدائِم للأسف ولكنّها متمسِّكة بإرادة الحياة وإرادة الإبداع من خلال الناس الذين مثل حضرتكِ سيّدتي. نذهب إليكِ في "قطع وَصل"

قطع وصل - آمنة النُصيري: 

- دائماً أحلم أحلاماً تفوق الواقع، ودائِماً أنا في حال عدم رضا، الرضا صعب جداً بالنسبة للفنان. ربما على المُستوى الاجتماعي واحترام الناس والتقدير أنا سعيدة وأحظى بالكثير من الاهتمام لكن على صعيد المستوى الإبداعي والفنّي حال الرضا أبداً لا تتحقّق، على العكس، بعد كل مَعرَض أُعيد النظر في كل تجربتي

- أن أكون امرأة تمتلك ربما رؤية ولها موقع داخل المُجتمع ولديها تصوُّرات عن حياة أفضل هذه مُشكلة، لكن المُشكلة الأصعب هي أن تكون فناناً سواء أكنت ذكراً أم أُنثى، هنا لا علاقة للمسألة بالأُنوثة ولكنها علاقة أن يكون الشخص مبدعاً وفناناً في مجتمعٍ لا يتقبّل الفنون أو يتقبّلها على مضض. هناك مُحاولات كبيرة يجب أن تُبذل من الفنان، لا توجد مؤسّسات داعِمة، لا توجد رعاية في المفهوم الواسع للكلمة، أمّا قصة أن تدعم الدولة الفنون فوجهة نظري مُختلفة قليلاً في هذه المسألة. أنا أُطالب الحكومات والأنظمة العربيّة أن ترفع يدها عن الفنون. أمّا أن أكون امرأة رسّامة، على العكس، وجدت الكثير من التشجيع وكنت من أوائِل الفنّانات في (اليمن) واستقبلني المُجتمع باهتمامٍ شديد وكُتِبَ عنّي الكثير من الكتابات المحليّة قبل أن يُكتَب عنّي عربياً. فعلى العكس، أعتقد أنّني حظيت بالكثير من الاهتمام لكن الإشكالية دائِماً أن تكون فناناً داخل مُجتمع لا زال بعيداً عن الفنون

- على المُستوى الشخصي أطمح إلى تحقيق مشاريع أكبر على مستوى تجربتي التشكيلية، أتمنّى أن يستطيع مثلاً إبني العودة للحياة والعمل في (اليمن)، وهو فنان أيضاً ولكنه مثل كل الشباب يجدِ مستقبله خارِج (اليمن). أطمح لأن تكون هناك ثقافة مُتجذِّرة داخل المُجتمع وأن تكون هناك مشاريع ثقافيّة تُشكِّلُ جزءاً هاماً في المنظومة الثقافيّة العالميّة. أصبحنا جزءاً من الكون ولم تعُد البلدان منفصلِة عن بعضِها البعض، فبالتالي يجب أن نُفكِّر في أن تكون ثقافتنا جزءاً من ثقافة العالم 

- أنا بسيطة جداً، تُسعِدني كثيراً الموسيقى، يُسعِدني وجودي مع صديقاتي، تُسعِدني أشياء ربما تُسعِد الأطفال أحياناً. أعتقد أنني شخصيّة ودودة للغاية، علاقتي بالناس تخلو من الصدامات ويستفزّني التناقُض، التناقُض في تصرّفات الناس، يستفزّني الخداع، الغدر، الشخص الذي يغدُر أخشاه كثيراً. أنا أُحبُّ الوضوح وأنا عموماً من عيوبي أنني قليلة المُلاحظة لتصرّفات الناس، لكن عندما أشعُر بالغدر أُصبِح مُستَفَزّة جداً 

زاهي وهبي: جميل. سنعود إلى بعض ما تفضّلتِ به ولكن كيف نُحوِّل مُجتمعاتنا أو كيف نُقنِع مَن في يدهم الأمر أنّ الفنّ، سواء كان رسماً أو موسيقى أو أي نوع فنٍّ آخر، هو أمر مهم مِثلَ كل العلوم وكل الإبداعات الإنسانيّة الأُخرى؟ 

آمنة النُصيري: المسألة لا تحتاج إلى إقناع، هي تحتاج إلى مؤسّسات وأنظِمة مُثقّفة وهذا لا يحدُث إلا في ازدهار اقتصادي وفي استقرار سياسي، بالتالي ليست علينا الحرب كفنّانين ومُبدعين لإقناع الآخرين بضرورة الاهتمام بالثقافة. الفِكرة في أن تأتي مؤسّسات رسميّة معنيّة بالثقافة ومُثقفة أساساً

زاهي وهبي: نعم. مناهِج التعليم كم من الممكن أن تلعب دوراً في هذا المجال سيّدتي؟ 

آمنة النُصيري: المناهِج التعليمية تلعب دوراً أساسياً ورئيسياً في هذه المسألة، ولكن ما يحدُث في الوطن العربي أنّ مناهِج التعليم تتدهور في مُعظم الأقطار العربيّة، لا أُعمِّم ولكن في مُعظم الأقطار العربيّة. هناك اتجاه في المناهِج في اتجاه التجدّد والأفكار السلفيّة ومُحاربة الإبداع وهناك مناهِج جامدة لم يتم تحديثها منذ سنوات طويلة، فالمسألة أنّه يجب مواكبة العالم من جهة ومن جهة أُخرى أن تكون هناك مواد تُنمّي المهارات الإبداعيّة لدى الصغار وتؤسّس أيضاً لثقافة حقيقيّة وجادّة

زاهي وهبي: نعم. على سيرة المناهج التعليمية والمدارِس سيّدتي، وأنتِ اليوم رائِدة من رائِدات الإبداع اليمني، هل صحيح أنّكِ رسبتِ في مادّة الرسم في الصفّ الثاني إبتدائي؟ 

آمنة النُصيري: هذا الصحيح. عندما 

زاهي وهبي: غريب

آمنة النُصيري: عندما رسَمَ الطلاب شجرة، أذكُر هذا الموضوع حتى اليوم، رسم لهم الأُستاذ شجرة على الصبّورة أو اللوح في شكلٍ واحد فنقلوها نقلاً، أمّا أنا فتصوّرت الشجرة في عقلي الصغير كما أُريدها أنا. ولأنني خالفت تصوُّر الأُستاذ رسبت 

زاهي وهبي: هذا دليل على قولَبَة التعليم وكم أنّ التعليم في دولنا العربية جامِد. كان المُفتَرَض أن يُشجِّعكِ الأُستاذ وليس أن يُرسِّبكِ على هذا الأمر

آمنة النُصيري: هناك إشكاليّة في مناهِج التعليم وهي أننا نُحارِب الطالب المُختلِف. حتى على مُستوى مُجتمعاتنا نحن نُحارِب المُختلِف دائماً وهناك مَيْلٌ في حياتنا للتنميط. نخاف من الجديد ونخشى التغيير ونخشى بناء تصوّرات جديدة، لهذا السبب حتى الطالب الصغير لا نمنحه فُرصة لكي يتخيّل أيّ شيء آخر مُختلِف عن تصوّراتنا السابقة 

زاهي وهبي: صحيح، حتى الولد الصغير أو الطفل يقولون عنه أنّه كثير الأسئِلة، وإذا أكثر من الأسئِلة يقولون عنه مشاغباً وشقياً وإلى آخره. سيّدتي، كي ننتقل قليلاً إلى دراستكِ، حضرتكِ بدايةً درستِ الفلسفة ولكنّكِ تخلّيتِ قبل شهادة "الليسانس" وذهبتِ إلى دراسة الرسم. سؤالي، أيّ شغف كان يسكنكِ تجاه الرسم والألوان والتشكيل حتى تخلّيتِ عن شهادتكِ الأولى ربما قبل فترة وجيزة من الحصول عليها؟ 

آمنة النُصيري: كانت مرحلة بحث عن الذات في شكلٍ أوسع

زاهي وهبي: نعم

آمنة النُصيري: في البداية درست لغة عربيّة لمدّة عام وكانت مُحصّلتي الامتياز، ثم نقلت إلى قسم الفلسفة وبدأت في دراسة الفلسفة بالفعل وكان يُنتَظر أن أنتهي من دراسة الفلسفة ثمّ أُفكِّر في الدراسات العليا، لكن ظلّ لديّ هاجِس دراسة الفنّ وكانت لديّ إمكانية السفر إلى الخارِج والحصول على منحة 

زاهي وهبي: إلى (موسكو) 

آمنة النُصيري: عندما حصلت على المنحة توقّفت عن دراسة الفلسفة وسافرت

زاهي وهبي: نعم. الدراسة في (روسيا) والإقامة فيها. ربما مجموع الإقامة حوالى عشر سنوات أي عقد من الزمن تقريباً، ماذا أضافت إليكِ (روسيا) و(موسكو)؟ حتى محطّات المترو متاحِف فنيّة يُمكننا أن نعتبرها، متحف في العراء أو في الهواء الطلق مثلاً في (سان بطرسبرغ) إلى آخره. ماذا تعلّمتِ، غير الدراسة الأكاديمية، من (روسيا)؟ 

آمنة النُصيري: أنا كما ذكرت نشأت في أُسرة مُثقّفة، فكنت أقرأ كثيراً. درست كل الأعمال المكتوبة في الأدب العالمي، قرأت روايات "دوستويفسكي" و"تولستوي" و"تشيخوف" والكثير من الأُدباء الروس، حتى " بولغاكوف" الذي كانت كتاباته بالنسبة لي أكبر من سنّي بكثير. إذاً، عندما سافرت إلى (روسيا) سافرت إلى دولة كأنّي أعرِفها مُسبقاً. طبعاً أذهلتني الحضارة الموجودة هناك، الأدب الكلاسيكي، الفنون الكلاسيكية، الموسيقى، فنون الأوبرا، الباليه، كل هذه الأشياء. هذه الأشياء طبعاً ساهمت كثيراً في تغيير تصوّراتي عن الحياة وعن العالم إلى جانب دراسة الفنون والدراسة في قسم تأريخ ونظريات الفن 

زاهي وهبي: نعم

آمنة النُصيري: فأعتبر نفسي محظوظة أنني عشت في هذا البلد في فترة من حياتي، ومن (روسيا) أيضاً استطعت السفر إلى الكثير من دول (أوروبا) الشرقية والاطّلاع على ثقافاتها وفنونها ومتاحفها. يكفي أن تُشاهِد متحف " هيرميتاج " في " سان بطرسبرغ " لتعرِف الكثير عن حضارات العالم وليس الحضارة الروسية فحسب 

زاهي وهبي: نعم. من حُسن حظّي أنّني زرت هذا المتحف. تخصصتِ سيّدتي في فلسفة الجمال، صحيح؟ 

آمنة النُصيري: نعم، هذا صحيح

زاهي وهبي: عِلم الجمال، هل الجمال عِلم؟ وهل نحن كعرب نُدرِك أهميّة الجمال كعِلم وكفلسفة؟ 

آمنة النُصيري: طبعاً الجمال عِلم. هناك ثلاثة مباحِث أساسية في الدراسة الأكاديمية للفلسفة وهي "الحقّ" و"الخير" و"الجمال". الفلسفة تقوم بدراسة الجمال كمبحث مُستقلّ. مفهوم علم الجمال، علم الجمال هو الاهتمام بكل قضايا الإبداع وكلّ تصوّرات الإنسان الجماليّة ومشاعرها وإنتاجها الإبداعي وتنمية الذائِقة والخبرة الجماليّة وتقييم الرؤية الجماليّة للإنسان والجمال في الطبيعة وفي الفنون. نحن العرب لا زلنا بعيدين عن هذه المسائِل للأمانة وهناك إشكاليّة في العقليّة العربيّة المُعاصِرة وهي أنها تبتعِد كثيراً عن المنجَزات المُعاصرَة في الإبداع 

زاهي وهبي: نعم. كيف نستطيع أن نرى الجمال سواء في دواخلنا أو في ما يُحيط بنا وفي ما نتلقّاه ونحن نعيش كل تلك الأزمات التي أشرتِ إليها ونعيش وسط الحروب والمجاعات والمآسي التي تعرِفينها؟ كيف نستطيع أن نستنبط الجمال؟ أن نبحث عن الجمال؟ أن نكتشف الجمال فينا؟ 

آمنة النُصيري: الغريب أنّ الإنسان لا يتوقّف عن مُتابعة الجمال حتى في أحلَك الظروف. على العكس تماماً، في الظروف الصعبة نحتاج إلى الموسيقى، نحتاج إلى الصورة التشكيلية، نحتاج إلى المسرح، نحتاج إلى الدراما في شكلٍ عام، فالفنّ ضرورة وليس رفاهية 

زاهي وهبي: كيف انعكست عليكِ 

آمنة النُصيري: وفي الفنّ نُقاوِمٍ أيضاً 

زاهي وهبي: نعم، في الفنّ نقاوِم الخراب، نقاوِم الموت، نُقاوِم حتى الفقر بالفنّ 

آمنة النُصيري: نعم

زاهي وهبي: كيف انعكست عليكِ حروب (اليمن) والحرب على (اليمن)؟ منذ سبع سنوات إلى الآن (اليمن) يتعرّض لقصف، لحصار، لتدمير، لتشريد، إلى آخره. كيف انعكس هذا الأمر عليكِ كمواطنة، كإنسانة وكفنانة، وعلى نصّكِ التشكيلي والإبداعي؟ 

آمنة النُصيري: أنا على ثقة بأنّك قرأت رواية "التائِهون" لـ "إميل معلوف"

زاهي وهبي: صحيح

آمنة النُصيري: الحرب تـُدمِّر دواخل البشر أكثر مما تُدمِّر الجوانب الماديّة في الحياة

زاهي وهبي: صحيح، نعم 

آمنة النُصيري: لكن أنا لديّ وسيلة أساسيّة للبقاء وهي ممارسة الفنّ. حتى وإن قَلَّت مُشاركاتي على المستوى المحلّي، فالفنّ وسيلتي لمقاومة الروح وربما للحفاظ على التوازُن الداخلي 

زاهي وهبي: نعم. ليس فقط قرأنا سيّدتي سواء "التائِهون" أو غيرها، نحن عشنا حروباً كثيرة في بلدنا واختبرنا هذا الأمر 

آمنة النُصيري: طبعاً

زاهي وهبي: أعرِف سيّدتي أنّكِ ربّما في الأيام الأولى أو في الفترة الأولى من الحرب كنتِ ربما لا تستطيعين خلق التوازن المطلوب للرسم والإنتاج، كيف استعدتِ هذا التوازن وكيف يُلهمكِ ما يجري لخلق لوحة أو لكتابة نصّ أو إلى آخره من الأشكال التعبيرية

آمنة النُصيري: في البداية ظللت في مرحلة ذهول ربّما لثلاثة أعوام. ثمّ وجدت أنّ الحلّ الوحيد هو في العودة إلى الرسم والكتابة والعُزلة إلى حدٍّ ما عن الخارِج، بمعنى أن تنصَبّ على نصّك وأن تُركِّز في أعمالِك الإبداعية وألا تدع التشوّه الخارجي يطال أعمالك 

زاهي وهبي: نعم. كما تعلمين، في التعامل الإبداعي أو استلهام المبدعين سواء في الرسم أو في الموسيقى أو الغناء أو الشِعر إلى آخره هناك مَن يتفاعل مباشرةً مع الحدث وهناك مَن يُفضِّل أن يأخذ مسافة، أن يترُك مسافة من الحدث لكي يكتُب النصّ أو يُنتِج النصّ الإبداعي. حضرتكِ من أيّ اتجاه؟ 

آمنة النُصيري: أنا أنتمي إلى هؤلاء الآخِيرين، بمعنى أنّي أعتقد أنّ الفنان في حاجة إلى مسافة زمنيّة بينه وبين الحدث حتى يستطيع التعبير عنه. كثير من الأعمال التي كانت نِتاج اللحظة جاءت شعاراتيّة إلى حدٍ كبير 

زاهي وهبي: نعم. بمعنى المسافة والوقت يجعلان الإنسان أقلّ انفعالاً في التعامل مع الأمور والمسائِل والتعبير عنها ببرودة أكثر؟

آمنة النُصيري: بالضبط، هذه حقيقة 

زاهي وهبي: لكن ألا يُفقِده هذا الشيء شيئاً من صِدق اللحظة الأولى، من طزاجة الإحساس الأوّل؟ 

آمنة النُصيري: لا يفسده أبداً لأنّ أحياناً الانفعال الزائِد يُفسِد العمل. أحياناً الغضب يكون أكبر مما يحتمل العمل كما تقول "فيرجينيا وولف" 

زاهي وهبي: نعم. على كل حال سأُتابع مع حضرتكِ سيّدتي وندخُل أكثر إلى عالمكِ، إلى الألوان، إلى المواد لتي تشتغلين بها، إلى ما يُميِّز لوحتكِ، ولكن إسمحي لنا أن نُشاهِد بعض اللقطات من أعمالكِ ثمّ نتوقّف مع استراحة سريعة ونعود إلى مُتابعة "بيت القصيد" مع المُبدِعة اليمنيّة الدكتور "آمنة النُصيري" 

المحور الثاني         

زاهي وهبي: جميل جداً، نُشاهِد أعمال الفنّانة التشكيلية اليمنيّة الدكتورة "آمنة النُصيري". الذي يرى أعمالكِ يتساءل، بخلاف الألوان الفرِحة الباهرة هناك (صنعاء) بما تمثِّله من إرث عُمراني جميل ومُدهش، كم (صنعاء) ملهمة لكِ سيّدتي؟

آمنة النُصيري: (صنعاء) هي مدينة أو متحف حيّ وأعتقد أنني محظوظة أنني عشت في هذه المدينة خاصةً وأنه كان لديّ مرسم في (صنعاء) القديمة. في هذه الأحياء التي، ربما حضرتك سمعت هذه القصّة أُستاذ "زاهي" وهي أنّ المُخرِج الإيطالي "بازوليني" عندما جاء إلى (اليمن) أراد أن يُصوِّر أحد أفلامه هنا فأحضر مهندسي ديكور ومصممين وعندما شاهد (صنعاء) القديمة قال: "أخرِجوا السيارات فقط من داخل المدينة القديمة ولا نعود نحتاج إلى أيّ ديكورات إضافيّة لأنها متحف قائم منذ العصور الوسطى". مدينة رائِعة، ملهِمة بالفِعل بالنسبة للفنان والشاعِر والكاتب في شكلٍ عام، مدينة ثريّة بالحكايات والتاريخ العريق والزخرفات والصوَر البصريّة والسرديّة البصرية. بالنسبة لي كفنانة هي مصدر مهم من مصادر تجربتي 

زاهي وهبي: تحيّة من خلالكِ لـ (صنعاء) وأهل (صنعاء). طبعاً أكثر ما يُحزننا سيّدتي هو حال البشر وموت البشر، ولكن حين يُدمَّر مبنى من تلك المباني الجميلة والأثريّة والعريقة أيّ إحساس تعيشينه كمُبدِعة ورسّامة؟ 

آمنة النُصيري: أنا في الحقيقة منذ زمنٍ طويل أتألّم لحال (صنعاء)، منذ قبل الحرب حتى، لأنّها تحتاج إلى الكثير من العناية والاهتمام، أكثر مما يحدُث بكثير. هي مدينة جديرة بالاهتمام وفي المحافظة عليها وفي الصيانة والترميم، سواء كانت البلد في حال حرب أو في حال سلم هي في حاجة إلى اهتمام أكبر

زاهي وهبي: نتمنّى أن تنتهي الحرب وأن تعود (صنعاء) وأن تنهض وأن تتجدّد في كل معنى الكلمة. ربما من اللازم أن نسألكِ عن (الإسكندريّة) أيضاً وما الذي أضافته إليكِ أو ما الذي أعطتكِ إياه (مصر) في شكلٍ عام  

آمنة النُصيري: الحياة في (مصر) في شكلٍ عام، نعم، الحياة في (مصر) في شكلٍ عام أضافت لي الكثير، علاقتي بالفنانين التشكيليين المصريين، الوسط الثقافي الرائِع والثري والمتنوِّع. الحياة في (الإسكندريّة) تُشبه الحياة في الكثير من دول حوض البحر المتوسِّط لكن أضِف إلى ذلك طيبة الشعب المصري وحبّه للعرب وارتباط اليمنيين بإفراطٍ قوي بـ (مصر). الآن مثلاً الدولة المفتوحة لليمنيين في كل الأزمات التي عشناها هي (جمهوريّة مصر العربيّة)، وهذه فرصة لأُحيي هذه الدولة العظيمة

زاهي وهبي: إسمحي لنا أن نستمع إلى رأي ونُسمِعكِ رأياً قد يكون بمثابة مُفاجأة لحضرتك هو من أحد رفاق رحلتكِ المصريّة، تستمعين إليه ثمّ نقول مَن هو بالنسبة إليكِ 

رأي – محمد النُصيري: 

- عندما نتحدّث عن "آمنة" أولاً أنا عايشت كل تجربتها وعايشت طفولتها أيضاً. ثمّة بعض الأمور التي طبعت مسيرتها كانت لها جذور منذ الطفولة، أكثر من ذلك أنّها كانت ترسُم على كل شيء تجده، دفاتر المدرسة، الكُتُب وبدأت في ذلك وهي صغيرة، في السنوات الأولى، وقبل أن نُدرِك أنّ المسألة مسألة موهبة تفرض نفسها كانت تتعرّض للعقوبة

- كانت حكّاءة من الطراز الأول تعرف عندما تبدأ الحكاية لكنها لا تجد لها نهاية وتقرأ بنهمٍ شديد جداً. قبل أن يعرفها الناس كرسّامة بدأت تظهر ككاتبة قصصية ونشرت في صحيفة "الثورة" وفي بعض المجلات التي كانت موجودة في الثمانينات عدداً من القصص القصيرة الجيّدة

- أذكر أنها قبل أن تذهب إلى معهد "سوروكوف" للفنون التشكيلية كانت لديها منحة في معهد "بوشكين" للآداب في اعتبارها إحدى أوائِل الجمهورية في "الثانوية العامة"، لكن حينها كان جهاز الأمن الوطني يعترِض على السفر ويُطالب بـ "مَحْرَم"

- من ضمن الأشياء أيضاً التي أتذكّرها منذ الطفولة كان ولعها الشديد في شُرب الشاي، وهذه من الأمور التي استمرّت معها

 - سؤالي لكِ عزيزتي "آمنة"، معروف أنّ ظهور الكاميرا قد أحدث ثورة في القرن التاسع عشر في مجال الفنون البصريّة وعلى الأخصّ في مجال التصوير. الفنون الرقمية الآن، أو الفنّ الرقمي، ما ممكن أن يُحدِثه في عالم التصوير؟ وكيف يُمكن أن تصمُد اللوحة واللون أمام الثورة الرقميّة؟ 

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً للأُستاذ الباحث والمُثقف "مُحمد النُصيري" شقيقكِ سيّدتي. شهادة لطيفة منه ودافِئة يُمكننا القول، هل ما زلت تُحبّين الشاي، هل لا زلت مُغرَمة في الشاي لغاية اليوم؟  

آمنة النُصيري: نعم. كانت مُفاجأة لطيفة من البرنامج أن يُستضاف "محمد" أخي. لم أُصدِّق وأنا أسمع صوته. "محمد" أحد الأشخاص الذين ساهموا في تشكيلي الثقافي واهتمامي بالفِكر اليساري في شكلٍ خاص 

زاهي وهبي: نعم 

آمنة النُصيري: حتى أنني في أول معارِضي اهتمّ الناس في طبيعة الأعمال التي عرضتها، مثلاً كان عُمري حينذاك ستة عشر عاماً عندما أقمت أوّلَ معارضي وكان مجموعة من اللوحات لـ "بابلو نيرودا" و"مكسيم غوركي" 

زاهي وهبي: نعم، رموز الأدب الثوري 

آمنة النُصيري: و"مارسيل خليفة"

زاهي وهبي: رموز اليسار 

آمنة النُصيري: رموز الفكر العالمي 

زاهي وهبي: اليساري الأُممي دعينا نقول. جواباً على سؤال الأُستاذ "محمد"، اليوم الفنون الرقمية أو الثورة الرقميّة وأثرها على الرسم واللوحة، وحضرتكِ ربما في آخر معارضك بعنوان "حِصارات" استخدمتِ هذا الأمر

آمنة النُصيري: صحيح. سؤال "محمد" مهمّ في الحقيقة لأنّ السؤال الآن قائِم في الكثير من الندوات والمؤتمرات الفنيّة؛ هل تنتهي اللوحة المُتحفيّة وتحلّ محلّها الفنون الرقميّة؟ أعتقد أنّ الفنون دائِماً تتجاور مع الجديد وتُثري القديم، لكن القديم لا ينتهي 

زاهي وهبي: لا تلغي القديم 

آمنة النُصيري: لن يُلغي أحدهما الآخر ولكن سيكون هناك مكان أيضاً للفنون الرقميّة ولوحات الـ Digital حتى 

زاهي وهبي: نعم، وهذا الشيء تستخدمينه حضرتكِ 

آمنة النُصيري: أنا جرّبت هذه التقنيات في معرض "حِصارات" 

زاهي وهبي: كيف كان المُتلقّي يتفاعل مع هذا الأمر؟

آمنة النُصيري: تلقّاها الجمهور باهتمام شديد، تلقّاها الجمهور في (اليمن) باهتمام شديد وأحدثت نوعاً من الحِراك وشجّعت الشباب على الخوض في تجارُب مفاهيمية تحديداً 

زاهي وهبي: العنوان كان مُلفتاً للمعرض الأخير "حِصارات"، أي "حِصارات سيّدتي؟ هل هو الحصار الناتِج من الحرب؟ هل هو الحصار 

آمنة النُصيري: كل الحِصارات المُمكنة 

زاهي وهبي: ما هي أصعب الحِصارات؟ 

آمنة النُصيري: نعم، حِصارات الروح. نعم، كتبتُ نصاً قصيراُ في هذا المعرَض، أشبه بنصٍّ شعري، وكانت مُحاولة فقط. لكنّي تحدّثت عن الحِصارات التي نحن مُحاطون بها، حصارات القمع السياسي والحِصارات الاقتصادية والخوف والمخاوف الداخليّة، حِصارات اللاوعي، كل أشكال الحصار، حتى حِصارات المرأة 

زاهي وهبي: نعم. المرأة تحضُر في لوحاتكِ ليس فقط كعُنصر من عناصر التشكيل، تحضُر كقضيّة، تحضُر كموضوع قائِم في ذاته. هل هذا الانطباع صحيح؟ وأنا للأسف رأيت اللوحات من خلال الصُوَر المُتاحة على الإنترنت. هل انطباعي في مكانه؟ 

آمنة النُصيري: نعم، المرأة جزء مهمّ من تجربتي ولكنني دائِماً ما أؤكِّد أنني لستُ نسويّة في المعنى الحرفي أو لستً نسويّة بالكامل، بمعنى أنني لستُ نسويّة مُتطرِّفة، ولكنني أحياناً أقف مع الفكر النسوي في الكثير من قضايا المرأة 

زاهي وهبي: دعينا نقول أنّكِ نسويّة معتدلة 

آمنة النُصيري: المرأة تعاني قمعاً أشدّ في مُجتمعاتنا ولهذا يجب التعبير عنها، وربما أكون صادِقة أكثر من الفنان الرجُل إذا ما عبّرت عن قضايا المرأة 

زاهي وهبي: نتيجة إحساسكِ ببنات جنسكِ أكثر

آمنة النُصيري: نعم، ونتيجة مُعاناتي كامرأة في هذه المُجتمعات 

زاهي وهبي: سيّدتي، يلفُت الانتباه، غير الموضوعات التي تتناولينها، الصياغة اللونية. بمعنى، ألوانكِ ألوان مُبهِجة، ألوان فرِحة، ألوان قويّة. الأزرق، الأحمر، الأخضر، الأصفر، هذه الألوان في العادة الكثير من الرسّامين يتجنّبوها أو يتجنّبون دمجها معاً على الأقل لأنها ألوان صعبة إلى حدٍّ ما وطاغية. ما سرّ حبّكِ لهذه الألوان؟ حتى في الملابس واضح أنها موجودة  

آمنة النُصيري: أعتقد أنّها تعود إلى المرجِعيّات التي أعتمد عليها في فنّي وهي الفنون اليمنيّة القديمة والفنون الشعبيّة البصريّة في شكلٍ عام سواء عربياً أو عالمياً. من جهة أُخرى، أشعر أننا يجب أن نُدافِع عن فرح الحياة ونحتفي بها ولا نكُفّ عن التفاؤل. لهذا السبب، حتى في أحلك الظروف أجدني أُعبِّر عن الحياة في شكلٍ مُبهِج، عن الفرح في هذه الحياة، عن الأشياء ربما أو الموضوعات التي تحمُل نوعاً من المقاومة والدفاع عن الحياة الإنسانية وعن الكرامة وعن قيمة الحياة، حتى في مفهومٍ صوفيّ أحياناً 

زاهي وهبي: نعم. قريبة للفِكر الصوفي حضرتكِ؟ 

آمنة النُصيري: إلى حدٍّ ما نعم

زاهي وهبي: الشعراء الصوفيون مثلاً عندكِ علاقة بهم؟ 

آمنة النُصيري: قرأت تقريباً كل الشعر الصوفي، من "إبن عربي" إلى "السهر وردي" إلى "الحلاج". كنت مُعجبة جداً ولا زلت بـ "المعرّي"، "الغزالي"، أعني الطرف الصوفي هو جزء من الدراسة الفلسفيّة من جهة وأعتبره أحد مصادر تجربتي من جهة أُخرى 

زاهي وهبي: نعم، ما هو أكثر ما تُحبّينه في هذا الفِكر الصوفي؟ 

آمنة النُصيري: حميميّة الرؤيا تجاه الحياة، والرؤية إلى أنّ احترام الحياة مسألة مهمّة حتى إن كان بالنسبة إلى الكائِنات الصغيرة جداً. فقيمة الحياة واحدة ولا يُمكن أن نُعطي الإنسان الأولويّة والمركزيّة وهُم كبقية الكائِنات. الحياة يجب أن تكون مُتاحة للجميع ولكل كائِن يمتلك روحاً 

زاهي وهبي: جميل جداً. إسمحي لي قبل أن أسألكِ عن علاقتكِ بالشِعر في شكلٍ عام ليس فقط بالشعر الصوفي، خصوصاً أنّ (اليمن) أعطتنا الكبار من الشعراء، نستمع إلى رأيٍ آخر في تجربتكِ من الكاتب والناقد والمُفكِّر الأُستاذ "عبد الباري طاهر". نستمع إليه ثمّ نعود إليكِ 

رأي – عبد الباري طاهر: طبعاً القيمة العظيمة أنّ هذه الفنّانة العظيمة جمعت عدّة مواهب قدّمتها في موهبة واحدة. هي قاصّة قصيرة، هي طبعاً درست الفلسفة ومتخصّصة في علم الجمال، وموهبتها الأساس هي الفنّ التشكيلي. هذه الإضافة للجمع بين الموهبة وبين النقد الأدبي، بين علم الجمال وبين الفلسفة أضافت الكثير للوحات الفنانة العظيمة "آمنة النُصيري". العلامة الفارِقة الحقيقيّة أنّ "آمنة النُصيري" عندها خاصيّة في فنّها رغم اهتمامها في الشكل، والشكل عندها في اللوحة أساسي والجانب البصري مهمّ، لكنها أيضاً تتجاوز الجانب الشكلي إلى العُمق، تنظُر إلى الأشياء بعُمق. "آمنة" سكنت في (صنعاء) وسكنتها (صنعاء)، قدّمت لوحات زاهية جداً عن المعمار الصنعاني. قرأَت الصراع قراءة مُختلفة عمّا يقرأها السياسي أو الإيديولوجي أو المثقّف الحزبي، قرأت الصراع في الطيور مثلاً في السماء، في السير المتخالف والمشي في اتجاهات مُختلفة، ولكن هذه الطيور عندما ترى الطفل الفلسطيني في الأرض يبكي أمام مشهد مقتل أُسرته تنزِل هذه الطيور لتُصبِح جزءاً من مشهد الكارثة. أمّها "هايلة" لعِبت دور "سي زيف" في التمرّد، آلاء كبيرة للآلهة "بربتيوش"، هي كانت رسّامة ومُثقفة وأديبة وتمرّدت على الواقع، الواقع القبلي، الواقع المُتخلِّف، ونقَلت أُسرتها إلى (صنعاء) وذهبت إلى (الإسكندرية). في سردية حياتها كثير من الغرائبية وكثير مما يستحق الوقوف عنده والدرس. أفضل سؤال أوجّهه للدكتورة، الموهبة، الفنّ التشكيلي، القصيدة، القصّة، تحتاج إلى قدرٍ من الحريّة ومن العفويّة والتلقائِيّة بينما النقد يفرِض قيوداً ويفرِض بالفِعل ضوابط والتزامات ورؤية مُحدّدة سلفاً. كيف تقدِر المبدِعة الدكتورة "آمنة النُصيري" الناقدة وصاحبة موهبة الفنّ التشكيلي أن تجمع ما بين موهبة الفنّ التشكيلي وجوانب النقد؟ لأنّ قدراً من التعارُض بين الموهبة وبين النقد الذي يفرِض قيوده على هذه الموهبة. شكراً جزيلاً 

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "عبد الباري طاهر"، شهادة تُثري البرنامج وسؤال وجيه طرحه على ضيفتنا المبدِعة الدكتورة "آمنة النُصيري"، تفضّلي 

آمنة النُصيري: أولاً أسعدتني جداً مشاركة المُفكِّر الأُستاذ الكبير "عبد الباري طاهر" أُستاذنا جميعاً. هما بالفعل مسألتان مُختلفتان تماماً، حضور الناقد يحتاج إلى تركيز عالٍ وعقلانيّة بحتة والبُعد عن الشطط، هنا يجب أن أكون شخصيّة مُختلفة تماماً عندما أكتُب نصّي النقدي. أمّا عندما تحضُر الفنانة أُغيِّب الناقدة تماماً وأعتمد على الروح المتحرّرة واللعب الخلاق والانطلاق وعدم التركيز وحضور العقل في شكلٍ فاعِل جداً في التجربة لكي أُتيح للاوعي أن يتحرّك أيضاً داخل اللوحة. بالفعل هما مسألتان مُختلفتان 

زاهي وهبي: ألا تتصادم داخلكِ أو تتصارع رصانة الناقد مع جموح الفنّان إلى التحليق والحريّة؟ 

آمنة النُصيري: لا، أنا عندما أرسُم أحرُص على أن أهرُب تماماً من الناقِد

زاهي وهبي: نعم. في موضوع الشِعر، كنّا نتحدّث قبل قليل عن الصوفيين، إلى جانب أو بعيداً عن الصوفيين علاقتكِ بالشِعر عموماً كيف هي؟ و(اليمن) بلد شِعر وشعراء  

آمنة النُصيري: هناك شاعِر شعبي إسمه "صالِح سحلول" من (اليمن)، أنا كنت مولعة بشعرِه ولا زلت. منذ صغري أحببت قصائِد "صلاح عبد الصبور" و"أمل دنقل" و"محمود درويش" و"عبد العزيز المقارِح" و"عبد الله البَرَدوني". أنا مولَعة بالشعر وعلاقتي قويّة بالشِعر وأُحاول أحياناً أن أُترجِم بعض قصائِدي إلى لوحات مثلما كانت لي تجربة مع الشاعر اليمني "أحمد العواضي" وأنتجنا كتاباً مُشتركاً "قصائِد ولوحات"، ثمّ أقمتُ معرضاً في (ألمانيا) كان "الموسيقى واللوحة والشعر" وأصدرت مجموعة من قصائِد الدكتور "عبد العزيز المقالِح" عن (صنعاء) 

زاهي وهبي: نعم، شاعِر (اليمن) الكبير. أيّ أنواع الموسيقى أو الأنماط الموسيقية التي تُلهِمكِ أكثر؟ هل تستمعين إلى الموسيقى أثناء عمليّة الرسم أو صياغة اللوحة؟ هل ترافقكِ الموسيقى؟

آمنة النُصيري: نعم، الموسيقى بالنسبة لي مهمّة جداً خاصة أثناء الاشتغال الفنّي. أسمع الموسيقى الكلاسيكية وأسمع الموسيقى العربيّة الكلاسيكية وأنا منفتِحة على أشكال كثيرة من الموسيقى، حتى أنني أسمع للشباب، للفِرَق الموسيقيّة الشابّة المصريّة مثلاً مثل "كاريوكي" و"وسط البلد" و"شارموفرز". هناك فِرَق جديدة شابّة تتجاوز الكثير من المُغنّين الكبار ولا تغنّي للغزل والحب والكلام المُستهلَك الممجوج وإنما تدخُل في مشاكل الإنسان العادي اليومية، وهذه مسألة مهمّة، أن ننتبه إلى أنّ الغناء للجيل الشاب مثلاً يجب أن يتطرّق إلى الحياة التي يُعاني منها والمتاعب بالأصحّ التي يعاني منها الجيل الشاب، فأنا منفتِحة على كل أشكال الموسيقى 

زاهي وهبي: سيّدتي، من الرسّامين سواء في الوطن العربي أو في العالم مَن الأحبّ إليكِ والأقرب إليكِ من التشكيليين؟ رسّامين ونحّاتين وما شابه؟ 

آمنة النُصيري: كثيرون جداً

زاهي وهبي: أبرز الأسماء

آمنة النُصيري: "رودان" بالنسبة للنحت مثلاً، طبعاً لا يُمكن إهمال "مايكل أنجلو" مهما قدِمَ الزمن، فنّانون كبار مثل "سيزان" "ماتيس" "سيمونه" "بيكاسو"، كثير من الفنانين المصريين المُعاصرين أنا مُعجبة جداً بأعمالهم مثل "محمد أبو النجا" وأسماء كبيرة جداً لا يُمكنني حصرها في إسم أو إسمين فقط. بالنسبة للفنانين العرب هناك الكثير جداً من الفنّانين الذين أُتابع أعمالهم بشغف 

زاهي وهبي: كيف تجدين الحركة التشكيلية اليمنية؟ هل هي حركة نشِطة؟ حيوية؟ أم مُتأثّرة بالظروف التي تعيشها (اليمن)؟ 

آمنة النُصيري: طبعاً الحركة التشكيلية اليمنية مُتأثّرة بالظروف التي تعيشها البلد، ومن قبل كان عدم استقرار الوضع الاقتصادي أيضاً فاعِلاً في الحركة التشكيلية، لكن الآن كثير من الفنانين هاجروا إلى الخارِج خاصّةً الشباب

زاهي وهبي: نعم، ومنهم إبنكِ "غسّان" 

آمنة النُصيري: لهذا لا يُمكن أن نقول بأنّ هناك نشاطاً وزخماً تشكيلياً في الوقت الحالي 

زاهي وهبي: نعم. بالنسبة للمواد سيّدتي، المواد التي تستخدمينها في صياغة اللوحة، أيّ المواد أحبّ إليكِ؟ عرِفنا الألوان التي تستخدمينها كثيراً ولكن أيّ المواد أحبّ إليكِ؟ 

آمنة النُصيري: أنا أُفضِّل الـ Acrylic ثمّ الألوان الزيتية بالنسبة للأعمال على الـ Canvas، وأُحب الرسم أحياناً بالحبر الصيني على الورق، أبيض وأسود 

زاهي وهبي: نعم. هل تكون فكرة اللوحة جاهِزة موضوع اللوحة وفِكرتها؟ أم أحياناً عندكِ نوع من الارتجال، كما الموسيقي الذي يرتجل أثناء العزف، قد يلجأ الرسّام أيضاً إلى الارتجال ويترك ريشته تنساب؟

آمنة النُصيري: المسألتان واردتان جداً بالنسبة لي، أحياناً تتوالد الصورة في الذهن وهذا يحدُث غالباً. غالباً ما أتخيّل الشكل قبل أن أرسمه لكن أحياناً لا تكون لديّ أيّة فكرة ماذا سأفعل على القماش وأبدأ في الارتجال وبالفعل أنتهي إلى لوحة مُفاجِئة 

زاهي وهبي: وهل لا زلتِ تُدرّسين مادة "علم الجمال" في جامعة (صنعاء)؟ 

آمنة النُصيري: نعم أنا أُدرِّس في جامعة (صنعاء) "فلسفة الفنّ" و"علم الجمال" و" نظريّة الفن"

زاهي وهبي: وكيف تجدين الشباب والطلاب والجيل الجديد من جهة تفاعله مع مثل هذه الأمور وهذه الأفكار وهذه الرؤى إلى الحياة وإلى ما يُحيط بنا؟ 

آمنة النُصيري: الجيل الشاب غالباً ما يُفاجأ بهذه المادّة ويبدون اهتماماً شديداً بها ويقرأون ويُتابعون ويُحضِّرون ويُناقشون معي ويقومون بعَمَلِ تكاليف بل ويقترحون أيضاً بعض الموضوعات للمشاركة بها لأنّهم يجدون متعة كبيرة في المادة خاصةً لأنها تخلو من جفاف 

زاهي وهبي: المواد الأُخرى 

آمنة النُصيري: القراءات الفلسفية والمناهِج الفلسفيّة ربما التي تتّسم بالجمود بعض الأحيان والجفاف 

زاهي وهبي: نعم. قلتِ في البداية في فقرة "قطع وصل" أنّه عندكِ طموح إلى تحقيق مشاريع أكبر في تجربتكِ التشكيلية، سؤالي ما هو جديدكِ؟ هل من جديد الآن؟ هل من تحضير لشيء ما جديد؟ 

آمنة النُصيري: نعم. هناك معرض إن شاء الله سيكون في (ألمانيا)، فقط ننتظر أن تنتهي جائِحة "كورونا" أو تنحسِر قليلاً، وهناك تجربة أسميتها "الريبة"، مجموعة من الأعمال الفنيّة ربّما من وحي الوضع القائِم 

زاهي وهبي: الريبة بمعنى الشكّ تعنين والحذر وما شابه؟ 

آمنة النُصيري: من الارتياب نعم، من الارتياب

زاهي وهبي: نعم 

آمنة النُصيري: العلاقة المُشوّهة بالبشر التي تحدُث نتيجة الصراع 

زاهي وهبي: أنا سيّدتي أتمنّى لكِ التوفيق في أعمالكِ وفي حياتكِ الأكاديمية والشخصيّة ومن خلالكِ كل التحيّات وكلّ الحبّ لـ (اليمن) وللشعب اليمني مع الدُعاء بالخلاص من الحرب والحصار والعودة إلى الحياة الطبيعية. نوّرتِ "بيت القصيد" 

آمنة النُصيري: إن شاء الله. شكراً لك أُستاذ "زاهي" وشكراً لـ "بيت القصيد" على هذه الاستضافة الكريمة 

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. شُكراً لفريق العمل، ولمُشاهدينا في كل أنحاء العالم الشكر الأكبر دائِماً. نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله 

 

                

                         

 

الممثلة التونسية ريم الرياحي

المزيد