الانطلاق من القرآن لصناعة المعرفة

لو فهمنا القرآن , لفهمنا السنة ولو فهمنا السنة, لفهمنا مقاصد وكليات الشريعة, ولما تركنا القرآن دبّ فينا الجهل والجهالة, وقدمنا الله على أنه ذبّاح فيما هو يؤكد على مدار سور القرآن أنه الرحمان الرحيم, وقد وردت في القرآن الكريم عشرات الأفعال المضارعة للمستقبل والقادم من الزمان, والهدف من ذلك التأكيد على أن القرآن كتاب إستشرافي مستقبلي, علينا أن نقرأه بعين الإستشراف والمستقبل وليس بعين الماضي.. فالقرآن كتاب صانع للمعرفة والإبستمولوجيا, فكيف ننطلق منه اليوم لصناعة معرفة واقعية تساهم في إنتاج الحضارة!! لماذا لم يخلد القرآن التاريخ الإسلامي بكل تفاصيله؟ هل يستطيع القرآن الكريم أن يبني حضارة جديدة للمسلمين وينقذهم من مخلفات الإرث السلبي؟ كيف يؤسس القرآن للمعرفة الإنسانية ويعيد فتح الإجتهاد لمواكبة التحولات؟ أليس القرآن ينبوعا من المعرفة الدائمة المستمرة، ويملك القدرة على التحدي وتسقط أمامه كل الشبهات التي يطرحا البعض؟

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

قال الله تعالى في محكم التنزيل "أ ل م ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتّقين". لو فَهِمنا القرآن لفَهِمنا السنّة، ولو فَهِمنا السنّة لفَهِمنا مقاصد وكليات الشريعة ولما تركنا القرآن. دبّ فينا الجهل والجهالة، وقدّمنا الله على أنّه ذبّاح، فيما هو يؤكّد على مدار صوَر القرآن أنّه الرحمن  الرحيم. وقد وردت في القرآن الكريم عشرات الأفعال المضارعة للمستقبل والقادم من الزمان، والهدف من ذلك التأكيد على أنّ القرآن كتاب استشرافي ومستقبلي، علينا أن نقرأه بعين الاستشراف والمستقبل وليس بعين الماضي. نعم فيه أخبارنا وأخبار ما سوف يؤول إليه أمرنا، فالقرآن كتاب صانع للمعرفة والابستمولوجيا أي كيف ننطلق منه اليوم لصناعة معرفة واقعية تساهم في إنتاج الحضارة.

ولماذا لم يخلّد القرآن الكريم التاريخ الإسلامي بكل تفاصيله لأنّ الله تعالى أراد للمسلمين والبشرية أن تعرف خالق الكون ورسله وأنبياءه وحركة الأديان فقط. ولم يرد الله للمسلمين أن يتقوقعوا في حركة تاريخية انقضت، والذي جرى أنّ المسلمين بكل مذاهبهم عبدوا التاريخ، ونسوا الله وتركوا القرآن جانبًا، بل جعلوا منه كتاب حكاية، وليس كتابًا لاستنباط مقوّمات المعرفة. والعلم والقرآن مُتلازِمان،  بل إنّ القرآن كتاب للإنسان والإسلام دين للإنسان، ومقاصد الشريعة الإسلامية للإنسان، وأكثر الأشياء احتقارًا في العالم الإسلامي الإنسان.

القرآن الكريم يستطيع أن يبني حضارة جديدة للمسلمين، وأن ينقذهم من مُخلّفات الجوانب السلبية في الحضارة الغربية والانكسارات العربية، لكن بشرطها وشروطها. وكل فروع العِلم والمعرفة في حال تحوّل مستمر وصيرورة رهيبة، والإشكال أبقينا الدين في قالبه كما ورد، بل زدناه تشوّهًا وتحريفًا ولم يواكب التحوّلات، وهو الأمر الذي أحدث صدمة للأجيال المعاصرة، والمطلوب تحريك الدين ليواكب التحوّلات.

في القرآن الكريم 114 سورة، وثلاثون جزءًا و60 حزبًا وسجدات القرآن 15 وأحرف القرآن سبعة وآياته 6236 وكلماته 77439 كلمة، بسملاته 114 فيه المكّي والمدني. لو أعدنا تشريح المعادلات القرآنية بشكل موضوعي وتجزّئي لاكتشفنا بحرًا، بل محيطًا من المنطلقات المعرفية والابستمولوجية. والقرآن الكريم ينبوع من المعرفة الدائمة المستمرة، ويمتلك القدرة على التحدّي، وتسقط أمامه كل الشبهات التي يطرحها البعض محاولين إيجاد ثغرة لغوية أو علمية في ثناياه. والواقع أنّ الشُبهة في عقولهم التي لا تلتزم المقياس العلمي، فعلمية القرآن جعلت موريس بيكان في كتابه الشهير الإنجيل والتوراة والقرآن والعِلم يقول إنّ القرآن مُتّفق عليه وهو مُتّفق أيضًا مع أية حقيقة علمية مع أنه نزل في وقت كان العِلم فيه قليلًا، ولم يصل إلى الصورة التي عليها الآن.

"الانطلاق من القرآن لصناعة المعرفة" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الأردن العلاّمة الفاضل الشيخ حسن السقّاف، ومن الجزائر الدكتور طه كوزي الباحث في الحضارة والفلسفة الإسلامية، ومن المغرب الأستاذ الدكتور الفاضل إدريس هاني الباحث في الفكر الإسلامي.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن السقّاف حيّاك الله وبيّاك، القرآن في الموروث الإسلامي، القرآن في الثقافة الإسلامية، القرآن بين السَلف والخَلَف. كيف تموضع القرآن في صدر اهتمامات المسلمين الأوائل والمتأخّرين؟

 

حسن السقاف: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين ورضي الله تعالى عن أصحابه البَرَرة المُتّقين. القرآن هو الدليل الأول عند المسلمين، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "إنا نحن نزّلنا الذِكر، وإنّا له لحافظون". فالقرآن الكريم هو أول الأدلّة، وهو الذي يجب علينا أن ننطلق منه فكريًا للنظر في أيّة مسألة من المسائل. يجب أن يذهب إلى القرآن الكريم، هذا ما نعانيه في السابق واللاحق عند طبقات من العلماء، ولكن ليس الجميع، بل الغالب وخاصة في هذه الأعصار المُتأخّرة. من الخطأ أول ما ينطلق الذهن بالتفكير يذهب مثلًا إلى السنّة، أو يذهب إلى أقوال العلماء. الأمر الصحيح أول ما ينطلق تفكير العالم بالخصوص يجب أن ينطلق إلى القرآن الكريم، ويستقرىء ما في القرآن الكريم. القرآن الكريم هو الأساس، وهو الأمّ في فَهْم الشريعة الإسلامية. القرآن الكريم ليس فيه آية صحيحة وآية غير صحيحة كما هو موجود في الحديث النبوي الشريف، كما هو معلوم في حديث صحيح وحديث ضعيف وحديث متواتِر وحديث موضوع. أمّا القرآن الكريم فهو الكتاب المُنْزَل من عند رب العالمين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ذلك الكتاب لا رَيْب فيه هدى  للمُتقين.

الذي حصل في السابق واللاحق عند بعض أهل العِلم أو بعض المشايخ كما قلنا أنّهم عندما يبدأون بالتفكير في أية مسألة فيذهبون إلى السنّة مثلًا، أو يبحثون ماذا قال العلماء العالم ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. فالقرآن الكريم إذًا هو أول الأدلّة وهو الأساس، والله عزّ وجلّ قال ما فرّطنا في الكتاب من شيء. إذًا يجب علينا إذا أردنا أن نفكّر في أية قضية خاصة، أو قضية شرعية أن نذهب أولًا إلى القرآن الكريم، وهذا ما يجب أن ننتبه إليه، لا نذهب إلى أي شيء قبل القرآن الكريم. 

الله سبحانه وتعالى أعطانا عقولًا طبعًا، نحن لا نقول بأنّ العاميّ الذي مثلًا لا يفهم إلا اللغة ولا يفهم معاني الجُمل الموجودة في القرآن هذا يجتهد، لا نقول بذلك وإنّما نقول نحن نخاطب العلماء والمُثقّفين وطَلَبة العلم، ثمّ بعدهم بقيّة الناس. 

يجب على العالم أول ما يبحث، وأول ما ينظر أن يعرف أنّ أول الأدلّة التي يجب أن ينظر فيها هو كتاب الله تعالى، فنحن حتى في التفاسير القديمة نجد أنّه مثلًا دخلت أمور حرَّفت عن معنى الآية الحقيقي، ونحن نعلم أنّ في كتب التفاسير دخلت الإسرائيليات مثلًا أقوال بعض أهل الكتاب وبعض الأحبار وحتى بعض أقوال العلماء المسلمين أخطأوا، فنحن لا ينبغي أن ننظر إلى هذه الأقوال على أنّها مُنْزَلة من عند رب العالمين، وهكذا قال فلان أو هكذا قال فلان. أولًا يجب أن نتّجه إلى قول  الله عزّ وجلّ، وأن نتمعَّن فيه ونعرف أنّ الله سبحانه وتعالى وضع في هذا القرآن الكريم الحلول وأصول المسائل عندما قال لنا ما فرّطنا في الكتاب من شيء، فهو يعني أنّ أصول الدين وأصول المسائل وما سنعرفه من الأحكام ومن كثير من الأمور التي ستتعلّق بحضارتنا وحياتنا وتقدّمنا ونهضتنا موجودة في القرآن الكريم، وليس في قول إنسان غير معصوم. قال النبي صلّى الله عليه وسلّم "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي أبدًا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردّا عليّ الحوض"، فالقرآن هو الأساس.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن أفهم أنّك ترجِّح القول أو الرواية التي تقول تركت فيكم كتاب الله وعترتي وليس سنّتي أفهم ذلك منك.

 

حسن السقاف: نعم سيّدي نحن مأمورون في القرآن الكريم باتباع السنّة النبوية، وهذا لا جدال فيه ولا توجد أية فرقة إسلامية وأي مذهب مُعْتبر من مذاهب المسلمين على وجه الأرض يقول إنّ السنّة غير مأخوذ فيها، أو لا يعترف بالسنّة. جميع الفِرَق من أهل السنّة على اختلاف مذاهبهم والمُعتزلة والزيدية والإمامية والإباضية جميعهم يعتدّون بالسنّة، ولكن نحن نبحث في هذا الحديث ماذا وردنا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي جاء في صحيح مسلم، "فإنّي تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله"، "أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي"، وفي الترمزي كتاب الله وعترتي، وأمّا هذا الحديث بلفظ كتاب الله وسنّتي فهو موضوع يعني مكذوب في سنده كذّابين وضّاعين.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن هذا موضوع حلقة أخرى نعود إليها ان شاء الله.

دكتور إدريس هاني مرحبًا بك من المغرب الحبيب. في ما مضى كان هنالك اجتهاد قرآني المكتبة الإسلامية غنية بالتفاسير القرآنية تفسير الطبري، إبن كثير، تفسير القرطبي، أحكام القرآن للجصاص حدّث ولا حَرَج، لكن في الثلث الأخير من القرن العشرين أو قلْ في المئة سنة الأخيرة الاجتهاد القرآني تضاءل، هذا إشكال موجّه إليك. الإشكال الثاني، لماذا عندما نفسِّر القرآن نعود إلى الطور الأول الطور الثاني من العصر الذهبي للإسلام بمعنى لم نعمل عقولنا في استكشاف مجاهيل القرآن بلاحظ القرون المعاصرة؟ لماذا حدث ذلك؟

 

إدريس هاني: شكرًا لكم، وأحيّيكم، وأحيّي الضيوف الكرام.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

 

إدريس هاني: أبدأ بالآية الشريفة، "وقال الرسول يا ربّي إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجورًا"، فنحن نعيش على إيقاع هذا الهجران، وبالفعل توقّف الزمن القرآني إن صحّ التعبير بسبب هذا الهجران. وحتى قبل أيام كنت أتحدّث إلى أحد الفُضلاء، وقلت له لا قيمة لأيّ إنسان أو عالِم إلا أن يضع تجربة في التأويل والتفسير، هذا هو المطلوب في كل جيل وفي كل مرحلة يجب أن يكون هناك تفسير. فالقرآن مجدّد الإنزال على قلوب التالين له كما يقول صاحب الحكمة المُتعالية. وقد قال إبن مسعود نفسه وإبن عباس إنّ آيات من القرآن آيات يفسّرها الزمن، وهذه جدلية الظهور والخفاء أو الظاهر والباطن في القرآن والمجازات، فالقرآن الكريم للأسف كما تدلّ الآية الكريمة في سورة الواقعة، "فلا أقسم بمواقع النجوم وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلا المُطهّرون".

إذًا، نحن يجب أن نفهم ما معنى أن يكون القرآن كريمًا فمع الهجران، لا يتحقّق كرم القرآن لأنّ هناك كرماً، كرم في المعنى أنّ هناك آيات يفسّرها الزمن ولا يشبع منه العلماء وهو يشرق كل يوم بمعنى جديد، فالكرم هنا هو كرم المعنى، ولكنّنا لا نجد هذا الكرم، بل نجد انحسارًا حتى أنّ الناس تبتدئ بالفرع والسنّة فرع للقرآن، ولو أنّنا استطعنا أن نجعل من القرآن معياراً للسنة، فثق تمامًا في مفهوم الذي ذهبت إليه في تأمّلاتي القرآنية قبل سنين دعوت إلى توسيع مفهوم السنّة. نحن لسنا من الذين يقولون دع هذا الركام كلّه، ولنبدأ من جديد. لا إذا جعلنا من القرآن معيارًا، واستعملنا آلية العرض على القرآن، فليس فقط نصحّح فيها السنّة، بل سنصحّح فيها كل كلام بشري للمعيارية التي طرحها النبي صلّى الله عليه وآله، وهو الذي جاء بالقرآن وبآلية تأويله معًا. 

طبعًا سأبيّن ذلك في سير النقاش أنا لا أريد فقط أن أبقى في التواصف، لا أريد أن أبيّن الآية ما هي. فهذا بيّن لهم كيف يأولون القرآن، وقال لهم سيكثر بعدي الكذّابة، فإذا جاءكم حديث شككتم فيه فردّوه إلى كتاب الله فإن وافقه، وفي رواية أخرى قيسوه على كتاب الله هل وافقه فخذوا به وإن عارضه فاضربوا به عرض الحائط في رواية وجدتها عند الفريقين حتى عند الشاطبي، قلته أو لم أقله بمعنى أنّ الأساس في السنّة هو أن تكون مُطابقة للقرآن، فكلّ كلام يُطابق القرآن هو سنّة، وتبقى سنّة النبي هي النموذج. ولكن كل كلام البشر نستطيع أن نردّه ونعرف ما هو مُطابق للقرآن منه، وما ليس كذلك. إن كان القرآن مُهيمنًا على الكتب من قبله ونتحدّث عن وقوع التحريف في كثير من الكتب السابقة فما علينا إلا أن نعرضه على الكتاب لنرى ما إذا طابق القرآن، وهذا هو الأساس الذي يجب أن تبنى عليه كلمة قل تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الخ.

يحيى أبو زكريا: دكتور هاني أتصوّر أنّك بدأت توطئ للبحث كما أنّ الشيخ حسن وطّأ للبحث فهذه منطلقات سوف تأخذنا إلى مزيد من التعمّق.

دكتور طه كوزي من الجزائر المجاهدة الحبيبة أنت لديك كتاب القرآن نسخة من الإنسان، وغصت في مضامين قرآنية جميلة. لكن بنظرك لماذا الاجتهاد القرآني كان ضئيلًا؟ ربما أنا كصحافي مُبتلى بنظرية المؤامرة، هل هنالك من تآمر على القرآن الكريم؟ وآخره حتى لا يكون مصدرًا  للابستمولوجيا، ولا يكون مصدراً للمعرفة وحتى لا يكون مصدرًا أيضاً لغربلة السنّة النبوية الشريفة؟

 

طه كوزي: شكرًا جزيلًا سيّدي الفاضل على هذه الاستضافة، وأنا سعيد بهذا اللقاء الفكري والعلمي وسلامي للأساتذة الضيوف.

طبعًا ربما نعتقد بأنّ هذه النقطة هي نقطة الانطلاق، العقل المسلم والقلب المسلم والوجدان المسلم سينطلق في بناء الحضارة إذا استطاع أن يتحمّل هو نفسه المسؤولية الحضارية ومسؤولية تفعيل القرآن الكريم والانطلاق به في كل مسائل الحياة لأنّه في نهاية الأمر المشاهد الكريم الذي يشاهدنا ويستمع إلينا لديه الآن هذا الانفصام الذي نعيشه برأي العين، الآن يحوّلون على القنوات ويجول بين الشاشات يرى واقع المسلمين وعالم المسلمين اليوم هو يئنّ تحت وطأة الكثير من الأزمات المُركّبة والمُتراكمة في مجالات مختلفة. وهو اليوم يسألنا وفي بعض الأحيان يستفهم في كثير من الأحيان ويحاكمنا لنُجيبه عما هو الترياق ما هو الحل ما هو الجواب وما هي خارطة الطريق التي ينطلق من خلالها؟ في اعتقادي أنّ تعاملنا مع القرآن الكريم، أينبغي أن نعدّل فيه الكثير من قابلياتنا الذهنية التي تأثّرت مع مراحل التاريخ في الكثير من المُنزلقات والكثير من المُنعرجات؟

أول مسألة حين نتعامل مع القرآن الكريم، أعتقد بأنّ هناك معادلة رياضية ستعيننا على الأقل في فَهْم المشكلة أين هي، إذا كان هناك واقع كئيب اليوم، تخلّف وتأزّم وتخلّف عن صناعة المعرفة مثلما هو موضوع الحلقة وفي تصنيف الجامعات الدولية وإنتاج المعرفة، وكل أشيائنا للأسف اليوم هي كلّها مُستورَدة إمّا من الشرق وإمّا من الغرب. في تنافس الجامعات البحثية اليوم والمخابر البحث اليوم العقل المسلم ليس إلا ضيفًا أو عابر سبيل بين الجامعات البحثية والجامعات التعليمية والمختبرات البحثية الخ. وفي أحسن الأحوال قد يكون مشاركًا، ولكن باعتباره قطعة غيار من نظام لم يشارك في تأسيسه، وقد يكون باحثًا ألمعيًا في ذلك، ولكنه لا يستطيع أن يقدّم نموذجًا مُتكاملًا مثلما قدّمت لنا أمّ القاسم وأمّ البنين في بناء أول جامعة للبشرية قبل قرون من الزمن.

أعتقد بأنّ هناك معادلة رياضية إذا كان هذا الواقع هو واقع كئيب اليوم وواقع يبعث على القلق والاضطراب فإنّه خلاصة جداء رياضي، هو القرآن مطروب في الإنسان يعطينا الواقع الذي نعيشه اليوم إذا كان الجداء القرآن ننزّهه، بل هو المُحرّك هو الدافع للانطلاق هو القوّة الحضارية التي من خلالها يعود الإنسان المسلم اليوم للحضور وللفعالية في كل زمان، ولكن أعتقد بأنّ المشكلة الجوهرية اليوم في هذا الإنسان الذي ينبغي أن نعالج لأنّ النصوص التي بين أيدينا ومحفوظاتنا التي نحفظها في قرآننا الكريم بقرءاتنا المختلفة وواقعنا أيضًا، وفي مؤسَّساتنا التربوية والتعليمية حفظنا وحافظنا بحمد الله تعالى على القرآن المستور، ولكن واقعنا اليوم أعتقد بأنّ هناك الكثير من القابليات في أنفسنا ينبغي أن نعدّلها. 

أول أمر أعتقد بأنّ المشكلة اليوم وينبغي على الإنسان المسلم بأن يعتقد بأنّ مشكلته قد يتآمر عليه المُتآمرون وقد يتآمر المُستشرقون وقد تطاله مراكز التفكير التي تفوح منها رائحة الفِتَن والدمار والحروب الخ. ولكن أنا اعتقد بأنّ الظاهرة الحضارية منطلقها من الإنسان. 

الإنسان المسلم اليوم إذا استطاع أن يتحمّل المسؤولية، وأن يعرض نفسه على القرآن الكريم سيجد من خلاله ذلك الترياق، أما إذا كان في كل مرّة سيبرِّر لنفسه انسحابه وتأزّمه وضعفه ووَهْنه ويبقي على ضميره هكذا ميتًا منسحبًا مستقيلًا من مسؤوليته الحضارية، فإنّ هذا الإنسان سيبقى دائمًا على الهامش. حينما نقرأ القرآن الكريم نجده يخاطبنا بكل صراحة وبكل واقعية وبصورة فعّالة وعملية، "وإن ليس للإنسان إلا ما سعى وإنّ سعيه سوف يرى وقل اعملوا فسيرى  الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

 

يحيى أبو زكريا: دكتور طه الإشكال ليس في ما ذكرت. الإشكال كيف ننطلق إلى القرآن من الأَنْسَنة إلى القرآن عبر أيّ عقل، عبر أيّ منطلق أيديولوجي، المشكلة أنّ المسلمين انطلقوا من القرآن لاقتباس ما يبرِّر طائفيّتهم ومذهبيّتهم. كل من أخذ من القرآن القلّة القليلة التي تعطيه شرعية، وبالتالي أهملنا القرآن. وسنكمل بعد الفاصل إذا سمحت دكتور طه.

مشاهدينا فاصل قصير، ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني:

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد. مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع الانطلاق من القرآن المهجور المتروك، والذي حوَّلناه إلى كتاب سيف وقطع رقاب لصناعة المعرفة.

ذكرت قبيل قليل كتاب أخي الدكتور طه كوزي القرآن نسخة من الإنسان، أذكّر أيضًا بكتاب لمحمّد أبو القاسم الحاج حمد رحمة الله عليه سوداني عاش في لبنان منهجية القرآن المعرفية، وهو كتاب مهم وهذا المُفكّر بالأساس مهم، لكن لا أحد يعرفه ومات غريبًا رحمة الله عليه. ومحمّد سعيد رمضان البوطي شهيد المحارب كتب منهج الحضارة الإنسانية في القرآن الكريم.

دكتور طه كنت تودّ أن تقول جملة، قلْ الجملة وكفى حتى أعود إلى الأردن من فضلك.

 

طه كوزي: شكرًا جزيلًا، فقط أنا كنت أقول بأنّ الإنسان المسلم هو المسؤول عمّا ينبغي أن يتفاعل مع واقعه اليوم، وأنّه المسؤول الأساسي وأنّ يعرض نفسه على القرآن الكريم ليكتشف باعتبار أنّ القرآن الكريم هو المرآة ليكتشف من خلال هذه المرآة الكثير من العورات والكثير من الجينات والكثير من أخطائه التاريخية والفكرية والحضارية، وللأسف إنّما نأخذ في الكثير من الأحيان الأحكام التكليفية في القرآن الكريم على أنّها أحكام تتصرّف بين الحلال والحرام والواجب والمكروه والمندوب الخ. ولكننا لا نأخذ الأحكام التكوينية على أنّها أحكام مُلزِمة بنفس المستوى من الأهمية والمسؤولية والإلزام حين نقرأ قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة في منسوب مُعيّن مُحتَرم من احترام هذا النصّ وأحكامه الفقهية وتبعاته الخ. وتتصرّف عليه أحكام وتبعات مختلفة، ولكن لماذا العقل المسلم اليوم حين يقرأ نفس الفعل بنفس الصيغة اللغوية وبنفس صيغة الأمر وهو على صيغة الجمع نقرأ قوله تعالى: "وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوّكم"، وحين يقرأ قوله تعالى" "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم"، حين يقرأ الأحكام التكوينية التي تتكوّن بها الحياة وهذا هو المفهوم الحقيقي للعبادة، فالعبادة هي كل ما تستقيم به حركة الحياة هي صلاة وزكاة وحجّ وصوم نعم، ولكن أيضًا هو إنتاج ومعرفة وتخصيب لليورانيوم، ومختبر، وبحث جاد الخ.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور طه المشكلة والمصيبة أنّنا ننتظر أن يظهر غربي لنستكشف معادلة في القرآن ونقول أترون عَظَمَة الإسلام؟ أين عقول المسلمين؟

شيخ حسن السقاف المحترم أين قصّر المسلمون في نظرك في موضوع القرآن؟ ولماذا نحن مقصِّرون بالأساس في استكشاف المعارف القرآنية؟

 

حسن السقاف: بارك الله فيكم يا سيّدي، أنا أقول باختصار ولنورد أمثلة قصّرنا، وجوابنا على سؤال جنابك الكريم لأنّنا أتينا كما قلت لك بأحاديث ربّما لم تثبت جعلناها هي الحاكمة على القرآن، ومثال على ذلك حتى نغيِّر وضعنا الذي نحن فيه مسألة القضاء والقَدَر. نحن لا نريد أن نفهمها، وغالب الناس لا يريدون أن يفهموا هذه المسألة حسب ما أرادها القرآن، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ربّ العالمين أعطانا مشيئة، أعطانا إرادة، أعطانا اختياراً، لكن الأحاديث جاءت الأحاديث، وليست أحاديث سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإنّما أحاديث رويَت ودخلت على فكر هذه الأمَّة هي التي حكمت على القرآن، فقالت إنّ الإنسان مجبور، والله سبحانه وتعالى قال لمّا خلق الخلق قبض قبضة، فقال لها هذه للجنّة، ولا أبالي وقبض قبضة أخرى وقال هذه إلى النار فلا أبالي، فإذًا ليس هناك نتيجة للعمل. ولذلك أصبحوا يفسِّرون القرآن على ضوء هذه الأحاديث التي لم تثبت، والتي عليها زَغَل كلام مع أنّ أول نهضة ينبغي أن تكون لنا هي نعتقد أنّنا نستطيع أن نعمل وأن نصنع وأن نبتكر وأن نقود الحضارة وأن نتحرّك في هذا الكون. 

يحيى أبو زكريا: شيخ حسن في هذه النقطة أنت تريد أن تقول إنّ هنالك إشكالاً معرفياً، وإشكال في المنهجية العلمية وخطأ وحفرة وقع فيها المسلمون منذ زمن الذي جئت على ذِكره وهو دَيْدَنه تلك شنشنتنا منذ كان الفكر الإسلامي؟

 

حسن السقّاف: يا سيّدي السياسات الأموية والعباسية أثّرت على فَهْمنا للقرآن الكريم. كان بعض الحكّام الذين كانوا في الدولة الأموية يفرضون أمورًا على الناس، ولذلك يأتون ببعض ما هو منقول عن أهل الكتاب، ولم يثبت أصلًا في كتابهم ويجعلونه تفسيرًا للقرآن الكريم ومن ذلك القدر يريد أن يصنع شيئًا يقول هذا بقضاء الله وقدره مع أنّ الإنسان مختار، والأمّة تستطيع أن تتحرَّك وتختار لنفسها وتستطيع أن تُبْدِع وأن تصنع، وعندما يحشون في رؤوسهم قضية أنّنا هكذا قدّر الله علينا. الله سبحانه وتعالى بيَّن لنا "فمن يعمل مِثقال ذرّة خيرًا يرى ومن يعمل مِثقال ذرّة شرًا يرى"،  الله عزّ وجلّ أثبت أنّ لنا قدرة الله سبحانه وتعالى أعطانا المشيئة وما تشاؤون إلا أن يشاء الله. يجب أن نفهمها الفًهْم الصحيح، يعني هذه مشيئتكم التي أعطاها الله لكم إنّما هي عطاء من الله أنتم تشاؤون لأنّه أراد لكم أن تشاؤوا، وأراد لكم أن تعملوا، وأراد لكم أن تصنعوا، وأراد لكم أن تبتكروا وأنتم غير مجبورين الله سبحانه وتعالى إنّ الله لا يظلم الناس شيئًا ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون. فالمشكلة الكبرى يا سيّدي أنّه مثلًا نحن أتينا بهذه النقطة القضاء والقدر مثلًا حتى بعض الأحاديث الله عزّ وجلّ في القرآن يقول والشمس تجري لمستقرّ لها ذلك تقدير العزيز العليم.

يأتي حديث فيقول يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه الشمس كل ليلة؟ إنّها تذهب حتى تسجد تحت العرش الآن. يجب أن نوظّف العلوم في فَهْم كلام الله في تفسير القرآن في هذا العصر الذي نعيش فيه أثبت لنا طبعًا كروية الأرض، وأنّ الشمس لا تذهب عن وجه الأرض طيلة الـ 24 ساعة هي تشرق في موضِع وتغرب في موضِع إذا فَهِمنا لبعض الآيات تبيّن أنّ فَهْم مَن سبقنا لبعض الآيات أو فَهْم بعض مَن سبقنا لبعض الآيات هذا فَهْم غير صحيح.

إذًا، نحن لماذا لا نستعمل العلم؟ لماذا لا نستعمل الواقع؟ لماذا نستسلم لأقوال أحاديث غير صحيحة؟ ولذلك إبن كثير المُفسِّر كثيرًا ما يذكر في تفسير بعض الآيات أنّ هذا منقول عن أهل الكتاب، هذا منقول عن أمم سابقة لنا. وتصوّر أنّنا نعيش يا سيّدي والسادة الضيوف أنّنا نعيش على فَهْم الآية الكريمة من فَهْم شعوب كانت قبل الإسلام ليس لديها ذلك الفَهْم العلمي الذي اكتشف اليوم، وكثير من الحقائق.

 

يحيى أبو زكريا: سيّدي العزيز إبن كثير وحتى الطبري وإبن جرير يبرّرون ذلك بأنّ الشعوب الإسلامية أو بالأحرى المسلمون حديثو عهد بالإسلام لا علاقة لهم بالرسائل النبوية والأديان، وبالتالي لا بدّ من الاستعانة بشعوب تعرف الرسالات، تعرف الأديان أكثر من المسلمين. دعني فقط أفتّق الفكرة مع الدكتور هاني حفظه الله.

دكتور هاني أشرت إلى مسألة قَرْأَنة المعارف، أنا أريد أن أعرف فقط من باب الفضول العلمي عندما تقرأ للمدارس الاجتهادية عند كل المسلمين تجد القرآن هو المصدر الأول للتشريع يجب أن يعود الفقيه إلى القرآن يبحث في أدلّة الأحكام وما إلى ذلك. لكن في الممارسة العملية تجد القرآن مهجورًا في المعاهد الإسلامية، مهجورًا في الحوزات العلمية، وكان الذي يدرس القرآن يقال عنه هذا قرآني. لماذا ذهبنا إلى الفقه والأصول وذهبنا إلى الأحاديث وذهبنا إلى الصحيح والضعيف وتركنا القرآن الذي نعلن أنّه أساس التشريع ومصدر المعرفة؟ هل المسلمون مصابون بشيزوفرينيا؟ عندنا انفصام في الشخصية نحن

إدريس هاني: هذا انفصام في الشخصية تاريخي جدًا تبرّره جملة المُغالطات التي تأسَّست عليها الكثير من العلوم التي عوّلنا عليها في تيسير المعرفة القرآنية. بالفعل القرآن هو أول مصدر من مصادر التشريع في كل المدوّنات الأصولية، لكن الفقه كفّ أن يكون هو نفسه مستمدًا من القرآن لأنّه منذ زمان قالوا إنّ الفقه في معظمه أي الأحكام التكليفية هي ليست معنية بتحقيق الواقع، وإنّما بإنجاز أو على الأقل بأصول إنجاز الوظيفة وتسيير الوظيفة التكليفية للمُكلّف، وبالتالي حتى تعريفهم للاجتهاد كما لا يخفى على حضرتكم هو طلب الظنّ بالأحكام أو الاجتهاد الذي هو ظنّ، ولكن ظنّ خاص ظنّ أمضاه الشارع واعتبره كشأن كل الذين تحدّث عنه اليوم من استصحاب ومن إجماع وحتى أحكام العقل الخ.

وهذه مشكلة كبيرة سببها هو غياب الآلية التي تجعل القرآن قادرًا على الكشف عن الحُكم وعن الواقع أيضًا قبل أن أتمّ هذه النقطة أريد أن أقول عملية استئناف النهضة والحضارة انطلاقًا من هذا النصّ التأسيسي يبرّرها الحَدَث القرآني. اليوم نتحدَّث عن الوحي كحَدَث أركون يسمّي الوحي كحدث، فبالتالي ايفنمو وهذه عبارة استعملها بشكل أعمق هايدغان، وكان بصدد مناقشة الكوجيتو الديكارتي أبو الحدث المؤسّس الذي للأسف جاء لكي يصحّح ما ران على التفكير الكنسي وثقافة الإيمان الكنسي من كل هذه الزوائد وعبر الكوجيتو يعيده إلى نقطة الانطلاق النور الوجود، أنا أفكر إذًا أنا موجود للأسف نحن عندنا الكثير من هذه التراكمات التي لعبت دوراً، وعندما يسمّيه الحدث الإيماني هذه مسألة مهمة عند هايدجن بمعنى أنّه حينما نتحدَّث عن المُعتقد الوجود برسم المُعتقد، عندنا وجود ما قبل المُعتقد وهو المشترك الإنساني. ولكن ما يتعلّق بالحدث الوحياني إنْ صحّ التعبير فهو الولادة الثانية وسمّيها أنّ هذا شرط في وجود الموجود هناك أي الإنسان إذا أصبح نحو خاص من الوجود برسم المعتقد، والولادة الثانية وهذا هو روح الكوجيكو المفروض في أن تنهض عندما نتحدّث عن القرآنة، فيجب أن يتأسّس هذا الميلاد الجديد، ولكن بأية طريقة نمشي أو نذهب إلى علوم القرآن نجد هذا الانفصام الذي تحدّثت عنه نجده في صميم المفاهيم التي جعلت أو أرتهن إليها التفسير المُتشابه والمحكم العام والخاص الناسخ والمنسوخ وبينهما لا يوجد أي جسر سوى أنّ هذا عندنا آيات منسوخات يجب ألا نتذكّرها المُتشابهات يجب ألا نقترب منها، وهناك محكمات يجب أن نعمل بها. وهكذا أصبح القرآن عظيماً لماذا؟ لأنّنا لم نبحث عن الرابط وأنا هنا لا أريد فقط أن أصف، بل إذا سمحت لي سأقول شيئًا لم يقله لا الطبري ولا غيره، ليس لأنّه فيه ابتكار في عملية كشف عن الطريقة نفسها التي جاء بها صاحب الدعوة قرآن وآلية لتفسيره ما الذي قاله النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لما نزل قوله تعالى الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم؟ قال ومَن منّا لم يظلم نفسه يا رسول الله، قال ليس كذلك إقرأوها في الآية الأخرى وصيّة لقمان لإبنه يا بنيّ لا تُشرك بالله إنّ الشُرك لظلم عظيم.

هذه هي الآلية عملية الربط لما تأتي عندنا، ومَن سيرد هذا إلى المحكم أي ردّ في الاتقان للسيوطي نجد عبارات كثيرة في تعريف المُتشابه والمحكم أو الناسِخ والمنسوخ، ولكن هناك شيء يجب أن نتوجّه إليه ليخدم هذا المقصد المُتشابه ما جهلته هذا كلام الإمام الصادق يرويه السيوطي في الإتقان والمحكم ما علمته. إذًا، هذا يأتي في آية تقول أحكمت آياته في وصفه للقرآن، وآية تقول آيات مُتشابهات بمعنى في نصّ يقول بأنّ كلّ القرآن مُتشابه، وفي نصّ يقول كل القرآن محكم. ولكن هذه العملية تُفهم بالدينامية إنّ ما جهلته دائمًا أن يكون مُتشابهًا عندي محكم عندك حين علمت به. لذلك الإمام الصادق أيضًا في الإتقان ماذا يقول؟ من ردّ المُتشابه إلى المحكم هدي إلى صراط مستقيم. إذًا حينما نردّ المُتشابه إلى المحكم يحكمه أيّ ينسخه ويصبح المُتشابه يساوي المنسوخ والمحكم يساوي الناصح.

إسمح لي هنا في الحقيقة أن أقول هذه المعجزة التي مرّت عليها سنين عددًا تتبّعت هذه المسألة بعملية تجريبية طبّقت هذا المنهج ولنرى الإعجاز القرآني ما هو؟ وليس أذهب وأقول العِلم قال كذا لا لا الإعجاز القرآني ملخّص في قوله تعالى لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، ويقول لن يأتوا بآية من مثله، وهنا أنا بعملية أتيت بآية من مثله ترى هل أنا أخالف القرآن أبدأ قرأت القرآن في القرآن بهذه الآلية التأويلية النبوية، فكانت المعجزة الآتية ما الذي يقوله؟ تتبّعت قوله تعالى مثلًا إنّا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا بحثت عن مثال لهذه الآية في القرآن،  فوجدت قوله تعالى إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشّرًا ونذيرًا الآية الأولى فيها بالحق، والآية الثانية فيها شاهِدًا، ولكن تناظر بين بشير نذير ومبشّر ونذير. فلمّا قرأ آية في آية ماذا تعطيني؟ نفس طريقة الإكمال والإبدال ماذا أعطتني؟ وأنّه ممكن تأويل أن أقرأ هذه الآية فأكملها فأقول "إنّا أرسلناك بالحق شاهدًا ومبشّرًا ونذيرًا"، هذه قراءة بالتأويل.

أبحث في القاموس القرآني فأجدها موجودة في القرآن آية ثالثة، ثمّ قلت ربّما هذا من باب وقوع الحافر على الحافر، أبدًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وأولئك هم الظالمون، فأقرأ في هذا فأقوم بعمل استبدال أضع الظالمون بدل الكافرون الخ. ثمّ أخرج بمعنى أنّ الكافر يساوي الظالم فآتي في آية أخرى موجودة في القرآن تقول، والكافرون هم الظالمون. وأشياء أخرى قل يا أيّها الملأ ليس في ضلالة هذه مهمّة جدًا، وأختم بها يا أيّها الملأ ليس في ضلالة، ولكن رسول من ربّ العالمين، وأجد لها نظيرًا في قوله قال الملأ من قومه إنّا لنراك في ضلال مُبين، ثمّ نجد كلامًا آخر، قال الملأ الذين كفروا من قومه إنّا لنراك في سفاهة كلّها نظراء، وهذا يؤكّد قوله تعالى فإن كان الذي عليه الحق  سفيهًا أو ضعيفًا.

إذًا، هذا يؤدّي إلى أن نقرأ قال يا قوم ليس في ضلالة، يا قوم ليس في ضلالة ولكن رسول من ربّ العالمين بطريقة إذًا نقرأها يا قوم ليس في سفاهة ولكن رسول من ربّ العالمين، فأكتشف أنّها موجودة في القرآن. هل أنا أتنبّأ بهذا؟ لأنّ هذه الطريقة هي المنسية، هذا هو النسيان، هذا هو الذي جعلهم غير قادرين على التفسير.

يحيى أبو زكريا: دكتور هاني إنّ له لحلاوة، وعليه لطلاوة، قالها مشرك. فما بالك لو كان المسلم قرآنيًا لقال أعظم من ذلك. لم يفهم المسلمون القول بأنّ القرآن كلام الله فيه من خصائص الله، الله القادِر، القرآن فيه قدرة. الله يخلق فالقرآن فيه عملية الخلق، وإلا ما معنى عندما تقرأ سورة الواقعة يوميًا بعد صلاة المغرب يعفيك الله من الفقر ولا تفتقر أبدًا. هذه المفاهيم علينا أن نعيد اكتشافها.

دكتور طه هل هنالك محاولات جادّة في الثلث الأخير من القرن العشرين وبداية الألفية في بعث الثقافة القرآنية وإعادة إحياء القرآن؟ لأنّ مشكلة المسلمين هي العقل الفردي الجزائري يبدع وحده، والمغربي وحده، وأنا جدًا سعيد ونحن في رمضان إذ جمعت بين مثقّف مغربي مُحْتَرم ومثقّف جزائري مُحْتَرم، اسأل ربّي أن يوفّقني للجمع بين المسلمين. فهل هنالك محاولات جماعية مثلًا؟

 

طه كوزي: هذه في الحقيقة مسألة مهمة، ولكن قبل ذلك أريد أن أقول بأنّ العلاقة بالتُراث لا ينبغي أن نقوم بشيطنة ما قبلنا من نتائج، وأيضًا لا نرى إليه بقدسيّة وتقديس مُطلق، إنّما هنا في هذه النقطة بالتحديد، وهي جماعية كنت أودّ أن أقول لك سيّدي الفاضل حضرت مؤتمر في الأكاديمية الأميركية للديانات قبل سنوات وجدت في ورشة من الورشات ورشة واحدة حضر فيها 10000 باحث في كثير في مختلف المجالات من اللغة إلى التفسيرية إلى الاجتماع إلى عِلم النفس إلى التكنولوجيا في مختلف التخصّصات، ووجدت في ورشة من الورشات سبع مُقاربات في ترجمة معاني القرآن الكريم من أناس غير مسلمين إحدى المُقاربات في الترجمة كانت واحدة فقط من عقل مسلم، هنا السؤال الذي نطرحه وهذه المسألة الأساسية التي ينبغي أن يكون التركيز عليها أعتقد بأنّ العمل الجماعي في التعامل مع القرآن الكريم بفَهْم القرآن الكريم في معالجة هذه الأزمة إذا كانت اليوم مراكز البحث والمخابر التي تشتغل في مكافحة السرطان وفي مكافحة الإيدز وفي مكافحة الكثير من الأمراض التي يعاني منها الجسد البشري تُصرَف فيها الملايين ويجتمع حولها عشرات الآلاف من الباحثين حول العالم. أوَليست مسألة التعامُل مع القرآن الكريم وتفعيله ليكون هو المُحرِّك للانطلاق في عالمنا اليوم وَرَم نعاني منه في عالمنا اليوم في عالمنا الإسلامي وفي عالم المسلمين اليوم. ولكن هل عقولنا مستعدِّة أن تتجاوز تحيّزاتها وأدبياتها وجذورها المذهبية في بعض الأحيان والطائفية والسياسية وأجنداتها لنجلس معًا سويًا على صعيد واحد لنتناقش لنتحاور، ولنتحمَّل بمسؤولية كاملة الواقع الذي يعيشه الإنسان المسلم اليوم. 

أنا لا أستطيع من آفاتنا في التحليل وفي النقاش وفي الحوار أنّنا نضع واقع المسلمين في كفّة وتحليلاتنا قد تكون تحليلات مهمّة، ولكنّها في الكثير من الأحيان تصل إلى مستويات عُليا تفقد أيّة صلة لها بهموم الناس بخبزهم بحليبهم في اليوم وبواقعهم الاجتماعي وبالعدالة الاجتماعية الخ. هذا البُعد وهذا البَوْن إذا وجدناه في التراث، فنحن نمارسه اليوم في عصرنا الحاضر في الكثير من نقاشاتنا، وفي الكثير من طروحاتنا الفكرية والمعرفية، وفي الكثير من الأحيان نفرّ إلى قضايا تنظيرية مجرَّدة تجريدًا عاليًا. وهذه ربّما من الآفات التي لحقتنا من قراءتنا في التراث الإسلامي ومن المُنعرجات التاريخية التي مرّ بها لأنّ حتى المُثقّف والمُفسّر والمُشتغل بالعِلم أيضًا هو المُحرِّك لإنتاج المعرفة هو صانع للمعرفة في المجتمعات الإسلامية، ولكنّه كان تحت طائلة رجل السياسة في بعض الأحيان، فهو لا يستطيع أن يقول كل آرائه. فلهذا انحصرت المكتبة الإسلامية في بعض الأحيان في مباحث الطهارة والوضوء والأحكام التكليفية هي مسألة أساسية في ديننا الإسلامي، ولا ينبغي تقزيمها ولا ينبغي الاستهتار بها، ولكنّها ليست كل شيء اليوم إذا لم تتحوّل الصلاة والدقّة والتدقيق في مواقيتها وفي وضوح القبلة، فالإنسان المسلم مُنتج وفعّال بنفس حرصه على التدقيق في حال الصلاة، وأن تكون حاله في الصلاة مثلها مثل حاله في المصنع.

يحيى أبو زكريا: دكتور طه كل المطالب قيّمة، وكل المطالب التي جئتم على ذِكرها رائعة وحضارية، لكن فقط هنالك نقطتان ليس إلّا، تكشف لنا مدى مخالفة المسلمين لربّهم. الله قال هو سمّاكم المسلمين ونحن نقول لربّنا لا يا رب نحن طائفيون، مذهبيون، كل يقول لربّه أنا أتّبع المذهب الفلاني، والله يدعونا إلى الوحدة، إنّ هذه أمّتكم أمَّة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون واتقون في آية. ونحن في مليار وخمسة مئة مليون مسلم فينا ستين مليون طائفة، هذا دليل المخالفة.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. دكتور طه كوزي من الجزائر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك، دكتور هاني إدريس من المغرب الحبيب شكرًا جزيلًا لك، الشيخ العلاَّمة حسن السقاف من الأردن الحبيب شكرًا جزيلًا لك.

 

 

الشباب الفلسطيني في الغرب

لم تؤدّ الحياة الغربية بكل إفرازاتها ورفاهيتها إلى سلخ العرب والمسلمين في أوروبا عن محور قضاياهم فلسطين وما تتعرّض له من ظلم صهيوني سافر ومتواصل . وتؤكّد التظاهرات الشبابية التي إنطلقت في أكثر من عاصمة غربية دعما لفلسطين أنّ الجاليّة العربية في الغرب ورغم أنّها بعيدة عن جغرافيا الحدث الفلسطيني, لكنّها موجودة في دائرته السياسية والإعلامية وتداعياته اليوميّة, والأكثر من ذلك فإنّ الآباء الفلسطينين والعرب إستطاعوا أن ينقلوا عقيدتهم بضرورة إسترجاع فلسطين إلى أبنائهم الذين ولدوا في أوروبا والذين لا يعرف بعضهم العالم العربي, بل لا يتكلم أكثرهم اللغة العربية, وهؤلاء الأولاد المولودون في أوروبا يحيطون علما بتفاصيل القضية الفلسطينية ورغم السيطرة الصهيونية على مفاصل الإعلام الغربي إلاّ أنّ كل ذلك لم يزعزع إيمان هؤلاء بفلسطينهم وجبروت الكيان الصهيوني, والأطفال المولودون في أوروبا والذين لم يروا فلسطين ولا العالم العربي كانوا في طليعة التظاهرات التي شهدتها مدن أوروبية دعما للقضية الفلسطينية, وقد نجحت العوائل العربية في جعل الهمّ الفلسطيني همّا عربيا وإسلاميا بالدرجة الأولى.

المزيد