لغات المشرق القديم

اللغات في المشرق القديم من السومرية حتى السريانية وصولاً إلى العربية.. التشابه في المفردات والقواعد والنحو والصرف.. بنيانها ومدلولاتها ومكانتها في التاريخ ولماذا يتناولها البعض بشكل تعصبي؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، الدخول إلى عالم لغات المشرق القديم فيه متعةٌ لا توصَف لأن اللغة هي حامِلة التواصُل الاجتماعي فكيف ببلادٍ عرفت لغاتٍ كثيرة منذ ستّة آلاف عام، جبّت هذه اللغات بعضها منذ السومرية والأكادية والكنعانية والآرامية والسريانية وصولاً إلى العربية، والحديث عن تشابُه المُفردات والقواعد والصَرْف والنحو يدفع إلى تكوين صورةٍ عن اللسان والعقل في المشرق وصولاً إلى العامّية واللهجات ومكاناتها في اللغات القديمة. الدكتور عيد مرعي أستاذ في قسم التاريخ في جامعة دمشق، يحمل دكتوراه في الفلسفة من جامعة فورتسبورغ الألمانية، عضو مجلس الآثار السوري وعضو لجنة تاريخ العرب في جامعة دمشق وخبيرٌ في موسوعة الآثار السورية، له العديد من الكتب المرجعية والجامعية منها "تاريخ لغات المشرق القديم"، "تاريخ المرأة في المشرق القديم"، "معجم الكائنات والأساطير"، "التاريخ وحسابات الزمن في حضارات الشرق القديم"، و"اللسان الأكادي" وغيرها الكثير، نرحِّب به ونحاوره بعد تقريرٍ عن اللغات القديمة.

تقرير:  

تُعدّ السومرية أقدم اللغات المشرقية، ظهرت جنوب بلاد الرافدين منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، وتطوّر نصّها المسماري من الكتابة التصويرية حيث بات لكل رمزٍ معنىً مستوحىً من المظاهر الطبيعية.

وخلال الألف الثالث قبل الميلاد حصل تطوُّرٌ تكافلي ثقافي بين السومريين والأكاديين تضمّن انتشاراً واسعاً للثنائية اللغوية، فتأثّرتا ببعضهما معجمياً وفي النحو والصرف وحتى في التقارب الصوتي.

تُعتبر الأكادية من أقدم اللغات المكتوبة في العالم، ابتدأ تدوينها قبل منتصف الألف الثالث وتفرَّعت منها لهجتان، البابلية جنوب الرافدين والآشورية في الشمال، واستخدمها المصريون في علاقاتهم الخارجية مع دول المشرق واستمرّت في دولة الكلدانيين، وتوقّفت في القرن الأول قبل الميلاد ما جعلها أطول لغات الأرض عُمراً.

أما اللغة الكنعانية فتنقسم إلى شمالية تضمّ الأوغاريتية وجنوبية تضمّ الفينيقية والعبرية، انتشرت في المشرق واعتمدت على الكتابة المُختزلة لتصبح أساساً لجميع خطوط العالم، وأظهرت تشابهاً مع البابلية يعود للعلاقات المتينة والتأثير المُتبادل، وتضمّ أيضاً اللغة الأنومتية والأدموتية، وقد سادتا في الأردن ما بين القرنين التاسع والخامس قبل الميلاد.

وكانت تشوبهما اللغة الآرامية التي تضمّ المنداعية والسريانية التي ورثت بلهجتيها الشرقية والغربية اللغة الآرامية التي ظهرت عام 850 قبل الميلاد، وانتشرت في كامل المشرق وكلغةٍ رسمية إبّان الإمبراطورية الفارسية من أفغانستان وفارس وحتى مصر.

وقد حلّت الآرامية محل الأكادية والعبرية والنبطية التي انحدرت منها الكتابة العربية.    

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، تحيّةً لك دكتور عيد مرعي، سيّدي لنبدأ من اللغة السومرية، أولاً أريد أن أسألك ما هي صفاتها ومُفرداتها؟ 

عيد مرعي: شكراً لكم على الاستضافة أولاً، ويسرّني أن أنوّه هنا أن الكثير من لغات العالم لا نعرفها لأن الكتابة لم تكن قد اختُرعت قبل بداية الألف الثالث قبل الميلاد. مع بداية الألف الثالث تمّ اختراع الكتابة التي سُمّيت في ما بعد مسمارية وكُتبت بها اللغة السومرية أو أول لغة كُتِبت بها هي السومرية ثم الأكادية وغيرها. بالنسبة إلى اللغة السومرية يمكننا القول بناءً على المُكتشفات والكتابات المعروفة إنها أقدم لغة مكتوبة في العالم، وهي من حيث التصنيف اللغوي في الواقع لا يمكن تصنيفها ضمن أية مجموعة لغوية لا قديمة ولا حديثة، يُطلق على هذا النوع من اللغات إسم اللغات المُلصقة أو اللاصِقة لأن الكلمة فيها أو المُصطلح فيها يتمّ تشكيله من خلال لصق كلمة مع كلمة أخرى، لنأخذ مثلاً في العربية تاء التأنيث التي تُضاف إلى الإسم المذكّر، أما في اللغة السومرية فإن هذه القاعدة غير معروفة فنأخذ كلمة ونضيفها أو نلصقها مع كلمة أخرى، وهذا ما جعل الباحثين يقولون إن هذه اللغة غريبة عن المنطقة أو غريبة عن اللغات التي شاعت في المنطقة في ما بعد بدءاً من الألف الثالث قبل الميلاد. طبعاً هناك نظريات كثيرة حول أصل السومريين وأصل لغتهم وكيف نشأت وما إلى ذلك، طبعاً لا نريد الدخول في تفاصيل هذا الموضوع لأنه شائك ولا يوصلنا إلى نتيجة، لكن باختصار نشير إلى أن السومريين ولغتهم قدِموا من مكانٍ ما يقع إلى الشرق من بلاد الرافدين أي من العراق الحالي غير معروف بالتحديد، وجاؤوا إلى المنطقة لأسباب أوّلها وجود التُربة الخصبة وإمكانية الاستقرار وأيضاً وجود مدن أو مستوطنات سبق أن ظهرت إلى الوجود. 

غسان الشامي: حتى لا نبحث بالأصول ونبقى ضمن إطار اللغة، هل هناك حروفية أمْ هي صورة؟ قلتَ لنا اللغة اللاصِقة هل بإمكاننا أن نأخذ مثالاً على ذلك؟ 

عيد مرعي: لنأخذ مثالاً بسيطاً على ذلك، هنالك كلمة "دومو" التي تعني إبن بالسومرية، فإذا أردنا أن نشكّل منها كلمة إبنة نأتي بكلمة أخرى نضعها إلى جانب كلمة دومو وهي "مي" التي تعني أنثى وتصبح كلمة "دومو مي" تعني إبنة، هذا مثال بسيط عن كيفية اللصق. أما قضية الكتابة فهي كما هو معروف كانت صوَرية بالبداية ومرَّت بمراحل مُتعدِّدة أوّلها المرحلة الصوَرية ثم المرحلة النصف صوَرية ثم المرحلة المقطعية، وطبعاً في ما بعد خارج بلاد الرافدين كانت هناك الكتابة الأبجدية في أوغاريت وجبيل، من هنا أطلق الباحثون المُعاصرون على اللغة السومرية أنها لغة لاصِقة.  

غسان الشامي: كم استمرَّت اللغة السومرية كلغةٍ سائدة سيّدي؟

عيد مرعي: اللغة السومرية يمكننا القول إنها كانت اللغة السائدة في بلاد الرافدين أو في القسم الجنوبي منها خلال النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد أي منذ نحو 3000 أو 2900 قبل الميلاد إلى نحو 2500 قبل الميلاد حيث بدأت اللغة الأكادية بالظهور، وطبعاً تمّ التكلّم بها والكتابة بها في الممالك والمدن السومرية التي نشأت في جنوب بلاد الرافدين كأور وأوروك ولاغاشوأوما وغيرها من المدن السومرية التي ازدهرت وعرفت إبداعات أخرى كبناء الزقّورات مثلاً أو معرفة الحساب والهندسة وغيرها من الإبداعات التي تُعزى إلى السومريين.  

غسان الشامي: واللغة الأكادية التي ذكرتَ أنها جاءت بعد اللغة السومرية، ما هي ميزاتها؟ هل هي أيضاً لغة لاصِقة أم لغة حروفية؟

عيد مرعي:لا أدري ماذا تقصد بكلمة حروفية، هل تعني الأبجدية؟

غسان الشامي: نعم حروف مُعيّنة ذات أشكال مُعيّنة.

عيد مرعي: في الحقيقة الإنسان في العالم القديم لم يعرف الحروف إلا بدءاً من القرن الرابع عشر قبل الميلاد عندما تمّ اختراع الأبجدية في أوغاريت ثم في جبيل في القرن العاشر أو الحادي عشر قبل الميلاد. فقط للتوضيح الكتابة المسمارية لم تعرف الحروف الأبجدية إنما كانت مؤلَّفة من مقاطع صوتية يتمّ تشكيل الكلمة منها، وعدد هذه المقاطع كان كبيراً جداً في البداية، نحو ألفي رمز أو إشارة مسمارية استُخدِمت لكتابة اللغة السومرية واللغة الأكادية ولغات أخرى كالحثّيّة مثلاً التي ظهرت في ما بعد واللغة الحورية وغيرها من اللغات، لكن الأبجدية أو الحروف لم تكن معروفة قبل القرن الرابع عشر قبل الميلاد. فبالنسبة إلى اللغة الأكادية استخدم الأكاديون الكتابة المسمارية وطبعاً أخذوها من السومريين، استخدموها بشكلٍ يتناسب مع لغتهم التي كانت لغة مُعرَبة بمعنى أنها تعرف علامات الإعراب، الرَفْع والكَسْر والفَتْح وما إلى ذلك، هذه الصفة أو الخاصية لم تكن معروفة في اللغة السومرية، وبالتالي تُظهر هذه الصفات تشابُهاً كبيراً مع اللغة العربية، الرَفْع مثلاً في اللغة الأكادية يتمّ التعبير عنه بالواو والنَصْب يتمّ التعبير عنه بالألف والكَسْر يتمّ التعبير عنه بالياء، الواو والياء والألف تحوّلت إلى ضمّة وكسرة وفتحة في اللغة العربية، فإذاً هذا وجه مهم من أوجه التشابُه بين العربية والأكادية. 

غسان الشامي: هل من تشابُهٍ بين اللغة السومرية واللغة الأكادية بعيداً عن العلامات في المفردات؟ 

عيد مرعي: لا يوجد تشابُه من النواحي القواعدية في الواقع إنما هناك استعارة لكلماتٍ سومرية من قِبَل الأكاديين، وهذه الاستعارات يمكن أن نجدها أو بقيت مستمرة حتى وقتنا الحاضر، نجد كلمات في العربية نستخدمها وهي تعود بأصولها إلى السومرية، طبعاً مرّت بالأكادية والآرامية وغيرها من اللغات القديمة، نذكر منها على سبيل المثال كلمة "نجّار"، هي كلمة سومرية تحوّلت في الأكادية إلى "نجّارُ" بالضمّ أو بالرَفْع، كلمة "فخّار" أيضاً "بخّار" بالسومرية والأكادية وكلمة "هيكل" مثلاً هي كلمة سومرية أيضاً، "إيجال" بالسومرية تحوّلت إلى "إيكال" بالأكادية وتعني القصر ثم أصبحت تعني هيكلاً بالآرامية والسريانية والعربية إلى ما هنالك، كثيرة هي الكلمات الموجودة لدينا والتي نستخدمها حالياً ولا نعرف أنها سومرية أو أكادية.

غسان الشامي: سمَّيتَ هاتين اللغتين السومرية والأكادية في كتابك "اللغات الشمالية الغربية".

عيد مرعي: الشمالية الشرقية.

غسان الشامي: هناك الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، هل هذا تقسيم مناطقي جغرافي أم تقسيم بنيوي في اللغات؟

عيد مرعي: في الواقع هو تقسيم جغرافي، المنطقة الممتدّة من جبال طوروس في أقصى شمال سوريا حالياً والممتدةّ من هناك إلى المحيط الهندي في الجنوب ومن البحر المتوسّط والبحر الأحمر في الغرب إلى الخليج العربي وجبال زاغروس، سمّاها الجغرافيون والمؤرِّخون العرب القدامى بجزيرة العرب، وبالتالي اللغات التي سُمّيت باللغات السامية أو كما نسمّيها في جامعة دمشق "لغات المشرق العربي القديم"، سُمّيت جزيرة العرب كما ذكرت واللغات التي نشأت في هذه المنطقة قُسِّمت إلى مجموعات ثلاث كما هو معروف، المجموعة الشمالية الشرقية وتشمل الأكادية بلهجاتها، طبعاً السومرية تبقى خارج نطاق التصنيف لأنها لا تدخل ضمن لغات المشرق العربي القديم من حيث الإعراب ومن حيث القواعد وما إلى ذلك، والمجموعة الشمالية الغربية التي سادت في سوريا أو بلاد الشام، طبعاً عندما أقول سوريا هنا لا أقصد بها سوريا الحالية وإنما سوريا الكبرى أو سوريا الطبيعية الممتدة من جبال طوروس في الشمال إلى خليج العقبة والأطراف الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية. هنا في هذه المنطقة لدينا مجموعة لغات تُقسم إلى مجموعتين رئيسيتين، المجموعة الكنعانية وتُقسم أيضاً إلى لهجات ثم الآرامية التي تُقسَم بدورها إلى لهجات.  

غسان الشامي: إذاً إسمح لي أن نذهب معك إلى اللغات الشمالية الغربية، أين تضع الإيبلائية بينها؟ 

عيد مرعي:أنا أميل إلى وضعها ضمن اللغات الشمالية الغربية لكن عند اكتشاف إيبلا في سبعينات القرن الماضي نشأ خلاف كبير أو نقاش حاد بين الباحثين حول كيفية تصنيف لغة أو لهجة إيبلا، هل هي لهجة أكادية أم لهجة كنعانية، طبعاً الأكادية انقسمت إلى لهجاتٍ متعدّدة ولدينا هنا في هذه المجموعة الشمالية الغربية لهجات سواء كنعانية أو آرامية. هناك فريق قال إنها لهجة أكادية وقدَّم بعض الاستشهادات وفريق آخر قال إنها لهجة شمالية غربية أي كنعانية. 

غسان الشامي: إلى ماذا تميل؟ 

عيد مرعي: أنا أميل إلى أنها لهجة كنعانية لأنها الأقرب إلى اللهجات الموجودة أوالتي سادت في المنطقة في سوريا. 

غسان الشامي: رغم البُعد الزمني ما بين الكنعانيين والإيبلائيين؟

عيد مرعي: ليس هناك بُعد زمني، في الواقع هناك أخطاء وقع بها الباحثون وطبعاً تبيّن في ما بعد أن بعض التعابير لم تكن دقيقة، فمثلاً تعبير كنعان أو أرض كنعان أو بلاد كنعان لا تعني بالمفهوم الضيّق كما علّمونا سابقاً بأنها فلسطين فقط، ولكن في نصوص إيبلا ذاتها وفي نصوص ماري هناك إشارات إلى أن بلاد كنعان أو أرض كنعان تشمل كل المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات، بمعنى أنها تشمل سوريا كلّها، فأرض كنعان أو بلاد كنعان تدخل إيبلا ضمنها وبالتالي علينا أن نحسب لغة أو لهجة إيبلا ضمن اللهجات الكنعانية. 

غسان الشامي: ما هي ميزات اللغة الكنعانية والبقعة الجغرافية التي انتشرت فيها؟ وهل من أمثلة لعلاقتها بالإيبلائية؟

عيد مرعي: في الواقع اللغة الكنعانية الأولى ليست معروفة لدينا لأنه لا توجد نصوص كُتبت بها، نعرفها من خلال اللهجات التي تفرَّعت عنها سواء الإيبلائية أو الفينيقية أو الأوغاريتية أو كنعانيّة العهد القديم، هذه هي اللهجات التي نعرف من خلالها أنها لهجة أقرب ما تكون إلى العربية، الفعل يأتي في بداية الجملة، لا توجد نهايات إعرابية واضحة لأواخر الكلمات، المؤنّث يُشكَّل بإضافة تاء التأنيث إلى ما هنالك، أدوات الاستفهام قريبة من العربية كذلك الضمائر الشخصية، كل هذه معروفة من خلال اللهجات التي تفرَّعت عن اللغة الكنعانية الأمّ.  

غسان الشامي: إذا ذهبنا وإيّاك إلى الأوغاريتية كما قلت هي بداية اللغة الحروفية، لنتكلَّم عن صفاتها، ميزاتها، ماذا أخذت من الكنعانية؟  

عيد مرعي: أودّ أن أشير هنا إلى أن التسميات التي نعرفها للغات ما هي إلا تعبير عن مراحل مرّت بها اللغة الواحدة أو اللغة الأمّ أو تطوَّرت عن اللغة الأمّ، لدينا لغة أمّ تطوَّرت عنها عبر الزمن لهجات أو لغات سُمِّيت بأسماء المناطق التي نشأت فيها أو بأسماء الجماعات أو بأسماء المدن كما هي الحال في أوغاريت مثلاً. لهجة أوغاريت هي لهجة كنعانية تنطبق عليها الصفات التي ذكرتها قبل قليل وهي النهاية الإعرابية، لغة مُعْرَبة، الفعل يأتي في بداية الجملة، أيضاً إذا كانت هناك جملة إسمية يكون المبتدأ أولاً ثم الخبر، الحروف أو أدوات الاستفهام نفسها، الضمائر الشخصية هي نفسها، لكن هنا تختلف اللغة الأوغاريتية عن اللغة الأكادية بأنها كُتِبَت بحروفٍ أبجدية، هذه ميزة وهنا تأتي مشكلة أن الحروف الأبجدية هنا هي حروف ساكِنة وبالتالي توجد مشكلة في قراءة الكثير من الكلمات الأوغاريتية، كيف نقرأها، تمَّت الاستعانة باللغة العربية وبالأكادية لمعرفة كيفيّة نُطق هذه الكلمات في هاتين اللغتين وتمّ التعرّف على نُطقها بشكلٍ صحيح.  

غسان الشامي: كيف هي علاقة الأوغاريتية بلهجة بيبلوس جبيل؟  

عيد مرعي: لهجة جبيل هي لهجة كنعانية فينيقية، طبعاً لا توجد فروقات أساسية إلا بالكتابة، عموماً الكتابة هي الفارق الأساس بين كل لغات المشرق العربي القديم، كلها مُتشابهة من حيث القواعد ومن حيث النحو والصرف والمفردات لكن الخلاف في الكتابة، في بلاد الرافدين الكتابة المسمارية، في سوريا في أوغاريت وكذلك في إيبلا استُخْدِمت الكتابة المسمارية، لكن في أوغاريت تمّ اختراع الكتابة الأبجدية أو الحروف الأبجدية لأول مرة في التاريخ. في جبيل خطا الإنسان خطوة جديدة نحو اختصار الأبجدية أو نحو تسهيلها فاختُرِعت أبجدية جديدة مؤلَّفة من 22 حرفاً ساكناً مختلفة من حيث الشكل عن أبجدية أوغاريت التي هي أبجدية مسمارية، الأوغاريتيون اختصروا الرموز المسمارية إلى 30 حرفاً مسمارياً.

غسان الشامي: إسمح لي دكتور يجب أن نذهب إلى فاصل ثم نعود، أعزّائي انتظرونا بعد الفاصل، حوارنا مع الدكتور عيد مرعي، موضوعنا لغات المشرق القديم.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: تحيّةً لكم من جديد من أجراس المشرق، دكتور عيد مرعي كنتَ تتكلَّم عن التشابُه والاختلاف بين الأوغاريتية والجبيلية أو البيبلوسية، هل هو اختلاف فقط بأن هذه 30 حرفاً ساكِناً وهذه 22 حرفاً أم أن هناك اختلافات؟ 

عيد مرعي: في الواقع لا توجد اختلافات إنما الاختلاف فقط في الكتابة، حتى الأبجدية المؤلّفة من 22 حرفاً في جبيل، هناك ستّة حروف أيضاً يتغيّر شكلها بحسب موقعها في الكلمة، وبالتالي يصبح العدد 28 حرفاً وهو مُطابق تماماً لأبجدية أوغاريت. طبعاً أبجدية أوغاريت لدينا العدد المعروف وهو 30 حرفاً مسمارياً ولكن حرف الألف في هذه الأبجدية له ثلاثة أشكال آ، أو، إي، وبالتالي لو حذفنا إثنين منها يصبح العدد 28 حرفاً، فلدينا إذاً العدد 28 حرفاً موجودة في كلتا الكتابتين. الجبيليون أو الفينيقيون لغتهم شديدة الشبه باللغة الأوغاريتية من حيث القواعد، المفردات، التراكيب، تشكيل الجملة إلى ما هنالك نجد ذلك واضحاً في الكتابات والنقوش الفينيقية التي عُثر عليها ليس فقط في فينيقيا وإنما أيضاً في كل المناطق التي وصلها التجار الفينيقيون، وهنا فقط أودّ أن أشير إلى ناحية مهمة مُتداوَلة حول فينيقيا وامتدادها، كان السائد سابقاً أن فينيقيا هي الساحل السوري أو الساحل اللبناني لكن في الواقع هناك كتابات تشير إلى أن فينيقيا تبدأ من الإسكندرون في أقصى شمال غرب سوريا الطبيعية حتى غزَّة في الجنوب، هذه هي فينيقيا وأبرز مثال على ذلك أسماء المدن، مثلاً في فلسطين لدينا حيفا ويافا وغزَّة كلها أسماء فينيقية وبالتالي فينيقيا كل الساحل السوري أو الساحل الشامي وليس فقط الساحل اللبناني. الفينيقيون نشروا لغتهم في كل الأماكن التي وصلوا إليها في حوض البحر المتوسّط، فقط أودّ أن أشير إلى أن تسمية بيبلوس أو جبيل باللغة الفينيقية سمّاها الإغريق بيبلوس لأنها كانت محطة مهمة لتجارة البردي "Papyrus" باللغة الإغريقية الذي كان يأتي من مصر ومن ثم يُعاد تصديره إلى بلاد الإغريق، ومن ثم عرف الإغريق هذه المدينة بإسم بيبلوس مع تعريفPapyrus إلى بيبلوس. 

غسان الشامي: من Paper  وPapier أي الورَق.

عيد مرعي: تماماً، Papyrus هو أصل كلمة Paper  وPapier باللغات الحديثة.

غسان الشامي: سيّدي لنذهب وإياك إلى الآرامية، ما هي، منبتها، من أين اشتقّت حروفها، هل مفرداتها تتكّئ على مفردات ما سبقها؟ 

عيد مرعي: الآرامية إذاً هي مرحلة جديدة من مراحل تطوّر اللغة الأولى التي نشأت في هذه المنطقة، حول تفسير الإسم هناك آرام ورام إلى آخره، المنطقة المُرتفعة أو التلّ وما إلى ذلك، هذا موضوع طويل لكن الآراميون ظهروا على مسرح التاريخ في أواخر الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد، وشكّلوا العديد من الدول المدن في سوريا وفي بلاد الرافدين، وهناك بعض الشواهِد التي تمّ الاعتماد عليها للقول بأن الآراميين كانوا أيضاً ضمن السلطة الحاكِمة في الدولة الآشورية الحديثة أو الإمبراطورية الآشورية الحديثة. هناك أسماء لرجال ونساء ظهروا في عصر الدولة الآشورية الحديثة، الآراميون شأنهم شأن الفينيقيين لم يكونوا هواة سياسة إنما تركوا هذا الأمر للقوى العُظمى. 

غسان الشامي: ولا هواة إنشاء إمبراطوريات.

عيد مرعي: صحيح، تركوا هذا للقوى الكُبرى المُسيطرة على المنطقة وانتبهوا إلى القضايا الثقافية والتجارية بالدرجة الأولى، فكما كان الفينيقيون سادة البحر في التجارة كان الآراميون سادة البر في التجارة البرية. طبعاً لدينا أسماء كثيرة لممالك أو ممالك مدن آرامية نشأت سواء في سوريا أو في بلاد الرافدين نذكر منها على سبيل المثال مملكة آرام حماه وآرام دمشق وآرام صوبا وآرام فدّان وغيرها من الممالك التي ازدهرت في الألف الأول قبل الميلاد وسادت فيها اللغة الآرامية. اللغة الآرامية هي عامل التوحيد الذي يظهر في الكتابات التي تركها بُناة الممالك المدن هذه، اللغة هي لهجة في الواقع أو تتشابه كثيراً مع اللغات الأخرى الأقدم منها كالأكادية أو الفينيقية أو الأوغاريتية أو غيرها، لكن الخلاف أيضاً هنا في الكتابة، فالآراميون لم يأتوا بكتابة جديدة في الواقع وإنما أخذوا الكتابة الفينيقية وأدخلوا عليها بعض التعديلات، هناك تشابُه بين الكتابة الفينيقية والآرامية واستخدموها لكتابة لغتهم لكنهم في القرون السابقة للميلاد ربّما القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد أنشأوا خطاً خاصاً بهم أُطلق عليه إسم "الخط المُربّع" الذي يظهر فيه الحرف على شكل مُربّع، ومن هنا جاءت تسميته بالخط المُربّع وهو الخط الذي أخذه في ما بعد اليهود واستخدموه لكتابة اللغة العبرية أو اللهجة الكنعانية التي تكلّمها اليهود والتي تظهر في بعض الكتابات خارج التوراة أو خارج العهد القديم.  

غسان الشامي: سيّدي عملانياً هل تُعدّ اللغة الآرامية انقلاباً ثقافياً بمعنى هذا الانتشار الواسع وصولاً إلى الهند وأطراف الصين وبلاد فارس، وهل لغة معلولا وجبعدين وبخعة في سوريا هي اللغة الآرامية الأساسية؟   

عيد مرعي: في الواقع هي ليست انقلاباً بمعنى الانقلاب اللغوي لأنها تتشابه كما ذكرت مع اللغات الأقدم منها الأكادية والأوغاريتية والفينيقية، لكن الانتشار هنا له أهمية لأن الزُخم الثقافي الآرامي الذي انتشر سواء في سوريا أولاً ومن ثم في بلاد الرافدين ثم في إيران وما وراء ذلك في الهند وحتى الصين كان سببه التجارة بالدرجة الأولى والمناطق التي وصلها الآراميون لم تكن لديهم كتابة للغاتهم، فمثلاً نأخذ الإمبراطورية الفارسية الأخمينية التي قامت في إيران وسيطرت على الشرق لفترةٍ من الزمن، كان لديهم لغة لكن هذه اللغة لم تكن مدوَّنة فجاء الآراميون وقدَّموا وسيلة للتدوين، وكانت الكتابة الآرامية السبب في نشوء أبجدية إيرانية أو فارسية استُخدِمت لكتابة اللغة الفارسية. وأيضاً نشأت أبجديات أخرى في مناطق أفغانستان وغيرها نتيجة الاحتكاك بالآراميين، وأيضاً الحضارة التي حملها الآراميون معهم كانت سبباً آخر للأخذ باللغة الآرامية واستخدامها في المعاملات الدولية، في عصر الإمبراطورية الفارسية الأخمينية هناك ما يُسمَّى بالآرامية الدولية أو الآرامية الإمبراطورية لأنها استُخدِمت في كل المناطق الغربية من تلك الإمبراطورية أي في بلاد الرافدين سوريا وحتى في وادي النيل استُخدِمت الآرامية أيضاً ووصلت حتى جزيرة فيلة في الجنوب حيث عُثِر هناك على نصوص آرامية تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد.

غسان الشامي: هل الآرامية كما سألتك سيّدي في معلولا وجبعدين وبخعة هي الآرامية القديمة نفسها؟

عيد مرعي: للأسف ليست الآرامية الأصلية، آراميّة معلولا هي الآرامية الوحيدة الباقية حتى الآن لكن دخلتها تأثيرات عربية كثيرة. أنا زرت معلولا مراراً واستمعت إلى الناس كيف يتحدّثون، هناك الكثير من الكلمات العربية وأساليب الكلام العربي مُستخدمة، حتى في الغناء استمعتُ إلى أناشيد أو إلى أغانٍ بالآرامية في معلولا فشعرت أنني أسمع أغانٍ عربية أو كلماتٍ عربية، طبعاً الآرامية موجودة ولكن التأثير العربي واضح فيها حالياً.  

غسان الشامي: بعامل الزمن.

عيد مرعي: هذا أمر طبيعي وليس عيباً.

غسان الشامي: وبالنسبة إلى السريانية إن كانت الغربية أو الشرقية وعلاقتها بالآرامية.

عيد مرعي: السريانية هي لهجة آرامية، كما هو معروف أن الآرامية انقسمت إلى لهجات وتُقسَم أكاديمياً إلى لهجاتٍ شرقية وغربية، والحدّ الفاصل بين هاتين المجموعتين هو نهر الفرات، فاللهجات التي استُخدِمت في المناطق التي تقع شرق نهر الفرات.

غسان الشامي: الفرات أم دجلة؟

عيد مرعي: الفرات لأنه كما نلاحظ أن اللهجة السريانية نشأت في الرُهى وهي تقع شرق الفرات، إذاً نهر الفرات هو الحدّ الفاصل واللهجة السريانية هي إحدى اللهجات الآرامية الشرقية، شاعت واستُخدِمت في كل المناطق التي تقع شرق نهر الفرات سواء في بلاد الرافدين أو في المناطق الأبعد إلى الشرق في إيران وفي الهند وحتى في المناطق الغربية من الصين، حتى أن الحكيم الإيراني ماني الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد كتب ستّة من كتبه في الديانة الزرادشتية باللهجة السريانية وهذا دليل على انتشاراللهجة السريانية، أيضاً هنا نأتي إلى مشكلة الخط، اللهجة السريانية، الكلمات، تركيب الجملة، الضمائر، الحروف إلى آخره تقريباً هي نفسها في الآرامية لكن الخط هنا يختلف، لدينا خط جديد هنا وهناك سريانية غربية وسريانية شرقية وتطوُّر طرأ على السريانية التي استمرّت في الحياة حتى العصر الأموي أو ما بعده لكن بدأت العربية تنافسها بعد أن أمر الخليفة عبد الملك بن مروان بتعريب الدواوين والمُكاتبات.

غسان الشامي: جئنا إلى العربية، كل هذه المصطبة من اللغات منذ خواتيم الألف الرابع أو بدايات الألف الثالث وصولاً إلى اللغة العربية، ماذا أخذت اللغة العربية ممّا سبقها في المفردات والصَرْف والنحو على تعبير أستاذنا جميعنا المرحوم محمّد محفّل وهو صديقك أيضاً، هل جبّت اللغة العربية بمعنى استوعبت كل هذه اللغات؟  

عيد مرعي: في الواقع هي خلاصة كل هذه اللغات، اللغة العربية هي الوعاء الذي جمع كل اللغات القديمة في بوتقةٍ واحدة وصهرها ضمن إطار العربية، طبعاً عندما نقول عربية لا نعني بها عنصرية أو تعصّباً وما إلى ذلك إنما لها مفهوم حضاري، فلو أخذنا مثالاً بسيطاً من الأكادية حتى في اللغات الأخرى نجده في العربية، لدينا مثلاً كلمة"ديَّان" وتعني قاضٍ باللغة الأكادية موجودة في الآرامية وفي الفينيقية وفي اللغات الأخرى، في العربية كلمة ديَّان هي لقب من ألقاب الله سبحانه وتعالى لكن الأصل الذي اشتُقّت منه هذه الكلمة هو كلمة دين، تعني قاضي أو يتقاضى، نجد في العربية مثلاً يوم الدين أي يوم الآخرة أو يوم الحساب، فالدين هنا ليس بمعناه الحرفي أي المُعتقد أو الإيمان بمُعتقدٍ ما وإنما هو القضية أو المثول أمام محكمة من أجل قضية ما.

غسان الشامي: أدان ويدين وإدانة.

عيد مرعي: تماماً، هذا مثال بسيط على استمرار المسار الثقافي من الأكادية وحتى الآن في العربية مروراً باللغات الأخرى التي تتطابق في كثيرٍ من قواعدها ومُفرداتها مع العربية ومع اللغات القديمة. مثال آخر فقط أذكره، كثير من الكلمات التي ترد في قواميس أو في معجمات اللغة العربية قال أصحابها إنها فارسية لجهلهم باللغات القديمة، لكننا نعرف أن هذه الكلمات الآن هي كلمات أكادية باللهجات المختلفة البابلية والآشورية والآرامية والفينيقية والأوغاريتية، منها على سبيل المثال أسماء الأشهر التي نستخدمها حالياً مثل كانون وشباط وآذار ونيسان، هذه كلها تعود إلى الأكادية ولكنها استمرت أو هي موجودة في اللغات الأخرى ووصلت في العربية إلى ما وصلت إليه، إذاً لدينا استمرار ثقافي منذ الألف الثالث قبل الميلاد وحتى الآن، طبعاً هناك أمثلة كثيرة لا يمكن الحديث عنها. 

غسان الشامي: هذه نتركها لمن يريد أن يتبحَّر في هذا العلم.

عيد مرعي: أودّ فقط أن أشير إلى قضية ظهور العرب على مسرح التاريخ، هناك النصّ الآشوري عن معركة قرقر الذي يعود إلى 853 قبل الميلاد ويرد فيه ذكر العرب للمرة الأولى. فقط أودّ أن أشير إلى أن العرب كانوا قبل هذا التاريخ موجودين ولم يظهروا فجأة على مسرح التاريخ لكن لا توجد معلومات عنهم، وبالتالي لا يمكننا أن نقول إن العرب طارئين على المنطقة. بالمناسبة نظرية الهجرات باتت الآن بحُكم المُنتهية وأن كل هذه الشعوب أو الجماعات التي ظهرت في الشام والعراق هاجرت من شبه الجزيرة العربية، هذه النظرية انتهت حالياً. منطقة المشرق العربي القديم استوطنها الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ.    

غسان الشامي: وصلت الفكرة ولكن ضاق الوقت ولديّ الكثير من الأسئلة، أريد أن أسألك سؤالاً أخيراً، لماذا يتناول البعض هذه اللغات المشرقية القديمة بشكل تعصّبي؟  

عيد مرعي: في الواقع نحن نعيش أو أغلبنا يعيش أزمة هوية في ظلّ التنافس الشديد على سوريا وعلى المشرق عموماً، تظهر النزاعات المُتعصّبة أو الرغبة بالبحث عن هويات جديدة، ضيّقة، غير صحيحة أو غير عملية أولا أساس لها من الصحّة، فالهوية التي تجمع جميع سكان هذه المنطقة هي الهوية العربية بالمعنى الحضاري وليس بالمعنى التعصّبي، والبحث عن هوية جديدة لا يفيد شيئاً، القول إن تاريخ المشرق أو المشرق العربي القديم يبدأ مع الجماعة الفلانية هو أمرٌ خاطئ، لدينا تاريخ متّصل منذ آلاف السنين يجب علينا أن نحافظ عليه كما هو وأن نحاول الاستفادة من الإنجازات التي حقّقها الأقدمون لا أن نتغنّى بها فقط أو أن نتعصّب ونقول هذا كذا وهذا كذا. 

غسان الشامي: نحن جميعاً ضدّ أيّ تعصُّب مع إفساح المجال أيضاً لكل ما قدّمته اللغات القديمة والشعوب القديمة لأن يظهر لأن هذا حق التاريخ علينا. أنا أشكرك سيّدي، أعزائي علينا تقشيد التاريخ، استخلاص الزبدة وكشح الزبد وكل ذلك كي نعي تماماً ما هو المهم ونبني عليه علمياً، فالعلم الذي لا ينفع كالجهالة التي لا تضرّ. شكري عميمٌ للدكتور عيد مرعي على حضوره في أجراس المشرق، الشكر للزملاء في البرنامج والميادين وفي مكتب دمشق، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

المشرق في العصور الكلاسيكية

المشرق في العصور الكلاسيكية... الحياة الفكرية والفلسفية والأدبية والحقوقية والمعمارية وآباء الكنيسة... موقع سوريا في العصر الغريكو – روماني، ونتاج اللقاء الحضاري بين الشرق والغرب.

المزيد