الوعي العربي والإسلامي بين جيلين

على الرغم من أن الغارة الناعمة الكبرى على أجيالنا الماضية والحالية بلغت أوجها في كل التفاصيل, وعلى الرغم من برمجة التغريب والإنحلال والإستئصال من واقعنا الحضاري وتضاريس هويتنا الحضارية والثقافية, إلا أن كل تلك الغارات تلاشت أمام لحظات الوعي ويقظة الوعي العربي والإسلامي, وهو ما رأيناه لما تعرضت فلسطين إلى خطر الإستئصال.. ولا شك أن الأجيال الماضية بذلت جهودا كبيرا في تكريس وعي النهوض والتمكين لثقافة الإستقلالية والقضاء على التبعية.. وكثيرا ما تحدث المنظرون عن إنعدام إستراتيجة النهوض والوعي, وفي خضم هذه التنظيرات كان هناك جيل عربي ومسلم يتوثب ويتأسس ويتشكل ليقدم لنا أساليب جديدة في النضال والمواجهة مستعينا بكل التقنيات والوسائط التي كانت جزءا من أليات الحرب الناعمة والتي أرادوها بمحتوى إنحلالي وتحريفي, فأعاد الشباب العربي توجية البوصلة متجاوزا المذهبية والطائفية والتكفير, وهذا الجيل المعاصر يملك فائض وعي يجعله مؤهلا لصناعة الإنتصارات...

 

المحور الأول:

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

على الرغم من أنّ الغارة الناعمة الكبرى على أجيالنا الماضية والحالية بلغت أوجها في كل التفاصيل، وعلى الرغم من برمجة التغريب والانحلال والاستئصال من واقعنا الحضاري وتضاريس هويتنا الحضارية والثقافية إلّا أنّ كل تلك الغارات تلاشت أمام لحظات الوعي، ويقظة الوعي العربي والإسلامي وهو ما رأيناه لما تعرّضت فلسطين إلى خطر الاستئصال. ولا شكّ أنّ الأجيال الماضية بذلت جهودًا كبيرة في تكريس وعي النهوض والتمكين لثقافة الاستقلالية والقضاء على التبعية. وكثيراً ما تحدّث المُنظّرون عن انعدام استراتيجية النهوض والوعي، وفي خضمّ هذه التنظيرات كان هنالك جيل عربي ومسلم يتوثّب ويتأسّس، ويتشكّل ليُقدّم لنا أساليب جديدة في النضال والمواجهة مُستعينًا بكلّ التقنيات والوسائط التي كانت جزءًا من آليات الحرب الناعمة والتي أرادوها بمحتوى انحلالي وتحريفي. فأعاد الشباب العربي توجيه البوصلة متجاوزًا المذهبية والطائفية والتكفير هذا الجيل المعاصر يمتلك فائض وعي يجعله مؤهّلًا لصناعة الانتصارات.

الوعي العربي والإسلامي بين جيلين عنوان برنامج "أ ل م"، ويشاركنا في النّقاش من الجزائر الشيخ أحمد الإبراهيمي رئيس جمعية البركة الخيرية، ومن القدس الشريف الأستاذ يوسف سمرين الكاتب والباحث، ومن أميركا من ميشيغان تحديدًا الدكتور هاني بواردي الأستاذ المشارك في قسم التاريخ والدراسات العربية الأميركية والهجرة  في جامعة ميشيغان.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ يوسف ما هي الفوارق بين منحنيات الوعي بين الجيل الماضي الذي بعضه مازال على قيد الحياة والجيل العربي المعاصر الذي كان نشيطًا متفاعلًا مع قضايا الأمّة الحيوية؟

يوسف سمرين: أهلًا وسهلًا بك. بالنسبة إلى هذا السؤال الذي يطرح نستطيع أن نقول إنّ الجيل السابق والأجيال السابقة في البداية عانت من صدمة حداثة بمعنى رأت التقدّم الغربي الذي تعجز عن مواكبته، وبالتالي كان هناك قسم من رؤيتها يثبّطها عن أن تقول لا أو أن تمانع أو أن تخالف أو أن ترفض التبعية بشكل يعود بها إلى هويّتها. هذا كان في البدايات ووجدنا العديد من الكتابات في بداية التلاقي الشرقي الغربي، في ما بعد بدأ هضم المنجزات الحداثية الغربية عن طريق هذا الهضم المعرفي أصبح هناك إمكانية أن تتمّ الممانعة في البناء على أسس مختلفة تتبع قضايا الأمّة وتتبع هويّتها، فالجيل المعاصر نستطيع أن نقول هو إبن الحداثة لا يعاني هذه الصدمة بالصورة التي كان يعاني منها أسلافه.عندما بدأ التلاقي الشرقي الغربي أو العربي الغربي الآن أدوات الجيل الحالي  إمكانياته أكبر أن يعود إلى هويّته وثقافته وقضاياه من دون انبهار هائل بالغرب ، بل إنّه يستطيع أن يوظّف العديد من الأطروحات القانونية والثقافية والفكرية لنصرة قضاياه بخلاف الحال السائدة التي كانت نوعًا ما في أجيال سابقة، وهي التبعية الثقافية والفكرية من دون فَهْم ومن دون إمكانية للتعبير عن قضايا الأمّة بصورة صحيحة عن طريق الأدوات الثقافية والمعرفية حتى التكنولوجية التي يمكن للحداثة أن تقدّمها.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ أحمد الإبراهيمي أنتم في الجزائر أصحاب تجربة ثورية مقاومة جهادية ومازالت ثورة الجزائر المُقدّسة ترخي بظلالها على أذهان وعقول الشباب الجزائري. معي في الصورة ها هنا الشهيد العربي إبن المهيدي رحمة الله عليه الذي قال عنه الجنرال بيجار لو عندي عشرة من أمثال هذا الرجل لفتحت العالم، نراه يتبسّم وهو مع جنود الاحتلال الفرنسي في ذات الصورة شاب فلسطيني يتبسّم أمام جنود الاحتلال الصهيوني. هل هذه البسمة انتقلت من العربي إبن المهيدي إلى جيل النضال المعاصر في فلسطين المحتلة؟

 

أحمد الإبراهيمي: باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله تحية طيبة لك ولضيوفك ولجميع المشاهدين، وتحية طيبة لأسودنا في فلسطين.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاك ربي.

 

أحمد الإبراهيمي: أصحاب بسمة التحدّي كما وصفتها أنت، أخي الكريم أنت تعلم بأنّ هذه الأجيال نحن ننظر إليها من زاوية من دون أن نراعي الزوايا الأخرى سواء الجيل الذي فجّر ثورة نوفمبر في الجزائر أو الجيل الذي أبهرنا اليوم بخرجته هذه التي لم يكن يتوقّعها أحد لأنّ الصورة الذهنية التي ارتسمت في أذهاننا من خلال مسار كنّا نرى في أنّ هذا الجيل لايهتمّ لا بالمُقدّسات ولا يهتمّ لا بالهوية، ولا يهتمّ. ولكن ما كنا نعلم بأنّ هناك مساراً آخر كان هو المؤثّر لهذا الشباب عندما نتكلّم عن جيل ثورة نوفمبر أنّ الناس الحكماء الذين كانوا يعرفون كيف تتطوّر المفاهيم عند الناس، وكيف تتطوّر الأجيال هذا الكاتب الفرنسي الشهير برنار قال انتهى المشروع الفرنسي في الجزائر يوم تأسّست جمعية علماء المسلمين، معناه هناك أمور أخرى تشتغل لا ينظر إليها الناس، أو لا يلتفت إليها النّاس هذا الجيل الذي أحدث ثورة في الجزائر جاء بعد احتلال مئة سنة بعدما تجبّرت فرنسا، وأظهرت خصومتها وتجبّرها تنبّه الجيل بأنّ هذه فرنسا التي تتكبّر عليه كأنّها رسالة وعي لهذا الجيل. هكذا حدث في فلسطين نحن لا نعلم بأنّ هذا الجيل الذي تحدّثنا عنه كان هناك مسار انتفاضات، مسار حروب، مسار كذا وأيضًا المشروع الذي أراد أن يدخله في الحداثة أشعره بأنّه ليس في المستوى، هو صحيح بالفعل يعيش في حداثة، ولكن عندما يبدأ في الممارسة يرى أمامه العنصرية، يرى أمامه قلّة احترام له كثير من شبابنا اليوم نحن في الجزائر يعشق أوروبا وعندما يذهب إلى أوروبا يغيّر رأيه لأنّه عندما يذهب إلى أوروبا يتصادم مع الحقيقة نعم هناك حداثة، نعم هناك تطوّر، ولكن لا يجد قيمته كذلك الإنسان الذي يريد بالأمر الذي كان يحلم به فهذا الكيان الصهيوني وأفعال المستعمر هي التي تزيد في وعي الشباب، هذا الشباب الذي خرج في القدس أو في 48 خاصةً 1948 تتحدّث عن 70 سنة منظومة تربوية ومنظومة اجتماعية صهيونية ظنّت في لحظة من اللحظات أنّ هذا الجيل دُجِّن، ولكن أفعال الصهاينة تجاه هذا الجيل من عنصرية يرونها يوميًا من إقصاء، ومن عدم احترام، ومن أنّهم يرون ممتلكاتهم وأمورهم وأمّه وأخته تهان وتضرب، وما إلى ذلك. هذا كان الوعي الخفيّ الذي لم ينتبه له، نحن كنا نرى المؤشّرات التي تأتي من هنا ومن هناك هي التي صنعت هذا الوعي، وكان ينتظر فقط كيف تهيّئ له البيئة، وكيف تكون له الفرصة لكي ينتفض على هذا العدو.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ أحمد سوف نذهب إلى ميشيغان إلى الدكتور هاني لنفهم كيف استطاعت الأجيال العربية المعاصرة أن تنأى بنفسها عن الفيض الالكتروني، عن عولمة الثقافة وثقافة العولمة عن القِيَم الجديدة كان هنالك شلال من الأفكار ومن الثقافات والجيل العربي مرتبط بهاتف نقّال وفي هذا الهاتف النقّال كل تضاريس الثقافة الجديدة. كيف خرج من براثن هذه الثقافة الجديدة مَن يقول أنا موجود أنا أملك ثقافة مغايرة، هوية عربية وإسلامية؟ كيف استطاع هذا الجيل؟ هل هو لطف إلهي؟ هل هو لطف وعي ما؟ هل هي تأثيرات الأجيال السابقة التي قدّمت كل غال ونفيس في سبيل الأوطان وفي سبيل أن تحيا الشعوب العربية حرّة وكريمة؟

 

هاني البوردي: السلام عليكم تحياتي لكم جميعًا من المهجر. الشباب العربي الأميركي بالذات يتعرّض لحملة بالفعل تهدف إلى طمس هويته من قِبَل مؤسّسات فاسدة والفساد متأصّل فيها المؤسّسات الإعلامية وحتى الجامعات والمدارس ودور العائلة كدرع يقيهم من معظم هذه الهجمات في معظم الأحيان. عندما نتحدّث عن الشتات، التجربة تختلف لأنّه كما تفضّل الأخ الكريم هنالك حرية تدفّق المعلومات، وأحد الأسباب التي تميّز شباب أميركا أنّهم لا يعتمدون على وسائل الإعلام الرئيسية على الإطلاق. فلا يستمعون إلى CBS، وMBC، وCNN، وMXNBC، كما يفعل الكبار في السن يصبح السؤال من أين يحصلون على المعلومات لكي يقودوا أنفسهم في هذه المسيرات؟ ولا يكفي أن نقول الإنترنت. في اعتقادي أنّ الحرية الكامنة في الإنترنت خنجر ذو حدّين، وهنالك الكثير من المعلومات المغلوطة، ولكن الإنترنت يسمح لنوع جديد من القيادة بالظهور، هذا ما حصل في مصر كنّا نسمّيها ثورة الغوغل في ما مضى إلى أن هجمت من قِبَل الحكومات الأجنبية والمحلية ذات القوّة المتوفقة، ولكن يجب أن نعترف بدور الأسر في غرس بذور الروح العربية في أطفالهم. بالطبع هنالك جوانب سلبية متأصّلة في هياكلنا الاجتماعية مثل الطائفية، والقبلية، وأحيانًا ضيق الأفق، ولكن هذه الأسباب ليست كافية لمحو الهوية الفلسطينية. لنفس السبب الذي يجعل الشباب لا يستطيعون التوقّف عن النموّ والتعلّم، تعريف الشباب بحد ذاته هو التغيير بغضّ النظر عن مصدر الضغط والبيئة. ضغوط المجتمعات الغربية خصوصًا في أميركا تسبّب مشقّة، وهذه المشقّة تصبح وقودًا لإيجاد طرق بديلة وتعبيرات جديدة أعني بذلك أنّ قمع الشباب العربي والمسلم يصوغ هويّته عندما يكبر الشاب أو الشابة، وهم يشاهدون ثقافتهم تتعرّض للهجوم في كل مكان وأعني بذلك في كل مكان إمّا أنّهم يستوعبون ويعانون في صمت إذا كانت العائلة تريد أن تحميهم من شرّ المواجهة في المدارس، أو أن يثوروا. تعتمد الإجابة على كيفيّة استجابة العائلات للضغوط، فينكر البعض ثقافتهم، وهذا يحصل. أحيانًا يؤكّد الآخرون دينهم وتاريخهم، وهذا ما يحصل في معظم الأحيان، فهذا الصمت الأسري والاستسلام غير ممكن بهذه الطريقة لا بدّ من أن نعترف أن طُرق التواصل الاجتماعي تستحقّ التقدير ولكن إلى حدّ ما.

ما يهمّ هو كيفيّة تفاعل العائلات، أو كيف تتفاعل العائلات مع الهجمات على ثقافتهم وتراثهم. هنا الحركة الشبابية في أميركا هي تكشف التاريخ خصوصًا في هذا الوقت ولا يستحقّ الأمر الكثير أن يستيقظوا إلى هويّتهم العربية إذ أنّهم يعيشون كعرب، وهذه المناظر والمشاهد على الإنترنت من أجلها يستيقظ فيهم الشعور الوطني وحبّ الأوطان.

 

يحيى أبو زكريا: إذًا، الالكترونيات التي أرادوها تعضيضًا لمشاريعهم الحمد لله تمّت الاستفادة منها في تمرير أفكارنا ومشاريعنا. أستاذ يوسف إلى أيّ مدى استطاع الجيل القديم أن يؤثّر على الجيل الجديد مثلاً الجزائريون لا يمكن أن ينسوا جميلة بوحيرد، حسيبة بن بعلي رحمة الله عليه الطفل الصغير عمر ياسف الذي قتلوه في القصبة. لا يمكن لليبيين أن ينسوا عمر المختار، لا يمكن للفلسطينيين أن ينسوا عز الدين القسام، عبد القادر الحسيني، لا يمكن للسوريين أن ينسوا الكواكبي، إلى أي مدى هؤلاء الأبطال الذين صنعوا الوعي القومي والعربي والإسلامي مازالوا حاضرين في ذهنيات الشباب لدى الجيل العربي والمسلم المعاصر؟

 

يوسف سمرين: لا شك أنّ التأثير المعرفي والثقافي وتعزيز الهوية هو تراكمي، وهذا أمر لا بدّ من أن يكون حاضرًا حتى على صعيد الكتّاب الذين في يوم من الأيام انبهروا مثلًا بالحضارة الغربية وترجموا ونقلوا هذا التراث هم أثّروا على الجيل اللاحق حيث اطلع على هذه الثقافة، ثمّ نقلوا هذا التراث الذي وصلهم. ولا يكاد الأمر ينحصر بأشخاص معنيين من كتّاب، من مؤثّرين، من مقاومين، كل هؤلاء أثّروا في صوغ للأجيال اللاحقة في وعيهم الديني والقومي والهوية بشكل عام. من بين هؤلاء مثلًا على سبيل المثال إدوارد سعيد الذي فضح المركزية الأوروبية في الفكر الحداثي، والتي في يوم من الأيام لم يكن كثيرون ينتبهون إليها، بالعكس العديد منهم سارعوا بأنّ هذه منجزات وآخر المنجزات البشرية التي سوف يعيش الناس فيها بتساوٍ، ثمّ بدأت الانتقادات، وبدأت التملمُلات حتى اتّضح بأنّ كثيراً من الأدبيات الحداثية الغربية كانت تكيل بمكيالين حتى القوانين التي تعلن بأنّهم مع المساواة بين البشر كانت في التفاصيل تميّز ما بين الإنسان العربي وبين الإنسان الآخر.

لا شكّ أنّ المنجزات الغربية حملت الكثير من المعاني التي استفاد منها أيضًا هذا الجيل، ولكن بتوظيفها بقضاياه بوجوده بكيانه حتى لا يتمّ هذا الجيل نستطيع أن نقول إلى درجة كبيرة لم يعد يرتضي فكرة أنّه إنسان من درجة ثانية، أو أنّه يمكن أن يقبل إفراغ أحقاد أو تصالحات داخلية داخل المجتمعات مثلًا الغربية على حسابه، هذا لم يكن ليمكن طبعًا لا شكّ أنّ الكتّاب التجارب التحرّرية في المناطق العربية وغيرها كلّها ألهمت هذا الجيل واستفاد أيضًا من أخطاء الجيل السابق حتى الأشخاص الذين في البدايات بدايات الالتقاء الحضاري دعنا نسمّيها ما بين المناطق العربية والغرب الذين ساهموا بالنقل وساهموا بآرائهم حتى لو كان في بعض التصوّرات خطأ، هذا كان يشحن الأجيال اللاحقة لتتنبه لهذه الأخطاء ولدراسة هذه التجارب ولصقل هويّتها بطريقة معقولة تعيش حاضرها من دون أن تتنكّر لماضيها.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ أحمد، فائض الوعي هذا هو فائض قوّة أيضًا لأنّ الوعي هو الديناميكية التي تحرّك الحضارة وتصنع النهضة بتعبير منظّري النهوض في العالم العربي والإسلامي. ما الذي يحتاجه الجيل الجديد حتى يستكمل الخطى نحو الانتصارات الحضارية الكبرى؟

 

أحمد الابراهيمي: الجيل يحتاج إلى إثبات ذاته الآن من خلال الإنجازات التي تلبّي طموحاته، مثلًا إذا كان هذا الجيل اليوم يعيش تحت الاحتلال وتحت العبودية والقهر والظلم والاستبداد هو يحتاج اليوم إلى أن يتحرّر. من خلال التحرّر تلبّى طموحاته، وتلبّى رغباته. اليوم مثلًا الجيل في فلسطين ليس له هدف إلا تحرير فلسطين، اليوم وعي الشباب الفلسطيني أسقط كل شيء، أسقط المشاريع الصهيونية، أسقط صفقة القرن، وأسقط حتى المشروع الفلسطيني السياسي المطروح على الأرض المشروع السياسي الفلسطيني الذي كان يتحدّث عن دولة بحدود ال67 وعاصمتها القدس الشرقية، اليوم الشباب الفلسطيني اليوم رفع السقف، هو يريد أرضه من البحر إلى النهر، لا نريد دولة مُجزّأة، ولا نريد لهذا الكيان أن يكون جارًا لنا. نريد لهذه الأرض أن ترجع بكاملها من نهرها إلى بحرها، وخاصة إذا تحدّثنا عن الشباب الآخر في الأوطان العربية، أو في أية أوطان اليوم. كل الشباب يريد الحرية، يريد ممارسة حقوقه، ويريد أن ينعتق من استكانة الجيل الذي مضى إذا كان الجيل الذي مضى قُهِر ورضي بالقهر، وبأن يكون تحت الاستبداد فهذا الجيل يرفض اليوم لهذا يثور في كل مكان.

فلهذا أنا أساند الأستاذ الذي قال هذه الوسائل الحديثة الإنترنت وغيرها سيف ذو حدّين، اليوم استغلها ليس كل شبابنا تافه ويهضم كل شيء، ويقبل كل شيء. هناك شباب آخر اليوم استطاع أن يهزم حتى الفايسبوك، هذا الفايسبوك الذي انحاز إلى الكيان الصهيوني هزمه في ثورة قام بها الشباب على الفايسبوك أسقط نجومه وجعله يخسر ملايين الدولارات، لأنّ هذا الفايسبوك انحاز إلى طرف ضد طرف. فاليوم نحن نرى وعيًا كبيرًا نستطيع أن نستشرف بأنّ مستقبل الأمّة بأكمله الآن يُبنى البناء الصحيح أو البناء الحقيقي الذي نستطيع أن نرجع إلى قيادة الحضارة بهذا الشباب، لا نستهين بهذا الشباب لأنّني قلت لك نحن تأثّرنا بالمظاهر. عندما رأينا شبابنا يحلّق مع الموضة في الغرب ظنننا أنّ هذا الأمر قد انفلت وقد ذهب شبابنا وضاع، ولكن كنا مُخطئين في شبابنا اليوم عندما أتيحت له الفرصة وتهيّأت له البيئة صنع رأياً آخر وصحّح مفاهيم أخرى على الأرض، وآخرها ما أحدثه الشباب الفلسطيني اليوم في فلسطين بأكملها لدرجة أنّ وزير الحرب الإسرائيلي قال ما حدث من انتفاضة 48 كانت أخطر علينا من صواريخ حماس.

لهذا الحدّ الاستراتيجيون الإسرائيليون تنبّهوا لخطورة هذا الشباب الذين راهنوا عليه مدة طويلة من خلال مشروع دايتون، ومن خلال المشاريع التي جاؤوا بها ومن خلال المخدّرات التي نشروها من خلال تغيير الرواية والكذب على الحقيقة والإتيان بأساطير، وأرادوا أن يوهموا بها الشباب الفلسطيني بأنّه يستطيع أن يعيش ويقوم السلام وكذا، ولكن ممارسات الكيان الصهيوني على الأرض أشعرت الشباب بأنّ هذا كذب لأنّ الفلسطيني كان عندما يذهب إلى المحاكم الصهيونية لا تنصفه، وعندما يذهب إلى الإدارة لا تنصفه فكان يقول أين هذا السلام؟ وأين هذا التعايش؟ وأين هذه المفاهيم؟ التي انفقت من أجلها لكي تطرح وتكون البديل لخيار المقاومة والتحرّر، لماذا أنت تريد أن تتحرّر وأنا أريد أن أتعايش معك بسلام وأمان. فالمفاهيم التي طرحها العدو لم يستطع أن يجسّدها في الأرض لأنّ فعله على الأرض منافٍ لما طرحه، أو لما كان يروّج له. هذه أيضًا من الأساليب التي تساعد على الوعي عندما نصطدم بالحقيقة أغيّر رأيي.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ أحمد وطبعًا فائض الوعي هذا سوف يأخذنا إلى مزيد من الإنجازات في المستقبل القريب. 

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد مَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج الوعي العربي والإسلامي بين جيلين، جيل مضى أسّس لفكر النهوض، وجيل يواصل المسيرة بأساليب جديدة وطرق مُباغتة ومُفاجئة.

دكتور هاني الطفل الذي ولِدَ في العالم العربي نفهم تفاعله مع القضايا العربية الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية أمّ القضايا التي وحّدت كلّ المسلمين، وكلّ المسيحيين في هذا الشرق، وكلّ الأحرار في العالم. لكنّ الطفل الذي ولِدَ في الغرب تلقّى ثقافة غربية إنكليزية فرنسية إسبانية عاش مفردات الثقافة الغربية، واحتكّ بالقضايا الغربية، يعرف أوروبا، يعرف أميركا أكثر من باب الواد في الجزائر أو بوابات القدس الأحد عشر فكيف فاجأ العالم بأنّه يمتلك ثقافة نهضوية، وأنّ فلسطين مازالت في ذهنه وعقله، أشرت أنت إلى الأسرة صحيح لكن ألا يمكن أن تكون هنالك عوامل أخرى حبّذا لو تسلّط الضوء عليها؟

 

هاني البوردي: لا بدّ من الحديث عن الذاكرة، والذاكرة ظاهرة معقّدة قد يبدو من المرجّح أن ينسى الشباب تاريخهم، لكن الأمر يتطلّب فقط شرارة واحدة لإشعال الروح القومية في نفوسهم إنّهم مهتمون بكلّ ما يحدث من حولهم وهم بحاجة إلى ذريعة ليؤمنوا بها، ويبدو الأمر كما لو أنّ سؤالك ما الذي يلزمهم لكي تشتعل فيهم روح القومية.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت أحسنت، هو هذا أحسنت.

 

هاني البوردي: الجواب يمكن أن يكون ثلاثة أجزاء، الذاكرة لا تموت عندما يكون مصدر هذه الذاكرة العادات والتقاليد والفروق الدقيقة التي نفهمها نحن كعرب، بمجرّد قلت أنّك جزائري، وهنالك عوامل رئيسية بيننا، ولكن العادات الطعام والأدب وكلّ هذه الفروق هذا الأمر يصعب شرحه لشخص غربي، ولكن لحُسن الحظ كلّنا عرب هنا نحن نفهم قواسمنا المشتركة من أمّ كلثوم إلى فيروز الشباب يستمعون ويستوعبون ربّما لا يجيدون العربية وربّما لا يحبّون أمّ كلثوم، ولكن يستمعون لها يستمعون إلى أهاليهم يستمعون لهذه الموسيقى، ويعرفون المناقيش، ويعرفون التمرية ومعظم أهل عمّان نسوا التمرية أولادي يعرفون التمرية. هذا هو من الأسس التي عليها بنوا هويّتهم، لكن العامل الرئيسي لجميع هذه الجوانب هو ما يتنفّسه الوالدان مدون أن يقولا أي شيء تنهيدة تعليلة ما يشعران به ممّا لا يستطيعا التعبير عنه لم أسمع والدي يتفوّه بكلمة عمّا حصل عام 1948، لكن أول زيارة قمنا بها لزيارة العائلة في الناصرة من المهجر في الأردن رأيت كيف حاول الجنود الإسرائيليين إذلال والدتي،، وهذا أثّر فيّ تأثيرًا عميقًا، وهذا بالضبط ما حصل لأولادي عند أول زيارة للنصارى والقدس، هذا ما يؤثّر على سبيل المثال إذا زاروا فلسطين من الغرب الأمر يستغرق بضعة ثوانٍ، لكي يعرفوا حقيقة الاحتلال إذا لم يتمكّنوا من زيارة فلسطين، فأنا أعتقد إنّما يتجنّب الآباء إخبار أطفالهم به يؤثّر عليهم بقدر ما يخبرونهم به أعني بذلك أنّ الذاكرة المؤلمة يصعب شرحها للأولاد، ويجب أن نثقّف أنفسنا، ونعلّم أنفسنا على الحديث بهذه الأمور الصعبة. السبب الرئيسي الثاني هو أنّ وسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير ديمقراطي، أعني بذلك أنّ الشباب كانوا لا يتحدّثون العربية إنْ كانوا لا يجيدون العربية، أو يعرفون التاريخ كما نعرفه نحن فإن اليوم بدورهم من خلال التواصل الاجتماعي يعزّز ويعمّق شعور المشاركة والانتماء إلى المجتمع ولو كان خاصاً بهم يمكن أن يكون هذا الانتماء لبعضهم البعض أولًا كشباب، ثمّ الطريقة التي يعبّرون بها عن مشاعرهم التي تخلق مجتمعًا خاصًا بهم. أخيرًا نظرًا لأن الدافع لمعرفة المزيد عن سبب هدم المنازل وقتل الأطفال بالعشرات لا يمكن وقفه هذا الشعور العارم لن يتوقف.

إذًا بعد مشاهدة هذه المشاهد على الإنترنت والتواصل الاجتماعي تبدأ عملية استخراج المعرفة وتصبح جزءًا من هويّتهم. هنا المهمة الكُبرى هي تواصل السرد كيف تكمل ذاكرتهم ذاكرة آبائهم وأجدادهم، هذا هو السؤال الرئيسي في الغرب خصوصًا في الولايات المتحدة الأميركية، ولحُسن الحظّ أنّه بسبب وجود عائلات متينة ومتماسكة هي تخلق هذا الجو المناسب لاستكمال أو تكميل تواصل السرد في حياة الفلسطينيين في المهجر أو العرب والمسلمين بشكل عام.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور هاني رحم الله الشاعر نزار قباني الذي قال يا أطفال غزَّة علّمونا صدقًا اليوم الأطفال الذين أرادوا أن يربّوهم على الزبدة والمربّى يعلّمون الرجال في العالم العربي كيف تكون النخوة والرجولة والإقدام.

وهنا أعود إليك أستاذ يوسف أشرت إلى الاستعمار الذي برع في تفكيك المرحوم المفكّر الكبير إدوارد سعيد رحمة الله عليه. ربّما لأنّ الاستعمار واحد قديمًا وحديثا، الاستعمار كان ظالمًا غاشمًا، أنت تعلم أنّ الاستعمار قتل من أبناء وطني في الجزائر 12 مليون جزائري بين 1830 و1962. وكذلك الاستعمار في ليبيا، في المغرب، في تونس، في المشرق العربي الاحتلال الصهيوني في لبنان، في فلسطين، كان استعمارًا ظالمًا، هو كان ظالمًا ولا يزال ظالمًا. هل هذا الظلم هو الذي شحذ النفوس لمقاومة كبرياء الظالمين؟

 

يوسف سمرين: لا شكّ بأنّه عندما ينهض الإنسان لأنّه مسلم أو عربي سوف يدافع عن نفسه لأنّه بصفته مسلماً بصفته عربياً بمعنى أنّ هذه الهوية التي استهدفت بسببها سوف تدافع عن نفسك من هذه الهوية ليس بمجرّد حقوق الإنسان فقط لا غير، بل حقوقك كعربي بمعنى العنوان الذي اضطهدت به سوف تدافع عنه كما أشرت إلى ذلك، أي هناك ظروف تهيّئ دومًا رجوع الناس إلى قضاياهم من بين هذه الظروف حتى أشار إليها صموئيل هانينغتون بأنّ العالم يتّجه نحو قضاياه فعصر الأيديولوجيات الكبرى التي عصفت في القرن العشرين في العالم ما بين قطب شرقي وقطب غربي قد تهافتت نوعًا ما، وأصبحت كل أمّة تعود إلى قضاياها القومية والدينية والوطنية ونحو ذلك. هذا لا شكّ أنّه كنتيجة للنظام العالمي، النظام العالمي الذي فقد الأدوات لإرجاع الحقوق إلى أهلها تعامى كثيرًا عن الظلم لأهداف سياسية ونحو ذلك.

لا شكّ أنّ هذا يعيد الناس إلى قضاياها هو محفّز الأمر الآخر أنّ الشعوب بعفويّتها في كثير من الأحيان تلامس الحقائق التي قد يتعامى عنها السياسي لمصالحه، أو لأهدافه أو حتى الأيديولوجي لأنّه مؤدْلَج فهي تراها بعفوية فالأمر الذي نراه عند كل اضطهاد لا شكّ أنّه عندما توجد سلطة ظالمة هناك دومًا فرصة لمُمانعتها، وبالتالي عندما كان يحصل احتلال واستعمار في ليبيا أو الجزائر أو غيرها من المناطق العربية والإسلامية. لا شكّ أنّ هذا الظرف سوف يعيد الناس إلى قضايا الولاء، إلى قضايا اللحمة، إلى قضايا الهوية، ولا شكّ بأنّ الأمر كذلك في الغرب، في الغرب عندما اضطهد السود لمجرّد لونهم هذا أثّر في وعيهم بحقوقهم، وإلا لكان قد تصالحت بعض الأجيال السابقة مع وجود هذا الانقسام في المجتمع أنّه للونه أنّه لا يستطيع أن يكون كغيره، ولكن جيل وراء جيل كلمة وراء كلمة ساهمت بوعي معيّن بأنّ هذا الإنسان الأسود للونه سوف يدافع عن نفسه بأنّ له صفات، وأنّ له حقوقاً كاملة مثله مثل أيّ إنسان آخر.

الإنسان العربي والإنسان المسلم لا شكّ بأنّه يعاني من هذه الازدواجية في حين أنّ العشرات من القضايا التي تمّ حلّها ظاهريًا ونقول ظاهريًا لأنّه لا يزال هناك تمييز في المجتمعات الغربية، يجري إفراغ هذه الحملات على المناطق الإسلامية أو التي جرى تنميطها إلى درجة كبيرة تغيير السردية، وهذا أمر أيضًا مهمّ تغيير السرديات، وتشويه قضايا هذه الشعوب من قضايا تتعلّق بتحرّرها إلى قضايا تتعلّق مثلًا بتصويرها بأنّها قضايا طائفية ونحو ذلك. لا شكّ أنّه هناك في أيّ مخاض تحصل أخطاء وتحصل كوارث وهذه الأخطاء وظيفتها الأجيال اللاحقة دومًا أن تتجاوزها وتقفز عنها إلى بدائل أخرى تحقّق لها مصالحها من دون المسّ بهوياتها وثوابتها، فالاستعمار والظلم الذي أحاط بالنّاس، بل الأجيال التي قد لا تكون عاشرت بشكل مباشر هي تلمسه حاليًا بسياسات الدول، وإن كانت خرجت من المناطق العربية ولكنّها تلمسها بالسياسات التي تتعامل بطريقة ازدواجية مع أبناء هذه المناطق أو مع قضايا هذه المناطق.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ أحمد بالعودة إلى الشباب، في تاريخنا العربي والإسلامي والتاريخ المعاصر أيضًا من أسامة بن زيد رضوان الله عليه إلى العربي بن المهيدي إلى شباب فلسطين، إلى شباب العراق، إلى شباب العالم العربي والإسلامي. أيضًا الشباب في فترة من فترات الاستعمار المباشر لعبوا أدوارًا كبيرة في تحرير أوطانهم لعلّك تذكر الجزائرية الفحلة أريدة مداد رحمة الله عليها كان عمرها 16 سنة عندما رماها الاستعمار الفرنسي من الطابق الثاني فقضت شهيدة. إذًا، عندنا إرث شبابي مقاوم يمكن أن يبني عليه الجيل المعاصر، لكن كيف نحوّل ذلك الشباب المنتفضين الناهضين الباحثين عن الحرية إلى قدوة لشبابنا المعاصر؟

 

أحمد الابراهيمي: الشباب عندما يجد البيئة وعندما تتيح له الفرصة تظهر هذه النماذج، أنا أقول دائمًا نحن عندما نبني على المآسي هي التي تثوّر الشباب ضد الظلم، لكن هناك أيضّا أمرٌ آخر هناك النماذج التي لها قصص نجاح أيضا مؤثّرة أنا من جيل السبعينات عندما رأينا الثورة الإيرانية، وبداية الثورة الإيرانية أعادت كثيراً من الأمل للناس بأنّهم يستطيعون أن يصنعوا قصص نجاح. الآن مثلًا خروج يحيى السنوار بخطابه الأخير، وهو يتحدّى الكيان الصهيوني أمام كميرات العالم، ويقول أنا الآن سأغادر إلى بيتي ومَن يستطيع منكم أن يؤذيني. هذه الخطابات وهذه الوقفات أيضًا تساهم في الوعي بأنّنا نستطيع أن نحقّق ذواتنا، ونصنع قصص نجاح حقيقية معناها هذا الشباب أمثال العربي بن المهيدي، ونادوش مورال هؤلاء كانوا نتاج نضال وكفاح وتراكمات عندما وصلوا إلى درجة أن يقول أحد الزعماء الكبار وهو بوضياف عندما قالوا له لن تجد مَن يسندك في ثورتك، قال سأذهب إلى منطقة هنا في الجزائر يعيش فيها القرود، قال إذا لم أجد مَن يساندني في ثورتي لإخراج فرنسا فإنّني أعمل على تجنيد هؤلاء القرود وأحارب بهم فرنسا، لأنّ بوضياف وغيره رأوا أنّ هناك نماذج أخرى حققت قصص نجاح بنوا عليها، ليس إلا القهر والظلم هو الذي يدفع الناس إلى التحرّر لا هناك عوامل أخرى إيجابية، خاصةً بالنسبة للنخب الذين يقودون مسار الوعي والثورات يبنون أيضًا على قصص نجاح، مثلًا إذا عدنا إلى كثير من القادة قادوا الثورات إذا ناقشتهم يقولون لك تأثّرت بالقائد الفلاني الذي حقّق قصة نجاح هكذا اليوم الشعب الفلسطيني، هناك نجاحات قام بها الشعب الفلسطيني أيقظت الشباب ضدّ الظلم الصهيوني والغطرسة الصهيونية وجرمه وقتله، ولكن هناك نماذج أخرى تحدّت الكيان الصهيوني كانت هي بمثابة الوقود في هذا الوعي الذي نتكلّم عنه اليوم، وبفعل هذا أصبح كل شاب في فلسطين اليوم يريد أن يجد مكاناً لنفسه في ساحة الشرف، وأن يحقّق ذاته لماذا أنا؟ لا أكون مثل فلان لماذا أنا لا أقوم بما قام به فلان؟ هل هذه معيشة؟ هل هذه حياة؟ لماذا لا أخلّد إسمي؟

شبابنا اليوم يفكّر بطريقة مختلفة تمامًا عمّا كنّا نفكّر به نحن بالأمس، وهو لم يحتج يعيش في مدارس فكرية قوية جدًا كالتي كنّا نعيشها نحن في الماضي. لم يقرأ الكتب التي كنا نقرأها نحن كان عندنا نَهَم كبير للقراءة وللاطّلاع على تجارب الغير. هذا الشباب لم يطلّع كثيرًا على الكُتب، ثقافته فايسبوكية، ولكنّه في داخله يبحث على أنّه يجب أن يجد له موطىء قدم في صناعة قصّة النجاح التي ينتظرها الجميع.

 

يحيى أبو زكريا: وسوف يصنعها إن شاء الله. دكتور هاني من ميشيغان ذكرت أمّك فبعثت فيّ اللواعج والأشجان لأنّي ذكرت أمّي أيضًا. أمّي ذات يوم جنرال فرنسي كاد يكسر جمجمتها بكعب ببندقية في القصبة الجزائرية أعالي باب الواد. وأنت تتحدّث عن أمّك أثّرت عليّ كثيرًا، هل تربّي أولادك على أنّك ستعود إلى اللدّ ذات يوم، أنّ وطنهم فلسطين وليس أميركا قد يعيشون في أميركا لحظة يتزوّدون من عِلم، من معيشة، لكن المرجع المرجع فلسطين وما أدراك ما فلسطين.

 

هاني البوردي: والديّ كانا من مدينة الناصرة، ولكن تحيا اللدّ والرملة، أيضًا جرح والدي جراحًا بليغة عام 1948 في مدينة اللدّ حيث كان يعمل في سكّة الحديد، وكان إطفائيًا أيضًا، وعندما توفيت الوالدة وجدنا في حوزتها ورقة واحدة في جواز السفر الأردني هي ورقة إطلاق سراح أبي من مستشفى الرملة حيث كان جريحًا. كما تعلمون كانت أكبر المذابح في فلسطين كانت في مدينة اللدّ حيث قتل 250 شخصًا أغلبهم من النساء والأطفال في جامع واحد، وبقيت هذه الوثيقة بحوزتي خاصّةً عندما أكون في المكتب نعم أعلّم نفسي أن أسرد لأولادي طارق وسلمى ما أتذكّره، وسوف أسعى لكي يجلسا مع أختي الكبيرة ويستمعان لها، فهي من هؤلاء. أنا مؤرّخ ولكن أعرف الشيء اليسير بالنسبة لأختي، بعض الأقارب حيث يتذكّرون الكثير من المعلومات، ولا بدّ من أن يجلسوا معها ويستمعوا لكل كلمة تقولها، وإذا لم يحصل ذلك فسوف أسجّل تاريخ أختي الشفوي، وأشجّع الجميع على فعل نفس الأمر.

على أية حال لديّ أكثر من 140 مقابلة مع عرب وفلسطينيين ناشطين في المجال السياسي، وحفظ التراث في منطقتي. وهذه ستحفظ ولا بدّ لأطفالي من أن يتفهّموا مدى شغفي في الوثائق التي بحوزتي خلفي هنالك نسخة من وحدة المحيط طبعت سنة 1865 هم يعلمون ذلك. لا يفهمون اللغة العربية ولكن يفهمون مدى أهميّتها في حياتهم، ولا بدّ لهم من أن يحملوا هذه الشعلة، بالإضافة إلى أبناء جيلهم لن يذهب الفلسطينيون إلى أيّ مكان سوى إلى فلسطين إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور هاني أنت تعلم أنّ فرنسا احتلّت الجزائر 1830، 1930 أقامت فرنسا حفلًا مئويًا لتبرز انتصارها على الجزائر بعد مرور مئة سنة، واختاروا فتاة جزائرية فرانكفونية حتى تتحدّث عن هذا الإنجاز فتقدّمت هذه الجزائرية إلى الحفل وقالت بسم الله الرحمن الرحيم فقال الحاكم الفرنسي لقد هزمنا في الجزائر إنّ الأجيال العربية والإسلامية لا يمكن أن تنسى هويّتها.

يوسف سمرين من القدس الشريف، هذا الوعي هل أنت مطمئن أنّه سوف يحدث توازنًا ويرجع الحق لأصحابه قريبًا باختصار أجبني.

 

يوسف سمرين: لا بدّ من أن يحثّنا على رفع الوعي عدم المبالغة في معرفة أنّ هذه البذرة الموجودة هي جيّدة لا بدّ من تنميتها بشكل صحيح من دون الاكتفاء بالطريقة العفوية، بل لا بدّ من إمدادها بالتعليم، والتثقّف لتعرف قضاياها بشكل أكبر لتعرف كيف تعبّر عن نفسها وتعبّر عن قضاياها بشكل أوضح لأبناء وطنها وقومها كذلك للعالم. لا شكّ بأنّ الوعي هو مهم وأساسي في أية قضية تحرّرية، ولكن الوعي لوحده لا يكفي كما هو معلوم ولكنّ وظيفة المثقّفين والمربّين بأن يعرفوا استثمار هذه البذرة الطيّبة حتى تكون بطريقة علمية بشكل أوضح من القضية العفوية المجرّدة.

 

يحيى أبو زكريا: وإلى أن يتكامل هذا الوعي، وإلى أن يصبح حالاً منتصرة في الواقع الفلسطيني والعربي والإسلامي. نحن في العالم العربي والإسلامي لا نتبرّك بحاخمات الصهاينة، نحن نتبرّك بمحمّد الدرّة وإيمان حجو، وسواعد المجاهدين وسواعد الرجال الرجال في فلسطين المحتلة، بكم نتبرّك ومنكم نأخذ الدعاء.

الأستاذ أحمد الإبراهيمي من الجزائر المجاهدة شكرًا جزيلاً لك، الأستاذ يوسف سمرين من القدس الشريف شكرًا جزيلًا لك، الدكتور هاني بوردي من ميشيغان في أميركا شكرًا جزيلًا لك.

أثر المستشرقين في الدراسات الإسلامية

بعد سقوط الأندلس تأجج الإستشراق وبات علما وموضوعا منهجيا وأخذت الدراسات الاستشراقية تنمو وتتسع، وأنشئت مدارس للاستشراق، وكراسي علمية لدراسة اللغة العربية والتراث الإسلامي، واهتم المستشرقون بتحقيق التراث العربي والإسلامي، ونشروا المخطوطات النادرة ..وأصبح الإستشراق جزاءا بل طرفا في كثير من الدراسات الإسلامية القرآنية والسنية والفقهية والكلامية والفلسفية ... كيف تعامل المستشرقون مع الإسلام ودراساته وحضارته وعلومه وتاريخه ولغته؟ ما هي الدافع التي جعلت بعض النخب الغربية مهوسة بالدراسات الإسلامية؟ هل كانت هناك علاقة بين الإستشراق والإستعمار. فالأول كان يجري مسحا ثقافيا لبلاد العرب والمسلمين ويتقدم الإستعمار عندما تكتمل الصورة؟

المزيد