فلسطين الأرض والتاريخ والحضارة

فلسطين كلها عبر التاريخ، خرائطها ومدنها وقراها والقدس.. هوية وثّقها يوسابيوس القيصري وما تزال. وأين التاريخ والحقيقة أمام محاولات طمس الهوية وتدمير المواقع الأثرية والمعالم الدينية؟

 


المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، فلسطين كلّها، فلسطين الأرض والتاريخ والحضارة، فلسطين قبل السيّد المسيح وبعده وقبل القيامة والأقصى وبعدهما، فلسطين التراب والماء والهوية، فلسطين الحق الذي لا يمكن لطواغيت الأرض أن يمسّوا حرفاً واحداً منه، فلسطين محو مفاعيل النكبة والنكسة واللجوء والمجازر والاحتلال والقتل والعنصرية، فلسطين الوعد والزند والحجارة والبندقية. من فلسطين هذه انطلق سلمان أبو ستّة المولود في بئر السبع عام 1937 والدكتور الأكاديمي العالمي في الهندسة وصاحب المؤلّفات والأبحاث الكثيرة، من هذه الفلسطين انطلق ليوثّق كل ذرّة ترابٍ وشجرةٍ ونسمة ليكشف ويرسم خرائط فلسطين ويؤلّف أطلس العودة وأطلس فلسطين، وينبش إرث بلداتها وقراها منذ ما قبل تاريخ الأسقف أوزبيوس من قيسارية وحتى الساعة ويثبّتها حقاً دامغاً إلى قيام الساعة. عن فلسطين وأطلسها وأرضها سيكون حوارنا مع الدكتور سلمان أبو ستّة بعد تقريرٍ عن فحوى أطالسه.

تقرير: 

فلسطين في أطلس أبو ستّة:

ليس أطلس واحداً ما أنجزه الدكتور سلمان أبو ستّة خلال السنوات الطويلة الماضية بل هي مجموعة أطالس سحب خرائطها من التاريخ وأرشيف المُستعمِر ورسم بعضها حتى كاد الأمر يبدو إعجازياً، وأخرجها في ثلاثةٍ رئيسية: أطلس فلسطين طريق العودة عام 1916، وأطلس فلسطين بين 1917 و 1967، وأطلس فلسطين بين 1871 و 1877.  

لم يترك فيها حجراً في فلسطين لم يقلّبه ومكاناً لم يوثّقه عبر عشرات الخرائط والآلاف من أسماء الأمكنة مُتناولاً فلسطين تاريخياً وجغرافياً وديموغرافياً، والسرديات الإسرائيلية والغربية المزوّرة منذ نشأة المشروع الصهيوني وتشريح النكبة وما بعدها والبنية التحتية التي فقدت بُعدها، والمعالم الأثرية والدينية ما بقي منها وما أُبيد، ومحاولات طًمْس الهوية والتهجير العرقي في المدن والقرى والخرائب والأحياء والشوارع والأزقّة في أضخم عملٍ موسوعي حتى الآن.

تحدّد الأطالس فلسطين منذ ما كتبه تاريخ أسقف قيسارية المسيحي الفلسطيني أوسابيوس أي عبد الأحد عام 313 للميلاد وصولاً إلى تحديد حدود فلسطين ابتداءً من قرار سنة 1841 بين العثمانيين ومحمد علي عقب خروجه من بلاد الشام، وتستمر حتى تحديد حدود فلسطين مع لبنان وسوريا عبر اتفاقية عام 1906 بين العثمانيين والانتدابيْن الفرنسي والبريطاني، وتحديد الحدود مع شرق الأردن وصولاً إلى كل ما حصل إبان النكبة وبعدها محلياً وإقليمياً ودولياً مع خرائط مفصّلة ودقيقة.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، دكتور سلمان أبو ستّة أحيّيك سيّدي، تحيّةً لك من بيروت، نبدأ معك دكتور سلمان بأطلس طريق العودة، ما هي محتوياته؟ علامَ تدلّ هذه المحتويات؟ وبالخلاصة أين أردتَّ الوصول من خلاله؟   

سلمان أبو ستّة: أشكرك أستاذ غسان على دعوتي وهذا واجب علينا وعلى كل فلسطيني وكل عربي أن يسجّل حقّه بكل الوسائل الممكنة. طريق العودة هو نتاج عدّة أطالس سابقة عن توثيق فلسطين في عدّة عصور، أما طريق العودة فهو الغرض من هذه الأطالس السابقة. ما هو الغرض؟ الغرض هو تسجيل فلسطين كما هُجّرنا منها وكما احتلّها العدو الصهيوني، ثم ما هو وضعها الآن وما هي المستعمرات التي أُنشئت على أرضنا ومَن هم هؤلاء الذين يعيشون على أرضنا، وبالتالي لدينا صورتان: صورة قبل النكبة وصورة عن الوضع الحالي، لماذا؟ لأننا نريد للنشء ولكل فلسطيني ولكل عربي في الواقع أن يعرف كيف يستطيع العودة إلى وطنه المُهجّر منه في أصغر مكانٍ من فلسطين، من واحدٍ من 1200 مدينة وقرية وواحدٍ من 560 مدينة وقرية هُجّروا عام 48 يستطيعوا أن يصلوا إليها اليوم بالطُرق الحديثة التي شقّها المُستعمر الصهيوني وأيضاً الطُرق والمعالم القديمة فيها، فإذاً هو وضعٌ لما كنا عليه من حق وما وصلنا إليه من وضعٍ باطل نريد إزالته.

غسان الشامي: دكتور سلمان أبو ستّة أطلس فلسطين 1917 - 1966، لماذا اخترتَ هذه الفقرة وعلامَ تحتوي؟ أقصد هذه الفترة من 17 إلى 66.  

سلمان أبو ستّة: طبعاً البداية معروفة وهي قرب نهاية الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور المشؤوم في 2 نوفمبر 1917، وبعده بثلاث سنوات بدأت إدارة الانتداب عملها في فلسطين على يد الصهيوني هربرت صموئيل، وطبعاً في هذا الأطلس المُتكوّن من 900 صفحة شرحنا أوضاع فلسطين، أولاً الانتداب وما هو، ثانياً فلسطين أرضاً وشعباً، ثالثاً النكبة وكيف حدثت، رابعاً ما بعد النكبة، ولذلك التاريخ التالي هو 1966 يوصلنا إلى ما قبل حرب 1967 أي ما بعد النكبة وماذا حدث لأراضينا وممتلكاتنا بعد أن هُجّرنا منها وهو جزء مهم جداً وغير معروف للكثيرين، مثلاً كيف ومتى بدأوا بتدمير قرانا وبيوتنا ولماذا، ثانياً كيف بدأوا عمليات النهب والسلب لبيوتنا عن طريق اليهود المجاورين والمستعمرات أولاً ثم عن طريق الحكومة ثم عملية التدمير المستمرّة والمُنظّمة للاستعمار 15 سنة لتدمير كل آثار وجودنا في فلسطين على مدى أربعة آلاف عامٍ بغرض القول إنه لم يكن هناك شعب هنا، وهذه نقطة مهمة في الحقيقة لأنه في كل الحالات فإن المستعمر حينما يقتل أصحاب الأرض ويحتلّ أرضهم لا يهتمّ بما يجري بعد ذلك، ولكن الصهيونية على مدى 150 عاماً من القرن التاسع عشر بدأت تنشر خرافة أن فلسطين أرض بلا شعب ونحن شعب بلا أرض، ولذلك يريدون القول إنه لم يكن هناك شعب، لماذا؟ لأنه إذا وُجد جسم الجريمة فالجريمة تكون ماثلة للعيان فلذلك يريدون أن يقولوا إنه لم يكن هناك شعب وبالتالي لا تكون هناك جريمة. وأريد أن أنوّه هنا أننا كنا نقرأ منذ زمنٍ عن خرافة فلسطين أرض بلا شعب التي نشروها في بداية القرن التاسع عشر جماعة "العائدون إلى فلسطين" وشجّعتها بالطبع الإمبريالية الغربية إنها أرض خالية، وكنا نعتقد أن هذا جهل أو حلم ولكن اتّضح لي بعد ذلك أنهم يعرفون تماماً أن هناك شعباً في هذه الأرض، بل أكثر من ذلك البعثة البريطانية التي جاءت إلى فلسطين عام 1871 وبقيت أربع سنوات سجّلت كل مكان في فلسطين، حوالى 12000 إسم مكانٍ في 26 لوحة و10 مُجلّدات، إذاً هم يعرفون تماماً أن فلسطين فيها شعب ولذلك أنا أنجزت الأطلس الثاني وهو أطلس 1871 في تكبير وتصليح وزيادة المعلومات الناقصة في هذا المسح البريطاني،فعندما قدّمت اللجنة الصهيونية إلى مؤتمر السلام في فرساي عام 1919 خريطة لفلسطين ألغيت فيها كل المدن والقرى وعليها إشارة إلى مراعي الأغنام، فقبلها مؤتمر السلام في باريس وأيّد وعد بلفور. هذه الجريمة واضحة للعيان لأن القوى الاستعمارية وبالذات بريطانيا أولاً ثم فرنسا كانتا تعلمان تمام العِلم أن هذا كذب لأنهما قبلها بسنواتٍ قليلة أنجزتا دراساتٍ كثيرة، فيكتور جوران كتب سبعة مجلّدات عن زيارته لكل المدن الفلسطينية ونشرها، وهو يهودي فرنسي، الألمان لم يقصّروا أبداً،كليبرت وفان دي فيلد نشرا خرائط في منتصف القرن التاسع عشر لفلسطين دقيقة إلى حدٍّ كبير. 

غسان الشامي: إسمح لي أن أسألك هنا هل تدخّل الاستشراق وأنت تعرف أن جزءاً من الاستشراق هو مُغرِض بحق تاريخ بلادنا، هل زوّر المُستشرقون جزءاً من التاريخ الفلسطيني أو زوّروا جزءاً كبيراً منه؟  

سلمان أبو ستّة: سأُجيب على ذلك ولكن أريد أن أكمل أنه في مؤتمر السلام في فرساي عندما وافقوا على وعد بلفور باعتبار أن فلسطين أرض خالية كانوا يعلمون تمام العلم أن هذا كذب، وبالتالي هم وضعوا قاعدة القضاء على الشعب الفلسطيني بمعنى أننا نريد أن نحوّل فلسطين إلى أرضٍ بلا شعب، فإذاً التهجير العرقي لفلسطين عام 1948 هو عبارة عن تطبيق الخطة التي كانت موضوعة منذ زمن وليست سوء فَهْم أو سوء تفاهم. الآن سؤالك حول المستشرقين أنا ذكرت في أطلس فلسطين 1871 كيف أنني عندما حصلت على وثائق الفريق البريطاني الذي أجرى المسح لفلسطين في صناديق مُغلقة لم تُفتَح لمئة وخمسين سنة، درستها وبيّنتُ فيها أن أهدافهم كانت استعمارية أصلية، أعطي مثالاً على ذلك، كانوا يُنقّبون في كل مكان، إذا وجدوا حجراً فيه كنيسة صليبية يكتبون عنه عدّة صفحات، وإذا وجدوا حجراً واحداً عليه حرف عبري قالوا إن هذا كنيس يهودي وأقاموا عليه المُخيّم وكتبوا فيه عدّة صفحات ونشروه في عدّة خرائط، بينما جالوا في مكانٍ أربع سنوات ورأوا أهالي 1200 قرية ومدينة ولم يذكروا سطراً واحداً عن أهالي فلسطين، كتبوا عن الأشياء والناس المُتوفّين ولم يكتبوا شيئاً عن الأحياء.هذا أمر مُدهش وأنا ذكرته في خطابي الذي عرضتُ فيه الأطلس في عقر دار صندوق استكشاف فلسطين الذي قام بهذه المهمّة. 

غسان الشامي: ولكن ما الفرق بين هذا الأطلس وأطلس 1871 - 1977؟ ماذا استخلصتَ في هذا الأطلس؟  

سلمان أبو ستّة: عندما اطّلعتُ على وثائق البعثة البريطانية لفلسطين وحصلتُ كما قلتُ على الوثائق الأصلية التي أخذوها من فلسطين إلى لندن التي كانت مُغلقة لنحو قرنٍ من الزمن أو أكثر، وجدتُّ أن المعلومات التي جاؤوا بها من فلسطين إلى لندن لعمل أطالسهم كانت ناقصة. أولاً فيها معلومات كثيرة مفيدة لم تُذكَر في التقرير النهائي، منها وجدنا 4000 إسم مكان غير مذكور في المسح الذي نشروه. ثانياً وجدنا أخطاء جغرافية في مكان القرى والمدن تصل إلى حوالى النصف متر. نحن لا نلومهم كثيراً على ذلك لأنه لم تكن هناك أجهزة دقيقة، اليوم لدينا أجهزة دقيقة وقد قارنّا بالصوَر الجوية وبنظام ال "جي آي إس" وصحّحنا أماكن هذه المدن والقرى في مكانها الصحيح. ثالثاً هم أنكروا وجود أماكن أثرية إسلامية وعربية وكانوا يكتبون عنها إنها آثار قديمة أو مقابر أو أضرحة مع أن لها إسم وهي عبارة عن قمامات وشعائر دينية، وهي موجودة حتى وقت الانتداب ومعروفة، لم ينشروها لأنها لا تؤيّد رسالتهم التي تقول إنه لا يوجد عرب أو مسلمون أو غير ذلك، هم أزاحوا هذا ونحن قمنا بإرجاعه إلى أصله. رابعاً أشرتُ كما قلتُ قبل قليل إلى أنهم قاموا بإزالة كل أثر للوجود الفلسطيني فيها، بل أكثر من ذلك هناك شخص إسمه نعمان قساطلي يذكرونه بأنه كاتب عربي، وأنا رأيت الدفاتر التي سجّل فيها هذا الشخص الأسماء العربية بدقّة وبحثتُ عنه فوجدتُّ أنه فلسطيني سوري دمشقي مسيحي، وكان خبيراً في الجغرافيا وكتب كتابين بعد ذلك عن دمشق وعن القدس وكان جغرافياً مُكتمل الخبرة ولكنهم أشاروا إليه بكلمةٍ واحدة هي "الكاتب العربي"، ولم يعطوه حقّه في أنه أنجز الأسماء العربية بشكلٍ دقيق، وقلتُ كيف أهملتم الكتابة عن هذا الشخص الذي كان عماد الجزء العربي والتسمية العربية لأنه عربي، وكتبتم عنه "كاتب عربي". كذلك كانت هذه الروح الاستعمارية طاغية في المسح، ولذلك نحن أزلنا ذلك وأكثر من ذلك ألقينا محاضرة في عقر دارهم وقلنا لهم انظروا كيف كنتم تضلّلون الناس قبل قرنٍ من الزمن. هناك نقطة أخرى أيضاً أريد أن أضيفها وهي أن هذه الخرائط التي أنجزوها ونحن دقّقناها وصحّحناها وكبّرناها في 600 صفحة بمقياس 1/25000 كانت القاعدة الأولى للصهاينة بعد هرتزل في معرفة أين توجد أماكن فارقة في فلسطين وأنشأوا عليها المُستعمرات في بداية الانتداب. لديّ خريطة تظهر فيها القرى الفلسطينية في الساحل وبينها فضاءات كبيرة، ثم مكان المستعمرات الصهيونية التي أُنشئت بعد بلفور وواضح أن مكان هذه المُستعمرات كان في الفراغات الموجودة بين القرى الفلسطينية، فكان هذا الدفتر الجغرافي الأوّل للصهاينة.

غسان الشامي: هل يمكنني أن أسألك ماذا بقي من الأمكنة التي كانت قديماً بعد هذا الاجتياح الاستيطاني؟ 

سلمان أبو ستّة: إذا كنت تقصد بعد 48 فهناك عدّة مراحل. 

غسان الشامي: نعم بعد 48.

سلمان أبو ستّة:عندنا في الأطالس تفصيل دقيق لكل قرية ووضعنا لها 11 تفصيلاً: أولاً قرية هُجِّرت ودُمِّرت، ثانياً قرية هُجِّرت وعاد أهلها في بعض الأماكن، ثالثاً قرية بقيت، رابعاً قرية أُنشئت بعد 48 بسبب زيادة عدد الفلسطينيين هناك واعترف بها الكيان الصهيوني، خامساً قرية أُنشئت بسبب عدد السكان ولم تعترف بها الدولة الصهيونية خصوصاً في النقب، وكذلك طبعاً المُستعمرات الصهيونية القديمة والحديثة، هذا بالإضافة إلى القرى في قطاع غزَّة والضفة الغربية. نحن سجّلنا تاريخ ووصف كل قرية وطبعاً عدد سكانها وماذا حدث لها بالتفصيل في أطلس فلسطين 1917- 1966. 

غسان الشامي: هل يطال التزوير والتلفيق فقط الأسماء أم البنية السكانية دكتور سلمان؟  

سلمان أبو ستّة: طبعاً هم خلافاً لكل مشروع استعماري شنّوا علينا 11 حرباً مختلفة، المشروع الاستعماري العادي هو عبارة عن احتلال عسكري وقتل الكثير من الناس ثم الاستيلاء على أرضهم وإبقائهم في أماكنهم كعمال أو كرعايا، لكن إسرائيل شنّت علينا 11 حرباً أريد أن أذكر بعضها إلى جانب الحرب العسكرية، أولاً حرب لإزالة التاريخ، كل شيء يتعلّق بوجودنا منذ ألفي سنة أزالوه سواء في الكتب أو على الطبيعة، نقول إنهم دمّروا 560 مدينة وقرية ولكن هذا لم يتمّ اعتباطاً، ذهبت البلدوزرات ومعها فريق الهدم وكان معه فريق أركيولوجي إسرائيلي ينظر في كل بيت ومبنى قبل تدميره، فإن وجدوا فيه حجراً أو مكاناً ينفعهم بإثبات تاريخهم أبقوه وغير ذلك دمّروه، دمّروا التاريخ الروماني والبيزنطي والعربي الإسلامي والعثماني والمماليك وغير ذلك، كل ما لم يروا فيه فائدة لهم دمّروه، هذا تدمير مُمنْهَج، وإضافةً إلى ذلك عندما تجد كتب المدارس الإسرائيلية اليوم تجد أنها من عهد السيّد المسيح إلى الحرب العالمية الأولى صامتة لا تذكر شيئاً عن الفلسطينيين وعن التاريخ الفلسطيني. 

غسان الشامي: دكتور سلمان نحن سنصمت قليلاً ولكن سنعود إلى الكلام على عكس ما صمت التاريخ اليهودي بعد الفاصل إذا سمحت، وأتمنّى بعد الفاصل أن تُخبرنا ببقيّة الحروب الإحدى عشرة التي ذكرتها. أعزائي فاصل ونتابع الحوار مع الدكتور سلمان أبو ستّة.  

المحور الثاني:

غسان الشامي: أحيّيكم مُجدّداً من أجراس المشرق، دكتور سلمان أبو ستّة أنهيتَ الجزء السابق بذِكر أن إسرائيل شنّت علينا 11 حرباً ذكرتَ واحدة منها أو إثنتين، أتمنّى منك أن تكمل ولكن باختصار إذا سمحت. 

سلمان أبو ستّة: نعم كما قلتُ هذا خلاف كل المشاريع الاستعمارية، الحرب الثانية هي حرب جغرافية، مسحوا جميع الأسماء الفلسطينية حتى من تاريخها القديم الكنعاني، مسحوها من الخرائط بالكامل. في الأطلس الذي وضعته سجّلت 55 ألف إسم مكان استعاضت عنها إسرائيل ب 6800 إسم حرّفوا بعضها من اللغة العربية أو الكنعانية وبعضها وضعوه وضعاً بواسطة اللجنة، بينما تاريخنا الذي وضع الأسماء هو أهل هذه الأرض، كذلك الحرب الأركيولوجية كما ذكرتُ ليس فقط أنهم دمّروا كل ما وجدوه من الآثار القديمة بل أنهم زرعوا آثاراً جديدة وادّعوا أنها يهودية، وأيضاً لأن الكثير من المقامات والأضرحة عميقة الجذور في التاريخ الفلسطيني ادّعوا أنها لهم، يعني إذا كان هناك ضريح للشيخ عبيد قالوا إنه ضريح للشيخ الراباي. كذلك الحرب السياسية التي تقودها الولايات المتحدة بأن ألغوا القانون الدولي باتخاذ قرارات الفيتو ضدّنا، وكذلك الحرب الاقتصادية التي تعاني منها الضفة الغربية وبالأخصّ قطاع غزَّة وهو عار على جبين كل دولة أوروبية ساعدت على ذلك، وأيضاً حرب الشائعات والاعتقاد بأن كل مَن يدافع عن وطنه فلسطين فهو إرهابي، وكذلك الحرب الدينية بأن استدعوا الخالق سبحانه وتعالى ليكون عوناً لهم على أنه وَهبهم أرض فلسطين، وحرب اقتصادية نتائجها معروفة في الضفة وغزَّة من ثم حرب إبادة بطيئة بأنهم في غزَّة أصابوا 7500 شاب في ركبهم وأصبحوا مُعاقين وذلك لتحويل الشعب المقاوِم في غزَّة إلى شعب من المُعاقين المشغولين بحياتهم اليومية. هذه الحروب لم يمرّ مثلها في تاريخ الاستعمار، ولذلك فإن عدوّنا هو عدو لا مثيل له في التاريخ بشراسته وهذا أيضاً سبب يدعونا للقول إنه لن تستمرّ له حياة وإنه لا يمكن لهذا العمل الإجرامي أن يستمر خلافاً للتاريخ والجغرافيا والواقع والمنطق.   

غسان الشامي: دكتور سلمان أنا أعلم جيّداً من خلال ما قرأته في أطالسك أنك اهتممتَ بتاريخ فلسطين بشكلٍ جذري من حملة نابليون 1799 ولكن أنا أيضاً أريد أن أعود وإيّاك إلى مؤرِّخٍ مفصلي لتاريخ فلسطين وهو الأسقف أوزبيوس القيصري من قيسارية، وأنت تعلم أن أوزبيوس بالعربية هو عبد المسيح وبالسريانية المحلية اللبنانية إسمه "حوْشب"، ولكن هذا الأسقف على قيسارية تاريخه صحيح عن التاريخ المسيحي ولكنه خصّص فلسطين بأمورٍ كثيرة لأنه من فلسطين، ماذا يمكننا القول عن هذا التاريخ؟  

سلمان أبو ستّة: نعم أنا سعيد جداً بأنني عثرت على أعماله قبل حوالى 15 سنة، ورأيت هذا الأسقف الفلسطيني الذي كان يعيش في قيسارية كيف أنه سجّل لنا إرثاً لا مثيل له لأنه في كتابه"The Onomasticon"سجّل لنا تقريباً كل قرى وأماكن فلسطين، وكان ذلك بغرض تسهيل الطريق على الحجّاج الذين كانوا يأتون إلى القدس للحجّ، عمل هذا الأسقف رائِع جداً لكنه لم يكن معلوماً باللغة الإنكليزية إلا من حوالى 20 سنة، أخذنا هذا الكتاب وحوّلناه إلى أطلس عندنا وسجّلنا فيه الأماكن التي ذكرها وقمت أنا بمُقارنة هذه الأماكن وأسمائها بأطلس فلسطين الذي وضعناه عن أيام الانتداب، وأدهشني رغم أنه لم يكن يُفترض به أن يُدهشني أن كل الأماكن التي ذكرها في مكانها الصحيح بل أيضاً في نُطقها الصحيح باستثناء بعض الكلمات مثل فيليب كانت تُكتَب Ph بدل الفاء ولكن الرامة موجودة، بيت لحم موجودة وكل الأسماء في فلسطين لا تزال هي، وقارنتُها بأطلس النكبة الحديث وهي مُطابقة لها تماماً، ولكن عملتُ من هذا الأطلس خريطة أخرى وأشرتُ باللون الأحمر إلى القرى التي دمَّرتها الصهيونية عام 1948. هنا نقول ليس فقط كفلسطينيين وإنما كأصحاب الإرث الإنساني ألا يجب على اليونيسكو أو على العالم المُتحضّر الذي هبّ للاحتجاج على تدمير تراث عالمي ألا يحتجّ على تدمير هذا التراث؟ أنا أريد أخي غسان أن أقول لك شيئاً من تجربتي الشخصية، في بلدتي التي وُلِدت فيها وإسمها "معين" عام 1937 كان عندنا ضريح للشيخ نوران وكانت النساء تذهب إليه وتتمنى أن تُرزَق بمولود وتتضرّع إليه، كان شيخاً مثل 34 ألف إسم مقام ومكان ديني في فلسطين سجّلناه في الأطلس، لم أهتمّ بهذا الموضوع بشكلٍ خاص ولكنني بعد عام 1995 تمكّنت من زيارة مسقط رأسي للمرة الأولى بعد 47 عاماً وذهبت إلى مكان هذا الضريح وكانت إبنتي معي، وجدّته مُهدَّماً ونظرتُ من خلال النافذة المكسورة وانا أحمل كاميرتي، نظرتُ إلى الداخل ولم نكن نرى إطلاقاً ما كان في داخل هذا المكان، كانت له نافذة مُغلقة وباب مُغلق فلمّا اطّلعت على الصورة التي التقطتها هناك عجبتُ أشدّ العَجَب لأنني وجدت في الداخل صليباً بيزنطياً معقوفاً فعدتُّ إلى تاريخ الكنيسة ووجدت أن بلدتي هذه كانت مكاناً للمسيحية الأولى،القدّيس هيلاريون الذي كان يتنسّك هناك وكتب عن تاريخ المسيحية في هذا المكان، في بلدتي، وعندما راجعتُ 34 ألف إسم مكان وجدت أن كل الأماكن التي كنا نسمّيها "الخضر" كان أصلها المسيحيين وقت البيزنطية، هذا على ماذا يدلّ؟ يدلّ على أشياء كثيرة أريد أن أركّز عليها، أولاً يدلّ على أننا شعب في هذه الأرض حتى لو اختلفت الديانة أو اللهجة، هذه النقطة الأولى. النقطة الثانية أن جذورنا عميقة بغضّ النظر عن اللهجة وعن الديانة التي نقتبسها وأننا تمسّكنا بنفس الأماكن التي كنا نتعبّد فيها إلى يومنا هذا، إذاً نحن نتمسّك بالأرض وبالتراث وبالعقيدة حتى لو غيَّرنا الإسم أو وضعنا عليه قماشاً أخضر وأسميناها "الخضر"، هذا في رأيي أعظم مثال على التاريخ الممتد للشعب الفلسطيني في أرضه.   

غسان الشامي: أنت تعرف جيداً سيّدي أن الخضر أو مار جرجس أي الحارس هو فلسطيني من اللدّ، ولكن أنا أريد أن أقول للسادة المُشاهدين أن أوزبيوس كتب تاريخه سنة 313 للميلاد، وأن يكون هذا التاريخ طيلة أكثر من 700 عام ما يزال قائماً فهو أمر حقيقي ومُدهش، كي أختصر الوقت معك لأنني أعرف أن لديك بحر من المعلومات سيّدي ما موقع القدس في أطالسكم؟ 

سلمان أبو ستّة: تكملةً للجملة الأخيرة التي قلتها أنا أقمت محاضرات كثيرة في أوروبا وقلت إنني أتحدّى أية مدينة أوروبية التي هي في الوقت المُتأخّر أصبحت مقرّاً للاستعمار الغربي، أية مدينة أوروبية كبيرة أو صغيرة تستطيع أن تقول إن لها تاريخ مُسجّل مثل أصغر قرية في فلسطين، ولا واحدة. أنا ذكرت القدس، القدس الفلسطينية أطول عُمراً من لندن الإنكليزية، طبعاً القدس هي أرض اليبوسيين وهي الكيان الذي أُنشئ عليه تاريخنا من السيّد المسيح إلى المسجد الأقصى، لا يوجد في التاريخ كوننا سمّيناها القدس بدلاً من كلمة إيلياء ومعناها المكان المُقدّس، وبالتالي عندما يحاول هؤلاء المُستعمرون الجُدُد أن يدّعوا أنها لهم فهذا افتئات على الطبيعة وافتئات على التاريخ. هبّة شباب القدس الطبيعية العُزَّل من السلاح وبصدورهم هو مثال حيّ على أنهم ينتقمون ويثورون لتاريخهم وإرثهم في الجينات التي تعيش في أجسادهم. كتب بعض الصهاينة، هرتزل وحتى بن غوريون لم يكن يهتمّ بالقدس بل كان يريد أن يُقيم عاصمة في مكانٍ آخر ولكن يريدون أن يعطوا لأنفسهم صفة تاريخية، كما قلت هم يُجنّدون الخالق سبحانه وتعالى ليُبيّن أن لهم حق في فلسطين، ولكن القدس ستبقى صخرة فلسطين الأولى، تاريخها لا يمكن أن يمسحه أحد وهذا دليل كما نراه اليوم عندما هبَّت كل المدن الفلسطينية حتى تحت الاحتلال الإسرائيلي ومنها اللدّ، حضرتك ذكرت اللدّ مار جرجس، ألا تعلم أن المرحوم جورج حبش هو من اللدّ؟

غسان الشامي: نعم.

سلمان أبو ستّة: ولمّا رأى أطلسي قال هذه كنيستي مار جرجس وأشار إليها على الأطلس، كان يقول لي كلمة لا أنساها أبداً، قال قضيّتي في فلسطين بسيطة، أنا أريد أن أرجع إلى بيتي بجانب مار جرجس في بلدتي اللدّ، هذا تعريفي للعودة.  

غسان الشامي: سيّدي مَن يمرّ على هذا الجهد المُذهل والذي تُرفَع له القُبّعات يرى فلسطين كل فلسطين قضية أولاً وطنية، يراها قضية إنسانية، ثقافية، قضية ضدّ التزوير وقضية حضارية، لكن هناك مَن يريد أيضاً ألا يرى في فلسطين إلا الموضوع الديني أو صراعاً دينياً أو أقصى أو قيامة، على ماذا اعتمدتَّ في إعادة ضخّ فلسطين للناس وللأكاديميات؟ 

سلمان أبو ستّة: اعتمدتُّ على قاعدتين، الإنسان والتاريخ، الإنسان له حق لا يمكن إزالته والتاريخ هو شهادة ميلاد وحياة لا يمكن مسحها، التاريخ والإنسان يتمثّلان في فلسطين، وكما ذكرت حضرتك قبل قليل أينما كنتَ في العالم سواء كنتَ مُتديّناً أو وطنياً أو مؤيّداً للقانون الدولي أو بأيّ شكلٍ من الأشكال، مهما تقلّبت الوجوه التي ترى فيها فلسطين تجد أن عليك واجباً لا يمكن الانفضاض منه وهو أن تقف إلى جانب الحق الفلسطيني. أنا أريد أن أقول لك أشياء كثيرة لكن الوقت ضيِّق، تعرف أن عندنا في شرق الأردن التي هي وثيقة الصلة بفلسطين عندما يولَد مولود يُعلّقون له الجرس ويضعون شاشةً بيضاء على البيت دلالةً على وجود مولود، تاريخنا هذا لا يمكن أن يتغيّر لأننا نفس الشعب سواء كنا مسلمين أو مسيحيين، لا توجد لدينا أيّة تسمية للفلسطيني إلا أنه صاحب أرضٍ ووطن، وهذا يدلّ على أن جذورنا أقوى. إسمح لي أن أذكِّر مرة أخرى كيف كنا نذهب للدُعاء والصلاة عند مقام الشيخ نوران وهو كان مقرّ تعبُّد القدّيس هيلاريون لأننا نفس الناس.

غسان الشامي: نعم هذه الأضرحة وقبور الأولياء والصالحين كثير منها في المشرق تمّ توارثها من دينٍ إلى دين. سيّدي لديّ الكثير من الأسئلة ولكن كي أستفيد مما تبقّى من الوقت، هل هناك مقبولية في الجامعات الغربية لهذا النِتاج وهذه الأطالس؟  

سلمان أبو ستّة: سؤال مهم وأشكرك عليه، معظم الجامعات الغربية والأوروبية أو الكُبرى منها عندها الأطلس، غالباً وصلها الأطلس من الجاليات الفلسطينية المُقيمة هناك الذين لديهم إبن أو بنت تدرس في الجامعة فأهدوا مكتبة الجامعة نسخةً منها، كذلك بعد انتشار الكلام عن الأطلس أصبحت الجامعات تطلبه، كذلك صدرت عدّة رسائل دكتوراه عن الأطلس. قبل أيامٍ قليلة جاءتني رسالة من روسيا من الكنيسة الأرثوذكسية هناك الذين يهتمّون بقضايا الشعوب، طلبوا كل الأطالس التي أصدرناها وأرسلتها لهم، الأطلس موجود في الأمم المتحدة وفي مكتبة الكونغرس ولكن النسخة العربية من الأطلس محدودة التوزيع مع أننا حاولنا توزيعها على أوسع نطاقٍ ممكن، وأنا قمتُ بتوزيع 700 نسخة كهدايا على جميع مدارس وكالة الغوث ولكن الطلبات التي تأتي هي من عائلاتٍ فلسطينية. للأسف أريد أن أسجِّل أن السلطة أو ما تبقّى من المنظمة لم تقم بأيّ جهد حتى للحصول على هذه الأطالس وتوزيعها على السفارات على الأقل أو على المدارس. 

غسان الشامي: وفَّرتَ عليّ سؤالاً. 

سلمان أبو ستّة: كلّمتهم عدّة مرات وهم على عِلم ولا أريد أن أذكر أسماء، وقلتُ لهم هذا ولم يقوموا بأيّ شيء، هذه تُحسَب لهم سالِبة لا يمكن نسيانها.

غسان الشامي: هذه تُحسب عليهم وليس لهم ووفَرتَ عليّ سؤالاً بالمناسبة. سيّدي في آخر هذا اللقاء أريد أن أسألك كيف يمكن بعد أن عجنتَ هذا التاريخ الفلسطيني وخبرتَ هذا التراب وشممتَ رائحته، كيف يمكن لنا أن نعيد ضخّ الإرث الفلسطيني للأجيال القادمة وللعالم؟ 

سلمان أبو ستّة: درسٌ واحدٌ أساسي وغيره ثانوي، علّموا أولادكم الوطن، درِّسوا أولادكم فلسطين إن لم يكن في المدرسة ففي البيت، ليكن شعاركم في البيت فلسطين، أكلكم فلسطيني، مناسباتكم التاريخية عن فلسطين، كلامكم عن فلسطين، لهجتكم فلسطينية، ذكِّروا بالمآسي التي حدثت، ذكرى دير ياسين، ذكرى النكبة، ذكرى مذبحة عين الزيتون التي كانت موضع كتاب "باب الشمس"، عيلبون الكنيسة التي ذبح الصهاينة أهلها، كل هذا يجب تذكيره. هم أخذوا الأرض ويريدون أن يمسحوها من أذهاننا، حربهم هي الآن على العقول، التطبيع جزء من هذا البرنامج وأنا أقول بكل دقّة إن التطبيع هو جريمة حرب لأن ميثاق روما الذي أسّس محكمة الجنايات الدولية يقول إن جريمة الحرب تقع على مَن أطلق الرصاص، ومَن أمر بالقتل، ومَن وافق على القتل، ومَن سمع بالقتل أو أيّده أو أيّد القاتل أو أعانه أو تعاون معه، فإذاً كل الدول التي طبّعت مع إسرائيل قد اقترفت جريمة حرب. هذه النصيحة هي الأساس الذي بإمكاننا القيام به ولا يحتاج إلى أموال أو إلى دولٍ توافق عليه أو لا، أولادكم وعقولهم وتاريخهم وتربيتهم هي الثروة التي لا يمكن أن تُعوَّض وهذا هو الميدان الذي أمامنا الآن.   

غسان الشامي: ونحن في الميادين وفي هذا البرنامج دكتور سلمان أبو ستّة أنت تعرف أن البوصلة فلسطين، وأن المقلاع الذي يحمله ذلك المُقعَد الذي بات شهيداً ويضرب به الإسرائيلي هو السمت الوحيد لاستعادة كل ذرّة من هذه الأرض التي نحبّ. أنا أشكرك، أعزائي لم يشهد التاريخ البشري وحشاً استيطانياً دموياً كالإسرائيلي، ولكنّه أيضاً لم يشهد إنساناً مقاوماً صبوراً جلوداً كالفلسطيني الذي تتراوح مقاومته بين اللحم الحيّ والحجر والسكين والبندقية، إنه الحقّ الذي لا ولم ولن يزول. شكرٌ عميمٌ للدكتور سلمان أبو ستّة على جهده وعمله ونتاجه وأطالسه وحضوره في أجراس المشرق، والشكر موصولٌ لزملائي في البرنامج والميادين على تعبهم، سلامٌ على فلسطين، كل فلسطين، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.   

العروبة الحضارية والثقافية في زمن التفتت

العروبة الحضارية والثقافية في زمن التفتت.. والعروبة الشعرية والشعاراتية والسياسية والخلط بين العروبة كهوية والقومية العربية كنهج سياسي.. وعلاقة العروبة باللغة والوطنيات

المزيد