السياسات الأميركية في الإقليم

استهداف القواعد الامريكية في سوريا والعراق اليوم، يطرح تساؤلا جديا عن اتجاهات وخيارات إدارة بايدن في المنطقة، منذ انتخابِه رئيساً للولايات المتحدة لا تزال تطرح تساؤلات وآراء بشأن الاتجاهِ المحتمَل للسياسة الخارجية الأميركية في عهد جو بايدن، وما بينَ الحديث عن ترميم ما خلفه دونالد ترامب والانفتاح على تهدئة التوترات والحروب ولا سيما في مَنطقة غرب آسيا لما تمثّله هذه المَنطقة من أهمية محورية بالنسبة إلى واشنطن، بغَضّ النظر عن اختلاف الإدارات والرئيس، تبقى إسرائيل وأمنها الخطّ الأحمر بالنسبة الى كلّ الإداراتِ الأميركية، بالنسبةِ الى بايدن، حلّ الدولتينِ ما زال متاحاً على الرّغم من استفحال الاستيطان والاعتداءات والتهديدات الإسرائيليةِ للفِلَسطينيينَ وللإقليمِ عموما، فبعد إزاحة نتنياهو منَ الحكومة لم يتغير التهديد بشأن هجوم منفرد على إيرانَ خوفاً منْ توقيعِ اتفاقٍ في فيينا، لكنَّ طهرانَ وعلى لسان رئيسها الجديد المنتخب إبراهيم رئيسي، لا ترى أنَّ السياسةَ الخارجيةَ تبدأُ باتفاقٍ او تنتهي به.

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". استهداف القواعد الأميركية في (سوريا) و(العراق) يطرح تساؤلاً جدياً عن اتجاهات وخيارات إدارة "بايدن" في المنطقة، منذ انتخابِه رئيساً لـ (الولايات المتحدة) لا تزال تُطرح تساؤلات وآراء بشأن الاتجاهِ المُحتمَل للسياسة الخارجية الأميركية في عهد "جو بايدن"، وما بينَ الحديث عن ترميم ما خلّفه "دونالد ترامب" والانفتاح على تهدئة التوتّرات والحروب لا سيما في مَنطقة غرب (آسيا) لما تمثّله هذه المَنطقة من أهمية محورية بالنسبة إلى (واشنطن). بغَضّ النظر عن اختلاف الإدارات والرئيس، تبقى (إسرائيل) وأمنها الخطّ الأحمر بالنسبة إلى كلّ الإداراتِ الأميركية

الرئيس الأميركي جو بايدن: ليس هناك أيّ تحوّلٍ في التزامي بأمن (إسرائيل) على الإطلاق، لكن سأُخبركم بما تغيّر، وهو أننا ما زلنا بحاجة لحلّ الدولتين الذي يُعدُّ الإجابة الوحيدة، وأنا مقتنِعٌ بأنّه يُمكننا التحرُّك الآن  

كمال خلف: بالنسبةِ إلى" بايدن"، حلّ الدولتينِ ما زال متاحاً على الرّغم من استفحال الاستيطان والاعتداءات والتهديدات الإسرائيليةِ للفِلَسطينيينَ وللإقليمِ عموماً، فبعد إزاحة "نتنياهو" منَ الحكومة لم يتغيّر التهديد بشأن هجومٍ منفردٍ على (إيران) خوفاً منْ توقيعِ اتفاقٍ في (فيينا)، لكنَّ (طهران) وعلى لسان رئيسها الجديد المُنتَخب "إبراهيم رئيسي"، لا ترى أنَّ السياسةَ الخارجيةَ تبدأُ باتفاقٍ او تنتهي به

رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية إبراهيم رئيسي: يتعيّنُ على (الولايات المُتحدة) رفع جميع العقوبات التي فرضتها على (إيران)، وعلى الأوروبيين ألا يخضعوا لسياسات (واشنطن). ينبغي رفعُ العقوبات والتحقُّق من ذلك، ونرفُض التفاوض على المنظومة الصاروخيّة والقضايا الإقليميّة. السياسة الخارجيّة لا تبدأ بالاتفاق النووي ولا تنتهي به

كمال خلف: وفيما تُحاول (واشنطن) التوصّل إلى اتفاقٍ مع (إيران) تنسحب من (أفغانستان) وتخفض وجودها العسكري في المنطقة بأكملها في الوقت الذي تُعلِنُ فيه تخلّيها عن خُطط إسقاط الأنظمة بالقوّة العسكريّة، فهل تعلّمت من دروس العشريّة السوداء الماضية كما يُشير "أنتوني بلينكن" 

وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن: لن نُشجِّع على الديمقراطيّة عبر التدخُّلات العسكريّة المُكلِفة أو مُحاولة إطاحة الأنظمة الاستبداديّة بالقوّة. لقد جرّبنا هذه التكتيكات في الماضي، وعلى الرغم من النيّة الطيّبة لم تنجح

كمال خلف: وعلى الرغم مما يُصرِّح به المسؤولون الأميركيّون تبقى سياسة (واشنطن) غير مُكتملة الملامح لاسيما في شأنِ إنهاء حرب (اليمن) وعلاقاتها بحلفائِها وخصوصاً في الإقليم

المحور الأول:

كمال خلف: في حلقة "لعبة الأُمم" مُشاهدينا لهذا الأُسبوع نستضيف من (واشنطن) الأُستاذ في تسوية           الصراعات الدولية وعضو لجنة الخُبراء في الأُمم المُتّحدة سابقاً الدكتور "محمد الشرقاوي"، وأُستاذ القانون الدولي وعضو المجلس الاستشاري للرئيس "ترامب" سابقاً البروفيسور "غبريال صوما"، ومن (دمشق) نستقبل الباحث في الدراسات السياسيّة والعلاقات الدولية الدكتور "سومر صالِح". أُحييكم ضيوفي جميعاً ونبدأ في "لعبة الأُمم" لهذا اليوم تلمُّس ملامِح الاستراتيجية الأميركية حيال هذه المنطقة، منطقة الشرق الأوسط أو منطقة غرب (آسيا) في شكلٍ خاص. دكتور "محمد الشرقاوي"، هل يُمكن فَهْم ما هي اتجاهات السياسة الخارجيّة الأميركيّة في هذه اللحظة؟ 

محمد الشرقاوي: أولاً يُمكن تقسيم استراتيجية "بايدن" إلى قسمين، القسم الأول هو استكمال بعض ما قرّره سلَفه "ترامب" في شأن الفلسفة العامّة وهي إخراج الوجود العسكري الأميركي من منطقة الشرق الأوسط وشرق (آسيا) سواء في ما يتعلّق بالخليج أو فيما يتعلّق بـ (أفغانستان). لكن الشق الثاني هو الأهمّ، هناك الآن أولويّات مرِنة تتغيّر بين حُقبتي "ترامب" و"بايدن". ذكرت قبل قليل إنهاء حرب (اليمن) وهي الأولويّة القُصوى بكل تداعياتها على العلاقات الأميركية الخليجيّة خاصةً مع (السعوديّة) و(الإمارات). هناك أيضاً مُحاولة العودة إلى منطِق الشرعيّة الدوليّة التي تُزكِّيها الأُمم المُتّحدة في مساعيها بشأن (اليمن). هناك أيضاً الانسحاب الأميركي لكن في شكلٍ مُتدرِّج وبضوابِط جديدة لدى "بايدن" أكثر مما كانت لدى "ترامب" في ما يتعلّق بـ (أفغانستان) وقضيّة التفاوض مع "طالبان" وضرورة أن يكون هناك مسار لصُنع السلام بين حكومة (كابول) و"طالبان" وبقيّة الفصائِل الأفغانيّة. لكنّ الجديد الآن، ما يُمكن أن نعتبره انقلاباُ في درجة مئة وثمانين درجة، الموقف مع (إيران) وتمسُّك "بايدن" و"بلينكن" و"سوليفان" مستشار الأمن القومي، جميعهم يتمسّكون الآن بضرورة التوصُّل إلى اتفاق نووي مع الإيرانيين، بمعنى نفس الصيغة التي تمّ التوصُّل إليها في الخامس عشر من يونيو/ حزيران 2015 من دون البحث عن بدائِل أُخرى، والآن وتيرة المُفاوضات ستتحرّك في اتجاه شهر أُغسطس/ آب كأجل مُرتَقب للتوصُّل إلى اتفاق. لكن الأهم من كل هذا هما مسألتان مرتبطتان في بعضِهما البعض، الأولى إعادة النظر في الاستراتيجيّة العسكريّة الأميركيّة وتقليص الوجود العسكري الأميركي من قواعِد ثابتة أو قارّة إلى قواعِد مرِنة متحرِّكة، لماذا؟ لأنّ التحدّي الآن في نظر البيت الأبيض هو البُعبُع الصيني والتخالُف بين (بكين) و(موسكو). هذه هي المعركة الاستراتيجيّة الكُبرى التي تجعل "بايدن" و"بلينكن" يتحرّكان ويُقلّلان من أهمية الشرق الأوسط والخليج في اتجاه أنّ هناك معركة القرن الحادي والعشرين، معركة الريادة العالمية 

كمال خلف: في شرق (آسيا)

محمد الشرقاوي: في شرق (آسيا) وخاصةً بين (الصين) و(الروس) 

كمال خلف: إسمح لي هنا أن أسأل الدكتور "غبريال صوما" أيضاً. دكتور "غبريال"، عندما نُراقِب السياسات والتحرّكات الأميركية في منطقتنا، في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة غرب (آسيا) تحديداً سنرى، وإذا كنت مُخطئِاً أرجو أن تُصحّح ذلك، مزيجاً من سياسات "دونالد ترامب" السابقة وجدناها تتبدّى من خلال عدم الاستغناء عن الاحتكاك العسكري، ضربات في (سوريا) وفي (العراق) ومُمارسة الضغط على (إيران) وشيء من استراتيجية الضغط الأقصى واستمراريّتها في الوقت الذي نرى فيه مرونة في بعض الملفّات الأُخرى. يُمكن ضرب الكثير من الأمثلة، رفع "حركة أنصار الله" كحركة إرهابيّة، رفع بعض العقوبات عن (إيران) إلى آخره، المرونة مع (روسيا) وبعض التعاون في (سوريا)، بعض الملفات تبدو فيها مرونة. هل نحن أمام مزيج من سياستي "أوباما – ترامب"؟

غبريال صوما: أولاً شكراً للاستضافة 

كمال خلف: حيّاك الله

غبريال صوما: وتحياتي لك ولضيفيك الكريمين وللمشاهدين الكرام. في ما يتعلّق بسياسة (الولايات المُتحدة)، كما تعلم (الولايات المُتحدة) هي دولة مؤسّسات أكثر مما هي دولة أشخاص، لكن في جميع الظروف يوجد هناك خلاف كما ذكر الزميل الكريم في وجهات النظر بين سياسة الرئيس السابق "دونالد ترامب" والرئيس الحالي "جو بايدن". مثلاً في ما يتعلّق بـ (أفغانستان)، الرئيس "ترامب" قرّر سحب القوّات الأميركية هناك والرئيس "بايدن" لم يُغيِّر من ذلك، تسرّع قبل أوانهم، قبل الحادي عشر من أيلول وسحب القوات الأميركية. ولكن في ما يتعلّق بـ (إيران)، هناك خلاف كبير في سياسة "بايدن" عن الرئيس السابق. الرئيس "ترامب" كان قد ألغى التفاهُم النووي المعروف بالاتفاقيّة النووية، وهي ليست اتفاقيّة لأنّ الدستور الأميركي لا يُعطي الحقّ للرئيس وحده لكي يوقِّع اتفاقيّة إنما على مجلس الشيوخ أن يوقّعها، وعندما طَلَبَ الرئيس الأسبق "أوباما" من مجلس الشيوخ الموافقة على التفاهُم النووي رفضَ مجلِس الشيوخ ذلك والتجأ الرئيس "أوباما" آنذاك إلى مجلس الأمن الدولي لكي يوافق على هذه الاتفاقيّة، وأنا أُسمّيها التفاهُم النووي. الفرق الكبير هو أنّ الرئيس "ترامب" وجدَ بأنّ الاتفاق النووي لا يُساعِد الأمن القومي الأميركي بل يتعارَض مع الأمن القومي الأميركي ولذلك انسحبَ منها. الرئيس "بايدن" قرّرَ العودة إلى التفاهُم النووي على أساس أنّه بعد أن يتمّ التفاهُم مع (إيران) حولَ العودة إلى التفاهُم النووي، في إمكانه أن يضع شروطاً على (إيران) أو أن يقوم باتفاقيّة جديدة مع (إيران) ترمي إلى مثلاً وضع الصواريخ الباليستيّة الإيرانيّة وترمي إلى وقف مُساعدة (إيران) للمنظمات التي تعتبرها وزارة الخارجية الأميركية أنها منظمات إرهابيّة. هذا هو الوضع في الوقت الحاضر

كمال خلف: دكتور "سومر صالِح"، في هذا الوقت نرى بأنّه زادت وتيرة استهداف القواعِد الأميركيّة في (سوريا) وفي (العراق) كما جرى الآن. هل هناك شعور لدى قوى إقليميّة أو لدى (إيران) وحلفائِها بأنّ الوقت مؤاتٍ لإخراج القوّات الأميركيّة من هذه المنطقة؟ أو أنّ القبضة الأميركيّة ضعُفت، الحسابات الأميركيّة تغيّرت وبالتالي هناك إمكانيّة لدفع خروج القوّات الأميركية أو الحصول على مكاسب سياسيّة من خلال التصعيد العسكري؟ 

سومر صالِح: نعم، أسعد الله مساءك ومساء ضيفيك الكريمين 

كمال خلف: حيّاك الله 

سومر صالِح: أنا أعتقد أنّ الأمر أعقد بقليل من ذلك. الأمر مُرتبِط بنتائِج الحوار الاستراتيجي الأميركي – العراقي ومآلات الوجود الأميركي في (العراق) وبقاء حوالى ألفين وأربعمئة جندي أميركي، هل سيذهبون خارِج (العراق)؟ هل ستتغيّر طبيعتهم؟ الحوار الاستراتيجي الأميركي – العراقي في جولته الثالثة لم يبُتّ في هذا الموضوع، هنالك تكهّنات، هنالك سيناريوهات على أنّ الخروج الأميركي من (العراق) من المُمكن أن يأتي إلى (سوريا) ضمن استراتيجيّة "الناتو" الجديدة في المنطقة، في (الجزيرة) السوريّة، ومنذ عام 2017 هذا السيناريو موجود وبالتالي القضيّة ليست قضيّة أنّ الفُرصة مُتاحة أم لا، هي مواجهة وهي ضربة استباقيّة لهذا المشروع الذي هو توطين بقايا القوّات الأميركيّة في هذه المنطقة بالاتفاق مُستقبلاً مع (تُركيا) عندما تُحلّ المشاكل التركيّة الأميركيّة والتي بدأت إرهاصات حلّها على أرض الواقع، وبالتالي هذا الأمر يُشكِّل خطراً ليس فقط على (سوريا) و(العراق) بل على مِحور المُقاومة بل على المنطقة برمّتها لأنّه ليس فقط اعتداء على أراضي دولة ذات سيادة واحتلال مُباشر بل هو مشروع أو بداية مشروع تقسيم وفصل جغرافي لمحوَر المُقاومة، وبالتالي هذه هي النُقطة الأولى. النُقطة الثانية هي جزء من المُقاومة الشعبيّة التي تجري في تلك المناطق وهي ليست المرّة الأولى التي تُستهدف فيها القواعِد الأميركيّة. نحن شعوب في هذه المنطقة تؤمِن بثقافة المُقاومة، والمُقاومة قد بدأت على الأرض وهنالِك تحفيز وهنالك دعم لهذا الخيار على أن يكون بدايةً خيار شعبي وثقافي وهويّاتي في الصراع ومن ثم يكون في النقطة الثانية العسكري 

كمال خلف: أُستاذ "سومر"، لماذا لا يكون مُرتبطاً بما يجري على طاولة (فيينا)؟ بمعنى أنّ (إيران) وحلفاءها يضغطون على الإدارة الأميركية لتحصيل مكاسب سياسيّة في الاتفاق؟ 

سومر صالِح: لا، أعتقد أن الأمور على طاولة (فيينا) باتت أكبر من ذلك بكثير لأنّ هذه التفاصيل تمّ تجاوزها. اليوم نحن أمام عقبات واضحة وهنالك إعلانات واضحة حول العقبات الأميركية – الإيرانية في هذا التفاهُم ومواضيع مرتبطة بجدول الأعمال الإقليمي ليس فقط في الشرق الأوسط بل في وسط (آسيا). هنالك الكثير من الموارِد التي يُمكن أن تستخدمها القيادة الإيرانيّة للضغط وللضغط كثيراً على طاولة "فيينا"، وهي حصّلت ما تُريد تحصيله والآن هنالك العقبة الأساسية وهي مبدأ الكلّ مُقابل الكلّ، أي رفع كل العقوبات مُقابل التسوية. وبالتالي، هذا الأمر في شكلٍ أو في آخر ليس مُرتبطاً بما يحصل في (سوريا) بالتحديد، من ثمّ (العراق) بما يحصل في (فيينا). القضيّة ليست في العام 2015 وعلينا التمييز بين موضوعين، البيئة السياسية والاستراتيجية التي أنتجت اتفاق عام 2015 ليست هي نفسها في عام 2021، الزمن لا يعود إلى الوراء. هنالك الكثير من المُتغيِّرات التي اختلفت وبالتالي حتى لو كانت هنالك إمكانيّة للعودة إلى القرار وإلى اتفاق (فيينا) 2015 والقرار 2231 أو شكل جديد منه، إلا أنّ الظروف التي أنتجته ستُنتِج منه تداعيات لاحقة وبالتالي ما يُمكن الحديث عنه في عام 2015 هو غير وارِد. اليوم القيادة الإيرانية، قيادة محور المُقاومة، تُدرِك أنّ نتائج الإحدى عشر يوماً في (فلسطين) المُحتلّة كانت أكبر رسالة إلى الأميركي بأنه إن ذهبتم إلى خيارات أُخرى فنحن جاهزون لخيارات أبعد وأبعد من ذلك، هذه هي النُقطة الأولى. النُقطة الثانية، هنالك تشبيك واضح بين (إيران) وبين (الصين) وهي النُقطة الأساسيّة التي تُقلِق (الولايات المُتحدة الأميركيّة) وبالتالي هي أعادت صوغ استراتيجيّتها في المنطقة ووضعت أمن (إسرائيل) كما تفضّلتم في المُقدِّمة. مع أنّ العدو الصهيوني على رأس الأوليات ولكنها وضعت في الأولويّة الثانية ردع (الصين) في الشرق الأوسط انطلاقاً من (إسرائيل) والخليج العربي، وبالتالي نحن نتحدَّث عن استراتيجيّة أميركيّة مُعلَنة. التفاصيل ليست غير مُعلنة بل أُعلِنت في وثيقة الأمن أو ما يُسمّى دليل الأمن القومي الأميركي المؤقّت الذي صدرَ في آذار/ مارس في العام الحالي وأوضح في شكلٍ واضح وصريح الاستراتيجية الأميركية. الخلاف الكبير هو حول الموضوع 

كمال خلف: في الخطوط العامة نعم 

سومر صالِح: نعم ولكن الذي لم يرِد (سوريا) 

كمال خلف: في الخطوط العامة نعم دكتور "سومر" مسوّدة تحدّثت، لكن في التفاصيل هناك تناقُض في الإشارات أحياناً على ما يبدو. ما رأيك دكتور "محمد الشرقاوي"؟ عندما انتُخِب "جو بايدن" شهِدنا عدّة تغييرات حصلت في الشرق الأوسط، مُصالحة خارِجيّة في ما بينها، بوادر مُصالحة مصريّة تركية، حوار إيراني سعودي، اقتراب خليجي من (سوريا)، شهِدنا بعض التغيّرات فور فوز "بايدن" أو تسلُّم "بايدن" مهامه مُباشرةً. هذه التغيُّرات أليست في صُلب السياسة الأميركية الجديدة للمنطقة؟ 

محمد الشرقاوي: أودّ أن نحترِس من بعض الإسقاطات أو التأويلات الفضفاضة لمجموعة من الأمور التي تكمُن الآن في توجّهات الاستراتيجية الأميركية، أوّلها أنّ مسار (فيينا) لا زال قائِماً. هناك مُفاوضات لأكثر من شهرين وهناك حِرص من الطرفين الأميركي والأوروبي وأيضاً الإيراني على استكمال هذا المسار بوساطة أوروبيّة، فلا يمكن أن نقول إنّ هناك مُتغيّرات، هناك تمسُّك بالعودة إلى الاتفاق النووي في صيغته الأساسيّة أي صيغة عام 2015، بعد مرور ستة أعوام القناعة متمثلة. أعود إلى سؤالك الآن، ما يُمكن أن نعتبره الآن في خلال الأشهر السبعة الماضية، منذ دخول "بايدن" البيت الأبيض، هو مراجعة براغماتيّة للسياسة الخارجيّة الأميركية في حقبة "بايدن" و"بلينكن" كوزير الخارجيّة. هناك الجمع بين مسارين، مسار المصالِح الاستراتيجية الأميركية في الأساس بما يفوق ما كان "ترامب" يُبديه إزاء المصالِح الإسرائيليّة. هنا عودة إلى تمسُّك البيت الأبيض بمصلحة (أميركا) ويُمكن أن نُسمّي هذا فلسفة المصالِح أو الواقعيّة السياسيّة في أقوى تجلّياتها. لكن الجديد هو أنّ واقعيّة "بايدن" قد تختلف أو تقترب من واقعيّة "ترامب"، لكن المُهم فيها الآن هو أنّ المسار الثاني الموازي هو مسار سياسة القِيَم او الـ Moral Politics. نُلاحظ الآن أنّ منظومة حقوق الإنسان كمنظومة معياريّة الآن أصبحت تجد وزناً مُتنامياً في مواقف "بايدن"، في مواقف "بلينكن" لحدّ الآن، أنّ (روسيا) و(الصين) ودول عربيّة أُخرى تعلم جيداً أنّ ملفّ حقوق الإنسان وحماية المُعارضة في هذه الدول ليست مسألة ثلاثية أو ثانويّة، هي من الأولويّات ويبقى التذكير ببعض اللقاءات وما صدر عنها لوزير الخارجيّة "بلينكن" في (روما) قبل أُسبوع واحِد. من الناحية الأُخرى الآن كما لاحظنا هناك مُتغيِّرات استراتيجيّة كثيرة. أعتقد أنّ "بايدن" يريد أن يكون من ناحية امتداداً للجناح التقليدي للحزب الديمقراطي، بمعنى كما نقول أنّه إنسان سياسي وسيناتور أو عضو في مجاِس الشيوخ من المُتمرّسين، بمعنى مُخَضْرَم بين المسار القديم والمسار الجديد. المسار الجديد هو الذي يهمّنا الآن، وهو أنّ أغلب هذه القرارات التي يستنِد إليها موقف "بايدن" هي مسألة توفيقيّة بين ما يُريده الجناح التقليدي، بمعنى الديمقراطيين الكلاسيكيين، وقوّة الجناح اليساري أو الجناح التقدُّمي بقيادة السيناتور "بيرني ساندرز"، "أوكتافيو"، أيضاً "إليزابيت وارين"، و "كامالا هاريس". الآن أعتقد، هذه البراغماتيّة التي تُحاول أن تجمع بين شُحنة من الواقعيّة السياسية وشُحنة أُخرى من سياسة القِيم أو المثاليّة السياسيّة هي وليدة هذا التوافق أو هذا الضغط القادم من الجناح التقدّمي أكثر من الجناح الكلاسيكي أو الجناح التقليدي. إذاً، ينبغي أن نُراعي أيضاً أنّ كل هذه المُتغيّرات في السياسة الخارجيّة الأميركية أيضاً وليدة الضغوط الداخليّة في الحزب الديمقراطي مع غَلَبَة الجناح التقدّمي أكثر من جناح المُعتدلين ومنهم "بايدن"، ولذلك ينبغي أن ننظُر إليها بأنّها مسألة مُتدرِّجة، مسألة فيها ديناميّات مُتعدّدة، وأقوى مثال على هذا حتى لا أُطيل، الرئيس "بايدن" في الأُسبوع الأول من حرب (غزّة) كان يقول إنّ (إسرائيل) لم تُغال في ردِّها، بمعنى No Over Reaction كما قال. بعد ستة أيام، بعد رسالة مئة وثلاثين من أعضاء مجلس النواب وخمسمئة من موظّفي ومُتطوّعي الحزب الديمقراطي غيّر موقفه بنسبة مئة وثمانين درجة وأصبح يقول إنّه يودّ أن يعتبر حقوق الفلسطينيين على غرار حقوق الإسرائيليين

كمال خلف: صحيح

محمد الشرقاوي: عُدنا الآن إلى مقولة حلّ الدولتين والمفاوضات السياسية وعملية السلام ودور الأُمم المتحدة كراعٍ لها كما كانت قبل فترة "ترامب"

كمال خلف: دكتور "غبريال صوما". السؤال الأساسي ربما الآن في أذهان الكثير من النُخبة السياسية هنا لدينا، في منطقتنا، هل فعلاً منطقة الشرق الأوسط لم تعُد مُهمّة أو لم تعُد في ذات الأهميّة السابقة بالنسبة إلى (الولايات المتّحدة الأميركية)؟

غبريال صوما: هناك خلاف في ما يتعلّق بالسياسة الخارجية الأميركية بين "بايدن" و"ترامب". "ترامب" كان يُركِّز على أنّ إنتاج النفط الأميركي الذي تجاوز بحدود إثني عشرة برميل في اليوم الواحد، يعني بأنه لا ضرورة لنا لكي نهتمّ كثيراً في مسألة النفط في الشرق الأوسط، ولذلك أن يُريد أن يكون في إمكان الشرق الأوسط أن يقوم بما كان يجب أن يفعله أكثر مما أن تقوم به (أميركا). ولكن اليوم الوضع تغيّر وأوّل عمل قام به الرئيس "بايدن" في أوّل أُسبوع أنّه ألغى بعض أنابيب النفط التي كانت تأتي في داخل (الولايات المتّحدة)، وهذا ما جعلَ سعر النفط في (أميركا) يزداد. كنّا ندفع مثلاً ثمن 193 والزميل الكريم يعرِف ذلك جيداً، اليوم ندفع بحدود الثلاثة دولارات للغالون. إذاً هناك حاجة إلى النفط العربي لأنّ مرور النفط العربي في الشرق الأوسط مُهمّ جداً ليس فقط للولايات المتحدة ولكن لبقيّة دول العالم. التجارة العالميّة تهتم كثيراً بمرور السُفن الآن في منطقة الشرق الأوسط، لذلك أعتقد أنّ الوجود الأميركي في الشرق الأوسط يُساعِد أو يُساهم في حلحلة الأمور أكثر من تعقيدها. مثلاً إذا انسحبت (أميركا) من (سوريا) اليوم ماذا سيحصل في تلك المنطقة؟ "داعش" ما زال قويّاً، بحسب تقارير الأُمم المتّحدة هناك أكثر من ثلاثين ألف داعشي موجودين بين (العراق) و(سوريا) وكذلك يمتلكون أموالاً تُقدّر بحدود ثلاثمئة مليون دولار. إذاً الوجود الأميركي في الوقت الحاضر ضروري

كمال خلف: لكن دكتور، هناك انطباع ويُمكن لحضرتك أن تُحدّد مدى دقّته، هناك انطباع بأنّ (الولايات المتّحدة الأميركيّة) بدأت فعلياً في الخروج من المنطقة، من منطقة الشرق الأوسط، لكنّها في هذه المرحلة تُرتِّب هذا الخروج. هي تعمَل على ترتيب هذا الخروج لأنّ لديها مصالِح حيويّة لا تُريد أن تخسرها، لأنّ الفراغ ممكِن أو يولِّد تغيّرات عميقة جيوسياسيّة في المنطقة ولأنّ أمن (إسرائيل) قد يكون في خطر، وبالتالي ما تعمل عليه الآن هو عمليّة تنظيم هذا الخروج وترتيب ما بعد الخروج، صحيح؟  

غبريال صوما: صحيح. كانت هناك نيّة، حتى على أيام "ترامب"، بالانسحاب الكامل من (سوريا) مثلاً ولكن في اللحظة الأخيرة غيَّر الرئيس رأيه. خروج (أميركا) مثلاً من (سوريا) في الوقت الحاضر يُعتبَر تهديداً للأمن القومي الأميركي لأنه إذا خرجت (الولايات المتّحدة) من شمال وشرق (سوريا) ستقوم القيادة الإيرانيّة بإرسال جيش إلى تلك المنطقة، و(روسيا) تتطلّع إلى تلك المنطقة. تلك المنطقة هي أغنى منطقة في (سوريا) لإنتاج البترول مثلاً، للزراعة، وإذا خرجَت القوّات الأميركيّة من (سوريا) في الوقت الحاضر لن يعود لها مقدِرة على التحكُّم في أيّ حلّ سياسي مُستقبلي، لذلك لا يُمكِن مُغادرة (سوريا) في الوقت الحاضر. في ما يتعلّق بـ (إيران)، القوّات القتاليّة الأميركيّة بحسب الاتفاق الذي جرى مؤخراً يرمي إلى سحب القوّات الأميركيّة القتاليّة من (العراق) وإبقاء القوّات التي يُمكن أن تُساهِم في إعطاء إرشادات واستشارات للجيش العراقي وللتدريب وللمعلومات وليس أكثر. لذلك وجودنا في (العراق) هو وجود مُرتبِط كثيراً بـ "داعش". إذا وجدنا بأنّ الجيش العراقي في إمكانه أن يهزم "داعش"، لأننا درّبنا حوالى 250 ألف جندي عراقي من بينهم خمسون ألفاً لمُحاربة "داعش". أعتقد بأنّ القوّات العراقيّة في إمكانها أن تفعل ذلك 

كمال خلف: نعم. ماذا يقول "عبد الرحمن الراشد" في صحيفة "الشرق الأوسط" تعقيباً على ما تفضّلت به دكتور "صوما" بعنوان "سياسة بايدن"؟ يقول "عبد الرحمن الراشد" في "الشرق الأوسط": "(الصين) وليست (روسيا) هي التحدّي الاقتصادي والسياسي والمصالِح مع شرق (آسيا). التوجُّه شرقاً سيكون على حساب الغرب والشرق الأوسط الذي تراجعت أهميّته مع تزايُد إنتاج (أميركا) للبترول الصخري فجعلها دولة مُصدِّرة وغيَّرَ تاريخاً طويلاً من العلاقة بين (أميركا) وحلفائِها في المنطقة. بدأ الانسحاب الأميركي العسكريّ من المنطقة وتراجع النشاط السياسي بناءً عليه". دكتور "سومر صالِح"، رأيك مباشرةً 

سومر صالِح: نعم، الانسحاب الأميركي من (الشرق الأوسط) بات حقيقة أو أقرب ما يكون إلى الحقيقة ولكن دونه أمرين علينا ألا نُغفِلهما، إنّ منظومة القيادة الأميركيّة التي كانت في الأُحاديّة القُطبيّة في بُنية النظام الدولي كانت قائِمة على نظام البترو- دولار وبالتالي لا يُمكن الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط حالياً حتى لو أنتجت ليس إثنا عشر مليون برميل بل أربعة وعشرون مليون برميل من النفط يومياً. المُعادلة هي مُعادلة التجارة العالميّة، 81 في المئة من التجارة العالميّة هي في الدولار وأغلبها من النفط، بالتالي لا يُمكن الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط ولكن يُمكن تغيير المُعادلة. النُقطة الثانية الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط ليس إنسحاباً كلّياً، هنالك إعادة هيكلة الترتيبات الأمنيّة والعسكريّة والدفاعيّة الأميركية في الشرق الأوسط وورد في الدليل المؤقت وضوحاً تصحيح الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، وسمِعنا في شكلٍ مباشر بعدها أنّ أولى الخطوات التي اتّخذتها إدارة "بايدن" هي نقل العدوّ الصهيوني من مقرّ قيادة القوّات الأميركيّة في (أوروبا) " يوكوم" إلى مقر قيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط "سينتكوم" وأعطتها الأولويّة القُصوى للتفاعُل العسكري والدفاعي والأمني مع القيادة الأميركية في شرق (آسيا) "إندوباكوم" في المحيط الهندي والهادئ، وبالتالي هذا الأمر يُشير إلى ترتيبات أمنيّة عسكريّة دفاعيّة أميركيّة تقوم بها (الولايات المُتحدة الأميركية) لتسليم المهمّة التي كانت تقوم بها (الولايات المتحدة الأميركية) للعدو الصهيوني ضمن ما أسمته الإدارة الأميركية " الشكل الجديد لأمن إسرائيل" من خلال المسار التطبيعي وما يُسمّى "الاتفاقيات الإبراهيمية" إضافةً إلى المسار الاقتصادي الذي يُمكن أن نُفرِد له مساحات خاصّة في كيف سيؤمّن المسار الاقتصادي الأميركي الجديد في المنطقة ما يُسمّى بأمن (إسرائيل)، وبالتالي هذه النُقطة الأولى. النُقطة الثانية هي أنّ المواجهة مع (الصين) باتت أوسع وأكبر وستكون انطلاقاً من الشرق الأوسط. منذ الأمس القريب كان هنالك اجتماع قمّة السبع الكبار في جنوب غرب (إنكلترا) في أحد المنتجعات وهو منتجع "كاربس" وكان هنالك قرار بإنشاء ما يُسمّى مشروع B3W، وهذا المشروع هو مواجهة مباشرة مع مشروع "الحزام والطريق" الذي لا يُمكن أن ينجح إلا من خلال الشرق الأوسط، وسينطلق المشروع الأميركي الجديد B3W من خلال الشرق الأوسط، وبالتالي هذا الأمر بات مواجهة كبيرة، وبالتالي الولايات المتّحدة الأميركية تُريد الانسحاب شرقاً ولكنها لا تريد أن تترُك الفراغ، وبالتالي هي بدأت في السياسات العسكريّة ومن ثمّ مواجهة أدوات (الصين) في المنطقة فطرحت البديل الاقتصادي إنطلاقاً من منطقة الشرق الأوسط، ومن ثمّ طرحت الشكل الجديد لأنابيب الطاقة. هنا سنطرح بين قوسين مع التحفُّظ مشروع "الشام الجديدة"، مشروع "أنابيب التابلاين"، مشروع أنابيب "البصرة – العقبة"، ومشروع "نيوم"، كل هذا يحتاج إلى قيادة جديدة في المنطقة، ومن هنا نقول إنّ نقل (الولايات المتّحدة الأميركية) العدو الصهيوني إلى "سينتكوم" لم يكن فعلاً عسكرياً خالصاً بل كان فعلاً عسكرياً لإنشاء قيادة إسرائيلية جديدة للمنطقة وكأنّه إعادة إخراج مشروع "الشرق الأوسط الكبير" ولكن بحُلّة جديدة، وسحب منظومات "الباتريوت" من عدة دول خليجية لدفعها مباشرةً إلى أحد خيارين، إمّا الخيار الإسرائيلي أو الخيار الفرنسي، وأعتقد أنّ بعض دول الخليج من خلال "الاتفاقيات الإبراهيمية " ستتوجّه إلى الخيار الإسرائيلي للأسف مع وجود كلام كبير عن خطوط أنابيب كبيرة في المنطقة إضافةً إلى "منتدى القاهرة"، وبالتالي نحن نتحدّث عن شكلٍ جديدٍ وترتيبات أميركية جديدة كُبرى للمنطقة ولكِنّ النُقطة الأساسيّة فيها هي ردع (الصين) من الدخول إلى الشرق الأوسط وليس (روسيا) لأنّ ما يُشكِّل خطراً على بُنية النظام الدولي الحالي من حيث القيادة الأميركية له أو توجيه وتشكيل جدول الأعمال الدولي هي (الصين). فبدأت المواجهة مع (الصين) انطلاقاً من الشرق الأوسط وهي لا تريد ترك فراغ في الشرق الأوسط ولكنّها طرحت عمداً الفراغ في (أفغانستان) لاعتبارات أيضاً مُرتبطة بمُبادرة "الحزام والطريق" الصينية

كمال خلف: سنتوقّف مع فاصل ضيوفي الأعزّاء ومُشاهدينا ثمّ نعود مرة أُخرى إلى "لعبة الأُمم" 

المحور الثاني           

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". أعود وأُرحِّب بضيوفي من (واشنطن) وأيضاً من (دمشق). "كرستين فونتينروز" في مجلّة National Interest الأميركية ماذا تقول عن أولويات الإدارة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط؟ تقول "كرستين": "أهم أولويات الإدارة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط تتمثّل في برامج (إيران) التي تُزعزع الاستقرار في المنطقة ومن بينها البرنامج النووي، وكذلك تأمين (إسرائيل) وتعزيز السلام بين العرب و(إسرائيل) وإنهاء الحروب في (اليمن) و(ليبيا) وتعزيز وضع حقوق الإنسان. سيكون هناك ضغط مُستمرّ على الشُركاء العرب و(إسرائيل) للحدّ من علاقاتهم مع (روسيا) و(الصين) وسيكون هذا واضحاً في وجهٍ خاص في مجالات الدفاع والأمن والفضاء الإلكتروني والذكاء الاصطناعي والطاقة النوويّة". هذا ما سيحصل دكتور "محمد الشرقاوي"؟ "فونتينروز" لخّصت المشهد اليوم؟ 

محمد الشرقاوي: نسبياً، بعض الأضلاع في السياسة الجديدة لـ "بايدن"، لكن هناك أمور ربما لم تهتمّ بها ولم تستعرِضها في هذه المقالة، وينبغي التدقيق في الفرق بين التخطيط الاستراتيجي كما سمِعنا من البيت الأبيض ومن وزارة الخارجية وبين التطبيق العملي في أرض الواقع وأختلف مع الضيفين الكريمين. هناك نيّة بدأت مع "ترامب" وتستمرّ الآن مع "بايدن" في ضرورة سحب الوجود العسكري الأميركي من الشرق الأوسط وحتى من (أفغانستان)، هذا ما هو مُسطّر في الكُتُب وفي المُخططات الاستراتيجية، لكن قد نصل إلى العشرين من يناير / كانون الثاني 2025 ولم يتحقّق هذا الانسحاب الأميركي لا من الشرق الأوسط ولا من الخليج ولا من (أفغانستان) لأنّ المسألة الآن تقوم على التسليم نظرياً بإمكانيّة أن يبقى توازن القوى وإنْ انسحب الدور الأميركي، وهذه فرضيّة غير واقعيّة لأنّه لاحظنا أنّه قبل أيام كانت هناك هجمات على ثلاثة مواقع، إثنين في (سوريا) وآخر في (العراق)، ضدّ بعض المليشيات المُسلّحة، ولاحظنا أيضاً أنّ هناك إعادة نظر ومُراجعة مُستمرّة للوجود العسكري في (أفغانستان) بحكم ما يحدُث الآن من قِبَل مُقاتلي "طالبان" الذين أصبحوا يتصرّفون وكأنّهم مالكو (أفغانستان) بالطول والعرض. فباختصار، هناك مشروع في البنتاغون ومشروع في الخارجية بتقليص الوجود الأميركي إلى أقلّ مُستوى ممكن، لكن هناك أيضاً بعض الاعتبارات الاستراتيجية التي ستُمدّد في بقاء هذا الوجود

كمال خلف: إسمح لي دكتور                                

محمد الشرقاوي: لو سمحت فقط نُقطة أُخرى تتعلّق في قضية النفط الخليجي 

كمال خلف: تفضّل 

محمد الشرقاوي: لا شكّ أنّ هناك حاجة، لكن هذه الحاجة للنفط الخليجي تتقلّص أكثر فأكثر، والآن هناك وفرة في السوق الأميركي وهناك أيضاً إعفاءات ضريبية للأميركيين الذين يقودون سيارات تعمل بالكهرباء وليس بالبنزين الخليجي، لذلك ينبغي أن نخرُج من نسق القراءة الترامبيّة، أو هي قراءة ماضويّة، ونبتعد عمّا كان خلال عام 2018 في البيت الأبيض ونصحو على حقيقة أنّ هناك بيتاً أبيض مُختلف ونحن الآن في 2021 وموازين القوى تتغيّر

كمال خلف: استراتيجياً دكتور، في القوس الاستراتيجي الواسع خلال عقد تقريباً من الزمن، عشر سنوات ماضية، (الولايات المتحدة) تحوّلت من التدخُّل العسكري المُباشِر كما جرى في (العراق) في عام 2003 وفي (أفغانستان) عام 2000 وفي أكثر من مكان، إلى التدخُّل عبر وكلاء أو شركاء أو الاعتماد على حلفاء إقليميين، هذا جرى ربما بعد العام 2010 في (ليبيا) وفي (سوريا). في أكثر من بلد اعتمدت (الولايات المتحدة) على القيادة من الخلق وأعطت هامِشاً مُهماً لشُركاء مثل (تركيا)، مثل بعض الدول الخليجية مثل (السعودية) و(قطر) وإلى آخره، في كل ما جرى في المنطقة. اليوم هذا التحوُّل هل سيستمرّ؟ لأننا رأينا نوعاً من الاعتماد أو بداية الاعتماد على (تُركيا) في (أفغانستان) مثلاً بعد الانسحاب في حماية مطار (كابول) أو غيره. هل تعتقد أنّ (الولايات المتّحدة) ستُعوِّض هذا التخفيف من وجودها في الشرق الأوسط عبر الاعتماد على حلفاء أو شركاء إقليميين في المنطقة؟ 

محمد الشرقاوي: (واشنطن) تنظُر إلى الواقع الاستراتيجي في الشرق الأوسط والخليج بنظرة جديدة، وهي أننا الآن في مرحلة ترتبط فيها مصالِح الدول العُظمى كـ (الولايات المتّحدة) و(روسيا) مع مصالِح دول إقليمية كـ (إيران)، كـ (تركيا)، كـ (السعودية) مع مصالِح دول صغيرة مثلاً كـ (قطر) أو (البحرين) أو (الإمارات) وما إلى ذلك. إذاً، بناء هذا التوازن، توازن القوى، أصبح يعتمِد على ثلاثيّة في كل طرف، (أميركا) تقف مع دول خليجية ودول صغيرة أيضاً وفي المُقابل يُمكن أن نتحدّث عن أفضل مثال وهو التحالف الثلاثي بين (طهران) و(أنقرة) و(موسكو). يُمكن أيضاً أن نضيف مسألة أُخرى وهي أنّ خبراء الاستراتيجية هنا في (واشنطن) وإن كانوا يُقدِّمون مجموعة من الاجتهادات أو من التصوّرات والمشروعات للرئيس في البيت الأبيض، سواء في حقبة "ترامب" أو الآن في حقبة "بايدن"، إلا أنهم لم يحسِموا في الأمر، بمعنى هل هو انسحاب في المُحصِّلة النهائية أم فقط إدارة هذه المرحلة بنيّة الانسحاب المُتدرِّج. يمكن أن أقول إنّ المسألة لا تعود كما تفضّلت إلى عام 2010 أو إلى عام 2011 والأزمة الليبية، يُمكن العودة بالأسباب الجذريّة إلى عام 2003، إلى مجموعة من الخطايا الاستراتيجية التي ارتكبها الرئيس "جورج بوش" الإبن ونائبه "ديك تشيني" عندما قرّرا غزو (العراق). أعتقد أنّ كلّ ما نشهده الآن سواء في حقبة "أوباما" أو "ترامب" والآن "بايدن"، كلّها قراءات تتجدّد بحُكم أنّ هناك درساً، هناك عِبَر لا تزال ماثِلةً أمام العيان، أمام الاستراتيجيين الأميركيين لأنّهم أساؤوا تقدير دورِهم في حرب (العراق) وبالتالي صعّدت مجموعة من التحديات، صعّدت "داعش"، صعّدت الخلافات مع السنّة وما إلى ذلك. أكثر من هذا، هم الآن قدّموا أنفسهم على أنّهم أوصياء لـ (العراق) الجديد ما بعد حرب (العراق) لكن يبدو الآن أنّ (العراق) وأرضه أصبح مصدر صُداع مُستمرّ للأميركيين أكثر من الإيرانيين أو أكثر من دول أُخرى، حتى أكثر من (إسرائيل). ينبغي أن نحتفظ بهذا النسق، أنّ هذه المُراجعة هي مراجعة من قبيل إدارة المرحلة وليس بتفضيل استراتيجيات تخدُم مصلحة (أميركا) مئة في المئة، بمعنى أنّ الصورة لا تزال تتّضح نسبياً وربما قد نحتاج إلى عشر سنوات حتى نصل إلى، هل تحسم (واشنطن) في الانسحاب أم في البقاء في المنطقة؟ 

كمال خلف: ألا يُلاحَظ سيّد "غبريال صوما"، وأسمع رأيك أيضاً بما قاله الدكتور "محمد" والدكتور "سومر"، لكن ألا يُلاحظ، عندما نتحدّث عن شركاء أو قوى إقليمية أو حتى قوى دولية، أنّ بعضها بدت لديه رغبة في الاستعجال لملء الفراغ. يعني عندما نرى الاتفاقية الاستراتيجية بين (الصين) و(إيران)، التزام (الصين) الحالي عبر برقية الرئيس الصيني إلى (سوريا)، إلى الرئيس السوري، التي قال فيها: "ستقوم (الصين) بزيادة الدعم لـ (سوريا)"، عندما نرى (تركيا) في (أفغانستان) تُريد أن تنخرِط في شكلٍ مباشِر وفي (ليبيا) أيضاً، ألا تعتقد أنّ هذه مؤشّرات على أنّ ثمّة قوى بدأت تشعُر بأنّ هناك نوعاً من الفراغ ربما سيكون في هذه المنطقة وبالتالي عليها أن تملأه؟ 

غبريال صوما: لا شكّ بأنّ في عهد "ترامب" كان الاتجاه نحو تقوية الروابط التي تجمع (إسرائيل) مع بقيّة الدول العربيّة، ولذلك تمّ التفاهُم على ما يُسمّى بـ "الاتفاقيات الإبراهيمية". "الاتفاقيات الإبراهيمية" حصلت نتيجة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط. (السعودية) مثلاً وبقية دول الخليج تجِد بأنّها مُعرّضة للخطر ليس من قِبَل (إسرائيل) ولكن من قِبَل (إيران). منذ عام 1948 كان النزاع يُسمّى النزاع العربي الإسرائيلي، اليوم النزاع هو نزاع فلسطيني إسرائيلي أكثر مما هو نزاع عربي إسرائيلي، (الأردن)، (مصر)، (السعودية)، (الإمارات)، (قطر)، (البحرين)، (السودان)، هذه تُشير إلى أنه إذا ما مثلاً حصل فراغ في المنطقة بحيث أنّ (الولايات المتّحدة) لم تكن موجودة عسكرياً، على الأقل هناك تجمُّع عسكري إسرائيلي عربي في إمكانه أن يقوم بالأعمال في الدفاع عن هذه المُدن. اليوم (إيران) هي التي تُهدّد (السعودية) وليست (إسرائيل). (إيران) هي التي تُهدّد مثلاً دول الخليج وليست (إسرائيل). هذا شيء نفّذه الرئيس السابق وأعتقد أنّ "بايدن" يرضى في ترسيخ هذه الاتفاقيات وقد تزداد في المُستقبل

كمال خلف: لكن سؤالي كان دكتور حول قوى قد تملأ أو تستعدّ لملء الفراغ في الشرق الأوسط. مُداخلتك كانت تقول بأنّ هذا هو التجمُّع الذي سيكون البديل أو سيتقدّم في حال كان هناك نوع من إعادة التموضُع لـ (الولايات المتّحدة) في المنطقة؟ التعويل على هذا التجمُّع العربي الإسرائيلي الجديد؟

غبريال صوما: هذا التجمُّع من الناحية النفسيّة يجعل هذه الدول أكثر اطمئناناً لأنه في حال (الولايات المتّحدة) سحبت قوّاتها العسكرية من الشرق الأوسط هناك دولة قويّة مثل (إسرائيل) في إمكانها أن تملأ هذا الفراغ. إذا أضفنا إلى ذلك الوضع في (تركيا) مثلاً، "إردوغان" على الرُغم من انّه اشترى المنظومة الصاروخيّة الـ S-400 ولكنه إلى الآن لم يُفعِّل هذه المنظومة لأنّ الطائِرات الموجودة لدى (تركيا) هي في أكثرهاF-15   وF-16 وينتهي مفعولها في خلال عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة. لذلك حَرَم نفسه من طائِرات المقاتلات مثلاً الـ F-35. إذاً من هذه الناحية (تركيا) أصبحت دولة ضعيفة، لذلك أعتقد بأنّ (تركيا) ستبقى في محور "الناتو" وفي المحور الأميركي وأنّها ستعتمِد كثيراً على (أميركا) سواء من ناحية اقتصادها أو من ناحية القوى العسكرية والجيش. تُعتبر (تركيا) ثاني أكبر دولة عسكريّة في "الناتو" بعد الولايات المتّحدة، لذلك أعتقد بأنّه حتى لو انسحبت القوّات الأميركية من الشرق الأوسط في إمكاننا الاعتماد على حلفائِنا مثل (إسرائيل) وعلى شُركائِنا مثل (السعودية) ودول الخليج وكذلك (تركيا)

كمال خلف: حسناً، قبل أن أنتقل إلى (دمشق) رأيت الدكتور "محمد" وكأنه غير موافق على بعض النِقاط. دكتور "محمد" آخذ منك تعليقاً ولاحقاً نتّجه إلى (دمشق). تفضّل. دكتور "محمد" تفضّل. حسناً، صوتك لا يصل إلينا من المصدر، أرجو أن يتمّ إصلاح الصوت ونأخُذ مُلاحظاتك. دكتور "سومر صالِح" تفضّل

سومر صالِح: نعم، حقيقةً لديّ تعقيب بداية. نعم تغيّر البيت الأبيض ولكن (أميركا) لم تتغيّر، (أميركا) بقواها الحقيقة التي تُمثِّل وتصنع وتنفِّذ السياسة الخارجية الأميركية في الحقبة النيو ليبرالية كركيزة لما بعد الحداثة لم تتغيّر، والتغيّرات الحاصلة على المستوى الفوقي في البُنية الفوقية للسياسة الخارجيّة الأميركية، أي البيت الأبيض"، هي فقط لرأب الصَدْع في الشارع الأميركي، هذه هي النُقطة الأولى. النُقطة الثانية، لم نتحدّث عن انسحاب أميركي كلّي في المنطقة، نتحدّث عن ترتيبات هيكليّة جديدة أمنيّة دفاعية للشرق الأوسط. سأتحدّث لك عن خمسة كيانات في الشرق الأوسط تُنفِّذها (الولايات المتحدة الأميركية)، قوة أمن البحار التي تشكّلت في الخليج العربي، كيان البحر الأحمر أو مجلس تعاون البحر الأحمر الذي تشكّل، "الناتو" العربي الذي كان كمشروع لكنه تنفّذ فعلياً، عندما تنتقل (إسرائيل) إلى هذا الهيكل الجديد الذي هو القيادة الأميركية للشرق الأوسط، هو "ناتو" عربي بطبيعةٍ أُخرى.  وبالتالي اليوم (الولايات المُتحدة الأميركية) تُرتِّب الهيكل الأمني الدفاعي حتى لا يحصل هذا الفراغ. لكن، من قال أنّ هناك رغبة روسيّة في ملء هذا الفراغ في المعنى الذي يتفضل به الضيوف؟ أو هكذا وصلني، في المعنى العسكري أو في المعنى الذي يفهمه البعض 

كمال خلف: إنّه انخرَطَت دكتور "سومر"، انخرَطَت (روسيا) في شكلٍ أكبر في قضايا الشرق الأوسط عبر البوّابة السوريّة 

سومر صالِح: سأتحدّث عن هذا الموضوع  

كمال خلف: وهناك الصين عبر الاتفاقيّة الاستراتيجية مع (إيران)، العروض التي تُقدّم لـ (سوريا)، العروض التي تُقدّم لـ (لبنان) حالياً في الاستثمار وغيره، البحث عن موطئ على بحر المتوسّط وجدوه في (الجزائِر) والاتفاقيات التي تُعقد الآن مع (الجزائِر)، بمعنى أنّ هناك نوعاً من تقدُّم لهذه القوى في هذه المنطقة وفي عدّة مناطِق

سومر صالِح: ولكن هنالك فرقاً كبيراً بين النموذج الأميركي والنموذجين الروسي والصيني. النموذج الروسي عندما أتى في عام 2015، مباشرةً طرح نظريّة الأمن الإقليمي، وتذكّر آنذاك أنّه قام "لافروف" في عام 2015 بجولة إقليمية تبلورت عن طرح قام به آنذاك وهو نظرية الأمن الإقليمي الشامل للمنطقة وأعاد طرحها "بوتين" في العام 2018، وبالتالي شكل ملء الفراغ الروسي في المنطقة لم يأخذ بُعداً عسكرياً ولا حتى بُعداً اقتصادياً في معنى الهيمنة على المنطقة، بل أخذ نظريّة التكامل في المنطقة. حتى في وجهة نظر الصينيين، طرحوا السلام للجميع والتنمية للجميع و"طريق الحرير" الذي يمُرّ لأجل الجميع ولم يطرحوا الفراغ في المعنى العسكري، بالتالي لدينا رؤى مُتغيِّرة ونطرح الشكل الجديد لبنية النظام الدولي القادمة وهي التعدّدية القُطبية كفرضيات سياسية. نحن حتى هذه اللحظة نمرّ في مرحلة " لا تعيين" 

كمال خلف: لكن ألا تعتقد "دكتور" بأنّ "طريق الحرير" يحتاج إلى حماية عسكريّة؟ ألا تعتقد ذلك؟ 

سومر صالِح: نعم

كمال خلف: ألم ترَ أنّ (الصين) وضعت قواعِد عسكريّة في (جيبوتي)؟ أيضاً وقّعت اتفاقيّة في ملاحق سريّة في المناسبة في الاتفاقيّة الاستراتيجية مع (إيران) تبحث عنها (الولايات المتحدة) أو تُجادل فيها الإيرانيين وقد يكون فيها شقّ عسكري؟ كل هذا فيه ترابط 

سومر صالِح: نعم، هذا وَرَد في مبادرة، في المبادرة التي طُرِحت في "الحزام والطريق" كان لديها مُلحق عسكري وهي استراتيجية "عقد اللؤلؤ"، واستراتيجية "عقد اللؤلؤ" معناها أن تقوم (الصين) ببناء قواعِد عسكريّة على طول "طريق الحرير" البحري في الدرجة الأساسيّة ومن ثُمّ على طول "طريق الحرير" في المعنى البرّي، وبالتالي هي لم تنفِ الموضوع العسكري منذ البداية ولكنّها طرحته على قاعِدة "السلام للجميع" ولم تطرحه على شكل الهيمنة. أنا هنا لا أُدافِع عن وجهة نظر (الصين)، هنالك الكثير من الإشكاليّات حول مشروع "الحزام والطريق" أو مبادرة "الحزام والطريق" التي تطرحها (الصين)، وأيضاً هنالك الكثير من المثاليّة التي طرحتها السياسة الخارجيّة الروسيّة في نظريّة الأمن الجماعي للشرق الأوسط، ولكن عندما نتحدّث لا نتحدّث عن فراغ. كما تفضّل الضيفان الكريمان، لا يُمكن أن نتحدّث عن انسحاب كلّي، الآن كل الأمور مؤجّلة إلى العام 2026، الاستقرار الاستراتيجي العالمي. القمّة التي جمعت "بوتين" و" بايدن" كانت تتحدّث عن استقرار استراتيجي وتتحدّث عن العصر الجديد. علينا أن نفهم السياسة الخارجية لكل الدول من خلال العصر الجديد من خلال التنافُس في شكله الجديد. المفاهيم القديمة للطاقة، المفاهيم القديمة كلها أُلغيت واليوم نتحدّث عن ريادات تكنولوجية وعسكرة الذكاء الاصطناعي

كمال خلف: صحيح

سومر صالِح: نتحدّث عن القطب المتجمّد الشمالي، نتحدّث عن عسكرة الفضاء الخارِجي، هذه هي الأمور التي تتنافس عليها الدول والتي تشغل بال الاستراتيجيات ومراكِز الأمن القومي بطبيعة الحال، وبالتالي هذه القضايا التي تكون على الأرض ليست قضايا في المعنى الذي يُشكل خطراً. حتى في اللقاء الأخير بين "بوتين" وبين "بايدن" لم تكن قضايا الأزمات مجالاً مباشراً للطرح بل كانت القضايا الأكثر هي القضايا هي 

كمال خلف: لم يعد معي وقت دكتور "سومر"، سأُعطي الوقت في نهاية الحلقة للدكتور "محمد الشرقاوي". كان عندك مُلاحظات وحاولت أن آخذها مباشرةً لكن الصوت لم يُساعِدني، تفضّل 

محمد الشرقاوي: نعم اعتذر عن انقطاع الصوت. أُقدِّر ما تفضّل به أُستاذ " صوما" لكن أختلف معه تماماً عندما يخلُص إلى أنّ هناك الآن قبولاً في (واشنطن) بفكرة أنّ هناك نادياً عربياً، نادي التطبيع، يرتاح في المنطقة ويبدأ تحالفاته مع (إسرائيل) وأنّ (إسرائيل) هي البديل العسكري لـ (الولايات المتّحدة) 

كمال خلف: تختلف مع الدكتور "غبريال صوما" وليس مع الدكتور "سومر" 

محمد الشرقاوي: "صوما" فعلاً، "غبريال صوما" نعم. فقط أقول إنّ ما يُفنِّد هذا الطرح هو أنّ البيت الأبيض عندما حاول الدخول على خطّ المعارِك أو القصف الصاروخي بين (إسرائيل) و(غزّة) لم يكن هناك اتصال هاتفي لا مع (أبو ظبي) ولا مع (المنامة) ولا مع (الخرطوم) بل عاد وتواصل مع (الدوحة) ومع (القاهرة) ومع (عمّان)، ولاحظنا أنّ هناك دُولاً كان لها دور في عمليّة السلام وفي المبادرة العربيّة وفي حلّ الأرض مقابل السلام وليس السلام مقابل السلام كما قال "نتنياهو" أو الاقتصاد مقابل الاقتصاد. فلا يُمكن أن نُسقِط مثل هذه الأمور غير الموضوعيّة على ما يقع الآن 

كمال خلف: دكتور، انتهى الوقت للأسف الشديد والموضوع يحتاج ربما إلى المزيد من البحث لكن، دكتور "محمد الشرقاوي" أستاذ في تسوية الصراعات الدولية من (واشنطن) شكراً جزيلاً لك. دكتور "غبريال صوما" أُستاذ في القانون الدولي من (واشنطن) أيضاً أشكرك جزيل الشُكر، دكتور "سومر صالِح" باحث في الدراسات السياسية والعلاقات الدوليّة من (دمشق) شكراً جزيلاً لك. مُشاهدينا، "لعبة الأمم" انتهت، إلى اللقاء 

 

           

 

 

     

    

         

                    

تونس إلى أين؟

الفصل الثمانون من الدستور التونِسيّ، هو المفتاح والمعضلة في الوقت نفسه، اليها استند الرئيس قيس سعيّد في قراراتِه وعليها يختلف المعارضون في تأويلِها، فرئيس البرلمانِ وزعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي عدَّ إجراءات سعيّد انقلابية على الدستور والديمقراطية، أما الرئيس سعيّد، فيدافع عن قراراته ويعدُّها إنقاذيةً وغير انقلابية، محذّراً منَ استخدامِ الرصاص والعنف، ويؤكّدُ أنَّ هناك لصوصاً يحتمُونَ بِالنصوص، ووسط كلّ ما يَجري في البلادِ بين مؤيِّد ومعارض، السؤال الأهمّ هو: تونِس الى أين؟ تونس البلد الناجي ممَّا عرفَ بحريق الربيعِ العربيّ، الذي انتهج خارطة طريق ديمقراطيةٍ وحوارٍ وطنيٍّ تكللَت بجائزة نوبل للسلام، يقف حالياً أمام ما يسمّيه البعض قرارات ثورية، وآخرون يسمُّونَه ثورة مضادة، هل ما زال هناك إمكانية للحوار بين الفرقاء؟ أمْ أنّ الانقسام كبير وسيؤثر في المَنطقةِ برمّتها؟ وهنا نسأل عن البعد الإقليميِّ والدَوليِّ لما يجري؟

المزيد