بناء العقل النقدي

وظيفة الجسد الرئيسية هي حمل الدماغ - مدير التفكير والإدارة - وقد جعل الله مركز التفكير والأوامر في القمة, ليوجهنا جل جلاله إلى القمة, والمسلمون ذهبوا إلى الأسفل والمستقبل يصنعه العقل وليس الخرافة, والأمم التي ستسيطر على المستقبل هي أمم العقل... ولا تقل سمعت و ذاك قال وذلك أشار قل أنا فكرت وحللت وفككت الفكرة , وعقلي يقول ولا دين مع ضعف العقل و لذلك فاقد العقل غير مكلف ولا يحاسب ويدخل إلى الجنة بغير حساب... فالعقل هو المناط وهو مركز التشريع وفهمه.. وكلّما كان العقل قويّاً، كلّما كان أكثر ميلاً إلى العزلة, لأن صاحب الفكر يعاني ويمكن الجزم أن العقل مات في الوطن العربي, وأبتلينا بالجنون الذي أصبح حالة عامة في الوطن العربي, وبات كلام العقلاء ضربا من الجنون وأصبح الجنون هو العقلانية المندلعة لماذا غلب العقل النقلي على حساب العقل النقدي في مشهدنا الثقافي والفكريّ؟ كيف توزّع العقل الإسلامي بين النقل والعقل , وكيف كان العقل النقدي عبر مراحل تاريخنا؟ هل بناء العقل النقدي شرطٌ لنهضة الأمة وما هي خصائص العقل النقدي وأهميته في إعادة تصحيح المسار الحضاريّ؟

 

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

وظيفة الجسد الرئيسية هي حمل الدماغ ومدير التفكير والإدارة، وقد جعل الله مركز التفكير والأوامر في القمّة ليوجّهنا جلّ جلاله إلى القمّة. والمسلمون ذهبوا إلى الأسفل، والمستقبل يصنعه العقل وليس الخُرافة. والأمم التي ستسيطر على المستقبل هي أمم العقل، ولا تقول سمعت ذاك، وذلك أشار.

قل أنا فكّرت، وحلّلت، وفكّكت الفكرة، وعقلي يقول ولا دين مع ضعف العقل. ولذلك فاقِد العقل غير مُكلّف ولا يُحاسب ويدخل إلى الجنّة بغير حساب. فالعقل هو المناط، وهو مركز التشريع وفَهْمه، وكلّما كان العقل قويًا كلّما كان صاحبه أكثر ميلًا إلى العزلة لأنّ صاحب الفكر يعاني. ويمكن الجَزْم أنّ العقل مات في الوطن العربي، وابتلينا بالجنون الذي أصبح حالاً عامة في هذا الوطن العربي، وبات كلام العُقلاء ضربًا من الجنون، وأصبح الجنون هو العقلانية المُندلعة.

عظّم الله لكم الأجر في أوطاننا العربية قاطبة في عصر يُهيمن فيه العِلم والثورة التكنولوجيا والمعلوماتية والمزيد من العقلانية، وفي راهن يتغيّر فيه مفهوم الزمان والمكان بالمعنى التقليدي، ويتحوّل العالم إلى قريةٍ صغيرةٍ فعلية. وفي زمن تحقّق فيه العقلانية نجاحات ترخي الخُرافة واللّاعقل والأساطير وحرمة النقد وحرمة بناء عقل نقدي على الساحة العربية. وعلى الرغم من دعوة القرآن المسلمين إلى ضرورة إعمال العقل والتفكير واللبّ في آيات لا حَصْر لها، واعتبار الإسلام أنّ الطريق إلى الله يتمّ عن طريق العقل والتفكير والعِلم والتدبّر والتساؤلات والجدل الفكري والعقلي لا عن طريق التقليد، فإنّ حركة العقل توقّفت لحساب تمجيد الثقافة النقلية والخرافية والبباغوية في أحايين كثيرة. وعندما اختفى العقل ظهرت الأسطورة والخُرافة والتأويل الخاطئ والمُتعدّد للنّص، وبدأ الانحدار الحضاري في العالم الإسلامي، واختلّ التوازن بين الشرق والغرب. والعقل الإسلامي تشكّل في قالب تاريخي صاغت تضاريسه 1400 سنة من المُتناقضات والاحتراب المذهبي والتقاتل بين المذاهب. وهو ذو وعاء تاريخي يصعب عليه أن يؤسِّس لنهضةٍ معاصرة، والحلّ بإعادة تأسيس هذا العقل، أو صوغ آخر جديد ومت دون ذلك سنظلّ في التخلّف 1400 سنة أخرى، وأنّه من المُحزن حقًا أن يُعدَم العقل من المُحزن حقًا بالفعل أن يُعدَم العقل والعقلانية، ويُرمى المُفكّرون بالزندقة. وماذا تعقلن ومُشتقاتها تكرّرت في القرآن الكريم 49 مرة جاءت في جميع مُكرّراتها بصغية الفعل، ولم تأتِ هذه المادة بصيغة الإسم. فلماذا غلب العقل النقلي على حساب العقل النقدي في مشهدنا الثقافي والفكري؟

"بناء العقل النقدي" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من تونس الحبيبة المُفكّر التونسي الدكتور يوسف الصديق الكاتب، والباحث والمُتخصّص في إنتروبولوجيا القرآن، ومن مصر الحبيبة الباحث والكاتب صلاح سالم صاحب كتاب الأُسُس المؤسِّسة للإسلام السياسي، أو الأساطير المؤسِّسة للإسلام السياسي، ومن الجزائر الحبيبة الدكتور خالد محجوب أستاذ العقيدة والفكر في جامعة الجزائر.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 دكتور يوسف هل مشروع لنا أن نتساءل عن العقل النقدي؟ أين هو اليوم في مشهدنا الفكري الثقافي الفلسفي؟ وبالفعل عندما نتأمّل خارطة الإنتاج المعرفي الإبستمولوجي الإسلامي سنجد غَلَبة الثقافة النقلية على الثقافة العقلية، لماذا في نظرك؟

 

يوسف الصديق: أنت في مُقدّمتك أستاذ يحيى أوفيت بالمادة التي سنتناولها الآن. فعلًا ثمّة هوَّة كبيرة، وهناك بؤرة مُظلِمة كبيرة بين تاريخنا وهذا النصّ العجيب الذي هو مشروع رؤية القرآن، مشروع رؤية جديد تمامًا ومُتواصل وحقّق تقدّمًا كبيرًا بالنسبة إلى مشاريع الرؤية الأولى التوحيدية الموسوية والمسيحية، وحقّق فعلًا، وكان بذلك مُحقًا في أن يختم النبوّة. عندما ختم النبوّة لا لشيء إلا لأنّ النبوّة موجودة في منطقة ما يُسمّى بالأساطير بالمعنى الكبير للكلمة، بمعنى أنّ الله يوحي لناسٍ أنبياء أو رُسل، ثمّ هؤلاء يقولون لنا ما أوحي إليهم، وهذا الخطب لم نفكّر فيه، لم نفكّر في أنّ القرآن رؤية، وبعد ذلك بقليل أقلّ من مئة سنة صار هناك نصّ آخر، وصارت هناك رؤية أخرى رؤية خُرافية تمامًا حينما يقول القرآن إنّ محمد إبن عبد الله لا يستطيع أن يكون له فيلا أو يكون له بيت من زخرف، ويقول لا يستطيع تأتي لنا هذه الرؤية الجديدة الخُرافية المُعدِمة للعقل، تأتي لنا وتقول إنّ أصابع محمد ينحدر منها الماء يقول لنا إنّ الحجارة عندما يمرّ تحدّثه، ونؤمن بهذا ونترك الرؤية القرآنية العقلانية التي جاءت فقالت إنّ الحكمة هي أول ما يُستعان به للحياة، وبعد ذلك الموعِظة الحسنة، وبعد ذلك الجَدَل الجميل الجَدَل الحسن نكون أضعناه أضعنا 49 كلمة التي تحدّثنا عنها أضعناها تمامًا، وأصبحنا نسيح في الخرافة التامة الإسلام 14 قرناً وقد قلتها وأنت محقّ 14 قرناً خرافة تمامًا لا يتمتّع بالعقلانية في شيء.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خالد محجوب من الجزائر، كيف تعلّق على ما ذكره الدكتور يوسف الصديق ودائمًا نبحث في هذا الانحدار من العقلانية التي كرَّسها الإسلام إلى الخرافة والأساطير، والدخول في متاهات الجدل البيزنطي الذي أضاع المسلمين بسبب حضارتهم وتصدّرها للمشهد الدولي في ذلك الوقت؟

 

خالد محجوب: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، السلام عليكم ورحمة الله شكرًا لهذه الدعوة أستاذ يحيى.

 

يحيى أبو زكريا: وعليكم السلام حيّاك ربّي.

 

خالد محجوب: حيّاك الله، وبيّاك. في الحقيقة ونحن نتحدّث عن موضوع العقل النقدي نبدأ من حيث انتهيت ومن حيث انتهى ضيفك الكريم، فحين نقول بأنّ المسلمين يعيشون 14 قرنًا من الخُرافة فهذا الكلام يحتاج إلى نقد أصلًا لأنّ الذي نعرفه بأنّ القرآن الكريم في مصادره التأسيسية الكتاب والسنّة جاء ليُعلي من شأن العقل النقدي، العقل الذي يتأمّل والعقل الذي يتدبَّر والعقل الذي يتفكَّر والعقل الذي وصف القرآن الكريم أصحابه بأنهم أولو الألباب، وفي الحقيقة قبل أن نتحدَّث عن العقل النقدي ينبغي أن نُحدِّد جغرافية الفكرة التي نريد أن نتحدَّث عنها، وتحديدنا لجغرافيا الأفكار يمنعنا من الوقوع في متاهات النقاش البيزنطي كما ذكرت أنت. لماذا؟ لأنّنا حين نتحدَّث عن العقل، هذا العقل هو صَنْعة الخالق عزَّ وجلّ، والنقل هو كلام الخالق عزَّ وجلّ، ولا يمكن أن يكون هناك تعارُض وتضارُب بين نقل صحيح ثبتت نسبته إلى الخالق وعقل صريح صاحبه يعني ما يقول ويعرف ما يتعقّله.

العقل في الحقيقة هو تلك الغريزة، وتلك المَلَكة التي أودعها الله عزَّ وجلّ فينا والتي تظهر من خلال أفعالها كما ذكر ذلك الحارث المحاسبي في كتابه ماهية العقل. فالعقل يظهر من خلال أفعاله ويظهر من خلال ما يجرّ على صاحبه من أفكار على مستوى الألفاظ، أو على مستوى المكتوبات، وحين نتحدَّث عن العقل النقدي بوصفه عقلًا مُحتفى به في مصادر تأسيسية للشرع الإسلامي وهي الكتاب والسنّة، فنحن نتحدَّث عن أول آية نزلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم وهي آية إقرأ، ونتحدَّث أيضًا عن الآيات الأولى التي تحثّ على الكتابة، وترى بأنّ من موجبات قيام الحضارة الإسلامية هي الكتابة بالقلم قوله عزَّ وجلّ "ن والقلم وما يسطرون". وبعد ذلك حين نأتي إلى ممارسة العالم الإسلامي وممارسة المسلمين لما تمّ بثّه إليهم من خطاب إلهي ربّاني في ما يتعلّق بالوظيفة الوجودية التي أنيطت بهم، وهي وظيفة الاستخلاف الإيجابي في الأرض القائمة على عبودية الله عزّ وجلّ بمعناها العام الشامل، وليس بمعناها الطقوسي فقط، والقائم أيضًا على الاتفاق الكوني والاستفادة من مُقدَّراته في حدود قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا ضَرَر ولا ضِرار. ولذلك نتحدّث عن اتفاق الكون، ولا نتحدَّث عن الاستفادة من الكون لأنّنا حين ابتعدنا عن قيمة الاتفاق وقع في الكون ما حدّثنا القرآن عنه من قوله عزّ وجلّ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. حين يبتعد الإنسان عن القِيَم الإلهية، والقِيَم التنزيلية التي وردت في القرآن الكريم التي تحثّ الإنسان على إعمال عقله لاتفاق الكون في حدود ما حدَّده الله عزّ وجلّ، حين نبتعد عن ذلك فإنّه سيحدث الفساد. وحين يحدث الفساد تأتي الصفعات تلو الصفعات ونحن نقرأ تاريخ الإنسانية منذ أن بدأ من آدم عليه السلام إلى يوم الناس هذا نجد أنّ هناك تأثيرًا من صفعات إلهية جاءت لتردّ الناس إلى رُشدهم وإلى وعيهم.

وبالتالي أنا أريد أن أقف عند كلمة الأسطورة والخُرافة منذ 14 قرنًا، وأعلن بأنّني أرفض هذا الوصف المُتعلّق بالمسلمين. وأنت سيّد العارفين، وأعرف أنّك قد درست خالد بن نبي رحمه الله دراسة  مُستفيضة مالك بن نبي في مخطّط الحضارة الذي تحدَّث عنه، تحدَّث عن مرحلة الروح التي انتهت مع موقعة صفّين سنة 130 للهجرة، وبعد ذلك أخذت الحضارة الإسلامية ذلك المنحى المُنبسط الذي سيطر فيه العقل على جملة تصرّفات العالم الإسلامي ممّا ترتّب عليه هذه الحضارة التي وصلت إلى تخوم أوروبا في الأندلس وفي غيرها من دول أوروبا، وبالتالي حين نقول بأنّ العقل الإسلامي يعيش في الخُرافة هكذا بإطلاق، فهذا كلام فيه شيء، ويحتاج إلى نقد أيضًا ويحتاج منّا إلى وقوف معه من أجل أن نحدّد المسارات المعرفية التي نتحدَّث فيها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور خالد صحيح، ويقينًا سوف نفصّل في كل ذلك، وأمامنا مُتّسع من الوقت لفرش الفكرة ونَقْدها وتفتيقها وتوسيعها أيضًا.

أستاذ صلاح سالم من مصر الحبيبة، إذًا نحن أمام رأيين رأي من تونس للدكتور يوسف الصديق يقول إنّ النقل صَدَم العقل، وإنّ أمَّة العقل انتهت إلى نقل فرَّط في مكانتها، ورأي جزائري للدكتور خالد محجوب الأستاذ في الفكر الإسلامي يقول إنّ النقل مُكمِّل للعقل، أي أنّه توجد عملية متوالية رياضية بين العقل وبين النقل لأنّ العقل من الله والنقل أيضًا من الله تعالى، الصحيح طبعًا. ما الذي تقوله أنت أستاذ صلاح؟

 

صلاح سالم: أنا لم يعد لي مجال إلّا أن ألعب دور الجسر طالما أنّهما.

 

يحيى أبو زكريا: يا سيّدي مصر أمّ الدنيا فلا بدّ من أن تشغلنا جميعًا.

 

صلاح سالم: لا بدّ من أن نجمع الفرقاء، حقيقةً الإثنان إلى حدٍّ ما مُصيبان بمعنى لم يكن الفكر الإسلامي فكرًا خُرافيًا، ولا أسطوريًا منذ البداية وإلا لما شكّلت العقيدة، وشكّل الدين الإسلامي دولة فتيّة تحوَّلت إلى إمبراطورية، وشكّل حضارة قوية استوعبت السنّ وأفكار ومفاهيم حضارات أخرى، واندمجت فيها وبات هناك ما نُسمّيه اليوم الحضارة العربية الإسلامية. ولكن في نفس الوقت لم يكن العقل حاضرًا طوال الوقت، ولم تكن اليقظة موجودة طول الطريق وإلا لما انحدر تاريخنا إلى هذه الهوَّة، بمعنى أنّ الفكر الإسلامي بدأ عقلانيًا والرؤية القرآنية للوجود هي رؤية بالغة العقلانية لو تركناها في إطار الرؤية الوجودية كما تحدَّث الدكتور يوسف الصديق. وإنّ القرآن يقدِّم رؤية للوجود رؤية كاملة عقلانية جدًا، لكنّ محاولة تحويلها إلى رؤية إبستيملوجية، أي رؤية علمية تتحدَّث في نصوص ودقائق يستحدث منها الواقع، أو تُجيب على الأسئلة الواقعية المباشرة أعتقد أنّ هذا كان خطأً كبيراً.

أنا في تصوّري أنّ من بداية الإسلام وحتى القرن الرابع هجري على الأقلّ نحن في حال يقظة عقلية، هذه المرحلة كانت العلاقة بين العقل العربي المسلم وبين النصّ القرآني علاقة قوية ومباشرة، بمعنى أنّ علوم القرآن وعلوم التوحيد كانت هي المُهيمنة، ومن ثمّ الجَدَل الذي حصل بين المُعتزِلة والأشاعِرة كان جدلًا حقيقيًا قائماً على فكرة الاستنباط من القرآن بشكل مباشر، وأعتقد أنّ هذه المرحلة هي مرحلة الصعود الحضاري وصعود العقلانية العربية الإسلامية. وأعتقد أنّ فكرة النصّ القرآني هي طبيعة مكتوبة، وأنّ الطبيعة نفسها هي قرآن مكتوب، وأنّ فكرة النصّين فكرة الطبيعة كنصّ مبثوث في الكون، وفكرة أنّ القرآن كنصّ مكتوب وهذه فكرة في الحقيقة بلغت ذروتها في القرن الثالث وفي الفكر المُعتزلي في القرنين الثالث والرابع، لكن هذه الرؤية التي كانت سائدة وقوية وصنعت الحضارة هي نفسها لم تستمر والحقيقة أنا لا أُدين النّص القرآني، لكنّي أنا أُدين السياسة بمعنى أنّ الانقلاب الكبير الذي حصل على حساب العقلانية العربية حصل عندما استخدم يزيد بن معاوية وقبله والده مفهوم الجبر كى يُبرِّر سلطته السياسية وهيمنته السياسية أنّه طالما أنّه حكم فهذا قدر من الله، وإنّ الانقلاب على معاوية وحُكمه وسُلطته هو اختلاف على قدر الله يجب ألا يقع وإلا حصلت المعصية.

الانقلاب الثاني الذي حصل عندما جاءت المُعتزِلة وجرى جدل وسِجال عميقان، جاء المأمون وطرد أهل السنّة لحساب المُعتزِلة، وفي هذه المرحلة كان المُعتزِلة فرحين وكانوا سُعداء بهذا التدخّل السياسي لصالحهم، لكنّ بعد أقل من عشرين سنة حصل انقلاب المتوكّل، وبدأت السلطة تُدين الاعتزال وتتبنّى آراء أهل السنّة والجماعة هذا التدخّل السياسي في الحقيقة أفسد الجَدَل العقلي في الفكر العربي الإسلامي، والنقلة الأخرى التي أكملت هذا المسار كانت الانتقال من القرآن وعلومه كرؤية للوجود إلى السنّة تحوّلت السنّة خصوصًا بعد الشافعي والغزالي والأشعري لسيطرة مذهب أهل السنّة والجماعة تحوّلت السنّة إلى نصّ مؤسّس إلى جانب القرآن، وفي الواقع العملي في كثير من الحياة هي مشتركة بالواقع أكثر ممّا يشترك القرآن. وكذك استبدال النصّ السنّي بنصّ آخر هو نصّ مُكمّل محكوم بالنصّ الأول التأسيسي والقرآن الكريم يكون نصّاً يجاوره أو يفسّر به، أو حتى يسبقه في كثير من الأحوال أهدر كثيراً من العقلانية العربية الإسلامية. حقيقةً هناك انتقالان التدخّل السياسي كان عنصرًا مؤسِّساً في إهدار العقلية العربية والإسلامية الانتقال من النصّ التأسيسي إلى القرآن الكريم وعلّموه خصوصًا علوم التفسير، والتوحيد إلى السنّة وتدوينها والصحاح وكلّ العلوم والسنّة هناك تتمحور وتكون في قلب الحياة، وفي قلب العقلانية العربية الإسلامية أهدر جزءًا منها لأنّك أنت تعلم النصّ القرآني باعتباره نصاً رؤيوياً عاماً وشاملاً يقدّم رؤية للوجود هي رؤية تستطيع أن تعبر المكان والزمان لأنّها رؤية تُحلّق في الفضاء، فتستطيع أن تشعّ على أماكن قاسية من جغرافية العالم وجغرافية العقل. لكنّ السنّة النقلية بتدوينها بمن قاموا بها بأساليب تدوينها وأساليب نقلها هي بنت بيئتها تخضع لأساليب التدوين وخاضعة للحديث وللرواية والكذب وكل هذه الأمور. فهنا النصّ القرآني أقرب تعبير عن الرؤية الفطرية للوجود أقرب للتعبير عن الفطرة الإنسانية. لكنّ السنّة النبوية بكل علومها هي أقرب للتعبير عن الحال الحضارية التي كانت أقرب للبدائية لو نظرنا إليها من النظرة الراهنة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ صلاح صحيح طبعًا سنرى في المحور الثاني لماذا أدّى تأويل النصّ بأوجه مختلفة إلى تفجير المشهد الثقافي في العالم العربي والإسلامي آنذاك وإنتاج الفتنة الكبرى منذ بداية العهد الإسلامي الأول.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد عدنا والعود أحمدُ، ومَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع آلية كيفية بناء العقل النقدي. طبعًا صدر الكثير من الكتب لباحثين عرب في هذا السياق، نذكر منها على سبيل العجالة العقل النقدي وخطاب الأنساق دراسة حفرية تأويلية لباحث جزائري، منزلة العقل عند محيي الدين إبن عربي، ونقد العقل العربي من عيوب تفكيرنا المعاصرة لطارق حجّي، الدكتور محمد عبد الجابري رحمة الله عليه لديه تكوين العقل العربي وبنيوية العقل العربي، محمد أركون لديه قضايا في نقد العقل الديني، إشكاليات العقل العربي لجورج طرابيشي رحمة الله عليه. وعقول مًعطّلة للدكتور نور الدين بولحية من الجزائر، وأيضا عندنا العقل المؤمِن والعقل المُلحِد يعالج ما نأتي على ذكره، والتفكير الناقد للجيل الصاعد محاولة لتأسيس عقل نقدي وسط شبابنا بدل العقل السلفي، وهناك كتاب الفقيه والعقل التراثي، وجواد ياسين كتب السلطة في الإسلام، وأخيرًا من السلفيون؟ ولماذا يخافون السلفية؟ حتى ننصف ونجمع بين كل الأفكار.

دكتور يوسف في الواقع أنت عندما استهللت الحلقة أطلقت حكمًا قاسيًا نوعًا ما انزعج منه علميًا وأكاديميًا الدكتور خالد محجوب من الجزائر، لكن عندما تتكلّم بالمصاديق تقنعنا أكثر. ما هي المصاديق التي تؤكِّد ما ذهبت إليه؟

 

يوسف الصديق: أنا أصرّ على أن يكون لدينا حيّز مشترك بين شقيقي الأخ صلاح سالم والأخ خالد محجوب من الجزائر أصرّ على أن يكون لدينا حيِّز مشترك. الحيِّز المشترك هو هذا الذي استلهمه من كلمة الأستاذ محجوب يقول النقل الذي ثبت عن الله عزّ وجلّ، وقد قال نفس الأمر كلّ المُخاطبين في هذا المثل. أنا أوجّهه لهم الحيِّز المشترك الذي أريد أن أناقشهم فيه، وأعتقد إنّنا سننجح في الاتفاق هو الحيّز الذي وجده مؤسِّس النقد بصفة عامة، وبصفة أكاديمية في الفكر الأوروبي كانت قال إنّه كلّ ما أقوله عن الله، وعن العِلم لا أستطيع إلا أن أؤمن به لا أستطيع أن أثبته عقليًا أنا معه انطلقت الحضارة الأوروبية التي نشهدها اليوم، والتي أشرت إليها في العلوم والفضاء الخ. انطلقت من كانت كانت قال هناك مناطق يضلّ فيها العقل، ويزيغ ويقول أوهاماً وخرافات وأشياء لن تقبل إذا كان تشبّث بمسائل لا يستطيع حلّها هذا كانت ماذا قال. لكن أنا لديّ هذا الواقع أستطيع أن أتحدّث فيه وهذا الواقع هو ما نُسمّيه الآن بالعقلانية، العقلانية لا تقول ما ثبت على الله من النقل العقلانية لا تقول هذا، ولا يمكنها أن تقول هذا تقول أؤمِن بأنّ الله أنزل حديثًا مُعيّنا الخ... وهو القرآن وأؤمن به ولا مكان للعقلانية في هذا إذا كان تجاوزنا هذه الحقيقة فإنّنا نسقط في الخُرافة، ونسقط في الهَذيان وهذا يقوله كانت.

إذًا، أنا أقرأ مثلما يقرأ الأستاذ صلاح والأستاذ خالد أقرأ كل هذه الأمور الخاصة بالمُفسّرين والفُقهاء والأشعري، لكن عندما يقول الأشعري إنّه أسّس  للمفهوم الذي تعيش عليه الآن أغلب السنّة قال جاءني النبيّ في المنام ثلاث مرّات، وقال لي أحفظ سنّتي وكذا وكذا أنا لا أستطيع أن أدخل في هذا هذا أؤمن به إن شئت ولا تؤمِن به إن شئت، ولكن ليس له مجال من العقلانية أبدًا.

 

يحيى أبو زكريا: الرؤية ليست حجّة دكتور يوسف؟

 

يوسف الصديق: الرؤية ليست حجَّة طبعًا. أنا بالنسبة لي أفتخر جدًا بأنّ الأستاذ صلاح مثلًا يقول إنّ فعلًا القرآن رؤية مشروع وعقلاني تمامًا، ويُميّز بين الأسطورة، ويفتخر بالأسطورة. وقد أشار الأستاذ صلاح إلى أنّ القرآن يقول نون والقلم وما يسطرون، وما يسطرون يعني الأسطورة هناك بيت شعر لامرئ القيس أعتقد يقول فيه وخط في تيماء حبر، ثمّ عرض أسطرًا، عرض أسطرًا أيّ بنى الأسطورة. والقرآن لا يستنكف من الأسطورة أبدًا، يُسمّيها القصص والقصص هو الرجوع خطوة خطوة إلى الماضي ارتدّا على أثارهما قصصًا هو الرجوع، لكن يعترف بالعقلانية وكلمة حضارية حديثة جدًا يستعملها القرآن الكريم التفكّر، والفكر ثمّ فكّر وقدّر، فلا يتفكّرون الخ كلمة حديثة جدًا.

هنا أعتقد ألا مجال لنا أن ندخل ونقحم الإيمان أبدًا في حديثنا هذا، وأنا لا أتجرّأ أن أدخل في الإيمان، أو أناقش الإيمان. تؤمن بأنّ الله أنزل حديثًا مُتشابهًا مثاني الخ والذي لا يؤمن لا أتخابط معه لأنّه لا يؤمن به فقط ليس له عقلانية بأن يثبت عدم إيمانه كما ليس لصلاح ولا محجوب ولا يوسف صديق ولا يحيى أية قدرة في أن يثبت إيمانه، يحتفظ بإيمانه فقط. ليس له الحق في أن يتعدّى هذا إلى التفكير وإلى العقلانية.

 

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور يوسف، دكتور محجوب طبعًا أنا سأحاول الخروج من كهوف التاريخ لأنّه واحدة من إشكالاتنا أنّنا سكنّا في التاريخ والآخرون ذهبوا إلى المستقبل.

سأحاول القدوم معك ومع الأساتذة الكرام حفظهم الله تعالى إلى القرنين العشرين والحادي والعشرين عندما سيطرت السلفية على العقلانية رأينا بروز الأثنيات، رأينا بروز الصراع المذهبي السنّي الشيعي، رأينا التقاتل بين المسلمين، رأينا التكفير الأعمى، الذي جزّ رقاب المؤمنين فأدّى غياب العقلانية إلى بروز التفاهات والسذاجة الفكرية التي حطّمت الجزائر من قبل ومصر، وتونس وسوريا، والعراق، واليمن واليوم الموت لا يتجوّل إلا في خطّ طنجة جاكرتا كرنفالات الموت، مهرجانات التقاتل باسم الله ورسوله. أليس ذلك بسبب الثقافة النقلية الجامدة؟

خالد محجوب: شكرًا لك على هذا السؤال المهمّ أستاذ يحيى. الحقيقة النقاش في أمثال هذه المواضيع مليء بالمُصطلحات المُفخّخة، والمُصطلحات التي تحتاج إلى التفكيك من أجل يكون جوابنا في إطار ما نريد أن نقول، لا ما يريد الآخر أن يفهمه. الحقيقة إننا حين نتحدّث عن الثقافة النقلية، نتحدّث عن سيطرة ما سمّيته أنت بالسلفيات في العالم الإسلامي في القرنين العشرين والحادي والعشرين ينبغي أن نتحدّث عنهم في السياقات التي وقعت فيها هذه السيطرات بين هلالين إن جاز التعبير. لماذا؟ لأنّنا حين نتحدّث عن هذه السلفيات لا ينبغي أن نهمل الحديث عن السلفيات الصهيونية والسلفيات المسيحية لأنّ هذه السلفيات التي ولِدت في العالم اليوم هي التي تسيطر على المشهد السياسي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خالد محجوب: وكوننا نتحدّث عن هذه السلفيات وهي تسيطر على المشهد السياسي نتحدّث عن كلام لأحد أساطين الدرس الاستشراقي في الغرب، وهو ريتشارد سولار الذي يتحدَّث في كتابه الإسلام في العصور الوسطى، يتحدَّث على أنّ الإسلام لا يُعدّ عند الكنيسة الكاثولكية وغيرها، لا يُعدّ إلا رقمًا من أرقام الأعداء الكثر لهذه الكنيسة. وبالتالي أنا أتساءل عن الذين تحدثوا، أو الذين حاولوا نقد العقل الإسلامي من خلال نقدهم للعقل الإسلامي يريدون أن ينقدوا ما صدر عنه هذا العقل. حين يتحدّثون عن نقد العقل الإسلامي نتحدّث عن السياقات التي تحدّثوا فيها، مثلًا الذين أرادوا أن يُميّزوا بين السنّة القولية والسنّة الفعلية، وأنّ السنّة القولية قد اعتراها ما اعتراها من مخاضات التدوين التي وقع فيها الكثير من الزيادات والكثير من الموضوعات، هذا الكلام أريد أن أفهمه في السياقات الراهنة. لماذا يتحدّث هؤلاء عن موضوع قد قتل بحثًا وتمّ تحديد مساراته بداية من عهد التنزيل إلى منتصف القرن الثاني حين تمّ تدوين كتب السنّة؟ لماذا يتحدّثون عن هذا الموضوع بالذات في هذه اللحظات ونحن نعيش هذه المرحلة مرحلة الاستفاقة من صفعة الاستعمار الغربي التي وجّهها للعالم الإسلامي؟ وهذا العالم الذي يمتدّ على محور طنجة جاكرتا الذي تحدّثت عنه، وبالمناسبة محور طنجة جاكرتا يتحدّث من ناحية الجغرافيا السياسية يتحدّث عن الإسلام السنّي، الإسلام السنّي الذي يتميّز بهذه الخصائص التي أعطته هذا الوجود، والتواجد في سياق هذه الراهنات الواقعية المريرة، وهي النواة العقدية الصلبة وامتلاك معظم الثروة في العالم، وهذا الخط الذي يمتدّ على مستوى الوسط بحسب مقولة روزفلت الرئيس الأميركي أنّ الذي يمتلك خطّ الوسط هو الذي يمتلك العالم، وبالتالي هذه الحرب الموجّهة نحو هذا العالم من خلال ما سمّيته أنت من خلال سيطرة السلفية على المشهد، وأنا لا أوافق بأنّ السلفية قد سيطرت على المشهد، بل هناك مدافعة، وهناك تدافع، وهناك محاولات حتى على مستوى المنابر الجامعية والأكاديمية، ونحن نعيش هذا التدافع، ونحاول أن نأخذ بأيدي هؤلاء الذين استأثروا للعقل النقلي في صورة الأشخاص وليس في صورة مصادر التنزيل. نريد أن نخرجهم من دائرة الاستئثار التي هيمنت عليهم، وأصبحوا يفكّرون من خلال الأشخاص منطق فكر بي أو حسب منطق المفكّر الأميركي سلمان آش عالِم الاجتماع الذي يتحدّث عن عقلية العقل الجَمْعي أو عقلية القطيع التي تُهيمن على الإنسان من خلال تلكم التجربة المعروفة تجربة آش في إثبات هيمنة العقل الجَمْعي على الفرد حين استدعى مجموعة من الطلبة واتفق معهم على أنّ الجواب الذي يحدّدونه للسؤال الذي يقدّمه لهم هو الجواب البيِّن خطأه، أعطاهم مجموعة من الاحتمالات، وطلب منهم أن يركّزوا على الجواب البيّن خطأه وأحضر معهم طالباً آخر لا يعرف عن الموضوع شيئًا، ثمّ أخذ يسأل الأول والثاني والثالث، والطالب الآخر صاحبنا بقي مدهوشًا كيف يختار هؤلاء الطلاب هذا الجواب البيّن الخطأ. لمّا وصل السؤال إلى هذا الطالب طبعًا اختار الجواب الذي اختاره أصحابه، وهنا اكتشف هذا الرجل سلمان آش هيمنة العقل الجَمْعي على الإنسان، وهؤلاء الذين تسميهم أنت أصحاب الفكر السلفي النقدي، ليتهم كانوا يعتمدون على النقل بوصفه مصدرًا للتشريع  ومصدرًا لكينونة هذه الأمّة. العكس هو الصحيح إنّهم اعتمدوا على مقولات فُهمِت في إطار مُخادِع أو في سياقات مخالفة، أو فُهِمَت بشكل خاطئ، وأرادوا أن يُجسّدوها على الواقع. وبالتالي أعطوا الفرصة لمَن كانت لديه نيّة الإجهاز على محور طنجة جاكرتا. فقد قدّموا له الفرصة من أجل أن يبيّن بأنّ هؤلاء الإسلاميين أو هؤلاء السلفيين هم أناس مُنغلقِون لا يريدون أن ينفتحوا على العالم، لا يريدون أن ينفتحوا على الجديد، لا يريدون أن يواكبوا تطوّر الحضارة مع أنّ الإسلام يدعو إلى هذه المواكبة، أو يدعو إلى هذا التطوّر، ويدعو إلى اتفاق الكون كما بدأت مطلع الحلقة.

إذًا حين نقول بأنّ السلفية الإسلامية هي التي تؤطّر المشهد المشهد الاجتماعي في العالم الإسلامي، هذا كلام أنا أعتقد أنّ فيه شيء من المبالغة لأنّ الذي يؤطّر المشهد والذي يؤطّر المشهد هو الغالب هو الغالب الوقتي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خالد محجوب: والغالب الوقتي هو الغالب الذي نتج من فترات طويلة من الاستكبار الغاشم لشعوب العالم الإسلامي حيث خرج الاستعمار وترك مكانه هذه الأنظمة الاستبدادية التي وظّفت أصحاب هذا الفكر المُنغلق من أجل خدمة أجنداتها ومواصلة السيطرة على شعوب هذا العالم السائرة في غيّها وفي غيبوبتها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتورنا العزيز الحديث عن المُستبدّ العربي أتصوّر يحتاج مليار و600 مليون حلقة وربّك، مليار وستمائة مليون.

أستاذ صلاح يمتاز العقل النقلي بثلاث صفات تمرير للأفكار من دون مناقشة، وتكرارها من دون تمحيص، وتبريرها والدفاع عنها حتى الموت. إذا عدنا إلى بداية القرن العشرين نرى أنّ كلّ الذين طرحوا الفكر الجدلي قُتلوا، وذُبحوا، أو فُصلوا عن زوجاتهم كما حدث لصديقنا المرحوم الدكتور نصر حامد أبو زيد رحمة الله عليه طلّقوه من زوجته للأسف الشديد. وأحذّر إنّي أحذّرك أستاذ صلاح صون الأسرة وإلا سيطلّقونك. بمعنى للأسف الشديد كلّ الذي كان يفكّر كان يُرجَم علمًا أنّ الله تعالى هو مَن أسّس للعقل النقدي عندما يناقش الإنسان ما غرّك بربك الكريم، عندما ناقش إبليس ما منعك أن تسجد، لماذا عندما نناقش نُزَنْدق؟ من قال بالتحقيق قيل عنه زنديق، هذا واقعنا اليوم والبارحة.

 

صلاح سالم: هذا جزء من هيمنة التراث التي تؤكّد أنّ المصدر والمرجعية التي يمكن القياس عليها هو شخص الفقيه لا يزال عالمنا العربي ينحاز إلى الفقيه يجعل منه حجّة إذا دخل في صراع مع مفكّر فهو اللاعب والحاكم في نفس الوقت سوف يطيعون الحاكم. الأمر الآخر هو الجمهور العام نصر حامد أبو زيد، وأنا كنت أعرفه والتقيت به أكثر من مرّة شخص يتمتّع برحابة عقل وقُدرة على قبول الآخر ورغبة في الدفاع عن الناس والتعبير عن إنسانية فيّاضة. لكن في لحظة الأزمة صدر للجمهور أنّه رجل يجذف على الله وكان الناس في موقف أكثر حماسة للانتقام منه، أو للنيل منه أكثر ممّا كان خصومه الفكريون من العقل السلفي، أو حتى من المحكمة نحن في الثقافة العربية الحاكم والجمهور العام والشعور العام هو ينحاز إلى الفقيه باعتباره سلطة تتحدّث باسم الدين ولديها موروث طويل على حساب المُفكّر، ولطالما استمرت هذه الثنائية فلا أمل في تجديد كبير.

العقل العربي شهد أجيالاً من المُفكّرين في القرن العشرين نفسه نتحدّث عن جيلين أو ثلاثة، نصر حامد أبو زيد أعتقد أنّه في الجيل الثاني أو الثالث، من بعده محمد عبده مطلع القرن والمشروعات الفكرية التي حصلت علي عبد الرازق ولطفي السيّد، والجيل الذي تلاه الجابري وزكي نجيب محمود والعربي كلّهم قدّموا اجتهدات ومشروعات فكرية ضخمة لتحريك العقل العربي وتحديد طرق ومسائل لإمكانية التجاوز، لكن السلطات المُستبدّة والشعور العام عند جمهور المسلمين أيّد هذه الحركة التجديدية. أنا في اعتقادي أنّه لا أمل في تجديد حقيقي للعقل العربي إلا في إسقاط سلطة الفقيه وإعلاء سلطة المفكر.

الفكر العربي ينحاز ضدّ المفكّر وضدّ العقل لأنّه في الحقيقة المفكّر يواجه سلطتين من نوعين مختلفين. فإذا تواجه المفكّر مع الفقيه تنتصر غالبًا السلطات الرسمية لأنّها أميل إلى تجميد الواقع والحفاظ عليه لأنّ المستبد يريد تأبيد الواقع وحتى يؤبّد الواقع لا بدّ من أن يؤبّد الفكر، وهنا يجد في التيار السلفي أو الفكر السلفي والعقل السلفي خير مؤيّد. فليستمر التراث كما هو وليستمر الفقيه لاعبًا محوريًا، وليستمرّ الناس في الطاعة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ صلاح لا تنسى السيّدة نوال السعداوي رحمة الله عليها التي كانت تقول الله يعرف في القلوب وليس في مايكرفونات المساجد، كم تحاملوا عليها وكفّروها وزندقوها وأخرجوها من الملّة.

 

صلاح سالم: في الحقيقة أختلف معك هنا دكتور يحيى الدكتورة نوال السعداوي كثريا منقوش وكمال صليبي وفاضل الرباعي هؤلاء يوضعون في هامش مختلف عن الجابري ومحمّد أركون وناصر أبو زيد.

 

يحيى أبو زكريا: يقينًا صحيح صحيح.

 

صلاح سالم: أنا أسمّي هؤلاء المفكّرين الذين تحدّثت عنهم هؤلاء أرباب العقل النقدي وهم كانوا يحاولون وضع الفكر العربي على السكّة التي وضع عليها الفكر الأوروبي بعد ممارسة النقد، وممارسة العلاقة أو الجدل المباشر بين فكرة العقل والإيمان، فكرة أنّه بالمنهج المعرفي الأمر في ذاته أو الظواهر باعتبارها شيئاً في ذاته. وفكرة ما بعد الظواهر أو ما فوق الظواهر فصل رؤية الوجود عن رؤية المعرفة، كل هذه المشروعات الفكرية تندرج في هذا السياق. لكن المناهج التفكيكية عند نوال السعداوي، وكلّ هؤلاء ذو منهج تفكيكي ليس له صدى كبير عند النقل، وأعتقد أنّه نوع من السرديات الهامشية، وأعتقد أنّها كانت تتحدّث خارج سياق الفكر العربي الإسلامي بشكل عام أو لتلبية بؤر فكرية، أو نزاعات في الفلسفة أو العقل الغربي أعتقد إنّها غير مُجدية في مسألة التجديد.

أنا أتصوّر وحتى نكون معاصرين أنّ تجديد الفكر العربي الإسلامي هو إحياء العقلانية والانتصار للعقل يجب أن تتّفق معًا على قناعتين. أولًا النصّ القرآني يقدّم رؤية للوجود، ولكنّه لا يقدّم رؤية للمعرفة، لا علاقة للأسئلة بالواقع المباشر بالرؤية القرآنية التي تقدّم ما هو فوق العقل تثبت من خلال ذلك الدلائل النصّ الدلائل الكونية التي تُسمّى إعجازًا علميًا هي ليست إعجازاً علمياً، هي إشارات كونية  للتدليل على صدق الرؤية الكونية الوجودية للقرآن. لذلك القرآن الكريم فيه دعوة التي تعتبر رؤية شاملة للوجود، يدعونا إلى أن نعلم كل ما هو دلائلي للإعجاز يُسمّى دلائل الإعجاز العلمي في القرآن هو دعوة إلى أن نعلم بمعنى أنّه يدعونا إلى أن نمتلك المعرفة، لكنّه لا يقدّم تحليلات، ولا يعالج ظواهر جزئية إبتستمولجيا لا يقدّم إبتستمولوجيا المعرفة، هو يقدّم لنا رؤية للوجود تحضّنا على أن نعلم.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح وأستاذ صلاح أيضًا يجب أن نشير إلى أن غرض الإسلام بالأساس هو الدفع نحو التفكير نحو الاجتهاد، هناك مسألة أريد أن أغوص فيها.

 

صلاح سالم: هناك جزء آخر علينا أن نؤمن أنّ إيجابية الإسلام أو صلاحيّته أن يحكم مجتمعات تنطلق من أنّه يحبّذ فكرة السلطة دائمًا نكرّر الحديث الشهير لو كنتم ثلاثة فأمّروا واحدًا، هذا معناه أنّ الإسلام يؤمن بالعمران في الأرض، ويؤمن بأنّه يجب أن تكون هناك قيادة للمجتمعات، ويجب أن تكون هناك سلطة تحكم المجتمع وإلا تعمّ الفوضى. لكن شكل هذه السلطة أمر تاريخي بمعنى عندما تأتي الديمقراطية الليبرالية تتحدّث لا علاقة لها ولا توجد مشكلة مع الدين.

 

يحيى أبو زكريا: صيح.

 

صلاح سالم: أنا أدعو إلى تنوير روحي وإلى علمانية معتدلة، أو علمانية السياسة كما أسمّيها، وليس علمانية الوجود.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف طبعًا نحن تحدّثنا عن السلفيين الفَهْم السلفي، الفَهْم النقلي، أتصوّر أنّ جحا عندما سأله تيمورلانك قال له يا جحا إنّ خلفاء العرب يسمّون المعتضد بالله، المعتمد على الله، فسمّني إسما من هذا القبيل، فقال له جحا أسمّيك أعوذ بالله. فالحاكم العربي المُستبد العربي ألم يكُ له دور في تغييب العقل النقدي، ألم يكُ له دور في نشر الخرافة، ألم يُحط نفسه بفُقهاء السلطان الذين جعلوا منه وليّ أمر، والدخول إلى الجنّة يتمّ من خلال السلطان وصنعوا له فتاوى وفتاوى وفتاوى وبرّروا له كل شيء. فهذا الحاكم المُستبد مع فقيه سلطان ألم يكُ لهما دور في تكريس العقل النقلي الخُرافي الأسطوري؟

 

يوسف الصديق: أنت أستاذ يحيى والأخوان المصري والجزائري أرجعتموني للحيّز الضيّق الذي أريد أن أبقى فيه. لا أريد أن أتحدّث عن الفتوحات العربية، لكن الآن تذكّروا أنّه في السِيَر المعتمدة في الأزهر وفي الزيتونة، وفي الجزائر، وفي سوريا يقال لنا أنّ معاوية نزع نظرية في القرآن موجودة أمرهم شورى بينهم، أصبحت وراثة ولا شخص يتحدّث عنها أصبح الدين ما قبل سنوات قليلة من غياب الرسول عن الدنيا أصبح وراثيًا عكس ما يقوله القرآن.

ثانيًا من غير الممكن الآن أن نتحدّث عمّا فعل بالنصّ القرآني مع عثمان إبن عفان، بينما السِيَر تقول لنا عثمان بدل وغير عائشة تقول وعبد الله إبن مسعود يقول ونحفظه في كتبنا، ولكن ليس بإمكاننا أن نقول وأنا بالنسبة لي في تونس، وقد حوربت أن أقول إنّ المصحف نسخة معينة من القرآن، وليس القرآن ويقال لنا أيضًا أنّ التنقيط كان غير موجود سواء على الحروف لتبيّن الدا من الذا، وأنّ التنقيط في الجملة غير موجود لا نعرف أين تنتهي الجملة في القرآن، الجملة بالمعنى النحوي للكلمة. ولكن ليس لنا الإمكانية أن نتحدّث عن هذا الأمر، وأن نقول كيف يقال نزوّجهم، ولا يقال نروّحهم في القرآن  لماذا اختيار نزوّجهم عوض أن نروّحهم وغيرها من الكلمات اختراع وتركنا عليه في العالمين،  بينما باركنا عليه في العالمين أو في الآخرين في آية أخرى لماذا هذه الأمور؟ لا يمكن لنا أن نتحدّث فيها وأن ندخلها في العقلانية وهي التاريخ عثمان ليس بمقدّس.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف المُفسّرون خرجوا من هذا المُنزَلق الذي تحدّث عنه أبو داوود السجستاني على كلّه حال وغيره بمفهوم القراءات السبع والأحرف السبعة التي نزّل بها القرآن. وأنا والله احتاج إلى 700 مليون حلقة حتى أعالج هذا الموروث الإسلامي.

دكتور يوسف الصديق من تونس الحبيبة شكرًا جزيلًا لك انتهى وقت الحلقة للأسف الشديد، والدكتور خالد محجوب من الجزائر المُجاهدة شكرًا جزيلًا لك، والأستاذ صلاح سلام الباحث والكاتب من مصر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك.

 

نهاية زمن الشيوخ

لقد علمنا بعض الشيوخ أن سورة من القرآن تبني لنا بيوتا في الجنة, لكننا لا نستطيع أن نخيط ملابسنا ونأكل من زرعنا ونصنع دواءنا لمواجهة معضلات الدنيا, والفساد بإسم الدين أخطر وأفتك من أي فساد أخر تحت أي مسمى , لأن المفسد بإسم الدين يتصور أن الله كلفه بالقتل و السرقة و التدمير و الإغتصاب, وأباح له كل الكون يفعل فيه ما يريد.. وتمكن هؤلاء الشيوخ من جمع ألاف مؤلفة حولهم و كأنهم أبواب الجنة , بل إن الناس درجوا على سماع رجل الدين أكثر من سماع عالم الإجتماع و عالم النفس وعالم الإقتصاد وعالم الإنتروبولجيا وعالم الفيزياء والفلك, علما أن العلم في الإسلام لا يعني الدين أو الفقه والأصول, هو مطلق العلوم الدنيوية والأخروية ...هل ولت حقبة شيوخ الفتنة والتضليل الذين دمروا الأمن القوي العربي بفتاويهم؟ لماذا كانت الجماهير العربية تستمع إليهم وتنفذ فتاويهم وكيف إحتلوا المساجد؟ الشيوخ هل هي ظاهرة معاصرة في زمننا أم أنها مرتبطة بالتاريخ الإسلامي عموما؟

المزيد

برامج أخرى