منابر تونس بين العنف والتنوير

إرتبط المنبر في الإسلام بالرسول محمد الذي ملأ الدنيا فكرا وحضارة وقيما وأخلاقا , ومن هذا المنبر إنطلقت أعظم الوصايا المرتبطة بالرحمة والأنسنة والحب والتآخي والإيثار والتكافل والإحسان وإكرام اليتيم وقدسية المرأة وإحترام الآخر وحرمة الدماء والأموال والأعراض.. ومع سيطرة الجهل والتطرف وبروز التكفير إنحرفت بعض المنابر في خط طنجة – جاكرتا عن مسارها التكاملي و باتت تلعب أدوارا سلبية وخطيرة , حيث فجرت العنف ونشرت الكراهية وسممت فضاءاتنا المسجدية بالتكفير. وحتى المنابر والمساجد حدث فيها إنشطار وإنشقاق فكانت هناك مساجد تابعة لوزارة الشؤون الدينية ومساجد حرة وبعيدة عن سيطرة الدول وكان دعاة التضليل يطالبون بمقاطعة مساجد الدولة كما كانوا يسمونها والذهاب إلى مساجد الحق والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وتونس لم تكن بعيدة عن ظاهرة المنابر الصادحة بالسياسة والتسييس والتي كانت تحرض على العنف والإرهاب, وبذلت المؤسسة الدينية الرسمية دورا كبير ا في تنظيم شؤون المنابر لكي تكون في الخط الإسلامي الأصيل الوسطي , وليس في خط العنف والتكفير.

 

 

المحور الأول:

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

ارتبط المنبر في الإسلام بالرسول محمد صلّى الله عليه وآله وسلِّم الذي ملأ الدنيا فكرًا وحضارة وقِيَمًا وأخلاقًا، ومن هذا المنبر انطلقت أعظم الوصايا المُرتبطة بالرحمة والأنسَنة والحب والتآخي والإيثار والتكافُل والإحسان وإكرام اليتيم وقدسيّة المرأة واحترام الآخر وحرمة الدماء والأموال والأعراض. ومع سيطرة الجهل والتطرّف، وبروز التكفير انحرفت بعض المنابر في خط طنجة جاكرتا عن مسارها التكامُلي، وباتت تلعب أدوارًا سلبية وخطيرة حيث فجّرت العنف ونشرت الكراهية وسمّمت فضاءاتنا المسجدية بالتكفير، وحتى المنابر والمساجد حدث فيها انشطار وانشقاق في مراحل مضت قبل وبعد الربيع العبري. فكانت هنالك مساجد تابعة لوزارة الشؤون الدينية، ومساجد حرّة وبعيدة عن سيطرة الدولة. وكان دُعاة التضليل يطالبون بمُقاطعة مساجد الدولة كما كانوا يسمّونها والذهاب إلى مساجد الحقّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهيّ عن المُنكر. وتونس لم تكن بعيدة عن ظاهرة المنابر الصادِحة بالسياسة والتسييس والتي كانت تُحرِّض على العنف والإرهاب. وبذلت المؤسّسة الدينية الرسمية دورًا كبيرًا في تنظيم شؤون المنابر لكي تكون في الخط الإسلامي الأصيل الوسطي، وليس في خط العنف والتكفير. وكانت مصر أيضًا قد أقرّت حظر الإفتاء من غير المُتخصّصين، وحظر اعتلاء المنابر من غير الحاصلين على ترخيصٍ من الأزهر الشريف أو وزارة الأوقاف.
"منابر تونس بين العنف والتكفير" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور عبد شيني الباحث في الفكر الديني، ومن تونس الحبيبة أيضًا الدكتور بدر المدني الباحث في الفكر الإسلامي، ومن تونس أيضًا الأستاذ الشيخ الفاضل فاضل بن عاشور رئيس نقابة الأئمة التونسيين.

مشاهدينا مرحبًا بكم جميعًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بدر المداني مبدئيًا المنابر في الراهن الإسلامي لا داعي أن نعود إلى التاريخ لأنّ التاريخ معروف للجميع تقريبًا لعبت أدوارًا سلبية كثيرة في أكثر من جغرافيا عربية وإسلامية. كيف كان دورها بمُوازاة التحريض على العنف والدعوة إلى الكراهية ونشر التكفير؟

 

بدر المداني: سيّدي الكريم بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ يا مَن جعلت الصلاة على النبي من القُربات أتقرّب إليك بكل صلاة صلّيت عليه من أول النشأة إلى ما لا نهاية الكمالات. يا ربّ إنّ الشدّة أودت بالمُهَج يا ربّ عجِّل بالفرج، يا ربّ بالمُصطفى بلّغ مقاصدنا.

تحية لك أستاذنا، وتحية لكافة المشاهدين والمُتابعين لهذا البرنامج من تونس الخضراء تونس الحبيبة. نحيّيكم مُجدّدًا، وفي إجابة على سؤالكم حين نعود إلى المنابر ونعود إلى هذه المنارات التي منها تنطلق الموعِظة وينطلق الخطاب، هي في البداية المنابر موقعها الجوامع والمساجد، والمولى سبحانه وتعالى يخاطبنا في سورة الجنّ ويقول "وإنّ المساجد لله فلا تدعُ مع الله أحدًا"، وأيضًا يقول المولى سبحانه وتعالى في سورة الأعراف الآية 71 "يا بني آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد".

إذًا نحن مطالبون بأن نأخذ هذه الزينة، الزينة ليست في اللباس فقط، وليست في بناء المساجد بأنواع من البنايات، وبأنواع من الإضاءات إلى غير ذلك، بل لا بدّ من أن نأخذ زينة على مستوى الخطاب. والمساجد كان لها دور كبير جدًا في التاريخ الإسلامي، البداية هو دور تعبّدي، وفي ما بعد الدور الاجتماعي والدور السياسي والدور الوَعظي والدور العِلمي إلى غير ذلك. ولكن ماراعنا إلا وفي هذا الربيع العبري قد رأينا أنّ العديد من المساجد في أوقات مُعيّنة قد أصبحت مُستعمَرة، مُستعمَرة من فكر مشحون بالحقد على الإسلام، وفكر يدّعي أنّه يدافع عن الإسلام، ولكنّه فكر يحارب الإسلام لأنّه فكر يذبح الإسلام بسكين الإسلام. هذا الفكر الذي حاول من خلال المنابر في البداية أن يسيطر عليها ويستعمر المنابر ويحتلّ المنابر ليتحوّل الخطاب من موعظة حسنة ومن جدال حسن ومن عِلم ومن نفحات ومن غذاء روحي ومن شحنات ومن ذبذبات إيجابية إلى خطابٍ عنيفٍ وخطابٍ مُشْبَع بروح التكفير وخطاب مُشْبَع بروح التنظير، التنظير الذي كلّه حقد وكلّه تطرّف. تحوّلت المنابر إلى هذه الوسائل التي منها تمّ التجييش، ومنها تمّ صدور الفتاوى التي أفتت بالقتل، وأفتت بالحرب، وأفتت بسفك الدماء، وهي منابر استغلّت لغير غايتها ولغير دورها الأساسي. وقد رأينا ماذا حدث وخاصة في تونس في بداية الثورة التونسية تمّ احتلال المساجد، وباتت المساجد بؤرًا للتسفير، وبؤرًا للتكفير، ورأينا أنّ هذا الدور الذي اتّخذته المساجد نتيجة انعدام الدولة، ونتيجة ضعف الدولة. ولكن نسأل الله سبحانه وتعالى اللطف والحفظ فقد تمّ التخلّص من هذا بعد جهد جهيد، ولكن مازال أمامنا عمل كثير رغم أنّ الجهات الرسمية في بلادنا قد سعت على امتداد هذه السنوات الأخيرة إلى أن تحوّل هذه المساجد إلى منارات للعلم ومنارات للوعْظ ومنارات تحتاج إلى بناء وصناعة وعي جديد.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ فاضل طبعًا صدرت نصوص في تونس ونظّمت العمل المنبري، لكن بالمقابل القول في جعل المنابر تحت وصاية وزارة الشؤون الدينية أو الأوقاف أيضًا هو تكريس لخطاب شوفيني دغمائي أحادي، يرتقي المنبر الشيخ أو الداعية ويدعو للسلطان ويُمجّد الحاكم، وربما يدعو للفاسدين اللصوص الذين سرقوا أقوات الأمّة. مبدئيًا كيف تُقارب أنت هذه الظاهرة؟ منابر حرّة خرجت عن كل ما هو مُتعارَف عليه في مقاصد الشريعة، أو منابر مُستكينة مسكينة تتلو خططاً تأتي مباشرة من الوزارة.

 

فاضل بن عاشور: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المُرسلين. أما بعد للأسف لا أُخفيك سرًا أنّ وزارة الشؤون الدينية منذ نشأتها عند الاستقلال وضعت يدها على المساجد وكرَّست خطاباَ ساذِجًا بسيطاً لا يرتقي بالوعي، ولا بالأمانة المُناطة بعهدة الأمّة وبوعيها.

 

يحيى أبو زكريا: منذ استقلال تونس أستاذ فاضل في عهد الحبيب بورقيبة رحمه الله.

فاضل بن عاشور: هذا الأمر تواصل حتى بعد الثورة، هو الذي قام بإغلاق جامع الزيتونة وهو المصدر الوحيد للكفاءات ولتكوين الأئمة. وللأسف فتح الباب للنطيحة والعرجاء وما أكل السبع، فتحها لكل حامل بطاقة وحيدة هي الاشتراك في الحزب الدستوري. وللأسف فتحها بابًا على مصرعيه، لم يفتحها للكفاءات، بل فتحها للبُسطاء، وللأميّين، وللجَهَلة، وكرَّس الخطاب البسيط الساذِج الذي نفرّ العباد وكرّه الناس في دينهم. وللأسف قدّم خطابًا لا يرتقي بالأمانة، وخطابًا يدعو للحُكّام والسلطان هذا ما دفع الناس ما بعد الثورة إلى الصِدام معهم وأخذ المنابر من هذه الطُغمة الفاسدة. وتواصل هذا الإشكال إلى فترة عثمان بطيح لنجدّد العهد مع الأمانة، ولنرفع من مستوانا بتكوين أئمة وتغيير أكثر من 1400 إمام، وتعويضهم بأساتذة خرّيجي جامعة الزيتونة ليكونوا أدوات تنوير وأداة ارتقاء وأداة وعي، وليقدّموا خطابًا تنويريًا حداثيًا يفسّر لشبابنا ويستقطبهم، ويكسب قلوبهم وعقولهم ويكون بمستوى هذه الأمانة المناطة بعهدتنا.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ فاضل من فضلك أشرت إلى سيطرة النطيحة والمُتردّية وما أكل السبع والموؤدة أيضًا. ما هي أبرز ملامح الخطاب الديني المنبري في تلكم الفترة كيف كان؟ ما هي مساراته؟ ما هي عناوينه؟

 

فاضل بن عاشور: كان خطابًا بسيطًا ساذجًا لا يرتقي بمستوى الأمانة كان خطابًا يجترّ ما تُلي منذ 1400 سنة خام بسيط من أئمة مستواهم مُتدنٍ تعليميًا أكثر من 94 في المئة من الأئمة كان مستواهم دون السادس إبتدائي، ولا يمتلكون شهادة الثانوية العامة. فاقد الشيء لا يُعطيه كيف لمَن يخطب أمّي أن يعتلي منبر رسول الله، وأن يقدّم في زمن الحداثة، وفي زمن العولمة، وزمن التحدّيات والمُصطلحات الحديثة، ونحن في صراع حضارات كيف له أن يفهم هذه المفاهيم، وأن يرتقي ويكسب هذه المعركة، وأن يكسب شبابنا وقلوبهم وعقولهم، كيف له أن يوجّههم، وأن يحفّز همّهم للبناء والرقيّ، وهو فاقد لأبسط مُكوّنات المعرفة فاقد لآليّاتها، الوزارة متخلّية عنه لا تقوم بتكوينه، بل تركته وحده للسِباع تفترسه، بل بالعكس هي تثمّن مجهوده، وهي لا يمكنها غلق المساجد، بل قامت بإغلاقها بطريقة أخرى، فتركت الناس ليبقى نفر من المُصلّين بعدما هجر هؤلاء المساجد ليتوجّهوا إلى قنوات ومواقع إنترنت مشبوهة أكثر من 94 في المئة منها وهّابية تقدّم فكرًا ضلاليًا، فكرًا لا يمتّ للإسلام بصلة، فكرًا تكفيريًا ضلاليًا، فكر هَدْم لا بناء، فكرَ يُمجّد الحاكم والسلطان، فكرٌ خرجت منه داعش، وخرجت منه كل دنيئة وخطيئة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بدر إبن المنوّر المدني سمعت ما قاله الأستاذ الفاضل، فاضل بن عاشور من أنّ المنابر لم تكُ كما ذكرت في تونس، إنّما انحرفت بالكامل، ويدّعي أكثر من ذلك بقوله إنّ السلطة ساهمت في صوغ هذه الدغمائية والشوفينية التي سطّحت عقول المسلمين. هل أنت معه أو لك وجهة نظر مُغايرة؟

 

بدر المداني: أكيد ما ذكره الأستاذ فاضل كان صحيحًا وسليمًا، وهو أيضًا مطلعُ على هذا الأمر، وكان يتحدّث عن مرحلة سابقة رأينا فيها العجب العِجاب، رأينا فيها كلّ الغرائب على المنابر، ووصلنا إلى مستوى من التدنّي إلى درجة كبرى. نحن اليوم ربّما نتحدّث عن الفترة الراهنة، وعن هذه المرحلة التي تغيّر فيها الأمر لا أقول تغيّر فيها الأمر إلى الأفضل بشكل كبير جدًا، ولكن الحمد لله العديد من الوجوه التكفيرية لم تعد تخطب في المنابر الحقيقة، هنالك بعض الأسماء التي استغلّت ووظّفت المنابر في وقتٍ من الأوقات في خطابٍ تكفيري عنيفٍ جدًا. اليوم هذا الأمر تغيَّر طبعًا بالمُقارنة ربّما مع التجربة المصرية التي تدعو إلى توحيد خطبة الجمعة في وقتٍ من الأوقات، ولا ننسى أنّه حتى عملية المُقارنة مع التجربة المصرية الثرية بأنّ خرّيجي الأزهر ليسوا كخرّيجي جامعة الزيتونة اليوم التي أيضًا فقدت إشعاعها ونورانيّتها القديمة، وأيضًا لا ننسى أنّ السياسات والحكومات حتى الحالية الموجودة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بدري دعني أتوقّف معك في هذه النقطة رجاءً الذي أعرفه، والذي يُقرّه الباحثون في شؤون الفكر الإسلامي ودور الحواضر الإسلامية أنّ الزيتونة كان عريقًا مركز إشعاع، مركز حضارة، ولا يوجد عملاق من عمالقة الفكر الإسلامي في مرحلةٍ من المراحل إلّا ويتشرّف بأنّه درس في الزيتونة. مَن ذا الذي قمع إشعاعها؟ مَن ذا الذي حاصر جامع الزيتونة وأخرجه من مركز الإشعاع إلى مركزٍ خافِتٍ لتحفيظ القرآن لبعض المناسبات الدينية ليس إلّا؟

بدري المداني: هنا لا بدّ من التمييز بين أمرين لأنّ جامعة الزيتونة لا زالت موجودة وجامع الزيتونة لا زال موجودًا، إنّما هذا العملاق قد خفت بريقه منذ أواخر الخمسينات عندما وجّه الرئيس بورقيبة رحمه الله نحو ما يُسمّى بتوحيد التعليم، وأغلق جامع الزيتونة لأنّه كان يدّعي الحداثة، وكان يتحدّث عن مسألة تطوير التعليم إلى غير ذلك. ولكنّنا اليوم نعاني وما وصلنا إليه كان النتيجة الأولى هو ما صنعه بورقيبة، وفي ما بعد أيضًا حتى في مرحلة الرئيس السابق بن علي رحمه الله. أيضًا فقد قمع جامعة الزيتونة، وتمّ الإفراغ، وتمّ بثّ سموم أخرى وهي ما يُسمّى بسموم العلمانية والتجربة معروفة والتاريخ أيضًا معروف، والتاريخ أيضًا معروف. وبالتالي تمّ إفراغ الهوية التونسية، هذه الهوية التي كانت مُشبعة والتي كانت منارة كبرى وكانت نهرًا لا ينضب من إبن عربي إلى إبن عاشور إلى النخلي إلى سالم بو حاجب إلى غير هؤلاء. اليوم الزيتونة مُفْرَغة والبلاد على مستوى التكوين الديني مُفْرَغة بشكل كبير جدًا حتى وإنْ تحاول اليوم وزارة الشؤون الدينية من خلال التكوين المستمر للأئمة ومن خلال هذه الكُتُب والمطبوعات هو جهد محمود، ولكنّه في جميع الحالات جهد يبقى منقوصاً ولا بدّ من أن نقف عند نقطة أساسية، وهي أنّ الجانب الديني وصناعة الرأي والجانب الفكري والجانب العلمي لا بدّ من أن يُستثمر بالمال.

أما إذا وجدنا أنّ ميزانية وزارة الشؤون الدينية تذهب كلّها في التأجير، فهذا أمر لا يمكن أن يُبشّر بكثير من الخير لأنّ الوزارة تحتاج إلى أن تتحوّل إلى وزارة سيادة لأنّه لا بدّ من الاستثمار في العلم وهذا غير متوافر. كما لا ننسى أنّ هناك نقطة رئيسية، وهذا دعوت إليه منذ مدة طويلة لا بدّ من تأسيس وإنشاء مدارس وطنية لتخريج الأئمة اليوم ليست لنا على غرار الجزائر، وأنا أعرف الجزائر جيدًا، وأيضًا المغرب، أو مصر ليست لنا مؤسّسة لتخريج الأئمة، وهنا يكمُن الوَهْن ويكمُن الخطر.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الله الشيني من الجزائر مرحبًا بك. المنابر في الإسلام لعبت أدوارًا حضارية لا شكّ في ذلك، وكان على رأسها سيّد الخلق أجمعين صلوات ربّي عليه. لكن المنابر في العالم الإسلامي في خط طنجة جاكرتا لعبت أدوارًا سلبية تعرّفنا على المنابر التونسية في مرحلة من المراحل في عصر انفراط الإجماع والربيع العبري، وفي الجزائر كان للمنابر دور كبير في تأجيج ما يُسمّى بالفتنة العمياء. كيف كانت هذه المنابر في مرحلة الدمّ وحفظ الله الجزائر من كل فتنة بالأمس واليوم ومستقبلًا؟ وهل تمكّنتم في الجزائر من تنظيم المنابر والسماح للعمالقة في الفُقه في الأصول في التفسير من صعود المنبر؟ أم أنّ النطيحة والمُتردّية ما زالت تصعد المنابر؟

 

عبد الله الشيني: تحياتي أولًا، وشكرًا لقناة الميادين على هذه الدعوة للمشاركة في هذا الموضوع الحسّاس بالنسبة إلى الجزائر الفترة التي تحدّثتم عنها حضرتكم شهدت زحاماً كبيراً في الخطابات وليس فقط في الخطاب المنبري، وإنّما حتى في الخطاب الإعلامي أحيانًا، وحتى الخطاب ذو الطابع الاجتماعي أيضًا، أو غير ذلك. ولحق المنابر ما لحقها من زحامٍ في هذا الخطاب بحيث لعبت أدوارًا أحيانا بعيدة عن منظومة الإيمان وتداخل فيها ما هو سياسي وما هو فتنوي أحيانًا، وما هو تشخيصي استهدف أشخاصًا بعينهم هذا ما خلق نوعاً من الارتباك لدى المُستمع المسجدي إن كان ممكنًا أن نقول هذا. طبعًا هذه المرحلة أعتقد بأنّ الجزائر بدأت تتعافى منها بعد سنوات، وأصبح الخطاب المسجدي الآن في الجزائر يميل إلى النأي بالنفس عن السياقات التي أربكت المشهد الديني بشكل عام. وليس فقط من الناحية السياسية الحاضرة، وإنّما حتى الخطاب الفتنوي والطوائفي كما ذكرتم الخطاب الذي يحاول أن يستعيد بعض الفِتَن وبعض اللطخات الدموية حتى في التاريخ الإسلامي هو يستعيدها الآن في الحضارة ليصنع ربّما مساحات جديدة هذا بالنسبة لنا نحن في الجزائر أعتقد أنّ هناك ترشيداً للخطاب المسجدي، وهناك نوع من الوعي لدى الأئمة في الجزائر بهذه المشكلة بالذات حتى بالنسبة إلى المُستمع المسجدي الذي يحضر حلقات الجمعة، أو يحضّر حتى حلقات الدروس أصبحت له قدرة على الفرز، بينما هو داخل في منظومة الإيمان ممّا يستفيد به في حياته الدينية، وفي علاقته بربّه، وفي علاقته بالخليقة بشكلٍ عام، وبينما يمكن أن يستدرجه إلى تصرّفات سياسية فتنوية تجرّه إلى اتخاذ مواقف ضدّ إخوانه في الإيمان من داخل المسجد نفسه. فالمسجد جُعِل للجَمْع وليس للتفرقة، المسجد جُعِل ليذكر إسم الله وحده، وليس لتذكر فيه أسماء كثيرة وتتداخل فيه الخطابات.

طبعًا أنت تعلم أخي بأنّ الجزائر مرّت بهذه المرحلة، وأعتقد أنّنا في العالم العربي الآن في بعض بلدان العالم العربي الآن لا يزال الخطاب يعود إلى تلك الحلقات غير المرغوبة، والتي لا أعتقد بأنّها تقدّم شيئًا جديدًا بالنسبة إلى مُرتادي المساجد وللمسلمين عمومًا. المسلم الحالي مسلم القرن الحادي والعشرين يريد أن يكون مسلمًا عينه على المستقبل، وعينه على وحدة المسلمين، وعينه على فائدة الإسلام على فائدة المسلمين، وأيضًا على الخطاب الأخوي داخل الأمّة الواحدة، بل حتى الخطاب الأخوي المسالم مع غير المسلمين إنْ أرادوا سلمًا، وإنْ أرادوا أخوية. فالمسلمون من خلال المسجد يبعثون دائمًا برسالة الإخاء وبرسالة المحبّة للجميع.

 

يحيى أبو زكريا: طبعًا الجامع سمّي جامعًا لأنّه يجمع، لكن في عصور الفتنة صار منجنيقًا لقصف الإجماع، لقصف الحب، لقصف الإيثار، لقصف التلاقي. تحوّل إلى منبر مذهبي طائفي، وهذا تجده في خط طنجة جاكرتا عمومًا في كل المدارس الإسلامية.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم. 

عدنا والعود أحمدُ ومَن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع منابر تونس، وأيضًا بعض المنابر في خط طنجة جاكرتا بين العنف والتنوير. أستاذ فاضل المغرب العربي كان دائمًا مُتأثّرًا بالخُطب المشرقية، رأينا موجة الشيخ عبد الحميد كشك رحمة الله عليه، والشيخ عبد الحميد تناول محمد عبد الوهاب عبد الحليم حافظ أمّ كلثوم الرؤساء العرب جميعًا، وتأثّر كثيرون بصوته ونفسه ومحتواه في المغرب العربي تونس والجزائر تحديدًا، وحتى موريتانيا والمغرب، أيضًا كان الدُعاة دعاة التكفير يأتون إلى المغرب العربي بعضهم كان يبقى لفترات طويلة في المغرب العربي وينشرون سواء فكر الإخوان، فكر العنف، الأفكار الأخرى المذهبية والطائفية. ما هو مدى تأثّر المشهد المنبري المغاربي بالخارج المسجدي والمنبري سواء من مصر، من السعودية، من فلسطين، أنت تعرف أنّ بعض الذين فجّروا الفتنة الكبرى في الجزائر كانوا من فلسطين للأسف؟ بدل أن يفجّروا الفتنة داخل الكيان العبري فجّروا العالم العربي. ما الذي تقوله في ذلك؟

 

فاضل بن عاشور: بسم الله الرحمن الرحيم للأسف في غياب وزارة ساهرة على تكوين الأئمة والارتقاء بهم وجد الأئمة أنفسهم يبحثون عن المعرفة لتجدها في الأقراص المُدمّجة وفي المراكز الثقافية الخليجية والشرائط الآتية من الشرق ومن مصر تحديدًا من أشرطة كاسيت علي بلحاج ودُعاة الفكر الواقع، وللأسف تأثّر الخطاب الديني بهذا وأصبح الإمام يقدّم فقه الواقع، وأصبح يتحدّث عن السياسة فوق المنبر يوجّه الناس بدلًا من خدمة الدين والارتقاء به أصبح لخدمة السلطان، أو لضربه وأصبح منبر معارضة يقدّم الرأي الآخر ويدفع للفتنة والتحريض على العنف والتقاتل الأفقي والتكفير والخروج على الحاكم.

رأينا مثل هذا في فترات التسعينات والثمانينات حيث بدأت المواجهة مع الإخوان المسلمين في تونس، وفي مطلع التسعينات رأيناها وبعد الثورة التونسية رأينا الربيع العبري في خدمة أجندات خارجية، إمّا للبحث عن صناديق الاقتراع أو لخدمة أجندة خارجية لتوجيه شبابنا إلى أتون الفتنة في سوريا، أو ليبيا للأسف غُرّر بهم من فوق المنابر، وجّهوا سوء توجيه بدلًا من أن يوجّهوا  للبناء والارتقاء أو يوجّهوا لعدو ظاهر عدو جليّ هو هذا الكيان الغاصب لأرضنا وعرضنا ولديننا وجّهوا لإخوانهم ليكونوا خناجر تطعن في ليبيا الشقيقة، أو في سوريا الحبيبة، أو داخل وطننا في تونس ووجّهوا إلى جبالنا ليكونوا حجر عثرة في نموّنا والارتقاء بنا. للأسف  هناك مراكز قوى خارجية صنعت أقلّية ضاغطة لابتزاز الحكومات القائمة، ليس في تونس فقط، بل في كل الوطن العربي صنعت بقوة المال دينًا جديدًا لا دين محمد، بل دين معاوية دين يبحث عن السلطان، يبحث عن سيف المعزّ، يبحث عن الجواري والغلمان، دينًا يكرّس الفتنة، والتحريض يدعو إلى فكر ظلامي جاهلي كهنوتي هذا للأسف واقع الحال.

اليوم بحمده وعونه وجدنا كل النصرة والدعم لاجتثاث مثل هذه المنابر، ولترسيخ فكر جامع غير مفرّق لكلّ التونسيين فكر تنويري حداثي يقدّم خطابًا يجمع، ولا يفرّق خطاب يرتقي يبني لا يهدم خطاب يستمدّ من محمد عليه الصلاة والسلام.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بدري إبن المنور دعني أسرد لك تجربة تتعلّق بي لمّا كنت في الجزائر، وأنا شاب يافع في الثانوية. كنت أحبّ أن أذهب إلى مسجد شوفليا عندنا في الجزائر أعالي الجزائر، وكان الخطيب هناك الشيخ أحمد سحنون رحمة الله عليه أحد كبار فقهاء المالكية في الجزائر. وكان البعض يعاتبني أنت يجب أن تذهب إلى مسجد السنّة في باب الواد لأنّ مسجد السنّة فيه خطاب جهادي، تكفير للدولة، تكفير للشرطة، تكفير للدرك، تكفير للجيش، بمعنى أن الذي يطرح إسلامًا وسطيًا هذا فقيه ثورة زراعية، والذي يطرح الفوضى الخلّاقة والفتنة العمياء هذا الذي يمثل الإسلام، نحن أيضًا كنّا عميانًا في واقعنا الإسلامي دكتور بدري. هل حدث عندكم هذا في تونس؟

 

بدري المداني: نعم لأن هنالك ما يُسمّى بظاهرة الإبهار فالجعجعة الصوتية التي يمارسها بعض الأئمة من خلال أنهم يقدّمون خطابات فيها الحماس، وفيها الصياح وفيها هذا التحريض وكل ذلك.

طبعًا نتيجة هذا الفراغ، ونتيجة الجهل ونتيجة هذا البحث عن الذات من خلال الشباب الذي لا يجد الشيخ الكبير المُتّزن التنويري على غرار ما ذكرت، وأنا الحقيقة كان لي الشرف إنّي زرت عددًا من مساجد الجزائر الحبيبة، وهذا الوطن الحبيب الذي نحبّه زرت وادسوف، وزرت وهران، وزرت مستغانم، وسيدي بالعباس، وزرت الجزائر العاصمة وعلمة وعنّابا وزرت كل هذه المساجد، وسمعنا اليوم خطابًا تنويريًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بدري ذكرت الجزائر، والجزائر كلّها تراث الجزائر كلّها تاريخ، وكلّها حضارات فقط أطالب الجهات الرسمية في الجزائر وزارة الإعلام أن تُحيي هذا التراث بالكامل لأنّه يكاد يندرس للأسف الشديد تفضّل؟

 

بدري المداني: نعم نحن نحبّ الجزائر، ورأينا في منابرها ومساجدها الخير الكثير، وأيضًا هي تضرّرت من مساجدها في وقت من الأوقات.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

بدري المداني: في سنوات الدم أبعد الله عنّا وعنكم الغمّ والهمّ، وأيضًا رأينا هذا الأمر في تونس. ولكنّ الناس في ما بعد استفاقت من هذه الغيبوبة، واستفاقت من هذا الانبهار، استفاقت من كون هؤلاء الأئمة هم مدفوعو الأجر، وكانوا وسائل لتدمير هذه الشعوب، وهذه البلدان استفاق الناس اليوم وأصبحوا يبحثون اليوم عن الشيوخ الذين يستمعون منهم للفكر المقاصدي، ويستمعون منهم للفكر التنويري، ويستمعون الفقه المالكي الرصين، ويستمعون منهم للعقيدة الأشعرية الصافية، ويستمعون منهم للتصوّف الجنيدي، وهذا السلوك وهذه التربية الروحية التي يحتاجها اليوم النّاس، وخاصةً لمّا ظهرت جائحة كورونا كانت المساجد أيضًا ملجأً لهؤلاء الناس حتى يعودوا لله سبحانه وتعالى من خلال الدُعاء، ومن خلال الخطاب التطميني، ومن خلال أيضًا هذه الفتاوى التي أصبحت توجّه الناس نحو تشييد المستشفيات، ونحو بناء المدارس، ونحو الاستثمار في العلم بدلًا من التقوقع داخل المساجد وبدلًا من هذه االسَفْسَطة، وقد رأينا توجّهات حتى على مستوى الدولة في كنف هذه الحرية التي جاءت مع الثورة ربّما هو المكسب الوحيد، وإنّما قد انهارت الدولة في بقيّة المناحي، وإنّما وجد الناس أنفسهم أحراراً، وبالتالي وجدنا من الأئمة رغم هذا الصراع الذي كان. ولكن في جميع الحالات مَن بنى فكره على الباطل، وعلى العنف فقط اندثر وسيندثر لأنّ نور التنويري قد هجم على الظلام وأزاح الظلام.

اليوم بدأنا بمرحلة من المراحل التي عدنا فيها إلى أئمة وخطابات ومنابر النور والسماحة والمحبّة والخير تعود إلى أصولها، ونعود إلى هويّتنا التونسية، ولكن مازال أمامنا العمل الكثير لأنّ صناعة الرأي وصناعة الوعي ودرء المفاسد التي أتى بها هذا الفكر الظلامي، ليس بالأمر الهيّن اليسير. وهنا أريد أن أتطرّق لأمرٍ لأنّ المسألة تجاوزت المساجد لأنّ عملية الاستقطاب للشباب وعملية استقطاب النساء وغيرهم لن تكون المرحلة في وقت من الأوقات منبعها المساجد، بل مواقع التواصل الاجتماعي. ويكفي أن أقدّم رقمين الرقم الأول سنة 1997 كان في تونس، وهذه الدائرة حوالى 12 موقعًا للتنظيمات الإرهابية، بينما نجد أننا أمام 150000 موقع في التواصل الاجتماعي سنة 2015 للتنظيمات الإرهابية. ولا يمكن أن ننسى أيضًا أنّ المرأة تغيب عن المسجد لأنّه ليست لدينا عادة أنّ المرأة تدخل إلى المسجد وتعود منه إلا أحيانًا في رمضان، أو يوم الجمعة. ولكن مَن تأتي إلى الجامع هي المرأة العجوز وجدنا أنفسنا أننا أمام 700 إمرأة تونسية قد تمّ تجنيدها وتجييشها ليس في باب العلم والتنوير، إنّما في جهاد النكاح، وهناك مَن فجّرت نفسها إلى غير ذلك، وهذا لا يمكن أن يكون ناتجًا من المساجد أو الجوامع، بل كان من خارج المساجد والجوامع حتى لا نضع كلّّ الثقل على المساجد والجوامع.

 

يحيى أبو زكريا: وهنا دكتور بدري أدعوكم في تونس لأنّني لامست هذه الظاهرة في سوريا لما رأيت الكثير من السوريين الذين انضمّوا إلى الإرهاب نحتاج إلى موقفٍ سياسي، إلى قرارٍ سياسي لإرجاع هؤلاء إلى تونس من سوريا والقيادة السورية كما أعلم متجاوبة مع إعادة التونسيين وهم بالآلاف إلى أرض تونس. يؤهّلون فكريًا وينخرطون في خدمة تونس. 

 

بدري المداني: أنا تيسّرت لي زيارة دمشق سنة 2018، ووجدت نفسي أمام الرئيس بشّار الأسد وأحيّيه. في هذه اللحظات قلت له بالحرف الواحد أنا ليس لي موقع في السلطة التونسية، ولكن أريد أن أعتذر لك عن كل يد تونسية لطّخت يدها بالدم في سوريا، فقال لي بالحرف الواحد وجودك هنا وفكرك التنويري وهيئتك واستقبالنا لك في دمشق هو بحدّ ذاته أنت لا تحتاج للاعتذار فقط، وإن أردت وكان لديك الإصرار على الاعتذار فقد قبلنا اعتذارك، وبالتالي أجدّد الاعتذار لكل شبر في الوطن العربي من يدٍ تونسية لوّثت هذا الوطن، وإنّما كان أجدر بهؤلاء أن يتوجّهوا إلى الغاصبين إلى الصهاينة المُغتصبين لدمائنا ولأهالينا ولأراضينا كان من باب أولى وأحرى أن يتوجّه هؤلاء إلى تلك المنطقة، ولكن كانت الوجهة نحو أنّنا ننحر أنفسنا بأنفسنا.

 

يحيى أبو زكريا: وطبعًا هذا واجب المُثقّفين وصُنّاع الرأي أن يحصّنوا شبابنا، وأنّ الجنة لا تُنال بالتفجير والتفخيخ والانتحار، الجنة تُنال بخدمة الآخرين وخدمة الإنسان.

دكتور عبد الله المرجعية الإسلامية الوطنية حصن حصين لكلّ أمّة، والجزائريون لهم تجربة مع الإسلام الوطني الجزائري العملاق الذي حرَّر الجزائر من براثن فرنسا وإجرامها في الجزائر. وبعد الاستقلال بدأت هذه التيارات، أنت تذكر أنّ طلابًا عادوا من جامعات إسلامية في المشرق العربي، ونشروا التشدّد ونشروا فقهًا بدويًا صحراويًا، وكل تيار صارت لديه بضاعة مذهبية عن الجميع أتكلّم. هل هذا الأمر تدنّى في الجزائر وأنتم ذاهبون إلى صناعة مرجعية إسلامية وطنية مع تأسيس جامعة الشيخ والأمير والعملاق عبد القادر الجزائري رضوان الله عليه؟

 

عبد الله شيني: في الحقيقة هذه الظاهرة، ظاهرة الخطاب الديني المُتشدّد ما نسمّيه خطابًا دينيًا في الأصل لا بدّ من أن نضبط هذا الإصطلاح لأنّ الخطاب الديني هل هو الخطاب الذي كما قلت من البداية ينبع من داخل منظومة الإيمان الذي يضبط علاقة الإنسان بربّه في معاشه ومعاده، أو هو التأويلات التي تستند إلى نصوص معينة من القرآن ومن السنّة مع استصحاب حال سياسية معيّنة لتصل بها إلى تفسيرات هي في النهاية قد لا تكون دينية محضة بقدر ما تكون ربّما سياسية أو تدخل ربّما في خطاب الفتنة كما أشرتم. بالنسبة إلينا نحن في الجزائر كتجربة جامعة الأمير عبد القادر كانت تجربة رائدة ورائعة. في البداية في ما يتعلّق بتلقين الدين الإسلامي الحنيف والجزائر كما تعلم قامت باستجلاب الكثير من العلماء من العالم الإسلامي بعضهم من العرب وبعضهم من غير العرب، وأنت تعرف بأنّ الجزائر بعيد الاستعمار الفرنسي صحيح أنّه كان لدينا تجربة إصلاحية رائدة هي تجربة جمعية العلماء المسلمين ومدارسها ومحاربتها الاستعمار ومحاولتها أيضًا صقل الهوية الوطنية الجزائرية في إطار الدين الإسلامي، ولكن مباشرة بعد الاستقلال فرنسا تركت الجزائر شبيهة بمرحلة الشفوية يمكن أن نقول مع القلّة النادرة التي ربّما وصلت إلى جامعة الجزائر في حينها، أو أولئك الذين اتّجهوا إلى التعليم من خرّيجي مدارس جمعية العلماء المسلمين ومعاهدها التي كانت في قسنطينة وتلمسان، هذا لم يكن كافيًا بالطبع لبناء جامعة إسلامية. ولذلك الجزائر قامت كما قلت باستجلاب الكثير من العلماء من العالم الإسلامي. شهادة لي في هذا المجال هو أنّ الجامعة الإسلامية في ما يتعلّق ببرامجها التكوينية التي تخضع للحوكَمة العلمية في المجالس العلمية وفي البرامج كلّها كانت تصبّ في إطار الإسلام المعتدل، وفي إطار الإسلام الوطني، الإسلام الذي يفتح للطالب بابًا للعالم في كافّة مجالات الحياة، وميادين المعرفة المُتعدّدة.

ولكن كان هناك في مراحل معيّنة نوع من التكوين الموازي خارج إطار مدارس الجامعة يتمّ ضمن أطر متعلّقة ببعض المساجد، أو بعض الأحياء الجامعية، أو ما إلى ذلك وهذا التكوين الموازي كما تعرف كان تكوينًا كما قلت سابقًا وذكر الزملاء طوائفيًا أحيانًا، أيديولوجيًا أحيانًا أخرى ومتعلّق بتيارات إسلامية معيّنة بعينها الجامعة كانت مجالًا للحوار كما تعلم، ولكن أحيانًا هذا الحوار وصل إلى حدّ ربّما التدافُع بالقوّة، وليس التدافُع بالحجّة وهذا الذي أثّر كثيرًا في الجامعة الإسلامية، وأنا كنت عشت هذه التجربة في التسعنيات لأنّني كنت طالباً في هذه الجامعة، وعشت هذه التفاصيل وهذه الظروف. ولكن أعتقد أنا الآن بالنسبة إلى الجزائر أنّ الجميع يبدو أنّ هذه المشارب بدأ يتقارب بعضها إلى بعض بعد هذه الفتنة التي عاشتها البلاد، أيّ أنّ هذه االتيارات التي استجلبت إلى بلادنا من المشرق ومن المغرب أيضًا، وحتى بالنسبة إلى التيارات غير الدينية نحن تعرّضنا إلى الكثير من التيارات الوافدة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

عبد الله شيني: في إطار التيارات الفرانكوفونية أو اليسارية، وأنت تعرف هذا طبعًا، أنت إبن الجزائر وتعرف هذه التيارات. التيارات الإسلامية كانت جزءًا من هذه البضاعة التي ضخّت في الجزائر، عشنا بسببها فتنة كما تعرف، عشنا بسببها فتنة وتناحراً بالإضافة إلى المشكلة السياسية الآن يبدو أنّ الخطاب الديني في الجزائر بدأ يتعافى لأنّ المواطن نفسه أصبح يُميّز بين الغثّ وبين الثمين في الخطاب الديني، بين مَن يريد أن يجعل منه مواطنًا صالحًا مساهمًا في بناء بلده مُحبّاً لأهل بلده باختلاف مشاربهم، وبين مَن يريد أن يغلق عليه في أدران الماضي، وفي أدران تلك الحُفر التي فيها فتن المسلمين. أنا أتصوّر أنّ هناك قراءات كانت حتى في بدايات عصر النهضة الإسلامية بين مَن كان يعتقد بأنّه لا نجاة للمسلمين، أو لا صلاح لآخر هذه الأمّة إلا بما صَلُح به أولّها، ولكن مَن قال ضرورة العودة إلى أعمال الصحابة وأفعالهم قلبًا وقالبًا وشكلًا. وأنت تعرف هذه المدرسة هناك مَن قال بأنّه لا بدّ من استعادة المُثُل التنويرية من فترة الصحابة من دون اقتلاعها من جذور التاريخ ، وهناك مَن قال مثلًا كتاب شكيب أرسلان لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم يقول إنّ المشكلة ليست في علاقة المسلمين بالله بقدر ما هي عدم أخذ المسلمين بشكل عام بأسباب القوّة المادية التي تمكّنهم من تبوّؤ الأماكن المتقدّمة في الدول. في الجزائر أقول إنّ هناك ترشيداً لهذا الخطاب ترشيد ذاتي صحيح يجري الآن تكوين الأئمة وفق التوجّه الوطني النابع من الإسلام الجزائري التسامُحي الأخوي. نحن في الجزائر لو تعوّد إلى ما قبل الستينات مَن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو أخوك الآن أصبحنا لا إله إلا الله محمد رسول الله بكيفية ما بتصوّر ما بفكر ما الجزائريون، وأعتقد أنّ هذه الظاهرة صحيّة بالنسبة لنا في الجزائر أنّ الناس بدأت تتقارب من بعضها البعض، وتبعد تلك النقاط الخلافية سواء في القضايا الاعتقادية أو القضايا الفقهية، أو في القضايا المتعلّقة بفهم الواقع عن النقاش، وأصبحت الناس تميل إلى هذه الوحدة الجامعة حتمًا هناك أصوات لا تزال تنادي بما أمنت به منذ ثلاثين سنة من قبل. ولكن أعتقد أنّها أصوات ليست مؤثّرة في الكيفية وهي أصوات على الأطراف. أمّا مركز الدائرة وهو عموم الشعب الجزائري أعتقد أنّه بدأ يعود إلى إسلام المحبة إلى إسلام الرحمة، وإلى إسلام الأخوّة، ولذلك أنت عندما تقوم بإحصاءات توضح أنّ الجهاديين الجزائريين في مناطق التوتّر هم نسبة قليلة وقليلة جدًا إنْ لم نقل إنّها معدومة مقارنة مع بعض البلدان الأخرى التي كانت حديثة بهذه الهزّات الاجتماعية والثقافية والدينية.

الجزائريون الآن فهموا أنّه لا ينبغي أن يقعوا فريسة لصراعات جيواستراتيجية أو جيوسياسية آمنوا بوطنهم بخدمته باختلاف على كل حال، وهناك ظاهرة صحيّة بالنسبة لما يسمّون سياسيًا بالإسلاميين أصبحوا بتقارب ربّما مع بقيّة التيارات الأيديولوجية والفكرية الأخرى من الوطنيين وحتى من الليبراليين. أنت ترى في الجزائر الآن حواراً حيّاً من أجل إنقاذ البلاد والذهاب بها بعيدًا وترك المشكلة الدينية لأهل الاختصاص والأئمة والفُقهاء والمتنوّرين وللذين لا يمتلكون حظًا من العلم، وليس فقط للذين يأخذون بقشور العِلم أو ببقاياه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد الله أنت تعرف جيدًا أنّ الجزائري عندما يريد أن يُنادي الجزائري ولا يوجد سابق معرفة بينهما يقول له يا أخي يا خويا، أو يقول له يا محمّد نسبة إلى إسم رسول الله الأعظم.

 

عبد الله شيني: الجزائريون بجبلتهم بفطرتهم بغضّ النظر عن علاقتهم المباشرة بالتديّن يحترمون الإسلام ويحترمون الدين ويحترمون رجالاته الأتقياء هذه سنّة حسنة، بالعكس ويقيمون بعض عاداتهم الاجتماعية وحتى بعض أشكال التعبير الثقافي على أساس أنّ الدين جامع وعلى أساس هذه الثقافة المُتسامِحة أنا أتصوّر أنّه عندنا هنا في الجزائر والحمد لله الأمور تسير نحو الأحسن في هذا المجال.

يحيى أبو زكريا: بحول الله وندعوه تعالى أن يكون ذلك الانفراج والتلاقي في كل العالم العربي والإسلامي.

دكتور عبد الله شيني من الجزائر الحبيبة المجاهدة شكرًا جزيلًا لك، الأستاذ فاضل بن عاشور من تونس الحبيبة شكرًا جزيلًا لك، الدكتور بدري إبن المنور المداني شكرًا جزيلًا لك.

نهاية زمن الشيوخ

لقد علمنا بعض الشيوخ أن سورة من القرآن تبني لنا بيوتا في الجنة, لكننا لا نستطيع أن نخيط ملابسنا ونأكل من زرعنا ونصنع دواءنا لمواجهة معضلات الدنيا, والفساد بإسم الدين أخطر وأفتك من أي فساد أخر تحت أي مسمى , لأن المفسد بإسم الدين يتصور أن الله كلفه بالقتل و السرقة و التدمير و الإغتصاب, وأباح له كل الكون يفعل فيه ما يريد.. وتمكن هؤلاء الشيوخ من جمع ألاف مؤلفة حولهم و كأنهم أبواب الجنة , بل إن الناس درجوا على سماع رجل الدين أكثر من سماع عالم الإجتماع و عالم النفس وعالم الإقتصاد وعالم الإنتروبولجيا وعالم الفيزياء والفلك, علما أن العلم في الإسلام لا يعني الدين أو الفقه والأصول, هو مطلق العلوم الدنيوية والأخروية ...هل ولت حقبة شيوخ الفتنة والتضليل الذين دمروا الأمن القوي العربي بفتاويهم؟ لماذا كانت الجماهير العربية تستمع إليهم وتنفذ فتاويهم وكيف إحتلوا المساجد؟ الشيوخ هل هي ظاهرة معاصرة في زمننا أم أنها مرتبطة بالتاريخ الإسلامي عموما؟

المزيد

برامج أخرى