الأزيدية: معتقدات وميثولوجيا

الأزيدية: معتقدات وميثولوجيا، وتاريخ وفلسفة وطقوس وعبادات... ما علاقتها بديانات ما قبل التوحيد والديانات التوحيدية؟ والأزيديون في امتحانهم الصعب: نكباتهم، واقعهم ومستقبلهم.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، مَن يريد الاطّلاع على الديانة الأزيدية من المُهتمّين والباحثين سيجد عشرات الكتب، لكن لمجموع الناس ما تزال الأزيدية والأزيديون من بين مجهولاتهم، هذا الشعب الذي عانى من 72 محاولة إبادة آخرها ما قام به داعش من قتلٍ وذبحٍ وتهجيرٍ وسَبيٍ واغتصاب، وخرج بإثنتين وسبعين ولادة يستحقّ منا الوقوف معه والإضاءة عليه وعلى معتقداته وطقوسه وتراثه الشفهي والمكتوب، وعلى علاقته بديانات التوحيد وما قبلها وعلى أحواله ومستقبله، وهذا ما سنناقشه مع الأستاذ خليل جندي الباحث في الشأن الأزيدي وصاحب كتابي "الدين الأزيدي: المُعتقدات، الميثولوجيا، الطبقات الدينية"، و"الأزيدية والامتحان الصعب"، مُتّكئين أيضاً على ما كتبه سعد سلّوم، كل هذا بعد تقريرٍ عن الأزيدية. 

تقرير:

عاش الأيزيديون في الظلّ عدّة قرون، كانوا يحتمون بجبل سنجار وسط الجزيرة الشمالية الغربية للعراق وسوريا، والذي يحتضن تاريخهم وهويّتهم قبل أن تحلّ عليهم لعنة داعش في محاولة إبادتهم لتصبح المحاولة الثالثة والسبعين لمحو هذا الشعب المُسالِم عن الخريطة السكانية للمشرق، فبلغ عدد قتلاهم 1280 ضحية ونحو ستّة آلاف مفقودٍ، كذلك هُجِّر 400 ألف أزيدي من أصل 550 ألفاً، وجرى تدمير 18 مزاراً.

تُعدّ الأزيدية من الديانات القديمة وتنحدر من ديانات الخصب الأولى لكنها تأثّرت بالديانات المجاورة في ميزوبوتاميا.

يقول الأزيديون إلهي هو الله، إلهي سرّ السماوات، هو الذي أقام عرس آدم وحواء، وقد ابتكر لهم الشيخ عدي بن مسافر قبل حوالى 950 عاماً نظاماً دينياً طبقياً يقوم على بنيةٍ هرميةٍ مُغلقة، ويضمّ طبقاتٍ اجتماعية ومراتب دينية هي: المير وبابا شيخ والشيوخ والبير والفقير والقوّال والمريد والكوجك في منظومةٍ مُترابطةٍ ومُعقّدة، ويشكّل عدم وجود كتاب مُقدّس ونصوصٍ مكتوبة لهم تحدّياً للباحثين لاكتناه أصول العبادة الأزيدية التي تعتمد كثيراً على عِلم الصدر المحفوظ لدى الإكليروس والتراث الشفهي.

أما رمزهم المُقدّس طاووس ملَك فقد ورد بأشكالٍ أخرى عند الشعوب القديمة مثل تموز وأدونيس وأوزيريس، إنه الوجه الآخر للإله الأكبر.

وتعتمد الديانة على السرية والاستعارة من الميثولوجيا الإسلامية مثل الأضحية وجبل عَرَفة والاغتسال ببئر زمزم وغير ذلك.

إنهم قومٌ لم يتركهم التعصّب يعيشون بسلام.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أحيّيك أستاذ خليل جندي على قبول دعوتنا مع العِلم أننا في زمن التكنولوجيا التي أحياناً لا تؤهّلنا لأن نجري حواراً دسماً نتيجة الأغلاط في بلادنا. بكل الأحوال لنبدأ، هل نتحدّث وإيّاك عن الدين الأزيدي ومُعتقداته؟

خليل جندي :أولاً شكراً جزيلاً لفضائية الميادين وكادرها ولكل المشاهدين التحية والاحترام، شكراً أنكم فتحتم المجال لنلقي الضوء على بعض خفايا الدين اليزيدي، ما من دين جهله الناس واختلفوا بشأنه كالدين اليزيدي رغم الكثير من الأبحاث والكتابات ومن مختلف المُؤرّخين الأجانب والمُستشرقين إلى آخره. السبب يعود باعتقادي إلى الأسباب التالية: اليزيدية هي ديانة غير تبشيرية ومُغلَقة وكانت تمارس طقوسها بشكلٍ مُغْلَق وبعيد عن أعين الغرباء، عدم تسجيل نصوصها الدينية إلا في السنوات الأخيرة الماضية، منذ السبعينات تقريباً بدأنا بتسجيل النصوص، قلّة التحريات في مناطق السكن اليزيدية، غياب التسامُح الديني في المنطقة لظروفٍ كثيرة، الموقف الديني والقومي المُسْبَق من المُكوّنات الدينية الصغيرة في بلداننا، لذا جاءت الآراء من الكتّاب والباحثين مُتباينة، كلٌّ له رأيه الخاص بحيث وقعوا في إشكاليّتين، إشكالية التسمية وإشكالية الانتماء القومي. هنالك عدّة نظريات للكثير من الكُتّاب والباحثين سواء كانوا أجانب أو من العرب أو من الأتراك.  

غسان الشامي: نحن نريد أن يأتي الموضوع بسرعة كي نستكمل وإياك الحوار ونصل إلى خواتيمه ونقدّم للسادة المشاهدين لمحة حقيقية عن الأزيديين. 

خليل جندي :ذكرتُ بأن هناك نظريات عديدة بشأن اليزيدية، الأولى التي تقول بأن الأزيديين فرقة مُنشقّة من الإسلام وأن التسمية جاءت من يزيد بن معاوية، آراء كثيرة في هذا الشأن، سأمرّ على كل النظريات وأعطي رأيي، جيمس فريزر في كتابه "الغصن الذهبي" يقول إن مَن أعطى إسم الأزيدية لهذه المجموعات كان يقصد الإهانة، جوزيف الأميركي يقول بانتسابهم إلى يزيد بن معاوية، وهنالك مَن يربط الديانة اليزيدية بمجيء الشيخ عدي بن مسافر في نهاية القرن الحادي عشر. طبعاً بعض الكُتّاب العرب يعتبرون بأن اليزيديين هم من أهل قريش وهم من العرب المُسْتَعْربة ومعهم إبراهيم الخليل، حتى أنهم سألوا علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في ذلك فقال نحن من كوثا بابل، وهناك نظرية بأن القريشيين كانوا من مجموعات بابل عندما غزا داريوس الإيراني المنطقة فهاجر قسمٌ منهم من بابل إلى الجزيرة العربية. النظرية الثانية تقول بأن اليزيدية هي من الديانات القديمة المُستقلّة وربّما ورثت بعض العادات والطقوس من الديانات التي كانت موجودة، وفي هذا يقول الدكتوران كاظم حبيب وجورج حبيب بأن موطنهم الأصلي يزد التي تقع في شرق إيران مركز الديانة الزرادشتية حيث يربطون اليزيدية بالزرادشتية، ولكن هنالك مَن يربط اليزيدية بيزيد بن معاوية وهذا غير صحيح لأن يزيد بن معاوية خلال ثلاث سنوات من حكمه لم نسمع في كتب التاريخ بأنه كانت له ديانة من سنة 680 إلى 683، فهذه نظرية خاطئة، ولهذا مررتُ على نظريات الديانة اليزيدية، هي حتى قبل الديانة الزرادشتية، جذورها من الشعوب التي كانت تسكن منطقة بحر قزوين وزاكروس ومملكة ميتاني، وهناك الكثير من العادات والتقاليد والأعياد المُتشابهة بين الديانة اليزيدية والسومرية كعيد رأس السنة الذي كان يُسمّى عندهم "زاكمو" وهو كان في العهد البابلي وعند اليزيديين في نفس الفترة وفي يوم الأربعاء، هو مُقدّس ولا يحفرون الأرض ولا يزرعون في هذا الشهر، إذاً الديانة اليزيدية أقدم من الديانة الزرادشتية. الديانة اليزيدية تؤمِن بوحدانية الله في القعود والجلوس والوقوف والصلوات، يذكرون الله ويعترفون بالملائكة وبيوم الآخرة، إذاً أركان الديانة اليزيدية تنحصر في ما يُسمّى بفرائض الحقيقة وفرائض الطريقة، فرائض الحقيقة هي أن كل يزيدي يجب أن يكون له شيخ وبير وأخ الآخرة، هذا يقوّي العلاقات الاجتماعية، أما فرائض الطريقة فهي التعميد، الصوم، الشهادة، الحج إلى آخره. 

غسان الشامي: هل من طبقات دينية في الأزيدية أستاذ خليل؟ 

خليل جندي :بالتأكيد هنالك ستّ طبقات دينية للزواج عند اليزيدية، الآدانية يتزاوجون في ما بينهم، الشمسانيون وكذلك القاتانيون، هذه طبقات الشيوخ، وهناك طبقتان للأبيار شيوخ الطريقة والطبقة العامة التي تُسمّى بطبقة المريدين، الوظائف الدينية كثيرة وهناك البابا شيخ والبيشي مام والبابا كافان، الكواجك، القوّالون الذين يتجوّلون في القرى. 

غسان الشامي: أستاذ خليل مَن هو طاووس ملك؟ 

خليل جندي :هذه الإشكالية الكبيرة التي مع الأسف يتحجّج بها الكثير من الكُتّاب المسلمين خاصة وحتى المسيحيين، الذين لم يعاشروا اليزيديين يربطون طاووس ملك بالشيطان وإبليس وهذا غير صحيح بتاتاً. النصوص الدينية اليزيدية تقول بأن لله ألف إسم وإسم، وأحد أسماء الله هو طاووس ملك، ليس لليزيدية أيّة علاقة بالشيطان لأنه ليس لدينا قوّة العصيان في اليزيدية وإنما فلسفة هذه الديانة تقول بأن الخير والشرّ مُترابطان منذ الأزل، وكيف يكون للشر إله عند اليزيدية، فهو إذاً إسم من أسماء الله حسب النصوص الدينية اليزيدية.  

غسان الشامي: ما هي الأمور التي يراها العامّة في الأزيدية وهي غير موجودة عندهم؟ هناك تقوُّلات على الأزيديين، في خلال أبحاثك أنت ما هي الأمور التي لا يعرفها الناس عن الأزيديين؟ 

خليل جندي :مسألة طاووس ملك، الكتّاب الأجانب الذين كتبوا عن الأزيدية لا يعرفون هذه القضية، مثلاً الأجانب لم تكن لديهم معرفة بمسألة الطبقات الدينية، هذه الطبقات تُبيّن عراقة الديانة اليزيدية الآتية من الآريين عندما صار هناك الانفصال الهندو -إيراني حيث ذهب قسم إلى الهند والقسم الآخر ذهب إلى إيران، آريان كان عندهم أربع طبقات في ذلك الوقت،الزرادشتيون أخذوا أيضاً الطبقات من الآريين: الكهنة والمُحاربين إلى آخره، اليزيديون أيضاً لديهم أيضاً قضية الطبقات الدينية في أساس تكوين المجتمع وأساس تماسكه، ولولا هذه الطبقات والإصلاحات والعلاقات الطبقية أعتقد أن الديانة اليزيدية كان سيُصيبها الهزل والضعف.

غسان الشامي: ما هو قرآن رش؟ يتكلّم الناس عنه ولا يعرفونه.

خليل جندي :كان للديانة اليزيدية أستاذي العزيز كتابان، أحدهما باسم مصحف رش أي الكتاب الأسود، والكتاب الآخر يُسمّى الجلوة، ولكن للأسف في ظلّ الإبادات والحملات العسكرية ضدّ اليزيديين خاصةً في زمن الدولة العثمانية التي حكمت منطقة الشرق الأوسط وكل البلدان العربية لأكثر من 400 سنة ضاعت هذه الكُتب. ما هو منشور من هذه الكُتب والتي نشرها للمرة الأولى بيتنر وحوّلها إلى الألمانية وإلى لغاتٍ أخرى ليست بالكُتب الصحيحة وإنما يُقال بأن أحد المسيحيين الذي اختلط باليزيديين كتب ما يعرفه وقدّمه لهذا المستشرق الذي جاء بها إلى أوروبا وقال إنها الكُتب اليزيدية المُقدّسة. بالنسبة إلى كتاب جلوة فهو من تأليف الشيخ حسن بن عدي الثاني في القرن الثاني عشر الميلادي، إبن خلكان يذكر عن هذا الكتاب بأن الشيخ حسن كان شاعراً وفيلسوفاً وداعية عصره، وأنه اختلى ستّ سنوات وأخرج كتاباً باسم الجلوة لأهل الخلوة، هذا الكتاب أيضاً فُقِدَ بين اليزيديين الذين يعتمدون الآن على علم الصدر، لديهم عشرات النصوص الدينية بأسماء كردية، الأبيات، الأدعية، ونحن قمنا بجمع هذه الكتب وأوّل كتابٍ صدر لي ولصديقي الأستاذ خضر سليمان سنة 1979 من المجمّع العلمي الكردي في بغداد، وبعد ذلك توالى إصدار الكُتب، وحينما كنت أستاذاً في جامعة غوتينغن - القسم الإيراني ألّفت كتاباً مع البروفيسوركرايبروك الذي كان رئيساً للجامعة باللغة الإنكليزية وأنا كتبتُ في نفس الوقت كتاباً من حوالى 1172 صفحة باللغة الكردية جمعتُ فيها هذه النصوص. 

غسان الشامي: سيّدي ما علاقة الأزيدية بديانات ما قبل التوحيد؟ بديانات الطبيعة التي تعتمد على العبادات الطبيعية؟ 

خليل جندي: أنا ذكرت في البداية بأن الديانة اليزيدية أقدم من الديانة الزرادشتية، هي من ديانات الخصب الأولى منذ اكتشاف الزراعة، ويُقال في التاريخ بأنه تسعة آلاف قبل الميلاد أوّل مرة تمّ اكتشاف الإنسان للزراعة، حيث تمكّن من زراعة القمح والشعير والمحاصيل الأخرى بدلاً من أن يجمعها، فالديانة اليزيدية مرتبطة بهذه الفترة، إذا كنت تلاحظ وتبحث في الأعياد الأزيدية وطقوسها ستجد أن كلّها مرتبطة بالتغيّرات السنوية وبجني المحاصيل والقمح بشكلٍ أساسي، مثلاً في كل فصل من فصول السنة لليزيدية عيدٌ خاص وأهم هذه الأعياد عيد رأس السنة الذي يصادف يوم الأربعاء من شهر نيسان الشرقي الذي كان يقام عند السومريين والبابليين وهو موجود حتى الآن في الديانة اليزيدية. في فصل الصيف، في الشهرين السادس والتاسع والشهر الثاني عشر وشهر شباط كلها أعياد ابتدءاً من زرع القمح إلى حين جنيه.

غسان الشامي: تتعلّق بآلهة الزراعة. 

خليل جندي :بالضبط وعلى رأسهم هنا يأتي مفهوم طاووس ملك الذي كان يُسمّى في ذلك الوقت دوموزي أو شهر تموز عند السومريين وتطوّر هذا الإسم إلى طاووس ملك. في أحد كتبي ذكرتُ نظرية أن طاووس ملك يُعتبر روح القمح، هو بهذا المفهوم الحيّ الميت، القمح عندما يكون بشكل عادي هو ميت ولكن عندما يُترك في الأرض ويُزرَع ويُفلَح بعد بضعة أشهر يخرج بحياةٍ جديدة، فهذا الطاووس ملك يتقمّص روح القمح ولهذا اعتبره اليزيديون أنه الحيّ الميت الدائم أبداً.

غسان الشامي: أو بالعكس الميت الحيّ.

خليل جندي: الميت الحيّ والحيّ الميت.

غسان الشامي: إسمح لي أن نذهب إلى فاصل على أن نعود لنتابع هذا الحوار معك عن الأزيديين مع الأستاذ خليل جندي، أعزائي انتظرونا.

المحور الثاني: 

غسان الشامي: تحيّةً لكم مُجدّداً من أجراس المشرق، أستاذ خليل جندي سألتك في القسم الأول عن علاقة الأزيديين بديانات ما قبل التوحيد، الآن سأسألك عن علاقتهم بالمانوية وبالصابئة المندائيين. 

خليل جندي: أنا كتبتُ في الدين اليزيدي، طقوس، عبادات وميثولوجيا، ليست لدينا علاقة بالمانوية لأن المانوية ديانة الزهد والنسك المُتطرّف، يصومون أربعين يوماً، الزواج عندهم ممنوع، اليزيديون يصومون ثلاثة أيامٍ في السنة في شهر كانون الأول، الزواج عند اليزيدية مسموح ومُقدّس وكذلك الإنجاب. في النصوص الدينية اليزيدية لا يأتي ذِكر ماني بأيّ شكل من الأشكال. مع الصابئة ربّما هناك بعض الطقوس المُتشابهة، مثلاً نحن في اليزيدية نقدّس القمر والشمس والنجوم.  

غسان الشامي: للصابئة علاقة بالماء.  

خليل جندي :قضية التعميد عندنا مهمة جداً أستاذي العزيز، كل طفل سواء كان ذكراً أم أنثى في سنٍّ مُعيّنة يجب أن يُعمَّد في مركز لالش المُقدّس فيعين ماء يُسمّى "العين البيضاء" وكذلك زمزم موجود أيضاً في لالش، يجب على الإنسان اليزيدي أن يُعمَّد فيه، هذا بالإضافة إلى المسائل الشكلية، اليزيديون والصابئة ملابسهم دائماً بيضاء ويطلقون اللحى والشوارب. الزواج عند الطرفين مغلق أي أن الأزيديين والصابئة المندائيين يتزاوجون في ما بينهم ولا يجوز الزواج من خارج المجموعة. 

غسان الشامي: إذاً لنبدأ بالعلاقة بين اليزيدية واليهودية ثم بالتتالي المسيحية فالإسلام.  

خليل جندي :أريد أن أضيف أن الكثيرين يقولون بأن اليزيدية هي امتدادٌ للزرادشتية وهذا غير صحيح، أيضاً أؤكّد بأن هنالك عادات وطقوس مُتشابهة بين الديانتين كتقديس الشمس والقمر والنار، التعميد والزراعة مهمّان بالنسبة للزرادشتية واليزيدية -ولكن هنالك نقاط خلافية مثل قضية دفن الموتى، الميت عند اليزيديين يُدفن وفقاً لنصوص دينية ومراسم، أما في الزرادشتية فيُرمى من مكانٍ مرتفع حتى تأكله الطيور والحيوانات الجارحة. الصوم في الديانة الزرادشتية أيضاً غير مُحبّذ أو لا يصومون بينما اليزيديون يصومون، فإذا كان اليزيديون زرادشتيين لماذا يبحثون عن نبي وتكون لديهم هذه الطقوس والعادات المختلفة، ولكانوا احتفظوا مثلاً بكتاب الزند أفستا الموجود عند الزرادشتية. أؤكّد بأن هنالك أموراً مشتركة ولكن في نفس الوقت هناك اختلافات، مثلاً في الديانة اليزيدية يؤمنون بالتناسخ وبوحدة الوجود. في ما يخصّ التشابه بين الديانة اليزيدية والديانات الإبراهيمية، نبدأ من اليهودية، قضية الختان سيّدي العزيز ليست خاصة باليهودية أو الإسلام فقط، الختان كان موجوداً عند الفراعنة في مصر القديمة، مَن أخذ من الآخر؟ هل هي خاصة باليهودية أم بالفراعنة؟ إذاً الختان موجود في اليزيدية. 

غسان الشامي: أي أن اليزيدية لديها الختان والعماد.

خليل جندي :نعم هذان الطقسان موجودان، أستاذي العزيز اليزيدية هي ديانة غير تبشيرية وليس لديها نبي أو رسول مثل الديانات الإبراهيمية وإنما علاقة الإنسان اليزيدي بالخالق هي علاقة مباشرة، أقول خالقه لأن كل مجموعة دينية تسمّي إلهها باسم خاص، الله عند الإسلام، إلوهيم عند المسيحيين، يهوه عند اليهود، أما عند اليزيدية هو "خوديه"وهي كلمة إيرانية فارسية كردية بمعنى الذي خلق نفسه بنفسه، خو تعني ذاته، ديه تعني الذي خلق نفسه بنفسه، وهذا طبعاً من ضمن ألف إسم وأكبرها. اليزيديون يحترمون ويُقدّرون كل الأنبياء الآخرين، سمعتُ من والدي ومن رجال الدين أنه لا يجوز أن تتحدّث بطريقة مُسيئة لأي نبي أو أية شخصية دينية لأن اللعن غير مسموح في الديانة اليزيدية، حتى البصق غير مسموح لأنه يلوّث الأرض فكيف يطلقون مثلاً كلمات غير مُحبّذة. نصوصنا الدينية ورد فيها ذِكر موسى وعيسى ومحمّد وعلي بن أبي طالب والكثير من الأولياء الصالحين. ننظر بإعجاب إلى بعض المُتصوّفة الكبار، مثلاً جُنيد البغدادي والحلاّج الذي يلعب دوراً كبيراً جداً في الديانة اليزيدية وهناك نصوص خاصة به. 

غسان الشامي: ولكن لماذا هذا التقدير لعدي بن مسافر؟ بالمناسبة هو من لبنان من قرية في البقاع.

خليل جندي: هو بالمناسبة جدّي. 

غسان الشامي: أنت منحدر من عائلة عدي بن مسافر.  

خليل جندي: أنا من عائلة الشيخ عدي ولكن الشيخ عدي الأكبر المتصوّف الكبير لم يتزوّج، هنالك قسم يقول إنه أموي والآخر يقول كردي، وأنا باعتقادي أنه حتى الآن لم يُكتَب تاريخه بشكل صحيح ولكن بحسب المصادر التي اطّلعت عليها فإن عائلته كانت تسكن في منطقة جبل هكاري وهو موجود حتى الآن وتابع لتركيا. نحن نتبع الشيخ عدي من العشيرة الهكارية، هذه العشيرة كلها كرد.

غسان الشامي: يقولون إنه في الأصل كان يسكن بلدة خربة قنافار في البقاع.

خليل جندي: هو وُلد في بيت فار وبعد ذلك أصبح زاهداً كبيراً ووصل إلى القطب الأكبر، مثلاً عبد القادر الجيلاني قال: "لو كانت النبوّة بالمُجاهدة لنالها الشيخ عدي". الشيخ عدي كان يصوم أربعانيّة الصيف وأربعانيّة الشتاء، نادراً ما رآه الناس، وكان صاحب كرامات، حتى المؤرّخين المسلمين يذكرون كرامات الشيخ عدي في كتبهم. بحسب اعتقادي أن أصله من منطقة هكار ورحل في وقتٍ من الأوقات إلى بعلبك إلى بيت فار ثم عاد إلى أهله بعُمر الأربعين. الإسلام كان قد وصل إلى هناك في زمن عُمر بن الخطاب حيث تمّ احتلال منطقة الموصل ونشر الدين الإسلامي هنالك، قبله كانت هناك الديانة الزرادشتية والميثرائية في المنطقة، عندما عاد عدي بن مسافر الشامي الهكاري إلى المنطقة استقبله أهله بحفاوة وتقبّلوا آراءه والآن يعتبرونه بأنه صاحب كراماتٍ كثيرة.

غسان الشامي: سيّدي سنأتي إلى الحاضر، كما قرأتُ عندما كنت أعدّ لهذه الحلقة وكما قلتُ في المقدّمة إن الأزيديين تعرّضوا لإثنين وسبعين إبادة، ما هو ملخّصها؟ وهل نجمت عن هذه الإبادات ولاداتٍ جديدة؟ 

خليل جندي: اليزيدية مثل العنقاء الذي يولد من النار، حضرتك قلتَ 72 ولكن لديّ صديق درس في تركيا واطّلع على الأرشيف العثماني وقال إن هنالك 360 حملة إبادة عسكرية على اليزيدية كلّها باسم الدين بحجّة أنهم كفّار ويجب قتلهم مع العِلم أن اليزيديين موحّدين ويؤمنون بالله والملائكة، وبالتالي هذا كان افتراءً عليهم باسم الدين. أغلب الحملات العسكرية حصلت في زمن الدولة العثمانية، الفريق وهبي باشا، سليمان باشا، سليمان القانوني وسليم الأول، جميعهم أقاموا حملات إبادة على اليزيدية وأقواها كانت مع الأمير راوندوزالذي كنا نسمّيه الأمير محمد الراوندوزي، اليزيديون في ذلك الوقت كانوا في منطقة أربيل التي كانت بيد حسين الداسني الذي أقام حملةً شرسة في سنة 1832، بدأ من أربيل إلى أن وصل إلى منطقة زاكووديار بكر وإلى منطقة الموصل حيث أباد وفق أحد المصادر 120 ألفاً بين قتيلٍ ومسبي، وبقي من اليزيديين فقط 20% من مُخلّفات تلك الإبادة.

غسان الشامي: وهل كل إبادة تنجم عنها ولادة؟ أسألك لأن صديقنا المشترك الأستاذ سعد سلوم في كتابه عن الأزيدية يتحدّث عن "المُعجزة الأزيدية"، هل هناك مُعجزة أزيدية حقاً؟  

خليل جندي :بالفعل، هذا هو الاعتقاد الراسِخ، كل يزيدية العالم هم تقريباً حوالى مليون أو مليون وربع مليون، لو كانت هذه الإبادات على حجر أو على جبل لما كان سيصمد أمامها. أولاً كل أتباع الديانات يعتقدون بدياناتهم، وثانياً هم مُتمسّكون بالأرض التي يعيشون عليها ولم يتركوها خلال كل تلك الإبادات. مع الأسف كل تلك الإبادات حصلت بإسم الدين ولكنها في الحقيقة كانت لأسبابٍ اقتصادية، يريدون الاستيلاء على أراضي وممتلكات اليزيديين.اليزيديون كانوا يأتون من تكريت ويحجّون في منطقة لالش، وكانوا يتواجدون في منطقة شمال شرق إيران، وكذلك يتواجدون في منطقة وان حتى الآن، ولكن بذريعة أنهم كفَّار استولى المسلمون هناك على أراضيهم والغالبية العُظمى من يزيديي تركيا هاجروا إلى ألمانيا من الستينات وحتى الآن.  

غسان الشامي: أستاذ خليل بعض المُستشرقين يقولون إن الأزيدية أو اليزيديين هم جماعة خارج التاريخ، ولكن ها هم ينهضون من الرماد بعد داعش، أنت ماذا تقول؟ 

خليل جندي :بالفعل اليزيدية كديانة منسيّة في متاهات الكتب، ونستطيع القول إنها كانت ألعوبة بيد الكتّاب،كل كاتب وباحث يصفها بحسب أيديولوجيّته أو بحسب انتمائه الديني أو القومي. مع الأسف الإبادة التي حصلت في 3-8 من قِبَل الإرهابيين الدواعش كانت مؤامرة إقليمية ضدّ اليزيديين، ولا أخفي عليك بأن تركيا تأتي على رأس النظام الإجرامي الذي حقّق هذه الإبادة بالاتفاق مع جهاتٍ أخرى في منطقة الموصل وفي بعض الدول الأخرى العربية. هم أرادوا تفريغ منطقة سنجار ومناطق يزيدية أخرى من اليزيديين ولكن القضية اليزيدية بعد هذه الإبادة صارت قضية إقليمية ودولية. نحن حتى الآن لا ننسى الموقف التاريخي لسماحة السيّد السيستاني حينما قال إن اليزيديين أمانة في أعناقنا.

غسان الشامي: أريد أن أسألك عن مستقبل اليزيديين، كيف يمكن لهم أن يُعيدوا ترميم وضعهم وشكل الدولة التي يريدون أن يقيموا ضمن حناياها أو بين جنباتها؟

خليل جندي :هذه أعطتنا درساً بأن الانتماء القومي لا يأتي بفائدة، نحن طالبنا ونطالب بأن تتحوّل منطقة سنجار إلى محافظة تتولّى الشرطة وقوات الأمن والجيش حمايتها حتى لا تتكرّر الإبادة مرة ثانية، إضافةً إلى منطقة سهل نينوى الذي غالبيّته من اليزيديين بالدرجة الأولى والمسيحيين في الدرجة الثانية، والشبك، والصابئة، والكاكائية، نحن نعمل من أجل أن يكون هناك نوع من الحُكم المحلّي. 

غسان الشامي: ألا تسعون إلى دولة مدنية مثلاً سيّدي؟  

خليل جندي :بالنسبة إلى المُكوّنات الدينية الصغيرة فإن الدولة المدنية هي الدواء لكل مشاكل العراق في الوقت الحاضر، عندما تكون هناك دولة المواطنة فالكل سيعيش فيها، اليزيدي والمسلم والمسيحي والعلماني. الدولة المدنية تحترم وتحفظ حقوق الجميع ولكن الدولة الدينية أو تحت الغطاء الديني مع الأسف تُنْتِج المشاكل التي نراها في الدول الثانية.

غسان الشامي: شكراً جزيلاً لك سيّدي على تعبك وجهدك. أعزائي هل هي معجزةٌ قيامة اليزيديين أم هم شعبٌ يمتلك من العناد ما يمكن أن يعطي البشرية دروساً في توسُّل البقاء بعد ما حلّ بهم، هذا ما حاولنا أن نُجيب عنه شاكرين الأستاذ خليل جندي الذي أريد أن أشكره على حضوره في أجراس المشرق، والزملاء في البرنامج والميادين أشكرهم على جهدهم، أيامكم خيرٌ ونماءٌ وأمانٌ وبلا إبادات، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم. 

 

لبنان والطائفية عبر التاريخ

لبنان والطائفية، تاريخاً ومسيرة ونتائج.. كيف ظهرت عبر العصور وتقوننت وباتت نسق دولة وحياة؟ ما هي المشاريع التي طيّفت الدول؟ وما هو تأثير الطائفية على الاجتماع والتربية والتعليم؟

المزيد

برامج أخرى