الإسلام ووجوب الانتصار للأسرى المضربين

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكُمُ.

عندما تعلّق الأمر بتفجير الأمن القومي العربي ونشر الفتنة الكبرى في العالم العربي والإسلامي وإراقة دماء مئات الآلاف وتكريس الطائفيّة والمذهبيّة والإقصائيّة واستجلاب حلف الناتو إلى جغرافيا العرب والمسلمين، استنفر كثيرٌ من العلماء والفقهاء والدّعاة والمشايخ والمراكز والفضائيّات والمؤسّسات الدينيّة والعمائم، التي تبارت وتنافست في إصدار الفتوى تلو الفتوى والحُكم الشرعي تلو الحُكم الشرعي والبيان تلو البيان والموعظة تلو الموعظة والتصريح تلو التصريح، والتي فجّرت كلّها الأمن العربيّ، الذي أصبح مستباحاً في سابقةٍ هي الأخطر والأحرج في الراهن العربي.

وكثيراً ما كانت الفتاوى العلمائية هي الطلقة الأولى التي تسبق تحرّكات الناتو في جغرافيّتنا المستباحة. ولطالما قتلت فتاوى التضليل والتكفير والتفجير الأبرياء والمدنيين ودمّرت كلّ البنى التحتية في معظم الأقطار العربية التي كان لها موقفٌ من الكيان العبريّ.

وعندما دقّت ساعة فلسطين، فلسطين الأسيرة للتذكير، فلسطين المحتلة للتذكير، فلسطين التي يجثم على قلبها الطاهر أعتى احتلالٍ عرفه تاريخ البشر للتذكير، وعندما أعلن أنبل بني البشر، الأسرى الفلسطينيون، الإضراب عن الطعام العام والصوم العام قبل موعده، حيث رمضان على الأبواب، وقرّروا الإضراب عن الطعام تزامناً مع ذكرى الإسراء والمعراج، حيث نقل الله تعالى رسوله بجسده من مكّة إلى بيت المقدس، ثمّ عرج به إلى السماوات العُلى، ثمّ عاد به إلى بيت المقدس، ثمّ أخيراً إلى مكّة، سكت العلماء وسكتت الفضائيات التي تهلّل للدم العربي المُراق باسم الجهاد المزوَّر والإسلام المخطوف وفتاوى الدّجل المغلَّفة بجلباب إبليس.

ألا يستحقّ هؤلاء الأسرى وقفة دعمٍ وفتاوى إسناد وأحكامٍ شرعية تعضد جهادهم المقدّس، وهم الذين قدّموا الغالي والنفيس من أجل مسرى النبيّ محمّد وبيت المقدس نيابة عن كل المسلمين في خط طنجة جاكرتا؟

هل سقط القناع عن القناع وانكشفت حقيقة الفقهاء المفجّرين للأمن القومي العربي؟

متى يصرخ علماء الإسلام لله وينتصرون لأصحاب الأمعاء الخاوية؟

سقط القناع عن القناع، عن القناع سقط القناع. قد أخسر الدنيا، نعم، لكنّي أقول الآن لا.

سقط القناع عن فقهاء الدم الذين دمّروا الأوطان العربية وتناسوا فلسطين، سقط القناع عن الإعلام العربيّ التضليليّ الذي حرّض على التقاتل العربي ونسيَ فلسطين، سقط القناع عن التجمّعات الفقهيّة التي هلّلت لحروب الإخوة وسكتت عن فلسطين، سقط القناع عن العلماء الذين كفّروا الحُكّام العرب ولم ينبسوا ببنت شفة ضدّ زعيم الإرهاب بنيامين نتانياهو، سقط القناع عن القناع، حاصِر حصارك بالجنون، وبالجنون ذهب الذين تحبهم، ذهبوا فإما أن تكون أو لا، لا تكون. حاصِر حصارك لا مفر، إضرب عدوك لا مفر.

الإسلام ووجوب الانتصار للأسرى المُضربين عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش فضيلة الشيخ محمّد خضر رئيس المنتدى الإسلامي للدعوة والحوار، ومن فلسطين الجريحة الحبيبة الأسير المحرّر الشيخ خضر عدنان القياديّ في الجهاد الإسلامي.

مرحباً بكم جميعاً.

سماحة الشيخ خضر عدنان، سأبدأ معك من فلسطين حيث البوصلة الحقيقية، وأنت الذي دشّنت إضراباً عن الطعام سنة 2005 وحقّقت مرادك. ماذا عن هذا الإضراب الذي يُفترض أن يستفزّ كلّ غيور على الإسلام ورسالته الخالدة؟ ولماذا بقي العالم العربيّ والإسلاميّ صامتاً تجاهكم؟

 

خضر عدنان: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

تحية لك دكتور يحيى وللشيخ الفاضل محمّد خضر ولكل أهلنا وشعبنا في فلسطين وفي العالم العربي والإسلامي ولأحرار العالم ولمن يتطلّعون لحريتنا وزوال هذا الإحتلال وحرية الإخوة الأسرى المُضربين عن الطعام، تحية لهذه البيوت التي خرّجت هؤلاء الأبطال الذين يُضربون من أجل حريتنا وعزّتنا وكرامتنا ليس في فلسطين فحسب بل في كل هذه المعمورة ، لأن الأسير الفلسطيني هو رمز للحرية والعزّة والكرامة وهذه المعاني الإنسانية الراقية الرائعة.

الإضراب سيّدي الشيخ هو جهاد ومقاومة، ومن لا يؤمن لشعبنا، هو جهاد مشروع ومقاومة مشروعة، ومن لا يؤمن بمقاومة شعبنا وجهاد شعبنا ومن لا ينظر لأن الجهاد أولوية في فلسطين والمقاومة أولوية في فلسطين، لن يدعم المُضربين عن الطعام ولن يرى في خطوتهم خطوة رائدة في مواجهة الاستكبار وفي مواجهة هذا الإحتلال المجرم، في مواجهة المنظومة الدولية التي تقف للأسف خلف هذا الإحتلال المجرم، والتي تعطيه كل غضّ الطرف عن قتلنا وقمعنا في السجون وخارج السجون وقهرنا كفلسطينيين.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي سماحة الشيخ خضر.

شيخنا محمّد خضر، إذا عدنا إلى 2011، إلى بداية 2017 وإلى يومنا هذا، كمٌّ هائلٌ من الفتاوى صدرت لتدمير ليبيا وقتل رئيسها، صدرت لتدمير مصر وأمنها، صدرت لتمزيق سوريا وشعبها، صدرت ضدّ العراق، صدرت ضدّ اليمن، لكن لم نبصر فتاوى رقراقة، ربّانية، محمّدية تنتصر لفلسطين.

لماذا خُطِف الإسلام للانتصار للتقاتل العربي وأهمل فلسطين التي هي بيت القصيد في شريعة محمّد ابن عبد الله؟

 

محمّد خضر: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد له والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. أما بعد.

اسمح لي بداية دكتور يحيى أن أتوجّه بالتحية أولاً لأخي فضيلة الشيخ خضر وهو يجاور الأسرى المُضربين عن الطعام هناك في فلسطين، ومن بعده التحية للأبطال المُضربين عن الطعام، التحية للأسير مروان البرغوثي ولأحمد سعدات وليحيى سكاف ولكلّ هؤلاء الأبطال الذين يحملون على عاتقهم تبعات قضيّة هي قضيّة الأمّة كلّها.

 

يحيى أبو زكريا: والتحية للنساء الأسيرات.

 

محمّد خضر: والتحيّة للنساء وللأطفال، لأنّ العدو لا يفرّق بين رجل أو شيخ كبير أو أمرأة أو طفل. بعد ذلك، أعتقد أنّ اللوم في هذا المجال، في مجال الفتاوى، نعم، يقع على العلماء الذين أصبحوا أسرى لدى سياسات الحُكّام الذين يوجّهون الفتاوى لتكون فقط في إطار ما يُسمى بفتاوى الربيع العربي. مظلوميّة فلسطين هي أنها ليست داخلة ضمن إطار الربيع العربي أو ما يُسمّى بالربيع العربي والثورات العربية، مظلوميّة فلسطين هي أنها ليست داخلة في أجندات الحُكّام العرب الذين هم بدورهم ليسوا أحراراً، هم أسرى، أسرى الإرادات الخارجية يتوجّهون بتوجّهاتها ويتحرّكون وفق أوامرها.

نعم، هذا ما يحدث عندما يصبح الدين في خدمة السياسة، عندما يصبح العالِم في جيب الحاكِم. اللوم الآن من الشعوب العربية والإسلامية على هؤلاء الحُكّام الذين أعتقد أنّهم يحملون وِزر الشراكة مع العدوّ الصهيوني بسكوتهم عن هذا الباطل وعن هذا الظلم. ولذلك، أنا أعتقد أنّ أدنى الواجب الشرعيّ على هؤلاء، الله تعالى شرّع القتال لتحرير الأسرى، نحن لا نطالبهم بالقتال، نحن نطالبهم بموقف، بفتوى، برأي.

يقول الله تبارك وتعالى "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً". نحن نقول كونوا أولياء وأنصار هؤلاء المظلومين في قضيتهم، احملوا معهم ولو بموقف، ولو بكلمة، كلمة حرة، كلمة لا تكون خاضعة لإرادات خارجية ولا لتوجّهات أو مزاجيات أجهزة الاستخبارات العربية، كلمة لصالح فلسطين القضية التي تخرج من كل الأطر السياسية الضيّقة والحزبية والمذهبية، كلمة بحجم فلسطين التي هي قاسم مشترك بين كل العرب وكل المسلمين وكل الأحرار والشرفاء في العالم. هذه قضية رابحة، هذه قضية لا تلوّث سمعة أحد ولا تدخل في حسابات هذا أو ذاك.

إذاً هي قضية مقدّسة ينبغي لنا جميعاً أن نكون مُجنَّدين في خدمتها وأن نرفع رايتها لأنها القضية التي تبقى وتبقي لنا ذكرنا يوم نلقى الله سبحانه وتعالى.

 

يحيى أبو زكريا: دعني أستعرض تجربة الشيخ خضر عدنان. شيخ خضر عدنان، كما قلتُ سابقاً، كنتَ سبّاقاً إلى الإضراب عن الطعام، والذي استمرّ 12 يوماً، ثمّ استجابت القيادة الصهيونية التي أسرت فلسطين برمّتها لمطالبك.

كيف كنت تنظر إلى تجاوب العالم العربيّ والإسلاميّ معك؟ رأينا الجامعة العربية جمّدت عضوية ليبيا وطردت ليبيا من الجامعة العربية، رأيناها كيف جمّدت عضوية سوريا وطردت سوريا من الجامعة العربيّة، رأينا المؤسّسات الإسلامية العملاقة تنتصر لحُكم مشيخةٍ هنا وهناك، لكن فلسطين غائبة، ألمكم كان غائباً. هل كنتم تتحسّرون عندما كنتم ترون علماء الإسلام يرفعون لواء الفتنة بدل لواء تحرير فلسطين والانتصار لكم، وأنتم في أعتى سجون الاحتلال الصهيوني؟

 

خضر عدنان: حول الإضراب عن الطعام، كان هناك إضرابان في العامين 2011 و2015، كل إضراب استمر قرابة الشهرين، بفضل الله عزّ وجل تحرّرت بعد الإضراب عن الطعام وكسر الاعتقال الإداري، وفي الإضراب الثاني تحدّد يوم الإفراج وقبل ليلة القدر وبحضور الأهل وكانت فرحة كبيرة وانتصار على السجّان، وكان قبلها وبعدها، طبعاً هذا الإضراب في السجن ممتد منذ عقود، نحن لنا سادة وقادة في السجون، كانت الحركة الأسيرة الفلسطينية في مواجهة هذا الإحتلال وهذا السجّان فيها واستخدمت الأمعاء الخاوية سبيلاً لرفع الظلم عنها والقهر لتحسين شروط الحياة في الأسر. ممّا لا شك فيه بأن إنشغال من حولنا في العالم العربي والإسلامي وحتى أحياناً الخلاف في الداخل الفلسطيني، يقهر ويؤلم الأسير الفلسطيني الذي اعتُقِل ليس من أجل ذاته بل من أجل شعبٍ ومقدّسات وأمّة وخيرية المعمورة، لأننا نواجه من لا يريد الخير لكل هذه المعمورة وليس لنا كفلسطينيين فحسب. وأما من الناحية الشرعية، لا يفوتنا اليوم ونحن نتحدّث عن الإضراب عن الطعام حديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن فك العاني، بالحديث الصريح، فك العاني دعوة لإطلاق سراح الأسير. الإضراب هو موطئ يغيظ هذا الإحتلال، موطئ فيه مرضاة وثواب وأجر، كنّا نستشعر ذلك في كل تفصيل، في كلّ مفصل من مفاصل الإضراب عن الطعام وفي كل يوم وفي كل لحظة، لم نشعر للحظة في أي إضراب عن الطعام ولا غيري من الأسرى الفلسطينيين أنه كان يذهب لا قدّر الله إلى الانتحار أو العدمية أو اللا فائدة. كنّا ننظر بالعكس أنه فيه أجر وثواب ونشعر بإرباك الإحتلال ونشعر بتراجع وتحوّل الأسير من مهاجَم إلى المهاجِم ومن مضغوط عليه إلى ضاغط على هذا الإحتلال، بل بالعكس من حال الفرقة حتى فلسطينياً إلى موحّد لنا مصدر من جديد للمواجهة والتكاتف الفلسطيني في رفض هذا الإحتلال المجرم، فالإضراب هو مقاومة وجهاد وخطوات رائدة وخطاب إنساني رائع وراقٍ يشبّك في ما بيننا كعرب ومسلمين بل وأحرار في هذا العالم، لنقول لهذا الإحتلال كفى ولنرفض ونقاوم هذا الإحتلال.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، لا شكّ أنّكم صفعتم الإسرائيلي، بدليل أنك حرّ الآن شيخ خضر، لكن ماذا عن الموقف العربي والإسلامي؟ كم كان سيعضد قوّتكم لو كان هنالك بيانٌ مدوٍ للأزهر الشريف مثلاً؟

 

خضر عدنان: للأسف كان من مشيخة الأزهر السابقة، شيخ الأزهر السابق، في عامي 2011 و2012 دعوة والقول أن هذا الإضراب انتحار، والحمد لله الله ألهم زوجتي أن قالت له يومها، لا يفتي قاعد لمجاهد.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

خضر عدنان:  هذا أيضاً من الكلام الذي نؤكّده اليوم، كيف لمن هو بعيد عن فلسطين هماً وجرحاً وألماً وأملاً أيضاً بالحرية والانعتاق من هذا الإحتلال أن يفتي لمن هو يعرف هذا الإحتلال ويخبر هذا الإحتلال ويقاوم هذا الإحتلال وهو تحت السياط؟ كيف لمن يعدّ سياط المحتل علينا أن يتحدّث عن الألم الذي نتألمه ونحن تحت سياط الجلاّد وتحت قمع وقهر هذا الإحتلال؟ ونحن نرى أيضاً الحرية والانتصار والعزّة والإنفة بهذا الإضراب عن الطعام. لم يحدث وهذه نقطة مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية أنه استشهد أحد مُضرب عن الطعام بسبب جوعه أصلاً بالإضراب عن الطعام، بل من استشهدوا من المُضربين عن الطعام كانوا بسبب الخنق الذي استخدمته مصلحة السجون للأسرى المُضربين عندما أطعِموا قسرياً مثل السيّد عبد القادر أبو الفحم وراسم حلاوة وعلي الجعفري وشهداء الحركة الأسيرة الفلسطينية، عندما أدخِل أنبوب التغذية القسرية إلى أنفه، بدلاً من أن تدخل إلى المعدة دخلت إلى الرئتين وقتلوا، وهذه دلالات رحمانية من عند الله عزّ وجل أننا نضرب ونستمر في الإضراب لفترات طويلة ونصل إلى حافة الموت ولا نموت، وكنّا نشعر أننا إذا قضينا سنقضي شهداء، بالعكس، والإحتلال يعرف هذه المعلومة جيّداً، ولديّ كلام إن شاء الله ربّ العالمين حول موضوع الإحتلال والتشكيك بالإضراب من ناحية شرعية.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ خضر، تحيّتي لزوجتك التي قالت لا يفتي قاعد لمجاهد، وتحيّتي لكل نسوة فلسطين اللائي هنّ بملايين الرجال في العالم العربي والإسلامي. أرجو أن تبقى معي.

سماحة الشيخ محمّد خضر، شيخ أزهر كما قال الشيخ خضر عدنان أفتى بعدم جواز الإضراب، مشايخ في بعض الممالك أفتوا بأنّ العمليات الاستشهادية لا تجوز، البعض بارك ذهاب السادات إلى القدس المحتلة، البعض يبارك اليوم التطبيع الإسرائيلي الخليجي إن صحّ التعبير.

صار الإسلام في خدمة الصهيونية العالمية، شئنا أم أبينا. عندما سكت العلماء الربّانيون الأقحاح، الذين يفترض أن يكونوا في طليعة تحرير فلسطين بالكتاب والسّنّة وبالسلف الصالح والخلف الصالح، جيّروا هذا الإسلام لخدمة المركزية الصهيونية وتوابع هذه المركزية من البلاد العربية.

 

محمّد خضر: ممّا لا شكّ فيه أن الأمّة تعيش حالاً مزرية جداً في واقعها، وهذا يتحمّل مسؤوليته العلماء بالدرجة الأولى لأنهم المسؤولون عن نشر الوعي الديني والفكري والثقافي في أوساط الأمّة، ومن بعد ذلك يتحمّل المسؤولية الحُكّام الذين طوّعوا هؤلاء العلماء وجعلوهم رهينة إراداتهم ومشاريعهم وقراءاتهم. أنا أعتقد أنّ الرهان على الشعوب هو الرهان الصحيح، الشعوب يمكن أن تغفل، يمكن أن تنسى، يمكن أن تضلّ الطريق قليلاً لكنّها ستعود. أعتقد أنّ المسؤولية الآن تقع على كاهل الشعوب العربية والإسلامية لتحاكم في لحظة ما هؤلاء العلماء والحكّام معاً بتهمة الخيانة والعمالة للعدو الخارجي.

 

يحيى أبو زكريا: وإذا سمحت، من فيك إلى الجماهير العربية، إلى الشعوب العربية، قليل من النخوة، قليل من الانسجام. الأسرى لا يطالبوننا ببندقية ودم وروح وإن كانت تلكم أموراً واجبة، قليلٌ من الانسجام والدعم وتعضيد مسيرة هؤلاء الأسرى، أليس كذلك؟

 

محمّد خضر: أنا كنت سأقول في هذا الإطار، تذكّروا حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما يقول "ما من أمرئٍ مسلمٍ يخذل مسلماً في موضعٍ تُنتهَك فيه حرمته وينال فيه من عرضه إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته"، والعكس بالعكس. الآن المطلوب أدنى مقتضيات الأخوّة الإسلامية. عندما يقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم "المسلم أخ المسلم لا يخذله"، وفي رواية "لا يسلمه". إذاً المطلوب الآن أن نتواجد في الساحات، أن نرفع الصوت، أن نسجّل موقفاً. البعض من الإخوة رأيناهم يضربون عن الطعام وهم في بيوتهم، وهم.

 

يحيى أبو زكريا: وتكمل بُعيد الفاصل من فضلك.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد، ومن أدرك حلقتنا الآن، نحن نتحدّث عن الإسلام ووجوب الانتصار للأسرى المُضربين، وتحيّة، كلّ التحية، لهؤلاء الأسرى العمالقة الجبّارين الذين سوف يُعيدون فلسطين لجغرافيا العرب والمسلمين.

سماحة الشيخ محمّد خضر، كنت تتحدّث عن ضرورة أن تتحرّك هذه الجماهير العربيّة، وتخرج من الربيع العبريّ إلى الربيع الفلسطينيّ الحقيقي.

 

محمّد خضر: نعم، أنا أعتقد أن هذا أدنى الواجب. الآن هي قضية، أنا أعتقد هي قضية تشرّف من يتبنّاها، هي راية هي تشرّف من يحملها. هذه قضية لا تدخل في الحسابات السياسية، هذه قضية دينية عقدية مبدئية أخلاقية إنسانية، وبالتالي كل المعايير التي ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار والتي لا يمكن أن تشكّل أيّ إلتباس في أحقية وصوابية هذه القضية، ينبغي أن تدفع الشعوب العربية والإسلامية للتحرّك في كلّ الميادين، في كلّ الساحات واتّخاذ ما يمكن من المواقف. نحن نعلم بيقين أنّ تحرير الأسرى على المستوى العملي، على المستوى الفعلي يعتمد على إرادات الأسرى في مواجهة لا يمكن، وأنا أؤكّد هنا والتجارب أيضاً تؤكّد وأخي فضيلة الشيخ خضر أيضاً هو نموذج ومثال، هذه معركة لا تنتهي بالتسويات، هذه المعركة نهايتها النصر المؤزّر والحقيقي لكل الأسرى ولكل المعتقلين وارتفاع راية قضيتهم.

إذاً هي قضية رابحة، قضية رابحة ومشرّفة لكل من يتبنّاها ويرفع رايتها، وبالتالي على الشعوب العربية والإسلامية بالحد الأدنى أن تكون موجودة في الساحات، أن تسجّل المواقف المطلوبة، أن ترفع الصوت بعيداً عن الأجندات السياسية. الآن نحن لسنا في إطار ما يُسمّى بالربيع العربي، نحن في إطار معركة أمر الله تعالى بأن نتواجد في ساحاتها، وأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن نكون من أهلها ومن رافعي رايتها، وبالتالي النموذج المطلوب الآن هو النموذج الذي يمثّله هؤلاء الأسرى والذي يتكامل مع هؤلاء الأسرى، والذي يتكامل مع دماء الشهداء الذين سقطوا على هذه الأرض وضحّوا بدمائهم وبأنفسهم وبكل ما يملكون في سبيل هذه القضية المُحقّة والمُشرّفة.

 

يحيى أبو زكريا: سماحة الشيخ خضر عدنان، حبّذا لو تضعنا في صورة الأداء الإضرابي إن صحّ التعبير. لماذا كان الصهيوني يخشاكم؟ لماذا كان يسعى لتطويق هذا الإضراب؟ هل كان يخشى من الافتضاح العالميّ، وهو رمز الفضيحة ولا يبالي لا بشرعية دولية ولا بمنظمات حقوقية ولا بقِيَم إنسانية نهائياً؟

لماذا كان يسعى على الدوام لتطويق إضرابكم وإجباركم على الأكل وعلى الشراب أيضاً؟

 

خضر عدنان: لأنّ هذا الإحتلال لا يريد أن تظهر صورته بقبحها أكثر وأكثر، الإضراب هو يكشف زيف هذا الإحتلال أمام من لربما خدعه مشهد تعبيد الطرق داخل الكيان المحتل، عندما تأتي وفود أجنبية إلى الداخل المحتلّ، وكأنّ هذا الإحتلال يستحق هذه الأرض، أو المَشاهد للأسف الخادعة في داخل الكيان العبريّ، اليوم يأتي هذا الإضراب عن الطعام ليقول بأّن هذا الإحتلال مجرم، إحتلال دموي، إحتلال سادي، يتلذّذ بمُعاناة المُضرب عن الطعام، يتلذّذ بمُعناة شعب بأكمله، وهذا الإحتلال يدّعي أنه واحة للديمقراطية في خضّم عربي مقتتل ليكون غير ذلك، هذا الإحتلال يكون إجرامه أكبر، تظهر صورته أكثر للعيان، ويوبَّخ عالمياً، يوبّخ بأمعاء الأسرى المُضربين عن الطعام بأمعائهم الخاوية أمام المنظومة الدولية وأمام كل عربي وإسلامي، وأيضاً يضع الجميع عند استحقاقات القضية الفلسطينية ويُعيد القضية الفلسطينية للواجهة من جديد، بأسودها المجاهدين الذين هم الآن رأس حربة في مواجهة هذا الإحتلال، ويستمرون كما استمروا واشتبكوا خارج الأسر في الاشتباك مع السجّان ومع الإحتلال داخل الأسر، هذه الفلسفة التي يدركها الإحتلال، وأيضاً الإضراب عن الطعام هو يزيد ويثري ثقافة تحرير الأسرى ويحرّك الشاب الفلسطيني، لماذا يُضرب أخي وأبي، لماذا لا نفعّل حريته أكثر، فبعد الإضراب عن الطعام لربما تحدث هناك عمليات خطف لجنود الإحتلال كما حدث في الخليل، بعد الإضراب عن الطعام لربما تضع هذه الإضرابات المقاومة الفلسطينية والساسة الفلسطينيين وكل فلسطيني وعربي وإسلامي عند مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية، وعند قضية التحرير لأنه لا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يُخرِج الأسرى، ويفهم المحتل هذه المعادلة، إلا ما يردّ الصاع بصاعين بالمقاومة وبالنفس الفدائي الأول والمقاوم لهذا الإحتلال.

يعيد تصويب البوصلة من جديد هذا الإضراب عن الطعام ويرفع عبارات ومعاني الإنفة والحرية والعزّة والكرامة، وهذه معانٍ نشترك فيها ليس فقط كعرب وكمسلمين بل أحرار في هذا العالم، ونشبّك مع الكلّ. اليوم صورة الأسير الفلسطيني، صورة القائد مروان البرغوثي وأحمد سعدات وثابت مرداوي والأسيرات ولينا الجربوني تدخل العالم، صورة هناء الشلبي بالإضراب عن الطعام وصلت إلى  المطارات الدولية، صورة المُضرب عن الطعام والإنسان الفلسطيني قرّعت البيت الأبيض، على مقربة من البيت الأبيض، كانت هناك تظاهرات من أجل المُضربين عن الطعام، واليوم كلمة لكل العرب، لكل المسلمين، لكل الأحرار، يمكنكم أن تفعلوا أكثر، أينما يوجد هناك دبلوماسيات وقناصل وسفراء لدولة الإحتلال وبّخوهم، إرفعوا صورة الحق الفلسطيني في وجه باطلهم، إرفعوا صوَر الأسير الفلسطيني، قولوا هناك شعب توّاق للحرية ها هم أسراه يضربون عن الطعام في خطاب أكثر من سلمي، هذا خطاب لربما يتأذّى منه الأسير المُضرب عن الطعام والجوع، فلماذا لا تقف هذه المنظومات التي تتحدّث عن الإنسانية والكرامة والحرية وتكيل بمكيالين ولا تتحدّث عن القضية الفلسطينية ولا تتحدّث عن الإنسان الفلسطيني؟ لماذا تصمت منظمة المؤتمر الإسلامي؟ لماذا تصمت جامعة الدول العربية؟ لماذا نحن مضطرون كي نضرب أشهراً أو شهراً وشهرين وثلاثة حتى يتكلّم أحد في العالم العربي والإسلامي؟ لماذا لا تخرج المرجعيات الدينية عن صمتها؟ لماذا لا يخرج الأئمة والعمائم والمساجد والجامعات والنُخَب؟ أين النُخَب العربية؟ أين من يكتبون ويكتبون كل شيء؟ أين الصحافة العربية والإعلام العربي من قضية فلسطين ومن الأسرى المُضربين عن الطعام؟ لماذا بعض وسائل الإعلام هي تنتظر منا في فلسطين أن نقتل على يد هذا الإحتلال ويكون هناك بحر من الدماء كما كان في انتفاضة الأقصى حتى يعودوا للقضية الفلسطينية من جديد؟

هل هم بحاجة إلى دماء؟ ألا تكفي آهات الأسرى وأنّات ذوي الأسرى ويتوفى والد ووالدة الأسير وهو يُضرب عن الطعام، وهو يُنكَّل به داخل الأسر ولا يتكلّم مُتكلّم؟ لو كان شاليط المُضرب عن الطعام، تخيّلوا لقامت الدنيا ولم تقعد، تخيّلوا لو يخرج الآن خبر أن رون شاؤول بيد المقاومة الفلسطينية أو هدار غولدن مُضرب عن الطعام، لما وقفت كل الجهات عربياً وإسلامياً قبل الغرب لحديث المقاومة في غزّة، أعطوه أن يتحدّث مع أهله، أخرجوه من بين أيديكم ونضغط على غزّة أكثر وأكثر. هذا معنى إنساني عظيم كريم، تتكلّم فيه المقاومة الفلسطينية اليوم بالأمعاء الخاوية، نشبّك فيه مع أحرار العالم، نهزّ الوعي العالمي والعربي والإسلامي، نقول هذه القضية الفلسطينية، ها هم الزعماء القادة والقادة هم مع القضية الفلسطينية، يصوّبون البوصلة، خلافاتنا نحيدها جانباً، اليوم ابن حماس وابن فتح وابن الجهاد والشعبية والديمقراطية يتحدّون داخل الأسر، وكل الفصائل والنُخَب داخل الأسر في مقاومة ومواجهة هذا الاحتلال موحّدين على قلب رجل واحد في مواجهة الكيان العبري.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ خضر، ما يخفّف الوطأة أنّ الله معكم. إذا كان حُكّامنا العرب بلا نخوةٍ ولا غيرةٍ، فالله معكم، وقلّةٌ من الأحرار في خط طنجة جاكرتا معكم، وصدّقني إنّ للإضراب مفعوله الكبير، وهنا أتذكر مقولة لأبي المجاهد ضدّ فرنسا عندما أضرب عن الطعام هو والمجاهدين في سجن زركاجي في باب الواد في الجزائر، أرضخوا فرنسا الاستعمارية لمطالبهم، كما ستُرضِخون الكيان الصهيوني لمطالبكم كخطوة أولى، والخطوة الثانية التحرير الكامل.

سماحة الشيخ محمّد خضر، صرخةٌ من أخ عزيز مبارك، المناضل المجاهد خضر عدنان، أين الإعلام العربي؟ لماذا نخصّص لسوريا من الفجر إلى الفجر أحاديث، تنظيرات، ستسقط الدولة، سيغرق الشعب في الدماء، ستقسَّم سوريا، ليبيا حدّث ولا حرج، الرسول محمّد سيكون في حلف الناتو بعد حين، دُمّرت، وخصّصت تقارير وبرامج وحوارات، قنوات البترودولار تستدعي حتى فقهاء الأرانب والدجاج لإصدار فتاوى ضدّ الواقع العربي، لكن عندما يتعلّق الأمر بفلسطين، فهو الجبن أو الخوف أو التواطؤ. لماذا هذه المسلكية في أداء الإعلام، لا أقول العبري، بعض الإعلام العربي للأسف الشديد؟

 

محمّد خضر: ممّا لا شكّ فيه أنّ الإعلام اليوم هو من أمضى الأسلحة في تحريك الرأي العام، وفي تصويب المعركة وفي تحقيق النتائج المرجوّة من قِبَل هؤلاء المظلومين في السجون، لكن عندما نرى غياب لكل الفعاليات في المجتمعات العربية والإسلامية، يصبح الإعلام جزءاً منها، وتصبح بعض القنوات التي تحمل وترفع راية ومظلومية الشعب العربي أو الفلسطيني في فلسطين، ومظلومية هؤلاء الأحرار السجناء في سجون العدو الإسرائيليّ، عندها تصبح القنوات هذه مثل الشامة في جلد الثور الأسود، كما يُقال. وهنا، في هذا الإطار، اسمح لي أن أنوّه وأن أوجّه التحية الكبيرة لقناة الميادين التي ترفع هذه الراية والتي تأخذ هذه القضية على عاتقها، في حين يسكت الإعلام العربي في مجمله عن التقدّم وعن رفع هذه الراية وعن خوض هذه المواجهة المشرّفة.

أنا أعتقد أنّ أداء الإعلام العربي لم يكن بالمستوى المطلوب في مراحل سابقة، لم يؤدّ الدور المطلوب عندما انكشف وسقط القناع عن زيف الحريات التي رفعها الغرب، سقط القناع في غوانتانامو، وسقط القناع في أبو غريب، في سجون من يدّعون الحرية وحقوق الإنسان من الغرب، والآن أيضاً الإعلام العربي منشغل في مكان آخر. لو كان هذا الحدث الآن يثير الحكّام ويدخل في أجنداتهم السياسية، لرأينا مؤتمرات أصدقاء الشعب الفلسطيني، كما رأينا مؤتمرات أصدقاء سوريأ والعراق ودعم الشعب الليبي ودعم الشعوب الأخرى، الآن لا تتحرّك هذه الحكومات، لا تموّل، لا تسلّح. لا نريد منها تسليحاً، لا نريد منها شيئاً، نريد منها فقط، أنا أعتقد أن الواقعية الآن هي أن نطالب هذه الحكومات أن تسحب يدها من يد العدو الإسرائيلي وهي تمدّ يدها للعدو الإسرائيلي.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، هي تشتري أسلحة لتدمير الشعب اليمني البريء، المُستضعف، المسكين، الذي يُذبَح من الوريد إلى الوريد ويستغيث ولا أحد يتحرّك.

 

محمّد خضر: هؤلاء كما قلت، هؤلاء يحاولون أن يعقدوا شراكات مع العدو الإسرائيلي لتحقيق أهدافٍ مشتركة بينهم وبينه، فليس من المنطقي في اعتقادي أن نطالبهم بنصرة الشعب الفلسطيني وقضية فلسطين كلها أصبحت خارج الأجندة العربية لدى هؤلاء الحكام. نحن بالواقعية نطالبهم بأن يسحبوا يدهم من يد هذا العدو، ثمّ بعد ذلك يتركوا الشعوب تأخذ قراراها، يتركوا الشعوب العربية والإسلامية تنسجم مع قناعاتها، مع عقيدتها، مع تاريخها، مع مبادئها، بدل أن يذبحوا وينحروا شبابنا وخيرة أبنائنا في ساحات التزوير العربي، في ساحات تزوير الجهاد الإسلامي في هذا الميدان أو في الميادين الأخرى.

 

يحيى أبو زكريا: لكن عندما تسمع أنّ 600 مليار دولار ذهبت لدعم الجهاد المزوَّر في الداخل العربي والإسلامي، وأنّ مليارات الدولارات ذهبت للفتنة الكبرى والذبح المتواصل، بينما سكان فلسطين الذين يحتاجون إلى قنّينة ماء لا أحد أسعفهم، ألا تشعر بالإرتباك؟ ألا تشعر بالتذمّر؟ ألا تشعر بالخيبة من حكّام عرب وبعض الشعوب العربية المتواطئة على قتل الإخوة وذبح الأشقاء؟

 

محمّد خضر: ولذلك أنا أعتقد أنّ الشعوب في لحظة من اللحظات ستحاكم هؤلاء الحُكّام بتهمة العمالة للعدو، وبتهمة الخيانة. التاريخ لا ينسى، التاريخ لا يرحم، التاريخ يمجّد الشرفاء ويمجّد القادة الذين يراعون مصالح أمّتهم وشعوبهم والذين يقفون مع أحقية قضية هذه الشعوب، وفي مقدّمها قضية فلسطين والشعب الفلسطيني. لذلك أنا أعتقد أننا في هذه اللحظة نراهن على الأحرار في كل العالم، في الشعوب العربية والإسلامية وغير الإسلامية. الآن هؤلاء الأسرى المضربون عن الطعام في سجونهم يحرّكون كل شرفاء العالم، كل أحرار العالم الآن ينادون، ينزلون إلى الساحات، يتظاهرون في الميادين أمام سفارات العدو الإسرائيلي وأمام قنصلياته. وحدها الشعوب العربية والإسلامية مع الأسف في مؤخّرة الركب. هذا نتيجة غياب الإعلام الجريء، الشّجاع، هذا نتيجة غياب صوت العالِم الربّاني الذي نذكّر ونقول أنّ من أهمّ قواعد حركة هؤلاء العلماء، إذا سكت العالِم والجاهل يجهل فمتى يتبيّن الحق. متى يعرف الناس الحق إذا كان العالم في مكان آخر، إذا كان لا يفتي إلا الفتاوى المُعلَّبة والموجَّهة والمدفوعة الثمن؟

لذلك أنا أعتقد أن قضية هؤلاء الأسرى وقضية فلسطين يمكن أن تتجاوز حتى العلماء والمراكز العلمية، يمكن أن تتجاوز المجامع الفقهية، أحقّيتها واضحة في القرآن، أحقيّتها واضحة في السنّة عندما يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم "أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني"، كما ذكر أخي فضيلة الشيخ، عندما يأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث بأن نكون مع المسلم مظلوماً كان أو ظالماً، حتى ولو كان المسلم ظالماً نأخذ على يده، فكيف إذا كان مظلوماً أسيراً؟ كيف إذا كان مُضرباً عن الطعام في مواجهة قد تكون نهايتها الشهادة لهؤلاء الأحرار؟

لذلك الرهان على هؤلاء الأسرى، على إرادتهم التي أثبتت التجارب أنها لا تنكسر ولا يمكن أن تنتهي إلا بالنصر، والرهان من جهة أخرى على المقاومين الذين ينبغي أن تتكامل بندقيّتهم في كل الساحات وفي كل الميادين، لأنها السبيل الآخر لتحرير الأسرى كما أثبتت التجارب في لبنان وفي فلسطين وفي كل الميادين، التي رُفِعت فيها راية مقاومة لهذا العدو، نزيهة ومُحقّة وشريفة وحرّة.

 

يحيى أبو زكريا: لكن أنت تعلم، لا شكّ، قبل أن أذهب إلى أخي الشيخ خضر، أنّ بلعم بن باعوراء كان من حواريي موسى، وأوتي اسم الله الأعظم. مع ذلك، عندما أرسله موسى إلى كنعان، انحرف لمّا رأى الصفراء والبيضاء، وصار يُدلي بفتاوى ضدّ نبيّ الله موسى وهو قد أوتي اسم الله الأعظم.

وكم من بلعمٍ في واقعنا، لمّا أغار الطيران الإسرائيلي على سوريا العربية، كم من عالم قال اللّهم مكّن لإسرائيل، إن إسرائيل أدخلت السرور على قلوبنا، اللّهم انتصر لها يا ربّ العالمين، هؤلاء البلاعمة في العصر المعاصر.

شيخ خضر عدنان، أنت الآن في مواجهة هذه المساحات العربية، الفضاءات العربية. ما الذي تطلبونه من التونسيين، الجزائريين، الموريتانيين، المغاربة، الليبيين، شعوب دول الخليج العربي؟ ماذا تطلبون من شعوب العالم الإسلاميّ؟ كيف تريدون هذه الشعوب أن تتآزر معكم؟

 

خضر عدنان: دعم القضية الفلسطينيّة هو أولاً بالدّعاء، أن يمدّوا يد الدعاء لله عزّ وجل، أن ننهي أول شيء هذا الاحتلال عن هذه الأرض الفلسطينية وأن يطهر هذه المقدّسات من رجس الإحتلال ويعود الأقصى لنا، الأقصى الحزين، وأن يحقن دماء المسلمين. نحن في فلسطين نتألّم لألم المسلمين بل لا نريد الشر لكل هذه المعمورة، نحن نؤمن بخيرية وعدالة السماء ونؤمن بالخير للكل ونحب الخير للكل، نحن نريد منهم عودة القضية الفلسطينية إلى الواجهة من جديد، دعم القضية الفلسطينية. هذه فلسطين كاشفة العورات، فلسطين مهبط الرسالات، فلسطين أرض المعراج، فلسطين أرض المقدّسات، أرض القدس والأقصى، فلسطين التي فيها أطول احتلال، التي فيها عرض المسلمين وفيها قبلة المسلمين الأولى، كيف تُترك لهذا الإحتلال المجرم؟

عود على الإضراب أخي الكريم ومن ناحية شرعية أول من ناقشني بحرمة الإضراب عن الطعام هو الإحتلال الإسرائيلي. ليطمئّن كل من يُضرب عن الطعام قد أحضروا لي حاخام السجون، حاخام وهو برتبة عسكرية، وللأسف يومها حضر معه شيخ من الداخل الفلسطيني المحتل، ولكنه كان دمثاً، في ما بعد تعرّفت عليه واليوم أحييه من دون ذكر اسمه، قلت له يا شيخ كيف تأتي معهم، أنت مع من تأتي، أنت تأتي مع احتلال، عندما أعطيت لي فرصة التحدّث معه، عندها تراجع، عندما قلت له أنت بموقع أمامي، أنت خصمي صرت لا قدّر الله، قال لي للأسف كانت هذه أول مرة تتوجّه لنا مصلحة السجون الإسرائيلية بخطاب أسير فلسطيني مُضرب عن الطعام وشاورت الإخوة في الحركة الجنوبية وكانت يومها وقلت له وأقنعته بما عندنا، عندنا ربّانيون في السجون، عندنا من يضرب عن الطعام وهو حافظ كتاب الله عزّ وجلّ نطمئن لإضرابهم، نحن في موطئ يغيظ هذا الإحتلال، في موطئ ديني وثوري وإنساني. نحن اليوم نقولها هذا الإحتلال أول من شكّك بالإضراب عن الطعام، استخدم كل شيء حتى التشكيك الديني، نحن لم نكن ذاهبين إلى عدم، كنت أقول لهم عندما كنت مضرباً أنا لست منتحراً، بل أنني إذا قضيت سأستشهد في سبيل الله عزّ وجلّ، وستقول زوجتي يوماً لأبنائي، إن والدكم كان مُضرباً عن الطعام لأنه كان يحثّ الخطى نحو الحرية ليلقاكم، استخدموا كلّ شيء، والإضراب عن الطعام هو عمل فدائي، احتمالية العودة فيه منه عالية جداً، وها أنا الحمد لله ربّ العالمين بصحة جيّدة وعافية بعد إضرابات عن الطعام، كيف يحرَّم الإضراب عن الطعام ويُحلَّل القتل في فتوى التترّس التي تنشر بالمجان في العالم العربي والإسلامي؟ هناك فقه خاص بالسجون لا يفقهه إلا المجاهدون الأقحاح، مجاهدو فلسطين الذين كتبوا في هذا الفقه، فقه السجون، الذي لا يعرفه من يجلس في القصور ولا يعرفه من يجلس على أعتاب أو أبواب الحُكّام، لا يعرف هذا الألم إلا من تألّمه، ولا يعرف هذا الفقه إلا من درسوا وعاشوا وعلّموا وتعلموا في السجون من نفحات من عند الله عزّ وجل، ويحمل القرآن ويحمل الكتب ويهرّبها، ليست الكتب المطبوعة من باب السلطان، هي مطبوعة، والتي تنقل بكراريس من سجن إلى آخر، تنقل بشقّ الأنفس ويحرمنا الإحتلال من أن نقرأها، وأحد مطالب هذا الإضراب عن الطعام هو العِلم والتعلّم في السجون.

الحياة بعد الإضراب طمأنينة أننا نقوم بخطوة رائعة وخطوة حلال، النصر من بعد الإضراب وفرحة العالم العربي والإسلامي بحريتنا وانتصارنا في كل مرة على السجان هي أيضًا طمأنينة لنا، استمرار هذا الأداء الإنساني الراقي، هذا الأداء المقاوم بالإضراب عن الطعام، استمراره لعقد تلو العقد، أيضا طمأنينة لنا، أننا نقوم بشيء هو حلال بفتح الفم وليس بالحرام أبداً، إنّ من يشكّك بهذا الإضراب عن الطعام هو لا يعرف، أصلاً لا يعتبر الجهاد في فلسطين أولوية ولا يعتبر العمل الفدائي في فلسطين أولوية، بل هو شكّك بالعمليات الفدائية التي قادتها المرأة الفلسطينية وقادها الشاب والشيخ الفلسطيني، العمليات الاستشهادية الفلسطينية قالوا عنها انتحارية وشكّكوا فيها قبل أن يشكّكوا اليوم في هذا الإضراب الذي يخوضه الأسرى المضربون عن الطعام في سجون الإحتلال.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ خضر، لا شكّ أنّ الحلال كل الحلال في ما تفعلونه، لا شكّ أنّ قدوتكم هو نبيّ الله يوسف سلام الله عليه القائل في القرآن ربي السجن أحب إلي مما يدعونني إليه، إنما الحرام وكل الحرام أن تصدر فتاوى ضدّكم، أن تصدر فتاوى ضدّ الجهاد في فلسطين، أن تصدر فتاوى ضدّ الأسرى الربّانيين المُضربين عن الطعام، أن تصدر فتاوى للتطبيع مع الكيان الصهيوني، إنما الحرام كل الحرام أن لا تؤيَّدوا ولا تؤازَروا ولا تُعضَدوا في مسيرتكم الربّانية. إمضوا ولا نقول لكم إذهبوا وأنتم وربكم فقاتلوا إنّا ها هنا قاعدون، وربّ العزّة إن معكم مقاتلون.

سماحة الشيخ محمّد خضر، ذكّرني سماحة الشيخ خضر عدنان بمفتي فرنسا في الجزائر أثناء الاستعمار الفرنسي. كانت فرنسا إذا حكمت على مجاهد جزائري بالإعدام تستحضر مفتياً جزائرياً عميلاً لها يقول لهذا المجاهد جئت لألقّنك الشهادتين، فيردّ عليه المجاهد ثكلتك أمك تعساً لك، أنا متّ من أجل هاتين الشهادتين وجئت أنت لتلقنني بأمر من فرنسا الشهادة، قمّة الاستهتار.

لكن الاستهتار الكبير هو فقهاء الدم الذين فجّروا الأمن القومي العربي وتناسوا فلسطين. ماذا عنهم ختاماً سماحة الشيخ محمّد خضر؟

 

محمّد خضر: أعتقد أنّ أفضل ما يمكن أن يُقال لهؤلاء إن الذي يعيش الحال هو الذي يقدّر ظروفها، وبالتالي هو أعلم بمقتضيات الحُكم الشرعي فيها، والشيخ خضر والإخوة المُضربون عن الطعام هم الذين يقدّرون، هذا بالمقتضى الشرعي، طبيعة الحال والفتوى المنسجمة مع هذا الموضوع الشرعي، وبالتالي نحن أعتقد أنّ على هؤلاء العلماء إن لم يكونوا قادرين على قول الحق والفتوى المنسجمة مع حال هؤلاء الأسرى، فأضعف الإيمان أن يسكتوا عن قول الباطل، وأن لا يكونوا عوناً للحُكّام في تخاذلهم وفي خيانتهم لقضية هؤلاء الأبطال، أن يسكتوا عن التفوّه بالباطل أفضل من أن يكونوا عوناً وشهداء زور على هذه الحال الواضحة المعالم والواضحة المُقتضيات.

 

يحيى أبو زكريا: وهنا ذكّرتَني بمقولة لأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب في نهج البلاغة "لمّا سكت أهل الحق عن الحق ظنّ أهل الباطل أنّهم على حقٍ".

سماحة الشيخ خضر عدنان، الكلمة الختامية لك ولفلسطين التي نعشقها وسنضحّي من أجلها. تفضّل.

 

خضر عدنان: بمعيّة الله عزّ وجلّ سننتصر على هذا الإحتلال وأول الإضراب هو انتصار لأنه سموّ من سكرة الأرض إلى سموّ الروح، وهذا الإضراب في كل جزئيّاته انتصار، انتصار على الاستكبار، انتصار على هذا الإحتلال، انتصار على السجان، انتصار على الأغلال والقيد، هو تحطيم لهذا القيد، تحوّل الأسير من ضعيف إلى قوي وممّن يدافع عن نفسه إلى مهاجِم، تحوّل الإنسان الفلسطيني اليوم إلى أيقونة، يتحوّل الأسير الفلسطيني إلى أيقونة ورافعة وشمعة تضيء لنا دهاليز للأسف البُعد عن القضية الفلسطينية والعتمة العربية من حولنا.

اليوم من فلسطين أدعوا لنا، أدعوا لنا بالثبات، أدعوا لنا بالانتصار على هذا الإحتلال، مدّوا القضية الفلسطينية بما أمكنكم بسهام الدُعاء وسهام السلاح أيضاً، نحن نريد مقاومة حقيقية لهذا المحتل، رفضاً حقيقياً لهذا الإحتلال. لتكن سفارات هذا الإحتلال محاصرة بقوة حقنا بالعالم العربي والإسلامي، لنرفع شعارات إسقاط التطبيع وإسقاط التسوية مع هذا الإحتلال، لنرفع بالقرب من البيت الأبيض وحيث يمكن أن نصل، لكلّ من يدعم الاتحاد الأوروبي والأمم في العالم أنّ هناك شعباً توّاقاً للحرية يستحق الحرية.

 

يحيى أبو زكريا: وأسأل ربي قاسم الجبّارين وربّ المستضعفين أن يدكدك الكيان الصهيوني وينتصر لكم، إنه على كل شيء قدير.

سماحة الشيخ خضر عدنان شكراً جزيلاً لك كنت معنا من فلسطين الأسيرة اليوم، المحرّرة غداً بإذنه تعالى. الشيخ محمّد خضر شكراً جزيلاً لك.

سقط القناع عن القناع حاصر بالجنون وبالجنون ذهب الذين تحبّهم ذهبوا فإما ان تكون أو لا تكون.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.