الكاتبة والروائية اللبنانية نجوى بركات

زاهي وهبي: مساء الخير. لم تكتفِ ضيفتنا بالكتابة الذاتية ولا بالتجربة الفردية بل أرادت نقلَ خبرتها إلى أجيالٍ من الشباب الراغب في احتراف الكتابة الروائية، فهل نجحت المُحاولة؟ وهلّ يُمكن أصلاً استيلاد النصّ الإبداعي من خلالِ مُحترفٍ وورش عمل؟ سوف نطرح علامات الاستفهام هذه على ضيفتنا لكنّ الأهمّ يبقى فيما طرحته روائياً من موضوعاتٍ وأسئلةٍ، وفي اقترابها من المُحرّمِ والمسكوت عنه، وفي مُساجلتها لسُلطتيّ النصّ الديني واللغة ومُعالجتها لمسألة العُنف والقسوة والتوحّش في بلادنا، وذلك قبل اندلاع الجحيم العربيّ وانكشاف المستورِ من الأحقادِ والضغائِن والكراهيات. هي المُقيمةُ بين لُغتين وثقافتين وعالمين يبدوان اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى خطّين متوازيين لا يلتقيان أبداً. "بيتُ القصيد"، بيت المبدعين العرب يُرحِّبُ بالكاتبة والروائية اللبنانية "نجوى بركات"، أهلاً وسهلاً بكِ، شرّفتِ "بيت القصيد"

نجوى بركات: أهلاً بك، الله يخلّيك

زاهي وهبي: دعيني فقط في البداية، رواياتك " يا سلام"، "باص الأوادم" و"لغة السرّ" هلّ يُمكن اعتبارها، حسب "مايا الحاج" الكاتبة والناقدة المعروفة، ثلاثية عن العُنف والقسوة والتوحُّش؟

نجوى بركات: حتى لو لم تكن النيّة في البداية كتابة ثلاثية، إنما عندما اكتمل العدد، عندما كتبتُ هذه الروايات الثلاث، شعرت بأنني أدور حول الثيمة نفسها التي هي بالضبط ثيمة العُنف. فـ "مايا" مشكورة وضعت يدها على المكان الصحيح تماماً

زاهي وهبي: هلّ اهتمامكِ بمسألة العنف، وروايتكِ سبقت هذا الخراب العربي العظيم، هلّ اهتمامكِ ناتج عن كونكِ ابنة جيلٍ عاش جزءاً من الحرب الأهلية اللبنانية وأهوالها وقضاياها ومشاكلها وما تركته في النفس الإنسانية من تشظّيات وتصدّعات أيضاً في علاقات البشر ببعضهم البعض؟  

نجوى بركات: أكيد. في الحروب وخاصة في حرب أهلية، عندما تمرّ فيها وتكون، دعني أقول من مشاهديها كي لا أقول من ضحاياها لأنّ هناك تفاوُتاً في ترتيب الضحايا طبعاً، لا يمكنك أن تمرّ فيها هكذا أو بسلام من دون أن تترُك فيك ندوباً. حتّى علمياً يقولون أنّ الدماغ البشري عندما يشاهد مشاهِد عنفٍ فظيعة يصيبه ما يُشبه النُدبة، حتّى الدماغ البشري يصيبه أثراً مثل جرح عبر المُشاهدة فقط. فتخايل حربنا اللبنانية، التي افتتحت كلّ الحروب التي تلت والتي لم تزل إلى الآن قائِمة، تخايل ما عشنا فيها

زاهي وهبي: خصوصاً أنّها دفعتكِ ربّما للانسلاخ عن أرضكِ وعن بلدكِ. غادرتِ حضرتكِ إلى (فرنسا) بسبب الحرب

نجوى بركات: بسبب الحرب و

زاهي وهبي: وأسباب أُخرى، لكن ربما لولا الحرب لكانت مصائِرنا كلّنا اختلفت وأخذت اتجاهاً آخر

نجوى بركات: مئة في المئة، صح، ربما كنّا بقينا في بُلداننا ولم نتحرّك ولم نعرف ما معنى الابتعاد. لكن أنا لا ألوم بالمرّة تجربة الغُربة

زاهي وهبي: الغربة هي " رُبَّ ضارّةٍ نافعة"

نجوى بركات: " رُبَّ ضارّةٍ نافعة" كما تقول، لكن لنعُد إلى موضوع العنف، إلى موضوع الحرب. أنا نفسي أسأل اليوم، الروايات التي ذكرتها كتبت إحداها في العام 1996 وأُخرى في عام 1999 وثالثة في عام 2004، أي قبل كلّ الهزّات التي عرفها العالم العربي، والآن، مع مفعولٍ رجعيّ يشيرون لي الناس وأنا انتبهت، من أين كنت أشعُر بهذا الكمّ من العُنف المُقبِل علينا قبل أن يُقبِل فعلياً؟

زاهي وهبي: أنا أنصح من قرأ هذه الروايات لحضرتك أن يُعاود قراءتها على ضوء ما يجري الآن لأنّ مقاربة النصّ تُصبِح مُختلِفة عن قراءتها قبل عشر سنوات أو قبل عشرين سنة. كُنتُ في حوارٍ مع التشكيلي الكبير "سبهان آدم" الذي لفتني أنّ في إحدى لوحاته يوجد رأسٌ مقطوع وتاريخ اللوحة يعود إلى ما قبل الحرب السورية والمآسي التي شهِدناها، وفي رواية "باص الأوادِم" عند حضرتكِ يوجد رأسٌ مقطوع أيضاً. وكأنّ الرؤوس المقطوعة حاضِرة في جيناتنا ربما لِقَدْرِ ما مرّ على هذه البلاد عبر التاريخ؟

نجوى بركات: أنا أعتقد أنه لا يوجد كاتب او شاعر أو مبدع لا يمتلِك حدساً معيناً

زاهي وهبي: نعم، تنبّؤي ما، استشرافي

نجوى بركات: حسّ، لا أدري. العملية لا تمرّ فقط في التحليل الواعي أو في التحليل السياسي أو في التحليل الذكي. أنا كنتُ أشعُر أنّ هناك مُجتمعات مجبولة بالعُنف، يكفي أن تُزيل عنها الغطاء قليلاً حتّى يخرج منها كميّة من، وأنا متأسفة للعبارة، من الوحشية ومن البربرية التي ليست موجودة لأنّ المُجتمعات العربية مجبولة بهذا العُنف، إنّما المُجتمعات العربيّة تعيش في كنفِ عُنفٍ مُستتر لا يُمكن ألّا يظهر ذات يوم

زاهي وهبي: ربما حضرتكِ أشرتِ إلى بعض هذه النقاط في ربورتاج "علامة فارِقة"، وهو فقرة أساسية في برنامجنا. دعينا نُشاهدكِ معاً في "علامة فارِقة"

علامة فارِقة

نجوى بركات:

— أنتِ هنا لستِ في قلب المدينة بل في داخل شرايينها الدقيقة التي تظهر للعين. أنتِ في الضاحية الشمالية لـ "بيروت" التي أوّل من بناها كانوا "الأرمن" الذين هربوا كما تعلمين في سنة 1915 من (تركيا) جرّاء المجازِر، وكانت أحياؤها تُسمّى "كامب"   

— أنا أشتغِل على الشارِع العربي وليس على مُجتمعات. الناس هم الناس الذين نُسميهم الناس، لا توجد عندي شخصيات مميزة أو تنتمي فقط للطبقة الوُسطى أو عندها مواصفات خاصة بها. عندي نبض الحياة الحقيقي الموجود في الشارِع وليس موجوداً في الأمكِنة الأُخرى

— لا أشتمّ رائِحة المكان الذي لا أعرِفه قبل أن أعرِف أين يعيش البشر فيه

— علاقتكِ بالكتابة تكبر معكِ إمّا عبر سنوات الخِبرة أو عبر سنوات عمركِ أيضاً. تلقائياً، حين أستعيد الرواية الأولى التي اشتغلت عليها، وكنت لتوّي قد غادرت (بيروت) إلى (باريس) وكان هذا سنة 1985، كان من اللازم أن أتعلّم وأتمرّن على الغربة من ناحية وعلى أن أعيش لوحدي وعلى أن أعرِف أن أتملّك قليلاً المكان الجديد الذي أصبحت فيه. عندما تتركين بلداً مريضاً لا يُمكنكِ أن تشعري بأنّكِ خفيفة وتنخرطين في مكانٍ جديد. دائِماً عندكِ إحساس بأنّ على أكتافكِ حمولة وخوف على أهلكِ وعلى أصحابكِ، هناك الأخبار التي لا تنقطِع عن (لبنان)، وهناك صعوبة الاتصال

— عالم الرواية بالنسبة لي أكثر حقيقةً من العالم الواقعي

— الشخصيات الروائية ليست من عِرقٍ صافٍ، هي هجينة جداً، تتشكل حتّى من حيوانات ومن أحجار ومن أُناس ومن تاريخ ومن أجانِب

— يعني لي كثيراً الشارِع. قد أكون اخترعت شوارِع ما تشبه عدّة أمكِنة، فضاء واقعي نأخذه وننقله إلى الأدب فيُصبِح فضاءً سرديّاً

— عندي عدد كبير من الصداقات لكنّها صداقات تدوم وتدوم إلى درجة أحياناً أُفكِّر، هلّ توجد إمكانية بعد لأن يُشكِّل المرء صداقات جديدة في عُمرنا هذا؟ أحياناً تُغالطني الحياة ويتبين لي أنّ هناك إمكانية عند المرء لتشكيل صداقات جديدة

— عدم رضائي عن الحياة له علاقة بعدم رضائي عن نفسي أيضاً وليس فقط عن الحياة، لأنني وكأنني تربيت ليس لهذا العصر وليس لهذا المكان

— يُطرَح على السؤال باستمرار، " حضرتك أين كنتِ تعيشين؟"

— السؤال عن السعادة، لا بأس، من دون هذا السؤال

زاهي وهبي: لماذا من دون السؤال عن السعادة؟

نجوى بركات: (تضحك)، والله لا أعرِف بماذا أُجيب للحقيقة، وأشهر بأنّه هيوليّ

زاهي وهبي: لن أقول لك الله يُسعِدكِ ويُبعِدكِ (يضحك) بل الله يُسعِدك ويقرِّبكِ أكثر. في موضوع الغربة أتّفق معكِ تماماً، أنّ المُغترِب ليس مثل السائِح. إذا تُلاحظين وحضرتكِ عشتِ هذه التجربة، يكونون المغتربون يُتابعون ما يجري في بلدانهم أكثر من الذي يعيش في البلد نفسه

نجوى بركات: مئة في المئة

زاهي وهبي: عبر الشاشات وعبر الإعلام. لكن أيضا، ما تفضّلتِ به يجعلني أطرح أمراً، أنّ الجغرافيا العربية التي تدور فيها رواياتكِ هي جغرافيا غير مُحدّدة، بمعنى ليست (لبنان) و(سوريا)، وكأنّها أماكِن تصحّ على أيّ بلدٍ عربي

نجوى بركات: صحيح

زاهي وهبي: مُتعمَّد هذا الأمر؟

نجوى بركات: طبعاً مُتعمّد. ربما بسبب هذا الانتماء المُرتبِك لبلدي، ووراء هذا الارتباك شيء اسمه الحرب، لأنّه حين بدأت الحرب لم أكُن قد تأسست كشخص بعد. كنت في بداية مُراهقتي أحلم بهذا البلد، أحلم أن أكبر، أحلم أن أذهب إلى الجامعة، أحلم أن أدخل إلى (بيروت) هذه التي يتحدّث كلّ الناس عنها ونحن لم نكن نعرِفها بعد، بمعنى نحن في أعمارنا كنّا حينها على هامشها

زاهي وهبي: صحيح، كنّا نسمع عن (بيروت) كخبرية لكن في الأوج البيروتي لم نكن نعرِف أيّة خبرية

نجوى بركات: تماماً. وفي ذاكرتي أشياء صوريّة، عندما كنّا نتنقّل في (بيروت) وعندما كنّا نسمع عن حفلات يحييها أُناس مُهمّين، عندما كان الناس كلّهم يتغنّون بـ (بيروت)

زاهي وهبي: صحيح، "داليدا"، " شارل أزنا فور"

نجوى بركات: "دِميس روسوس"

زاهي وهبي: "أم كلثوم"، محمّد عبد الوهاب"

نجوى بركات: كلّ احتفالات (بعلبك) ومهرجاناتها، فلم نلحق بهذه المناسبات سوى بالسماع عنها، وإذ تأتي هذه الحرب فتجعل علاقتك بهذا البلد، الذي أنت مُجيّشٌ له وتُحبه، علاقة مُلتبسة. بمعنى لا تعرِف إن كنت تحبه أو إن كنت تكرهه، وتشعُر به وكأنّه، عفواً لهذه الكلمة، عاهة فيك لا تعرِف كيف تتخلّص منها، عاهة، بمعنى أنت تخرُج منه مثل أيّ إنسان، مع احترامي للجميع، مُصاب بعاهة، هي عاهة هذا البلد

زاهي وهبي: معطوب في مكان من الأماكن

نجوى بركات: مئة في المئة

زاهي وهبي: لكن كأنه يعتاد، مثلما يعتاد المُعوّق على مُشكلته نعتاد على هذه العاهة الوطنية الكُبرى لتصبِح جزءاً من يومياتنا ومن حياتنا

نجوى بركات: أنا لم أعتاد على هذه العاهة لغاية اليوم

زاهي وهبي: ما زال عندكِ هذه المشكلة

نجوى بركات: منذ أن عُدت "زاهي" لم يكن عندي إحساس بالأمان بعد لأنني تركت (بيروت) مُدمّرة وكان فيها قصف وكان كامل الفيلم الحربي، كما يقولون، كما يجب. عندما عُدت بشكلٍ

زاهي وهبي: تدريجي

نجوى بركات: تدريجي، تماماً، بعد التسعينات، ظللت أحس بأنني لستُ مُصدِّقة. كنت أرى في نومي كوابيس كثيرة حينما أكون في (بيروت)، في أنني مثلاً أضعت الباسبورت أو أن الطائِرة سبقتني أو أنّ المطار مُغلق، دائِماً عندي هاجس أنني سأعلق

زاهي وهبي: هواجس فترة الحرب

نجوى بركات: تماماً، وأنني سأعلق وستدور الحرب ولن يعود في إمكاني المغادرة

زاهي وهبي: وكان بيننا حوارات على كلّ حال في بدايات عودتك. في أعمالكِ الروائية، لا يُمكنني أن أتحدث لأنّ الوقت لا يتّسِع لكلّ عمل بمفرده، لكن حتّى الهوية العربية نفسها، ليس فقط الهوية اللبنانية، تظهر مهزوزة، تظهر غير راسِخة وفيها مُشكلة، فيها عطب ما. صحيح هذا الانطباع؟

نجوى بركات: مئة في المئة. أنا حاولت ولا أعلم إن نجحت، حاولت أن أذهب إلى باطن العالم العربي

زاهي وهبي: أحشاؤه

نجوى بركات: تماماً، ليس فقط عليه فقط من الخارِج

زاهي وهبي: سياحة

نجوى بركات: ليس فقط سياحة، حتّى ليس بمعنى أنّ التُراث العربي حلو فتعالوا لنُعاود استعادته، أو أنّه فلندخُل في هذه التوليفة أو في هذه البدعة الكتابية

زاهي وهبي: ومليء بالمصائب أيضاً هذا التراث

نجوى بركات: مئة في المئة. عندما أتحدّث عن الشارِع أشعُر بأنني بنت هذا الشارع. من أين يأتيني هذا الإحساس، لا أدري، ربما من الذي كان يدور في (بيروت) قبل الحرب، ربما من الذي كنت أراه من هِجرة الناس. أنا ربيت في حيٍّ كان فيه شركس وكان فيه أتراك وكان فيه سوريون، من عدة مناطق من (الشام) ومن (حلب)، وكان فيه عراقيون، فلغاية اليوم لا أشعُر بأنني بعيدة عن هذا المكان

زاهي وهبي: من أجل هذا اخترتِ "شارِع أرمينيا" لتعيشين فيه بعد عودتكِ، هلّ اختيارك واعٍ ومقصود؟

نجوى بركات: مقصود وكلّهم تفاجأوا منّي حين كنت أقول لهم أنني انتقلت إلى (برج حمّود)، يقولون لي، " في (برج حمّود)؟" فأقول لهم" أجل في (برج حمّود)"

زاهي وهبي: في منطقة (برج حمّود) اليوم هناك أرمن وأكراد وسوريون ومن كلّ المناطق اللبنانية أيضاً

نجوى بركات: هناك كلّ شيء، ولكن أنا لن أزيدها، صادف أنني وجدت فندقاً يُشبه بيتاً عتيقاً، طابق أرضي

زاهي وهبي: شو حلو

نجوى بركات: أبوابه قديمة

زاهي وهبي: وحديقة صغيرة

نجوى بركات: وراؤه حديقة أو مشروع حديقة، ما زلنا نشتغِل عليها

زاهي وهبي: جُنينة..

نجوى بركات: جُنينة

زاهي وهبي: جنُينة أجل

نجوى بركات: (تضحك). أيضاً أُحبّ كثيراً هذه الأمكنة والمدينة بالنسبة لي هي هذه الأمكنة للحقيقة، هذه الأمكنة التي يتواجد فيها البشر  

زاهي وهبي: ومع ذلك، رغم أنّك تقولين البشر، لكن يُلاحِظ أيضاً قارئ رواياتكِ وفي أكثر من رواية هذا الأمر، أنّ اهتمامكِ هو في مصير الجماعة أكثر مما هو في مصائِر أفراد

نجوى بركات: صحّ

زاهي وهبي: لماذا؟

نجوى بركات: أهتمّ أنا بالأفراد وعندي أبطال، شخصياتي أبطال وليسوا

زاهي وهبي: لكن الهاجِس الأكبر؟

نجوى بركات: أنا أقترب نحو هذه الشخصيات حينما يكونون ضمن الجماعة لأنّ الفرد سلوكه كفرد شيء وكجزء من جماعة شيء مُختلِف تماماً. أنا وأنت شخصيتان ونحن في قلب الجماعة أناسٌ مُختلفون

زاهي وهبي: انفصام عادي تعنين

نجوى بركات: انفصام، والجماعة حينما نتحدث على مستوى الثقافة العربية، الجماعة ليست كلمة هيّنة

زاهي وهبي: صحيح، أي تُلقي بثقلها وأوزارها على الفرد

نجوى بركات: مئة في المئة، وتُسيِّره وتُملي عليه أفكاره، وحتّى إلى حدٍّ ما تُجري له غسيلاً لدماغه

زاهي وهبي: في اللا وعي نصير نتصرّف بما يُرضي الجماعة

نجوى بركات: تماماً، بما تُمليه علينا الجماعة، ونحن نعتقد في أنفسنا أننا نتصرّف كأفراد

زاهي وهبي: والذين يخرجون عن الجماعة أو يتمرّدون يدفعون أثماناً غالية

نجوى بركات: مئة في المئة. ونحن مُجتمعات لم يبرُز الفرد فيها بعد، بمعنى لا يوجد فيها أفراد. حسّ الفرديّة بالمعنى الفلسفي للكلمة غير موجود

زاهي وهبي: بمعنى الفرد لوحده قيمته

نجوى بركات: ليس له وزناً

زاهي وهبي: نعم لا وزن له، والحرّية الفردية لا قيمة لها

نجوى بركات: بالمرّة، وليس هذا فقط، ما زالت بُنية القبيلة أو العشيرة أو العائِلة موجودة ومُعترف بها وفاعِلة ومُسيطِرة. حتّى نحن كدُوَل لسنا دولاً بمعنى الحداثة للكلِمة

زاهي وهبي: حتّى نُلاحِظ أنّه في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حسبما نقرأ ونسمع، وطأة الجماعة والقبيلة والعشيرة كانت أقلّ وأخفّ

نجوى بركات: كان هناك، كما تفضّلت وقلت، كان هناك مشروع ولن أقول عنه حداثياً بل تحديثي إلى حدٍّ ما. مثلاً (لبنان)، لأنّه أكثر بلد أعرِفه، كانت فيه التجربة "الشهابية"

زاهي وهبي: صحيح

نجوى بركات: بمعنى كان فيه مشروع لبناء دولة مؤسسات قائِمة، حدّ أدنى من علمنة أيضاً، وهذا المشروع فشِلَ كما فشِل في الدول العربية الأُخرى

زاهي وهبي: صحيح، لأنّ في مرحلة ما بعد الاستعمار كان هناك في كلّ الدول العربيّة، أو في مُعظمها على الأقلّ، حلمٌ ما بأننا انتهينا من الاستعمار وسنبني دولة ونحقِّق مواطنة، ولكن للأسف، هذا الشيء فشِلَ

نجوى بركات: فشِلَ لأنني أعتقد أنه لا يوجد شيء اسمه مواطِن عربي. هناك شيء اسمه تابع لزعيم، تابع لحِزب، تابع لمؤسسة، تابع إلى آخره، وعندما كما تعلم ولن نعيد الآن دروس التاريخ، عندما خرجَ الاستعمار من بلداننا جاءت طُغَم عسكرية في مُعظم الحالات وفرضت مرّة أُخرى الرأي الواحد

زاهي وهبي: ورفعت في البداية شعارات برّاقة وأحلاماً كُبرى

نجوى بركات: مئة في المئة

زاهي وهبي: ولم تحقق شيئاً منها في مُعظم الدول العربية

نجوى بركات: للأسف

زاهي وهبي: للأسف. دعينا، لو سمحتِ لي، نتوقّف مع موجَز إخباري سريع ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

 

المحور الثاني:                            

زاهي وهبي: مُشاهدينا، نُتابع "بيت القصيد" مع الروائية والكاتبة اللبنانية "نجوى بركات". كنّا نتحدّث عن الأفراد والجماعات قبل الموجز. في روايتكِ "لغة السرّ"، نكتشِف حاجة الإنسان، أو نُعيد اكتشاف حاجة الإنسان للقوى الخارِقة والوهم والغيب. لماذا اقتربتِ من هذا الموضوع الشائِك قليلاً والذي يقترب من المُحرّمات والممنوعات إذا أردتِ في ثقافتنا العربية؟

نجوى بركات: كان هدفي من الرواية الحديث عن اللغة العربيّة

زاهي وهبي: نعم، سُلطة اللغة

نجوى بركات: بمعنى لغة السُلطة وسُلطة اللغة، وكنت أرغب في استعادة سجال حصلَ في القرون الماضية، وأتذكّر أنا في هذا المعنى "ابن جنّي"، وسؤال طُرِح، " هلّ اللغة العربية توقيف أم اصطلاح؟ هلّ هي مُنزَلة؟

زاهي وهبي: مُقدّسة

نجوى بركات: نعم، موحى بها على الإنسان أم هي من اختراع البشر؟

زاهي وهبي: خصوصاً أنّها رُبِطت بالنصّ المُقدّس، بالنصّ القرآني بشكلٍ خاصّ

نجوى بركات: مئة في المئة. المهم، لن نحكي أحداث الرواية لأنها تدور كما تعلم على مجموعة متصوِّفين يشتغلون على معاني الحروف ويستندون كثيراً لـ "ابن عربي" وعُلماء كُثُر اشتغلوا

زاهي وهبي: ولهم قاموسهم ومُصطلحاتهم

نجوى بركات: تماماً. لكن أنا كنت أُريد أن أقول، الوهم قد يدخُل ضمنه مفاهيم دينية ليست دائماً بهذا السوء، وهكذا تنتهي الرواية، إلى مكان نريد أن نقول فيه أنّه في النهاية، ليس الدين هو المسؤول بل قراءة الدين هي المسؤولة

زاهي وهبي: التفسير

نجوى بركات: مئة في المئة. وأمرٌ آخر، أيّ نصّ أكان نصاً دينياً أم دنيوياً أو فلسفياً أو إيديولوجياً، إذا أنت تحكّمت في قراءته وقلت بأنك أنت فقط في إمكانك تفسيره، وتفسيره هو الطريقة

زاهي وهبي: هذه هي الحقيقة الواحدة

نجوى بركات: تماماً، وبهذه الطريقة الواحدة يُقرأ، فهذا يعني أنّك حكمت على هذا النصّ بالموت

زاهي وهبي: أغلقته

نجوى بركات: أقفلته

زاهي وهبي: وهذا هو الحاصل اليوم في بلادنا

نجوى بركات: مئة في المئة

زاهي وهبي: التيارات التكفيرية والإلغائية تتعامل مع النصّ بهذه الطريقة، " إمّا تفسيرنا هو الصحّ إمّا نقتلكم"

نجوى بركات: حالياً هكذا، وقبلهم حتّى السُلطة السياسية، أحياناً مثلاً أنا

زاهي وهبي: النصّ المُؤدلج مثلاً

نجوى بركات: مثلاً. حتّى الماركسيين والشيوعيين

زاهي وهبي: ليس نفس النصّ الديني

نجوى بركات: ليس فقط

زاهي وهبي: النصّ الإيديولوجي أيّ نصّ إيديولوجي

نجوى بركات: مئة في المئة، أو أيّة نظرة شمولية لكيفية إدارة الحُكم أو الحياة هي قضاء على أيّ احتمال أو أيّة نظرة مُختلِفة، أو أيّ رأي مُخالِف، إلى آخره

زاهي وهبي: دعينا نسمع رأياً بتجربتكِ من الكاتبة والناقدة المرموقة الدكتورة "يُمنى العيد"

 

كلام يوصل

د. يمنى العيد- ناقدة وكاتبة: كنتُ أُركِّز على الدراسة النقدية وعلى نظرية الرواية وبشكلٍ خاصّ الرواية العربية. النقد هو مُمارسة وليس تطبيقاً، والممارسة هي إنتاجٌ معرِفيّ في النصّ الذي يقرأه الناقد. أهميّة "نجوى" أو خصوصيتها هي أنّها تنقُل إلى الكتابة فئة شعبية متنوّعة وواسِعة وتكتب عنها. مثلاً في "باص الأوادم" كتبت عن فئة شعبية أقرب إلى المغربية في (المغرِب). في رواية "يا سلام" كتبت عن الحرب لكن بشكلٍ مُختلِف، في كونها لم تُقلِّد أو لم تُحاكِ الرواية التي كتبها الكثير من اللبنانيين في زمن الحرب أو عن الحرب، والتي تميّزت عند هؤلاء بتكسير الزمن، في الشخصية المريضة، الشخصية المُهلوِسة. شخصيّاتها أخذتها من الشعب وحاولت أن تكتُب بلغة تُعبِّر عن مستواها الثقافي، واستعانت بالتراث. عندما تقرئين " نجوى بركات"، في بعض المقاطع تجدين المقامات، أُسلوب المقامات عند "الحريري" وعند "الهمداني". تجدين شيئاً من "ألف ليلة وليلة". عندها شيء من التصوير السينمائي، من المشهدية المسرحية الساخرة، وهذا أُسلوب لـ "نجوى" يُذكّرني برواية "إميل حبيبي" "المُتشائِل". أهمّ شيء، علاقتها بالكتابة فيها الكثير من الصدق، فيها الكثير من الإخلاص، فيها الكثير من التواضُع، التواضُع الفنّي الذي لا يتخلّى في الكتابة عن فنيّته. عندها إحساس عميق بالمأساة التي تعيشها فئة من الناس، فئة شعبية من الناس، فئة واسعة، ليس فقط في (لبنان) إنّما في مُعظم البُلدان العربية. في روايتكِ يا صديقتي العزيزة "حياة وآلام حمد بن سيلانا" استوقفني مشهداً تقولين فيه، " يَهِبُ "حمد" جسده للمُطلَق، يمضي أو يمشي، كما "المسيح"، على درب الآلام ولكن ليخرُجَ من الدير المُغلَق، يخرُج إلى رحابة الكون". ما الدلالة المقصودة بين وجود "حمد" في الدير المُغلَق وبين خروجه إلى رحابة الفضاء؟ هلّ ثمّة موقف ما؟ وما هو؟

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً للدكتورة "يُمنى العيد" والسؤال في الصميم، قراءة جميلة لتجربتكِ

نجوى بركات: "يُمنى" سيّدة عظيمة وصرنا أصدقاء كثيراً في وقتٍ متأخِّر في الحقيقة بحُكم سفري. كان هناك معرِفة طبعاً وتقدير

زاهي وهبي: ومن جيلين مُختلفين أيضاً

نجوى بركات: مئة في المئة، لكن الآن عندي نوع من المحبّة والتقدير لها، و "يُمنى" من الناس، وهي تتحدّث عن صُدقي وأنا أريد أن أرُدّ لها الكلام، هي شخص صادق جداً جداً وتخاف. "يُمنى" في الشُهرة التي حقّقتها، عندما تُريد أن تنشُر شيئاً جديداً ترتجِف وتكون خائِفة وتتساءل، "هلّ هو جيِّد؟". تخايل سيّدة في هذه التجربة وما زالت لغاية اليوم تشُكّ في ذاتها

زاهي وهبي: لكن هذا شيء مُهمّ، شيء حلو

نجوى بركات: وأنا أُحيّي هذه الصفة

زاهي وهبي: وردّاً على سؤالها؟

نجوى بركات: أنا أتعجّب كيف انتقت رواية " حمد بن سيلانا" لأنّه يتحدّث، لا أدري، هذه الرواية بالذات كتبتها بعد وفاة والدي، وكنت أُريد أن أتحدّث قليلاً عن الموت لأنني شعرت بعد وفاته بأنني تلقّيتُ صفعةً فظيعة، وفعلاً لا نعرف معنى الموت إلّا عندما يموت

زاهي وهبي: إلاّ حين يقترب من أحبائنا وأعزّائنا

نجوى بركات: القريبون جداً فتنكشِف، تشعُر بأنّ أهلَك كانوا يحمونك من شيء اسمه "شبح الموت"، وعندما يموتون تصبِح أنت

زاهي وهبي: تُصبِح خطّ الدفاع الأول

نجوى بركات: مئة في المئة، فكنت أُريد أن أقول أنّ العُمر، وهذا رداً على السيّدة "يُمنى". اكتشفت أنّ العُمر ليس تراكُم سنوات، العُمر هو لحظة، وغالباً هذه اللحظة تأتي في علاقة لها بالموت. فـ "حمد" حين يترُك الدير ويخرُج إلى الفضاء الرّحب وكأنه خرج، وهو يرفُض الموت في فترة موت والدته ويقوم برحلة طويلة ثمّ يعود ويلتقي بالموت حين يقتُل شخصاً، فخروجه إلى الفضاء الرّحب هو قناعته وإسلامه لأنّ الحياة لا يمكنك أن تُقاومها، ولا يُمكنك أن تُقاوِم الموت. فهذا هو جوابي

زاهي وهبي: ليس أنّ الدير هو المكان

نجوى بركات: هو المكان الذي يحتمي فيه

زاهي وهبي: ليس المكان المُغلَق

نجوى بركات: بلى، مُغلَق

زاهي وهبي: والفضاء الرّحب هو الحرّية ربما

نجوى بركات: لا، الدير هو المكان الذي يحتمي فيه، وليس فقط يحتمي فيه بل يعيث فيه الخراب، أي يذهب إلى الرهبان بنيّة سيئة. خروجه فعلاً وقبوله أخيراً، والعمر هو أن تقبل بأنّك ستكبر وتموت، هذا هو العُمر، هذا هو النًضج بالنسبة لي

زاهي وهبي: على كلّ حال هناك مقولة، أنّ الإنسان ما هو إلّا أيام، كلما انقضي يوم سقط يوم منه واقترب يوماً من الموت

نجوى بركات: صحيح، لكن نحن إذا تذكُر، حينما نكون صغاراً لا يكون الموتُ موجوداً بالنسبة لنا، وكأنّه

زاهي وهبي: لا نشعُر بوجوده، وعنكما نكبر يكثر الذين يموتون من معارِفنا

نجوى بركات: مئة في المئة

زاهي وهبي: بينما أثناء شبابنا، نادراً

نجوى بركات: لا يحصل لنا، الموت يحصل للآخرين

زاهي وهبي: يحصل للآخرين لكنّه لا يطالنا، نشعُر وكأنّه لا يطالنا

نجوى بركات: ونعتقد أنّه عندنا كلّ الوقت ومعنا كلّ

زاهي وهبي: ومع ذلك هناك من يعتبر الموت حريّة، بمعنى أنّ هذا الجسد المادّي الذي يتألّم ويُجرَح ويتألّم يخلص منه الإنسان

نجوى بركات: أتصدقني؟ أنا أعتقد أنّ ثقافاتنا كلّها تُعلِّمنا على الموت بشكلٍ سيّئ جداً، بمعنى لا يُربّوننا ولا يُعلّموننا لكي نقبل فكرة الموت ونعتبرها مرحلة سنصل إليها وهي جزء من الحياة. دائِماً فكرة الموت فكرة سلبية سيّئة سوداء قاتمة بينما مثلاً في الثقافات الشرق آسيوية، الموت هو عبور

زاهي وهبي: والتعامل معه بطريقة مُختلفة تماماً. "باص الأوادم" الذي ذكرته دكتورة "يُمنى العيد" ينتقل في الرواية جغرافياً من الشمال إلى الجنوب. تعلمين حضرتكِ مُعادلة الشمال والجنوب على هذا الكوكب، وأن الشمال يرمُز إلى التقدُّم والغنى والثراء والرخاء والجنوب كلّ المآسي

نجوى بركات: أنت ابن الجنوب وأنا ابنة الشمال (تضحك)

زاهي وهبي: صحيح، لكن للأسف عندنا حتّى الشمال نال نصيبه، إذا ذهبتِ إلى (عكّار) تجدين الحرمان والفقر

نجوى بركات: شمال غرب الكرة الأرضية ربما هم يقصدون

زاهي وهبي: هلّ هذا الانتقال، هذا الخيار مقصود وواعٍ بالنسبة لكِ أم مُصادفة؟

نجوى بركات: لا، واعٍ لكن ليس بهذا المعنى

زاهي وهبي: بأيّ معنى؟  

نجوى بركات: كنت أريد أن أجعل هذا "الباص" وهذه الجماعة يعبرون فعلاً من جهة قصوى إلى جهة قصوى مُقابِلة، وهم خلال هذه الرحلة إذا تذكُر، هم يعبرون من شخصيات إلى عكسها تماماً لأننا سنكتشِف خلال الرحلة أنّ كلّ مأ أخبروه لنا ليس حقيقياً، سنكتشف رويداً رويداً عندما تُكشَف تماماً قصّة الرأس المقطوع المُحمّل على ظهر هذا الباص، سنكتشف أنّ جريمة فظيعة حصلت وأنّ كلّهُم ليسوا بهذه البراءة المزعومة

زاهي وهبي: كأنّكِ تقولين أننا كلّنا شُركاء في

نجوى بركات: في الجريمة

زاهي وهبي: فيما ارتكبناه في حقّ أنفسنا ربما قبل أن يكون في حقّ الأخرين. أيضاً أشارت الدكتورة "يُمنى العيد" إلى مسألة أنا أُوافق عليها، وما زالت روايتكِ "يا سلام"، ربما قرأتها منذ سنوات طويلة، تحمل هذا النفس الساخِر، هذه السُخرية الحلوة ولكن المُرّة في الوقت نفسه. عندكِ هذا الحِسّ في علاقتكِ بالوجود، في الكائِنات، في الآخرين أم فقط على الورق؟

نجوى بركات: عندي هذا الحِسّ قليلاً أعتقد وإلّا لا يُمكنه أن يكون موجوداً على الورق، لكن في مشروع "يا سلام" بالذات، هذه الرواية، لأنها من الروايات القليلة التي تحدّثت فيها عن الحرب، كان هناك نوع من القسوة التي لا تُحتمل وكان لزاماً أن أُخفّفها في حدٍ أدنى

زاهي وهبي: صحيح

نجوى بركات: ثانياً، هذه الشخصيات التي كانت ترتكب فظائِع وكنت أنا أتناولها في هذه الرواية، كانت هذه الشخصيات لا تعيشها كفظائِع، كانت تعيشها كشيء عادي جداً ويلقون النكات عليها. هذا هو المُخيف في قاتِل يُمارِس القتل، وليس أنّ أحدهم مثلاً قتل لأتّه كان في ظرفٍ مُعيّن

زاهي وهبي: لم يكن يُدافِع عن نفسه

نجوى بركات: بل قاتل يُنَظِّر للتعذيب والقتل. أكيد سؤالك وسؤالي في أيام حرب (لبنان) كان، من كان يرتكب هذه الفظائِع؟ نسمع بتعذيب ونسمع بسحل ونسمع بقنّاص، هذا القنّاص الذي يجلِس ويقنص امرأة تمر بقصد شراء ربطة خبز

زاهي وهبي: ربما لو كان هناك إعلام وميديا بالطريقة الموجودة اليوم لكنّا ربما شاهدنا فظاعات تُشبه ما نراه في أمكنة أُخرى، لأنّها حدثت وحصلت فعلاً

نجوى بركات: موجودة اليوم ومضروبة بمئة. بمعنى، كم كنّا نتحدّث عن فظاعات الحرب اللبنانية، حالياً لسنا بعيدين عن (سوريا) وعمّا يحدُث فيها

زاهي وهبي: أتعلمين، على سيرة السُخرية، أنّ المُقاتلين على خطوط التماس كانوا يتبادلون النُكات والطرائِف من الجهتين مع بعضهم البعض؟ في الليل يُطلقون النار على بعضهم البعض أو في النهار والعكس يحصل

نجوى بركات: يخبرون النكات لبعضهم البعض

زاهي وهبي: ويرسلون الدخّان لبعضِهم البعض وإذا أحدهم انقطع ويحتاج إلى سيكاره يرمون له علبة دخّان

نجوى بركات: صحيح. هذا الجانب العبثي

زاهي وهبي: عبث رسمي للأسف

نجوى بركات: قلت الكلِمة لصحيحة

زاهي وهبي: سنُكمل الأسئِلة ونسمع المزيد من الشهادات بتجربتكِ ولكن اسمحي لنا أن نتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نُتابِع "بيت القصيد"

المحور الثالث:  

زاهي وهبي: مُشاهدينا، نُتابِع "بيت القصيد" مع الروائية اللبنانية "نجوى بركات". سيّدتي، قبل أن نسمع رأياً بتجربتكِ، شهادة جديدة، في الموضوع الذي كنّا نتحدّث فيه قبل الاستراحة، عن الشمال والجنوب، بعيداً مما قصدتِه في روايتكِ "باص الأوادِم". اليوم، الفجوة بين الشمال والجنوب، وأُريد أن أسمع رأيكِ كمُقيمة، مثلما قُلت في مقدّمتي، بين ثقافتين وعالمين، بمعنى بين (فرنسا) و(لبنان) حيث عشتِ وقتاً وكتبتِ رواية بالفرنسية. هذه الفجوة تزداد

نجوى بركات: صحيح

زاهي وهبي: والمشاعِر الشوفينية في العالم كلّه تتصاعَد، كيف ترين هذا المشهد؟

نجوى بركات: أنا متشائِمة جداً

زاهي وهبي: أُفّ

نجوى بركات: نعم، بأيّ معنى مُتشائِمة؟ أشعر أنّ في العالم اليوم لا توجد لُغة مُشتركة. وعندما فعلاً تغيب اللغة المُشتركة تُصبح كأنّك تعيش في (بابل)

زاهي وهبي: هل تعرفين ماذا يُدهشني؟ أنا مُهتم بالـ Media Social. هذا الانفتاح وسهولة التواصل وسُرعة التواصل في الفضاء الافتراضي، لكن على أرض الواقع انغلاق والمزيد من تقوقُع المُجتمعات على نفسها

نجوى بركات: صحيح، مئة في المئة. أنا مثلما تفضّلت وقلت "زاهي"، أنا موجودة في (باريس) وموجودة في (لبنان)، لم يعُد بيت المرء حرِّر؛ من الآخر، بقدر ما نحن أيضاً لسنا سهلين

زاهي وهبي: طبعاً

نجوى بركات: بمعنى عندنا مشاعر عدائيّة، سيأتي من يقول، "هم السبب". هم الآن إن سقط شيء ودخلت لغة جديدة مثلاً إلى بلاد مثل (فرنسا)، ما زالوا يستحون بالنسبة إلى بلدان أوروبية أُخرى أو بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. الفرنسيون يعتبرون أنفسهم وكأنّهم هم من اخترعوا حقوق الإنسان وكأنّهم بثورتهم

زاهي وهبي: عندهم شعور بالتفوُّق في هذا المجال فيستحون في التعبير عن عنصريّتهم

نجوى بركات: وكأنّ المساواة والحرية وهذه المفاهيم كلّها هي ابنهم

زاهي وهبي: مدينة للثورة الفرنسية

نجوى بركات: مئة في المئة، وهذا الشيء كان معتبراً مثل "عصر الأنوار" وإلى آخره

زاهي وهبي: طبعاً

نجوى بركات: حالياً، نحن نكتب والكلام بالنسبة لنا هو مقياس كلّ شيء، هو الترمومتر، هو ميزان الحرارة

زاهي وهبي: حتّى في الموروث العربي وفي الشِعر العربي، الحرب أوّلها كلام

نجوى بركات: مئة في المئة، فهناك لغة جديدة نُستعمَل وعبارات مُخيفة. حديث مثلاً عن Deportation وهي كلمة متّصلة ولصيقة بالمُعسكرات النازيّة عندما كانوا ينقلون "اليهود" إلى المحارِق، والآن يُحكى هكذا قليلاً عن المسلمين في (فرنسا)

زاهي وهبي: نعم، بمعنى اقتلاعهم وترحيلهم

نجوى بركات: أنّه عندنا مُشكلة، هناك خمسة ملايين مُسلِم فرنسي فما هو السبيل للخلاص منهم؟ قد يكون مبالغ بكلامي  فيه قليلاً

زاهي وهبي: لا، نحن نسمع خطاب اليمين الفرنسي ونشاهِد تصاعُد شعبية اليمين المتطرِّف

نجوى بركات: مئة في المئة، كان اليمين يميناً متطرفاً والآن أصبح هناك يمين غير مُتطرِّف

زاهي وهبي: يحكي نفس اللغة

نجوى بركات: يحكي لغة اليمين المُتطرِّف. الآن، في نفس الوقت، ولكيلا أكون ظالمة، ليس كلّ الفرنسيين، لأنني أعيش في (فرنسا)، ليسوا كلّهم عنصريين. هناك أشخاص، هم أنفسهم ينزلون إلى التظاهرات ضدّ أي قانون جديد، يُدافعون ويستقبلون نازحين ويُخالفون أي يدخلون إلى محاكِم

زاهي وهبي: شوفي، بقدر ما ظاهِرة "ترامب" مثلاً في (أميركا) مُخيفة وكشفت الوجه القبيح لـ (أميركا) بقدر ما الناس الذين ذهبوا إلى مطارات ليستقبلوا المُهاجرين والمُسافرين الممنوعين من الدخول إلى (اميركا)

نجوى بركات: والتظاهرات والمسيرات التي تحدث

زاهي وهبي: فهذا جانب مُشرِق، جانب إيجابي من اللازم أن نراه ونعترِف به

نجوى بركات: صح، وهو موجود دائِماُ. لكي نُقفِل الحديث عن سؤالك، الآن لم يعُد في العالم لغة مُشتَركة للأسف لأنّه لا توجد ثقافة مُشتركة، على عكس ما قد نعتقِد، بالمعنى الحقيقي للكلِمة، ولا يوجد حُلم مُشتَرَك

زاهي وهبي: ولا أُسلوب عيش مُتقارِب ولا أُريد أن أقول أسلوباً واحداً لأنّه ليس مطلوباً أن يكون أُسلوب العيش واحِداً في العالم

نجوى بركات: في فترة الستّينات التي ذكرتها كان أيّ شاب في كلّ الكرة الأرضية يحلم الشيء نفسه، بمعنى تحقيق مُساواة وبلوغ الحريّة ومُساواة المرأة بالرجل. هذا كله

زاهي وهبي: حتّى نجوم العالم حينها كانوا مُفكّرين وثائِرين واليوم على العكس

نجوى بركات: مئة في المئة واليوم للأسف

زاهي وهبي: سنُتابِع في هذه النُقاط ولكن، بما أننا نتحدّث عن (فرنسا) دعينا نستمِع إلى رأي لمسؤولة عن المُلحق الثقافي لجريدة فرنسية تصدُر في (بيروت) وهي الـ " أريون لو جور" – المُلحق الثقافي، دعينا نستمع إلى السيّدة "هند درويش"  

كلام يوصل

هند درويش – صحافية: مُتعة أن ينشُر لها المرء بعدّة لغات. رغم تعلّقها باللغة العربية ورغم أنّها تمتلِكها بشكلٍ رائِع لكن أفكارها وأًسلوبها وخيالها الواسع طبعاً تجعلها تنتشِر بكلّ لغات العالم. "نجوى بركات" بالنسبة لنا روائية من الطراز الأول ولا أعلم عن أيّ "نجوى بركات" أُريد أن أتحدّث، عن "نجوى بركات" الأديبة والروائية الساحرة أم عن "نجوى" الصديقة التي لا تقلّ سحراً؟ حينما تأخذين كتابها الأول تشعرين أنّه على بالكِ أن تقرئي كلّ مؤلّفاتها وكلّ أعمالها ولا يعود في إمكانكِ أن تتوقفي عن قراءة أعمال "نجوى بركات". الشيء نفسه عندما تتعرفين عليها للمرة الأولى، تشعرين أنّ "نجوى" هي شخص يهُمكِ جداً أن تبقى في حياتكِ وأن تفسحي لها مكاناً لتصبِح صديقة، فأنا محظوظة بصداقة "نجوى بركات". " نجوى" أشعرها امرأة كاملة، صحيح شغوفة في الحياة لكنّها تهزأ بها في الوقت نفسه. متمرِّدة لكنها مُحافِظة، ثائرة لكن بهدوء. فيها كلّ هذا المزيج من التناقضات التي تشبه الحياة فأشعر بها ضاجّة بالحياة "نجوى بركات"، امرأة حرّة، حرّة إلى أبعد الدرجات، والحرية عندها ليست شعاراً بل تمارِسها للنهاية وتدفع ثمنها. هي بنت هذا العصر بكلّ حداثته وتقنيّاته التي تملكها وتستعملها بشكلٍ رائِع وفي الوقت نفسه أشعُر بها تنتمي إلى زمن آخر هو زمن سحر المُغامرات والرحلات الغامضة. أسلوب "نجوى" يُذكِّرنا بزمنٍ ماضٍ، زمن حين كانت الكتابة والنشر هما مسؤولية وامتحان صعب وليسا استسهالاً وخفّة كما هو الحال الآن. "نجوى"، سؤال كان دائِماً يُراودني، هلّ حياتكِ وتجربتكِ الإنسانية والشخصية هي إحدى مُغامراتكِ الأدبية؟

زاهي وهبي: جزيل الشُكر للسيّدة "هند درويش"، تفضّلي

نجوى بركات: "هند"، لا أدري إن كان هذا الكلام يُقال، توقِع الشخص من النظرة الأول، "هند درويش" من النظرة الأولى أحببتها، وأنا شخص أقترب كثيراً

زاهي وهبي: لستِ عاطفية

نجوى بركات: لكن التقارُب من الناس

زاهي وهبي: تأخذين وقتكِ. حذِرة

نجوى بركات: حذرة جداً وخجولة، بمعنى

زاهي وهبي: رأيتكِ تسمعينها بتأثُّر

نجوى بركات: كلّ ما كانت تقوله "هند" موجود عندها هي وليس عندي أنا للحقيقة

زاهي وهبي: سيماؤهم في وجوههم على كلّ حال، وهذا واضح

نجوى بركات: "هند" ثروة نادرة، سيّدة تشتغِل شغلاً رائِعاً ولكنّها ترفُض أن تكون في المُقدِّمة

زاهي وهبي: بصمت

نجوى بركات: بصمت وخفاء وليست منزعجة ولا زعلانة وليست متأثرة

زاهي وهبي: هذا خيار

نجوى بركات: وأيضاً فيها درجة من الرُقيّ والنبالة بحيث أصبحت هي من عصرٍ آخر، ما عاد هذا الشيء موجوداً. الآن على الهامش، إذا تسمح لي، قبل السؤال أُريد أن أقول أمراً مهماً جداً عن الشغل الذي يشتغلونه في الـ " أريون لو جور – الملحق الثقافي" و "شرق الكتُّاب". عندي مادّة أُحضِّرها لأكتبها وهي " كيف أنّ "الفرنكوفونية" اللبنانية بالذات تتكلّم بالعربية الآن أكثر مما البلدان العروبية تتكلّم عربي. أُحبّ أن أُحيي "هند" وفريق "هند" ومن ورائِها " ألكسندر نجّار" اللذان يمسكان هذا المشروع ومعهما أُناس كثيرون نعرِفهم، يكتبون بالعربية ويكتبون بالفرنسية، عندما تقرأ المُلحق الثقافي بالفرنسية ستنسى "زاهي" بعد دقيقة أنّك تقرأ بالفرنسية لأنّ تفتح نافذة على ثقافة العالم ونافِذة على ثقافتك الخاصّة

زاهي وهبي: حلو

نجوى بركات: فشعرت كأنّه من اللازم أن نمنحهم شيئاً من الشهادة والاعتراف، لأنّ هذه النظرة السلبية على هذا العالم الذي يكتُب بلغة الآخر

زاهي وهبي: صحيح

نجوى بركات: إذاً هو رهينة

زاهي وهبي: لغة المُستعمِر في فترة من الفترات، أو المُنتدِب

نجوى بركات: تماماً، خاصّةً في (لبنان) لأنّ عندنا كُتّاب كثيرون ينشرون بلُغّات أُخرى، ومصلحتنا أن نقول أنّه أدبٌ لبناني لأنّهم يكتبون أشياء تذهب بالعقل، وليس من اللازم أن أُسمّي أسماء، دار النشر التي اسمها "شرق الكتاب" ومُلحق "أُريون لو جور" الثقافي جدياً تحيّة لهم ودعوة لنا الذين لا نقرأ في هذه اللغات الأُخرى، أن نفتح هذه النافذة

زاهي وهبي: نعم، أجبيها عن سؤالها لو سمحتِ

نجوى بركات: هلّ الحياة الشخصية؟

زاهي وهبي: هل هي جزء من تجربتكِ الأدبية أو الكتابية؟

نجوى بركات: لا يا "هند"، هي جزء من عالمي الداخلي للحقيقة، لكن أن أشعُر بأنني امرأة ليس عندها شيء حقيقي في حياتها استثنائي، بمعنى أكثر من امرأة عادية، وأنا أعتقِد بأنّه لو كانت حياتي استثنائية ومليئة بالمُغامرات لا أعتقد أنني كنت كتبت للحقيقة، كنت عشت الحياة بدل أن أجلِس على ضفّتها وأتأمّلها وأكتُب عنها

زاهي وهبي: هلّ الكتابة في هذه الحال والروايات فيها شيء من التعويض؟

نجوى بركات: أكيد، وأنت ما رأيك؟

زاهي وهبي: الآن أنا اريد أن أسألك، ماذا منحتكِ الكتابة؟

نجوى بركات: رئة

زاهي وهبي: تتنفسين من خلالها 

نجوى بركات: رئة للتنفّس ولأشعُر بأنّ لي معنى

زاهي وهبي: أتشعرين أحياناً بارتباك ونفور من الكتابة، من اللغة

نجوى بركات: أنا الآن في فترة نفور من اللغة والكتابة، منذ زمن لم أكتُب شيئاً جديداً

زاهي وهبي: أيمتى تُصيبكِ هذه الحال؟

نجوى بركات: تُصيبني منذ سنوات، في حال نفور اختياري إلى حدٍّ ما. عندي إحساس بوجود ضجّة كثيرة وكتابة كثيرة ونشر كثير لدرجة أنني أحياناً أسأل نفسي، وكأنه شيء أصبح رخيصاُ جداّ، هل تفهم عليّ؟  وبأنه، ماذا سأفعل بعد أنا هنا؟ وكأنّه لم يعُد لي مكان، لا أعلم كيف أشرح لك هذا الإحساس، هذا الفيض، هذا الفيضان بالأحرى من الكُتب والنشر 

زاهي وهبي: نعم، لم يعُد الأمر مغرياً، لم يعُد هناك تحدٍّ أو مجاملة

نجوى بركات: لا، أصبح هناك إحساس، عفواً ولا تؤاخذني إن كنت أقول لك لا، صار هناك إحساس بأنّه

زاهي وهبي: يمكنكِ أن تقولي لي لا

نجوى بركات: أقصد "زاهي" أنّه صار هناك ترخيص للكتابة، ترخيص للأدب

زاهي وهبي: هذا ما أقصِد أن أقوله، صار الكاتب لم يعُد يشعُر أنّ هذا الشيء الذي نقوم به

نجوى بركات: له معنى

زاهي وهبي: أو شيء مهم

نجوى بركات: أو لم يعُد له محلّ

زاهي وهبي: طالما تساوت كلّ، لم يعد هناك معايير في العالم كلّه

نجوى بركات: يسلم فمك، لم يعد هناك معايير وسقف المعايير صار تحت الأرض

زاهي وهبي: صحيح

نجوى بركات: تقرأ مقالات أحياناً. دائِما أعطي مثالاً، أن كُثراً اليوم على وسائِل التواصل يكتبون مثلاً جملاً أدبية أو خواطِر أو شيئاً، مثلاً يكتُب كلِمة "أنتِ" ويضع لها حرف الياء

نجوى بركات: أو إنّكِ

زاهي وهبي: ويضع لها ياء، وفي النهاية يكتب "بقلمي"، بمعنى أنّه 

نجوى بركات: (تضحك)

زاهي وهبي: "نجيب محفوظ" يستحي أن يقول " بقلمي" أو "سعيد عقل" أو "نزار قبّاني"

نجوى بركات: أو يستشهِد بذاته، " أنا كتبت " ويستشهِد بنفسه بين مزدوجين

زاهي وهبي: مثلما قلنا، المقاييس والمعايير والمرجعيات لم تعُد موجودة. لو سمحتِ نريد أن نتوقّف مع آخر استراحة، نتحدّث قليلاً بعد الاستراحة عن " مُحتَرَف نجوى بركات للكتابة الروائية"، أين صار وما أخباره ولكن بعد استراحة سريعة

 

المحور الرابع:

زاهي وهبي: مُشاهدينا، وصلنا إلى القسم الأخير من "بيت القصيد" مع الروائية اللبنانية "نجوى بركات". قبل أن نسمع شهادة من الشاعِر والكاتب والروائي الأُستاذ "عبّاس بيضون"، أُحبّ أن أسألكِ في موضوع المُحتَرف، مُحتَرَف الرواية الذي أسّسته حضرتكِ والذي أصدر للعديد من الشباب روايات. ماهية هذه الخطوة؟ ماهية هذه المُبادرة منكِ؟ في أيّ هاجِس؟ في أيّ همّ؟ في أيّ هدف؟ 

نجوى بركات: أنا بدأتُ في الكتابة باكراً جداً، في العمر الذي أتواصل فيه الآن مع الشباب الكُتّاب، وكنت أعتقد أنّ المرء حين يكتُب يدخل إلى عائِلة أدبية ويستقبله الناس بذراعين مُشرّعين

زاهي وهبي: وجدتِ العكس ربّما

نجوى بركات: لم يحصل هذا الشيء، وبعد ذلك سافرت، وفي فترة تعِبت قليلاً من المكوث في الخارِج ورغبت في العودة لكن لا أُريد أن أعود وألاّ أقوم بشيء، فخطرت في رأسي فكرة المُحتَرف  

زاهي وهبي: هلّ يتعلّم الروائي كي يُصبِح روائياً؟

نجوى بركات: نعم يتعلّم

زاهي وهبي: أليست موهبة؟

نجوى بركات: جوابي مُبالغٌ فيه قليلاً، ضيّعتني تقول لي "حضرتكِ" و"مدام نجوى" وأنا أُريد أن أقول لك، قل لي "نجوى"

زاهي وهبي: "نجوى"، على رأسي

نجوى بركات: بدل أن أقول لك أُستاذ "زاهي"، أكيد يتعلّم. في أيّ معنى؟ بمعنى يتوجّه لأنّ الرواية صَنْعَة وليست مثل الشِعر. في الشِعر، لا أدري إن كان في إمكانك أن تُسلِّم مفاتيح الشعر لأشخاص آخرين، في الرواية يُمكنك أن تُسلِّم بعض مفاتيحك

زاهي وهبي: نعم، على الأقل تقنيات الكتابة والسرد

نجوى بركات: تقنيات وتنظيم شغل الروائي، بمعنى أن يعرِف بعقلانية أنّ العمليّة ليست فقط عملية وحي، لا، العملية عملية امكُث واكتُب ومزِّق والذي تكتبه ليس منزلاً يا حبيبي

زاهي وهبي: أظنّ عندي فكرة رواية، مشروع رواية تكتبينها عنّي. أقول لكِ الفكرة وتكتبينها عنّي

نجوى بركات: (تضحك)، المُحترَف، فقط أُريد أن أقول هاتين الكلمتين، أصدر 23 رواية

زاهي وهبي: 23 رواية!

نجوى بركات: 23 رواية وفازوا بجوائِز منها جائِزة (قطر) للرواية العربية، جائِزة (الإمارات) للرواية، وجائزة المُحتَرَف. بمعنى كُرِّس فائِزاً وكتّابه يعاودون كتابة أشياء أُخرى وهُم متواجدون

زاهي وهبي: هلّ المُحتَرَف مُستمِرّ؟

نجوى بركات: لا طبعاً "زاهي"، مثل كلّ شيء في العالم العربي، مؤسِف ما أريد أن أقوله، تعتقد أنّ القصّة بما أنها أثبتت جدواها ونجاحها من اللازم أن يركض الناس وراءك ويقولون لك" تعال وأقِم محترفاً عندنا" خصوصاً وأننا نشتغِل على سنة وننشُر في دور المكتبات

زاهي وهبي: للأسف، لا يوجد إدراك عند المؤسسات، عند السُلطات العربية، عند وزارات الثقافة للنتاج الإبداعي وضرورة دعمه واحتضانه

نجوى بركات: مئة في المئة

زاهي وهبي: مثلما يحدُث في (أوروبا)، مثلما يحدُث في العالم

نجوى بركات: مثلما يحدُث أحياناً في دول صغيرة جداً، أنا مثلاً أجريتُ تجربة مع وزارة الثقافة البحرينية أنتجَت سبع روايات

زاهي وهبي: لأنّ "الشيخة مي خليفة" عندها

نجوى بركات: مئة في المئة

زاهي وهبي: عندها هم ثقافي وعندها هم

نجوى بركات: عندما يريد المرء يمكنه أن يقوم بذلك، لكن أهمّ شيء قامت به "الشيخة مي" أنّها لم تُخصّصه لـ (البحرين) بل قبِلَت أن تستقبِل كُتّاباً من دول عربية أُخرى. بمعنى، كان المُحترف عربياً وضممنا إليه كُتّاباً بحرينيين، لكن هذه التجربة لم تتكرّر في دولة عربيّة أُخرى للأسف

زاهي وهبي: آخر من تعاون معكم هو "مشروع آفاق"

نجوى بركات: مع "آفاق" أقمنا نوعاً من الشراكة ولم تستمرّ أيضاً للأسف

زاهي وهبي: تشاجرتم؟ اختلفتم؟

نجوى بركات: تشاجرنا

زاهي وهبي: على ماذا؟ على الصدارة؟ بمعنى من هو واجهة هذا المشروع؟

نجوى بركات: قد يبدو الكلام هكذا لكن أنا شخص مبدئيّ جداً. هذا المُحتَرف أخذ منّي وقتاً وأعصاباً وأجّلَ لي مشروعي الخاص، فأنت فرد في وجه مؤسسة! المؤسسة ستبلعك وأنا رفضت هذا الشيء ببساطة

زاهي وهبي: لكن هو مشروعِك ومُحترفكِ واسمه "مُحترف نجوى بركات"

نجوى بركات: وصار اسمه برنامج "آفاق لكتابة الرواية"

زاهي وهبي: أبغض الحلال الطلاق (يضحك)

نجوى بركات: (تضحك) ماشي الحال

زاهي وهبي: دعينا نستمع إلى الأُستاذ "عبّاس بيضون"، الشاعِر المرموق وما يقوله عن حضرة جنابكِ

نجوى بركات: شكراً

كلام يوصل

عبّاس بيضون – شاعِر: حضورها الشخصي كامرأة، كأُمّ، كصديقة، "نجوى" شخص عمليّ، يأخذ مشروعاً ويصل فيه إلى النهاية، يستمرّ به، وهي عند كلِمتها وعند قرارها وعند فِكرتها. "نجوى بركات" بين القلائِل جداً الذين يعرِفون كيف يبنون الرواية، تعرِف أن تكتب حبكة روائية مثلما تعرِف كيف تكتب شخصية روائية، تعرف أن تكتب تشويقاً وأن تكتب رواية تقطع الأنفاس، تعرف أن تكتب رواية مبنية داخلياً ومرصوصة رصاّ، ولِدت لتكتُب رواية والرواية تخرُج من يدها متكاملة. في حياة "نجوى"، "نجوى شخصٌ نادر وقويّ. أُريد أن أقول عن تجربتها مثلاً في المُحترَفات، كانت تجربتها رائِدة وتجربة مُهِمّة لكن "نجوى" هي الشخص الذي يعتمِد على نفسه، الذي يملُك القُدرة على أن يكون حاضراً، القُدرة على أن يضع قوّته في العمل الذي يقوم به وأن يُتابعه للآخر وأن يصنعه وأن يُغطّيه وأن يشمله بعنايته وأن يضع كلّ وقته فيه. "نجوى"، يهُمني كثيراً أن تكتبي، أيمتى ستكتبين رواية جديدة؟

زاهي وهبي: شكراً للشاعِر والروائي "عباس بيضون". تفضّلي، أيمتى ستكتبين رواية جديدة؟ منذ متى لم تنشُري رواية؟

نجوى بركات: منذ زمن، آخر رواية كانت في عام 2004، ليس أنني لم أكتُب شيئاً، كتبتُ أشياء أُخرى، كتبت سيناريوهات اثنين، اشتغلت على مسرحيات

زاهي وهبي: وعمِلت في إعداد وإخراج برامج إذاعية 

نجوى بركات: نعم، والمُحتَرَف. في المُحتَرَف كنت أصدِر في السنة سبع أو ثماني روايات، وكأنني دار نشر، ومع مُتابعة ومُلاحقة يومية

زاهي وهبي: هلّ عندكِ مشروع، هل هناك احتمال في إصداركِ لعمل جديد؟

نجوى بركات: أنا تعبت على صعيد المُحتَرف، بمعنى إذا لا يأتي أحدهم ويقول لي خذي هذه الـ Budget واشتغلي ليس في إمكاني أن أظلّ أركُض لكي أجلِب المال

زاهي وهبي: ركِّزي على تجربتكِ

نجوى بركات: الآن أفعل هذا. المشروع الآن هكذا، لكن أُريد أن أقول شيئاً عن الشاعر الرائِع العظيم والصديق الكبير "عبّاس بيضون"

زاهي وهبي: قولي

نجوى بركات: من النادر أن تلتقي بشخص مُحِبّ بالطريقة التي يُحِبّ فيها "عباس بيضون" عمل الآخرين. بمعنى، هذا نادر الحدوث. أنا أذكُر أنني كنت في (باريس) وعندما أصدرت "باص الأوادم" لم أكن أعرِف الكثير عن "عبّاس"، كتب في جريدة "النهار" شيئاً أسماه " الترويج لكتاب" وتحدّث وقال أنّ "هذه الامرأة موجودة في (باريس) لكنها لا تجلس في المقاهي ولا تُرسِل كُتبها للناس ولا تفعل كذا، فمن الضروري أن يُحكى عن هذا الكتاب لأّنه كذا وكذا وكذا". "عبّاس من القلائِل الذين أُحب مثلاً أن أُحادثهم في أزمة ما أتعرّض إليها في المعنى الثقافي والإبداعي والفِكري، من الناس القلائِل جداً الذين يسألونني، " يا بنت لماذا لا تكتبين؟ أيمتى ستكتبين"، وعندما يقول لي هذا أشعر بشعور تأنيب الضمير وأقول، " عباس بيضون يسألني أيمتى ستكتبين" وهذا يدفعني

زاهي وهبي: عال، أنت محظوظة في حبّ "عبّاس" لشُغلِك وعملِك

نجوى بركات: وأنا سأُجيبه الآن على سؤاله، خلص "عبّاس" أنا حالياً أكتُب

زاهي وهبي: تكتبين؟

نجوى بركات: أكتُب

زاهي وهبي: رواية جديدة؟

نجوى بركات: رواية جديدة

زاهي وهبي: الوقت بدأ يُداهمنا، تُرجِمت رواياتكِ إلى لغات مُختلِفة منها الفرنسية والإنكليزية والإيطالية، والألمانية؟ تُرجِمت إلى الألمانية؟

نجوى بركات: على الطريق

زاهي وهبي: السؤال التقليدي الذي يخطُر على البال فوراً عندما نتحدّث عن ترجمة، كم هناك من خيانة للنصّ، والترجمة هي خيانة للنصّ الأصلي وإلى آخره. هلّ أنتِ راضية عن ترجماتكِ خصوصاً أنكِ تعرفين لغتين

نجوى بركات: وثلاث أيضاً

زاهي وهبي: الفرنسية والعربية

نجوى بركات: وأعرِف الإنكليزية قليلاً أيضاً. الحقيقة، وأنا ترجمت، ترجمت 800 وألف صفحة، هناك مُترجِم خائِن ومترجِم غير خائِن. الترجمة ليست دائِماً خيانة، بمعنى هذه هي الفكرة التي كانت عندنا والتي كانت عني أنا أيضاً

زاهي وهبي: تعود إلى إمكانيات وطبيعة المُترجِم

نجوى بركات: وقُدرة المُترجِم على التواصل الروحي مع روح النصّ. بمعنى، آخِر رواية تُرجِمَت هي " لغة السرّ"، تُرجِمت إلى الفرنسية عن دار" أكتسود" ترجمها شخص اسمه "فيليب فيغرو". والله أثناء قراءتي لثالث صفحة بدأت دموعي تنهمِر، لأنه إلى الآن يقف شَعر بدني، كتبها بالفرنسية وليست مُترجمَة. الأشياء التي استشهدتُ فيها مثلاً بالعربية، التي هي "أبيات" أنت تقرأها وأنا أقرأها من دون أن نفهمها، لكنه استطاع أن يُترجها وترجمها مع إيقاع. فأعتقد

زاهي وهبي: أكيد حينما يكون المُترجِم مُثقّفاً وعنده خلفيّة عمّا يُترجِم واللغة التي يُترجِم عنها والثقافة التي يُترجِم عنها

نجوى بركات: وأن يكون كاتباً نوعاً ما، فيه خُلاصة كاتب أو كاتِب صغير

زاهي وهبي: نحن الشُعراء نقول أنّه لا يُترجِم الشِعر إلّا شاعِر. الذي يُريد أن يُترجِم قصيدة من لُغة إلى لُغة من اللازِم أن يكون شاعراً. شاهدتكِ في ربورتاج البداية تدخلين لعند قارئ غيب أو قارئ كفّ

نجوى بركات: هذا صادفناه في وجهِنا، حتّى ترى كم هي (بُرج حمّود) مثل العُلبة، مثل الملفوفة (برج حمّود)، تزيل ورقة وتظهر لك ورقة أُخرى، تدخل في "زاروب" فتدخُل في عالم

زاهي وهبي: هلّ أنتِ مؤمِنة بفراءة الطالِع؟

نجوى بركات: عندي بهذا الشيء غواية ما

زاهي وهبي: يُغريكِ؟

نجوى بركات: يُغريني وأُحبّ "التبصير"، ليس كتبصير، أُحِبّ الأبراج للحقيقة، عِلم الأبراج

زاهي وهبي: علم الفلك شيء والتنجيم شيء آخر

نجوى بركات: نعم. لكن أيضاً إذا قلت لي" تعالي لأُبصِّر لكِ" لن أقول لك لا. أُحِبّ هذه اللعبة، أُحِبّ أن أشرب القهوة وأن اطُبّ الفجان وأن يقرأ لي أحدهم حظّي

زاهي وهبي: حلو التواطؤ بين المُبصِّر والمُبصَّر له

نجوى بركات: حلو هذا اللعب، مئة في المئة

زاهي وهبي: نعم، والعصفوران اللذين رأيتهما واعتبرتِهما الزوجين السعيدين الوحيدين الذين رأيتهما في حياتكِ؟

نجوى بركات: (تضحك)، كنّا نمزح طبعاً

زاهي وهبي: طبعاً. إلى هذا القدر فكرتكِ عن الزواج؟

نجوى بركات: نعم ليست حلوة كثيراً للحقيقة

زاهي وهبي: مع أنّكِ تحت نصيبك (يضحك) حسب معلوماتي

نجوى بركات: (تضحك) لا علاقة لهذا. فعلاً الزواج كمؤسسة، أنا ولدت في منزل زوجين سعيدين، أبي أحبّ أُمّي وكتب لها الشِعر وتغزّل بها، وكان يقول أنّها أجمل من "جورجينا رزق"، وعندما تنظُر أُمّي إليه يُكمِل، " في عيوني"

زاهي وهبي: بمعنى أجمل من ملِكة جمال الكون

نجوى بركات: وغنّى لها وألّف لها الشِعر. أنا وُلِدت في منزل، لكن الآن

زاهي وهبي: تبحثين عمّن يُغنّي لك ويكتب الشِعر

نجوى بركات: لا، ربما لقدر ما والدي رجل لذيذ، هاتان المسألتلن تصيران في العكس. كنت أنا أضع سقف التوقُّع عالياً جداً

زاهي وهبي: على كلّ حال، أنا أتمنّى أن تكون طموحاتكِ في كلّ الاتجاهات

نجوى بركات: هنا لا يوجد طموح، ماشي الحال

زاهي وهبي: الروائية والاحترافية والإنسانية

نجوى بركات: مرسي "زاهي"، مرسي  

زاهي وهبي: شرّفتِ "بيت القصيد"

نجوى بركات: الله يخلّيك يا ربّ

زاهي وهبي: ودائِماً حواراتي معكِ يكون فيها دسم، كاملة الدسم

نجوى بركات: الله يخلّيك، ودائِماً اللقاء معك مُتعة وفرحة وغبطة حقيقية

زاهي وهبي: تسلمين، الله يُخلّيكِ. شُكراً "نجوى بركات"

نجوى بركات: مرسي

زاهي وهبي: شكراً لفريق العمل، لمُخرِج البرنامج "علي حيدر" لمنتِجة البرنامج "غادة صالِح" ودائِماً الشُكر الأكبر والجزيل لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المُقبل على خير بإذن الله 

مع الفنانة عايدة طنب "رونزا"

يستضيف الشاعر والاعلامي زاهي وهبي في بيت القصيد الفنانة اللبنانية رونزا، عايدة طنب في حلقة تجول على تراثها الغنائي والمسرحي وتتطرق لخياراتها المهنية وسر ابتعادها عن الميديا والاعلام.

المزيد