حوار خاص

برنامج مخصص للحوارات الخاصة مع شخصيات بارزة وفاعلة.

الرئيس الإكوادوري رافاييل كورّييا

فيسانتي مونتاغود: مرحباً بكم، كيف حالكم، تحيّةً لجميع المشّاهدين من الرّياض عاصمة المملكة العربيّة السّعوديّة. نلتقي اليوم مع رئيس الإكوادور السّيّد رافاييل كوريّيا الذي شارك بفاعليّة في القمّة التي تضمّ أميريكا الّلاتينيّة والدّول العربيّة والتي تُعقد هنا في الرّياض. أهلًا وسهلًا سيّدي الرّئيس وشكراً جزيلاً لوجودك معنا.

رافاييل كوريّيا: شكراً لك فيسانتي وأودّ من خلالك أن أعانق الوطن الكبير الذي يقع على مسافةٍ بعيدةٍ من هنا لكنّه قريبٌ جدّاً، وفي بعض الجوانب أكثر ممّا نتصوّر.

فيسانتي مونتاغود: قدّمتم البارحة خلال القمّة اقتراحاً محدّداً يهدف إلى محاولة تحقيق استقرار أسعار النّفط إقترحتم خفض إنتاج البلدان التي تنتمي إلى منظّمة الدّول المصدّرة للنّفط أوبيك بنسبة 1.6%، فهل هذا كافٍ من أجل تحقيق استقرارٍ في الأسعار؟

رافاييل كوريّيا: بإمكاننا دائماً إعادة ضبط الأرقام إذ لم ينجح أحدٌ أبداً في التّوقعات المتعلّقة بكيفيّة تفاعل أسعار النّفط، لكن بناءً على تجربتي التّاريخيّة من الواضح أنّ انخفاضاً طفيفاً في كمّيّات النّفط سيؤدّي إلى إرتفاعٍ كبيرٍ في الأسعار. لذلك من وجهة نظرٍ إقتصاديّةٍ تقنيّة لا يمكن فهم هذه السّياسة المتّبعة حاليّاً بالحفاظ على كميّاتٍ فائضةٍ في السّوق لأنّه يكفي إجراء تعديلٍ بسيط على الطّلب اليوميّ للنّفط بنسبة 1.6 بحسب تقديراتنا المبدئيّة أي ما يعادل أقل من مليونَي برميل من النّفط يوميًّا  وهذا ما يمكن أن تحقّقه دول أوبيك فقط لسنا بحاجة إلى دولٍ من خارج أوبيك من أجل تحقيق هذا الهدف عندئذٍ سترتفع أسعار النّفط بشكلٍ ملحوظ، هذا أمرٌ واضح.

فيسانتي مونتاغود: من الواضح أنّ التّدنّي الهائل في أسعار النّفط خلال السّنة الفائتة بنسبة 50% قد أثّر على الجميع. إذاً لماذا يعدُّ إيجاد إستراتيجيّةً مشتركةٍ لتحقيق استقرار الأسعار أمراً صعباً إلى هذه الدّرجة؟

رافاييل كوريّيا: هذا سؤالٌ كبيرٌ جدّاً، أعتقد أنّه ليس هنالك جوابٌ إقتصادي لأنّه من وجهة نظر إقتصاديّة من دون شكّ فإنّ تعديلاً بسيطا ًفي الكميّة يؤدي إلى إرتفاعٍ كبيرٍ في الأسعار، إذا تمّ خفض الكميّة بنسبة 2% وتمّت زيادة الأسعار بنسبة 30% نكون قد حقّقنا ربحاً. لماذا لا تُتّبع هذه الإستراتيجيّة البديهيّة؟ ذلك لأنّ الحجّة التّي تستعملها بعض الدّول الكبرى المُنتجة للنّفط مثل المملكة العربيّة السّعوديّة هي أنّ هذا الأمر قد يؤدّي إلى عروضاتٍ لما يسمّى بالنّفط ذي الجودة العالية إلى السّوق بأسعارٍ أعلى خاصّةً النّفط الصّخري الذي يضرُّ بالبيئة والموجود في الولايات المتّحدة الأميركيّة ، لكن من الممكن إيجاد سعرٍ متوازن يحول دون إدخال هذا النّفط المرتفع الثّمن إلى الأسواق، هذه مسائل إقتصاديّةٌ تقنيّة. نحن نقدّر أنّه يمكن تحديد سعر برميل النّفط عموماً بنحو 60 أو 65 دولاراً أميركيّاً، ما يُعتبر إرتفاعاً ملحوظاً بالمقارنة مع أسعار النّفط الحاليّة، هذه وجهة نظرٍ تقنيّة إقتصاديّة. لكن على الأرجح هناك أيضاً مسائل ديموسياسيّة تتمثّل بإلحاق الضّرر ببلدانٍ معيّنة والحرص على أن تستفيد بعض الدّول الأخرى ، يجب ألا ننسى أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة تعيش حاليّاً مرحلة ما قبل الإنتخابات وكم هو مفضّلٌ بالنّسبة للإدارة الأميركيّة أن يكون النّفط بسعرٍ منخفض على الرّغم من أنّهم يواجهون مصاعب جمّة في قطاعاتٍ إقتصاديّة مهمّة أبرزها قطاع النّفط ، حيث تمّ استثمار الكثير من الأموال في مجال النّفط الصّخري في الولايات المتّحدة الذي ذكرت. لكنّ غالبيّة الشّعب الأميركي تعتبر أنّه من الرّائع الحصول على البنزين بأسعارٍ منخفضةٍ جدّاً داخل بلادهم، من الصّعب فهم هذا الأمر من وجهة النّظر التّقنيّة الإقتصاديّة وعلى الأرجح يمكن تفسير ذلك من خلال البعد الجيوسياسي لهذه المسألة.

فيسانتي مونتاغود: هذا ما أردت أن أسألك عنه، إذا كان من الواضح أنّ زيادةً في العرض تؤدّي إلى إنخفاضٍ في الأسعار بالإضافة إلى الحملة الإنتخابيّة الأميركيّة القريبة. فما هي المصالح الإستراتيجيّة الأخرى التي تتحكّم بتحقيق ذلك؟

رافاييل كوريّيا: على الدّول التّابعة لمنظّمة أوبيك أن تعمل ضمن نطاق هذه المنظّمة فهناك بلدانٌ غير تابعةٍ لأوبيك، فالإستراتيجيّة الطلوبة تقضي بالمحافظة على السّوق. لكن لنأخذ على سبيل المثال روسيا غير التّابعة لأوبيك والتي تُعتبر المُصدّر الأساسي للنّفط، أعتقد أنّ الولايات المتّحدة هي المنتج الأكبر ولكنّها تستهلك كلّ ما تنتجه من النّفط. وصلت روسيا إلى الحدّ الأقصى الممكن للإنتاج. إذا تمّ خفض الكمّيّات فقط في الدّول التّابعة لأوبيك حتّى مليونَي برميل كما ذكرت سابقاً عندها يمكن تحقيق إستقرار السّوق. هذا يعني أنّه بحسب تقديراتنا وبحسب الدّراسات التي أجريناها ليس من الضّروري إشراك الدّول غير التّابعة لأوبيك في هذه العمليّة.

فيسانتي مونتاغود: عُقِدَ مؤخّراً اجتماعٌ تقنيٌ في فيينّا ضمّ دولاً مُنتجةً للنّفط تابعة لأوبيك وأخرى لا تنتمي إلى المنظّمة، سيعُقد إجتماعٌ آخر قريباً. كما تُعَدّ القمّة الحاليّة مناسَبة مهمّة لفتح قنوات تواصل مع رؤوساء دولٍ رئيسة أخرى في مجال إنتاج النّفط. هل تعتقد أنّ هناك إمكانيّة للتّقدّم في ما يتعلّق بالإتّفاق على تحقيق إستقرار الأسعار؟

رافاييل كوريّيا: لم أتمكّن بعد من مقابلة ملك السّعوديّة التي تعتبر المُنتج والمُصدّر الرّئيس للنّفط في أوبيك، ولكنّي قابلت أمير قطر الذي أعرب عن قلقه أيضاً حيال هذا الأمر، وقال إنّه لا بدّ من إيجاد حل وأنّه سيحاول تنسيق هذا العمل المشترك على مستوى الدّول المُنتجة للنّفط في الشّرق الأوسط وإنطلاقاً من أوبيك. إذ أودّ على أن أشدّد أن الحجّة هي أنّه لا ثقة بالدّول غير التّابعة لأوبيك وبرأيي يجب ألا نخدع أنفسنا ، فليست هناك ثقةٌ بين روسيا والمملكة العربيّة السّعوديّة ويعتقدون أنّه إذا خفّضت السّعوديّة كميّة الإنتاج فستستحوذ روسيا عندئذٍ على هذه الأسواق. نعتقد أنّ هذا صعبٌ جدّاً لأنّه أوّلاً روسيا وصلت إلى الحدّ الأقصى للإنتاج، ثانياً أكرّر أنّه يكفي خفض الإنتاج داخل أوبيك بعد أن تتّفق كافّة الدّول الأعضاء على ذلك، وتحقيق إنتعاشٍ كبيرٌ في الأسعار عندئذٍ سيتحسّن سعر النّفط بشكلٍ كبير.

فيسانتي مونتاغود: بالإضافة إلى تحقيق مصالح الدّول المُنتجة للنّفط سيمكّن ذلك من تحقيق استقرار الإقتصاد العالمي لكون النّفط مصدراً لعدم الإستقرار. كم بإمكانه إفادة الجميع؟ أليس كذلك؟

رافاييل كوريّيا: أكرّر لك أنّ أسعار النّفط منخفضةٌ جداً حاليّاً، ولا ينخَدِعَنِّ أحد. قد يقول البعض إنّ سعر أربعين دولاراً أميركيّاً للبرميل الواحد ليس سعراً منخفضاً، وإنّ الأسعار قد وصلت في ما مضى إلى عشرين دولاراً، هذا صحيح فقد بلغ سعر برميل النّفط في مطلع الثّمانينات أربعين دولاراً أميركياً، إذا حسبنا هذا السّعر بالنّسبة للقيمة الحاليّة أقصد قيمة التّحديث التي تبلغ 5% نحصل على سعر مئتي دولار أميريكي للبرميل. لكن لا يقتصر الأمر على هذا فقط تكلفة استخراج النّفط حاليّاً على الأقلّ بالنّسبة لبعض الدّول مثل الإكوادور باهظة جدّاً أكثر بكثير ممّا كانت عليه في الماضي. نحن اضطررنا لإستثمار مليارات من الدّولارات من أجل المحافظة على الإنتاج فقط لا من أجل زيادته ، إذ لدينا آبارٌ ناضجة تميل نسبة إنتاجها إلى الإنخفاض، إذاً لا يمكن مقارنة الأسعار في عصرنا هذا مع الأسعار في الماضي بهذه البساطة، إذ أوّلًا قد نقع في خطأ المقارنة مع القيمة الحاليّة لا القيمة الفعليّة. ثانياً ماذا يفضّل المنتجون أن يكون سعر برميل النّفط مئة دولار أميركي مع تكلفة إنتاج ثمانية وتسعين دولاراً؟ أو أن يكون سعر البرميل عشرين دولاراً أميريكيّاً ولكن مع تكلفة إنتاج تبلغ خمسة دولارات أميركيّة؟ بالطّبع سيفضّلون الخيار الثّاني، إذاً علينا أن نأخذ في الإعتبار أيضاً تكلفة إنتاج النّفط الحاليّة التي تعتبر مرتفعةً جدّاً خاصّةً بالنّسبة لبعض البلدان، لذلك هذا السّعر المنخفض لا يناسب أحداً حتّى أنّه لا يناسب المستهلكين، أقصد بذلك البلدان المستوردة للنّفط التي قد تستفيد من هذا السّعر على المدى القصير ولكن مع إنخفاض العرض الذي قد يسبّبه إنخفاض أسعار النّفط قد ترتفع قيمة النّفط على المدى المتوسّط بنحوٍ غير مسبوق.

فيسانتي مونتاغود: لنتحدّث قليلاً عن إقتصاد الإكوادور، ذكرت بعض وسائل الإعلام أنّ الإقتصاد في الإكوادور قد يشهد في هذه الأيّام بعض الركود. لكن بحسب معطياتكم حقّق الإقتصاد في البلاد في الفصل الثّاني من عام 2015 نموّاً بنسبة 1% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. هذا يعني أنّه لا يزال يحقّق نموّاً بالرّغم من إنخفاض أسعار الموادّ الأوّليّة وإرتفاع سعر الدّولار الأميريكي. سؤالي هو كيف إستطعتم تحقيق ذلك؟

رافاييل كوريّيا: أعتقد بفضل معجزة فقد كان العام صعباً جدّاً ونحن كنّا خلّاقين جدّاً، وهذا ما أسمّيه العاصفة المثاليّة على غرار الفيلم الأميركي "ذا برفكت ستون" كنّا قد استبقنا هذا الأمر وأبلغنا شعب الإكوادور عام 2013 أنّ عام 2015 سيكون صعباً جدّاً خاصّةً على الصّعيد المالي ، لأنّه كان علينا أن ندفع مليارات الدّولارات لإستكمال مشاريع استراتيجيّة ضروريّة من أجل تنمية البلد. عام 2016 سنحصل على ثماني محطّات لتوليد الطّاقة الكهرومائيّة ما سيضاعف القدرة الكهربائيّة في البلد، في نهاية هذا العام ننتهي من إنجاز ستّة مشاريع ضخمة جدد تمكّننا من ريِّ مئات الآلاف من الهكتارات كما تخوّلنا السّيطرة على الفيضانات في مئات آلاف الهكتارات الأخرى. هذه أمورٌ ضروريّة لتنمية البلد لكن في هذا الوقت علينا أن ندفع الكثير من الأموال قبل الحصول على قرشٍ واحد. إذاً عام 2015 دقيقٌ للغاية. قبل أن تنخفض أسعار النّفط وحدوث مشاكل أخرى كنّا نعلم أنّ عام 2015 سيكون صعباً من دون أن نأخذ في الإعتبار إنخفاض أسعار النّفط. هذا الأمر يأخذنا على خسارة سبعة مليارات دولار أميريكي في مجال التّصدير، ما يمثّل 7% من النّاتج المحلّي. قرأت أيضاً أنّ البرازيل تعاني من مشاكل إقتصاديّة جمّة لأنّها خسرت خمسة وعشرين مليار دولار أميريكي في مجال التّصدير بالنّسبة إلى الإقتصاد البرازيلي تشكّل هذه النّسبة 1.1% من النّاتج المحلّي، أمّا نحن فقد خسرنا نسبة 7% من النّاتج المحلّي في مجال التّصدير. البرازيل لديها عملتها الخاصّة وقد اتّبعت اجراءاتٍ إقتصاديّة صحيحة عبر خفض قيمة الرّيال وهو عملتها الوطنيّة بنسبة 48% نحن لا نملك عملةً وطنيّةً خاصّةً بنا وقد ارتفعت قيمة الدّولار بنسبة 25%. كولومبيا التي تعتبر أحد الشّركاء التّجاريّين القريبين جدّاً من الإكوادور خفّضت قيمة البيزو الكولومبي بنسبة 60% يعتبر هذا بمثابة سحق الإقتصاد أي العاصفة المثاليّة ، هذا وحده صعبٌ جدّاً ثمّ إنخفاض أسعار النّفط وإرتفاع قيمة الدّولار ، ولكن على الرّغم من ذلك قمنا بعمل جيّدٍ جدّاً واعتمدنا تدابير طارئة خلّاقة من أجل حماية منتجاتنا وقد تمكّنا من خلال دائرة العفو الضّريبي أن نجني مئات ملايين الدّولارات تحت خانة الضّرائب كما عدّدنا مصادر التّمويل لكنّ تحقيق ذلك كان صعباً جدّاً. أمّا بالنّسبة للرّكود فهذا يعتمد على تعريفك له، التّعريف الأساسي هو أن يحقّق البلد النّموّ خلال فصلين متتاليين ولكن مقارنةً بماذا؟ بالفصل نفسه من العام السّابق أو بالفصل السّابق، لقد شهدنا نموّاً ظاهراً خلال فصلين متتاليين، وأقول ظاهراً لأنّها حسابات مؤقّتة وقد يطرأ عليها بعض الأخطاء الإحصائيّة. ولكن نأمل أن نحقّق نموّاً طفيفاً في نهاية العام نرجو ألا تصبح الأمور أكثر تعقيداً. كما هي الحال الآن نستطيع أن نحقّق نموّاً محدوداً ولكنّه نموٌ بنسبة 0.4%، أكرّر يعتمد الأمر على تعريفٍ للركود ولكنّ البعض يتحدّث عن أزمةٍ وهي أخطر من الرّكود والحمد لله لم نشهدها بعد في الإكوادور ونأمل ألا نشهدها.

فيسانتي مونتاغود: لا يزال الإقتصاد يحقّق نموّاً إذاً تتمّ السّيطرة على التّضخّم...

رافاييل كوريّيا: تتم السّيطرة على البطالة ومستوى الفقر إلى انخفاض.

فيسانتي مونتاغود: هذا ما كنت أودّ السّؤال عنه، لا تزال تنخفض نسبة الفقر. هل من الممكن الإستمرار بسياسة الإستثمارات العامّة التي تتّبعها الحكومة في الإكوادور في هذا الإطار المعقّد؟

رافاييل كوريّيا: ما حصل هو أنّنا حقّقنا رقماً قياسيّاً في ما يتعلّق بالإستثمارات العامّة إذ لدينا النّسبة العليا في هذا الإطار بين كافّة دول أميريكا الّلاتينيّة ستبقى نسبة الإستثمارات العامّة مرتفعةً ولكن ليس كما كانت في السّابق ، إذ علينا أن نتكيّف مع الواقع الجديد لا أحد يستطيع أن ينكر هذا الأمر لكن يصل البعض وخاصّةً المعارضة للقول أن خفض الإنفاق العام هو الدّليل على أنّه كان هنالك هدرٌ في السّابق. على سبيل المثال هناك ربُّ عائلةٍ يوفّر الّلحم لأولاده ثلاث مرّات في الأسبوع وفجأةً خسِر عمله واضطرّ إلى تعديل نمط مصروفه فأصبح يوفّر الّلحم لأبنائه مرّتين في الأسبوع. فهل يعني ذلك أنّه كان يهدر أمواله في السّابق؟ هذا هو بإختصار المبدأ التي تستند إليه المعارضة وبعض وسائل الإعلام في إطلاق انتقاداتها وتحليلاتها بنزعتها التّبسيطيّة. نعم بالتّأكيد على الدّولة أن تتكيّف مع الواقع الجديد هناك مبدأ إقتصادي يقول إذا كانت هناك مشكلة أو صدمة مؤقّتة من الخارج كما هي الحال الآن فيجب مواصلة التّمويل، أمّا إذا كانت هذه المشكلة مستمرّة وطويلة الأمد فيجب التّكيّف معها والبناء على أساسها وهذا ما قمنا به عام 2016 فقد حضّرنا موازنةً تعتمد على إمكانيّة وصول سعر برميل النّفط إلى خمسةٍ وثلانين دولاراً أميريكيّاً في الأصول الأيديولوجيّة يعمد حتّى إلى شيطنة الإستثمار ، وهذا هو الفخ الذي يؤدّي إلى التّخلّف يقولون لا يمكن أن تستثمر الدّولة إلى هذا الحدّ لأنّ ذلك يؤثّر على الإقتصاد ويزيد من الإستيراد ، هذا يعني أنّه لا نستطيع أن نستثمر لأنّنا لسنا على مستوى المنافسة والعكس صحيح لن نكون أبداً على مستوى المنافسة من دون طرقات ومن دون طاقةٍ ومن دون تعليم هذه هي الحلقة المفرغة للتّخلّف التي يجب أن نكسرها لذلك علينا قبول تحدّياتٍ مدروسة وهذا ما قمنا به بطريقة ممتازة بالفعل. لكن صودف عام 2015 وجود عدّة عوامل لم يكن مقدّراً ان تحصل لكنّها حصلت وعلى الرّغم من ذلك كنّا على استعدادٍ تام لمواجهة هذه الأوقات الصّعبة.

فيسانتي مونتاغود: خلال العام المنصرم إنخفضت نسبة الفقر إلى 2.4% في الإكوادور. هل هناك هدفٌ ما ترغب بأن تحقّقه خلال 2016-2017 في هذا الإطار؟

رافاييل كوريّيا: هذا الموضوع مهمٌ جدّاً أقوله بصراحة لا لأنّنا نمرُّ الآن بفترة إنخفاضٍ في النّمو فقد قلنا ذلك مراراً وتكراراً وقد وثّقت ذلك كتابةً ليس النّمو شرطاً ضروريّاً ولا كافياً لتحقيق التّنمية ليس ضروريّاً إذ من الممكن تحقيق تحسّنٍ في مستوى العيش عبر توزيع أفضل للدّخل وعبر عملٍ جماعيٍ أحسن بفضل الإنتاج الذي تحقّقه الآن وبفضل توزيعٍ أحسن للدخل بإمكان أميريكا الّلاتينيّة أن تقضي على كافّة أشكال الفقر. أمّا بالنّسبة إلى مسألة أنّ النّمو ليس كافياً لتحقيق التّنمية فإذا كان النّمو مرتفعاً فهذا لا يعني أنّ الجميع يعيش أفضل ، لاحظنا في العديد من دول أميريكا الّلاتينيّة التي حقّقت نموّاً مرتفعاً أنّ نسبة عدم المساواة قد إرتفعت ممكن أن يؤدّي النّموّ إلى إفقار الشّعب ، الجميع يرغب بتحقيق النّمو شرط أن يكون نمواً مناسباً ويحسّن ظروف معيشة الفقراء. هذا هو نوع النّمو الذي حقّقناه في الإكوادور أمّا الآن فسوف نشهد إنخفاضاً في النّمو بسبب الظّروف الخارجيّة التي تؤثّر سلباً علينا ، لكن على مرّ السنوات التي مضت أنشأنا شبكات حماية للمواطنين الفقراء للحؤول دون تأثّرهم سلباً كما كان يحدث في الماضي. في الماضي عندما كنّا نواجه مشكلةً إقتصاديّة كان ثقل المصاعب كلّها يقع على كاهل الأشخاص الأكثر فقراً. كما أنّ هذا العام هو عامٌ صعبٌ جدّاً إذ أنّ نسبة 0.4% من النّمو ليست نسبة عالية لكن نسبة الفقر لا تزال تنخفض ، فقد أشار آخر استطلاعٍ للرأي إلى أنّ هذه النّسبة لقد إنخفضت مقارنةً مع السّنوات الماضية ، وقد أدّى هذا الإنخفاض بنسبة نقطتين، فقد وفّرنا التّعليم المجاني والرّعاية الصحيّة المجّانيّة بالإضافة إلى العديد من الخدمات الإجتماعيّة التي تساهم في حماية المواطنين الأكثر ضعفاً من هذه الصّعوبات الإقتصاديّة.

فيسانتي مونتاغود: لنتحدّث قليلاً عن الوضع السّياسي. أعتقد بأنّ موضوع هذا السّؤال هو من أهمّ المواضيع في الوقت الرّاهن، سألك الكثيرون عنه من قبل لكنّك لم تشأ أن تفصح عن الأمر. هل ستترشّح للإنتخابات الرّئاسيّة عام 2017؟

رافاييل كوريّيا: لا ليس الأمر كذلك لم أترك هذا الأمر غامضاً، بل أوضحت أنّني لا أريد أن أترشّح مرّةً أخرى للإنتخابات الرّئاسيّة، أريد أن أفسح في المجال لوجوهٍ جديدة ولكوادر جديدة لكنّ الوضع سيستمرّ كما هو وسنستمرّ بتحمّل المسؤوليّات الكبرى التي تقع على عاتقنا ومتابعة هذه المشاريع السّياسيّة التّاريخيّة التي تتعلّق بهذا التّغيير العميق الذي يحدث في قارّتنا الأميركيّة عمومًاً. لكن أقول لك بصدق وحسب تطوّر الأحداث وعلى الرّغم من عدوانيّة المعارضة التي نراها في كلّ مرّة أكثر عدوانيّة وأكثر عنفاً وبالرّغم من تواطئها الوقح مع بعض وسائل الإعلام المتفلّتة من كلّ شيء لا أعلم إذا سمعت مثلًا عن تظاهراتٍ كبرى مزعومة في الإكوادور فقد بلغ عدد الأشخاص الذين شاركوا في أكبر تظاهرة في كيتو خمسة آلاف شخص في مدينة يبلغ عدد سكّانها مليونين وخمسمئة ألف نسمة، فلولا وسائل الإعلام لما كانت هناك تظاهرة احتجاجٍ أساساً إذ إنّهم يقبلون الحقائق كلّها، إنّهم منقسمون جدّاً لدرجة أنّه ليست هناك أيّ شخصيّة في المعارضة قد تنتزع منّا مناصب الرّئاسة في عام 2017، لذا أعتقد أنّ أيّ مرشّح آخر من تحالف البلاد "اليانساباي" سيقودنا إلى الفوز أعتقد أنّ المعارضة تخطّط للسّيطرة على المجلس النّيابي لأنّهم لطالما لجأووا إلى هذه الطّريقة لإبتزاز الحكومات المتتالية. أعتقد أنّ الخلاف سيتركّز في المجلس النّيابي، يمكن أن أكنم مخطئاً لكن أقول لك بصدق وراحة وبحسب مجرى الأمور لن يكون ضروريّاً أن أترشّح، لم أرغب بهذا المنصب قط فقد كان بمثابة جهدٍ دائم. لا أوّد أن أبدو وكأنّني ضحيّة لأنّني واقعاً عملت في هذا المنصب بسعادة عارمة وبحبٍّ كبير لوطني، لكنّ هذا الأمر متعبٌ ويتطلّب تضحيات ويجب أن نفسح في المجال للأجيال الجديدة وأعتقد أنّ كلّ شيء ممكن في عام 2017 بإمكاننا تحقيق الفوز من دون أن يكون رافاييل كوريّيا مرشّحاً. أمّا الصّراع الأكبر فسيكون في المجلس النّيابي.

فيسانتي مونتاغود: يحدث في الإكوادور شيء على غرار ما يحدث في باقي الحكومات التّقدّميّة في المنطقة. ما هو السّبيل الى تحقيق التّقدّم في الإدارة من دون الوقوع في حال من الحصار مع وجود هذه المعارضة القاسية إلى هذا الحد؟ كيف تقومون بذلك؟

رافاييل كوريّيا: جمودٌ من أيّ ناحية؟

فيسانتي مونتاغود: أقصد، كيف تتفادَون أن تحاصركم هذه المعارضة القاسية في هجومها المستمرّ عليكم؟ هذا أمرٌ تعانيه أيضاً دولٌ كفنزويلا وبوليفيا.

رافاييل كوريّيا: نحن نواجه معارضةً قاسيةً جدّاً، هو أمرٌ طبيعي فنحن لسنا ضدّ الديموقراطيّة بل على العكس نحن نرحّب بالمعارضة الدّيموقراطيّة ولكن ليته كانت هناك معارضةٌ ديموقراطيّة. على الأرجح سمعت الأصوات التي تصاعدت من التّظاهرات التي جرت في تمّوز أو آب لم تكن تنادي بتغييرٍ سياسي بل كوريّيا إرحل ، هناك مجموعةٌ من الأشخاص الذين ينتمون لا فقط إلى البرجوازيّة بل أقول إنّ هناك يساريّين متطرّفين يعملون كجزءٍ من البرجوازيّة وقد اعتادوا تغيير حكوماتٍ على مزاجهم، قبل هذه الحكومة كانت الحياة السّياسيّة في الإكوادور محكومةً بمجموعاتٍ ذات نفوذٍ كبير، نفوذ أمرٍ واقع أنا أتحدّث عن مجموعاتٍ من السكّانٍ الأصليّين، اليساريّين المتطرّفين الذين كانوا يسيطرون على قطاع التّربية والتّعليم مجموعاتٍ من المصرفيين الذين يسيطرون على القطاع المالي من رجال الأعمال، أصحاب الشّركات الضّخمة كانوا يسيطرون على قطاع الأعمال. بالإضافة إلى مجموعاتٍ إعلاميّة كانت تراقب الإعلام عامّة. لم يكن بإستطاعة هذه المجموعات منفردة أن تحكم وأن تتقدّم بالبلاد من خلال مشروعٍ وطني لكن كان بإستطاعتها تعطيل عمل الحكومة أو أي مشروع وطني وهذا ما نسمّيه حق النّقض الفيتو ، وقد خسرت هذه المجموعات حقّ النّقض هذا من خلال ثورة المواطنة وتريد الآن استيعادته ، لذلك نرى في التّظاهرات في الشّوارع اليمين المصرفيّ المتطرّف، حتّى الأحزاب اليساريّة المتطرّفة التي هي ضدّ المصارف والضّريبة المضافة كانت معاً في التظاهرات بهدف زعزعة استقرار الحكومة وفي محاولة لإستعادة حقّ النّقض هذا الذي كانت قد خسرته. إذ إنّهم يعلمون أنّ ليس بإستطاعتهم أن يتولّوا الحكم هذه هي طبيعة الحياة السّياسيّة في الإكوادور ليست هناك معارضةٌ ديموقراطيّة هم يريدون زعزعة استقرار الحكومة، هناك مواجهةٌ مستمرّة وقد ازدادت حدّتها خلال الأشهر الماضية لأنّنا قبل عام من الإنتخابات يحاولون إنهاك الحكومة قدر المستطاع من أجل إضعافنا في الإنتخابات المقرّرة في بداية عام 2017 لمحاولة تسجيل بعض النّقاط الإضافيّة. لكن لا يَنخَدِعَنَّ أحد ما يريدونه حقيقةً هو تجنّب حصول هذه الإنتخابات لأنّهم يعلمون أنّهم سوف يهزمون ، لذلك يقومون بزعزعة الحكومة. لا أحد يعترض على المعارضة الديموقراطيّة بل على العكس نحن نرحّب بها، لذلك فإنّ غياب هذه المعارضة الدّيموقراطيّة الحقيقيّة له أثرٌ كبيرٌ جدّاً خاصّةً في دولٍ مثل الإكوادور وفنزويلا وبوليفيا والأرجنتين، لدينا معارضةٌ متآمرة تسعى إلى زعزعة الإستقرار بالتّواطؤ مع وسائل الإعلام.

فيسانتي مونتاغود: مع خواتيم هذه الحلقة أودّ أن أطرح عليك سؤالًا إضافيًاً. كانت السّنوات العشر الفائتة صعبةً بالنّسبة لأميريكا الّلاتينيّة مع كلّ ما واجهته من محاربة الفقر والأميّة وإلى آخره. هناك انتخاباتٌ مهمّة في فنزويلا وستجري الدّورة الثّانية من الإنتخابات في الأرجنتين. كيف ترى السّنوات المقبلة في أميريكا الّلاتينيّة؟

رافاييل كوريّيا: أرى أنّ هناك ردّ فعلٍ مذهلاً من قِبل المحافظين ما يجري الآن مختلفٌ عما كان يجري في السّنوات الماضية حيث كانت ردود الفعل مفكّكةً من ناحية الإستراتيجيّات المتّبعة، أمّا الآن فهي أكثر ترابطاً على الصّعيدين الوطني والدّولي مع استراتيجيّات واضحة وهجومٍ ممنهج في شبكة التّواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام والشّوارع وفي مستخدمي أسلوب المقاطعة في القطاعات الماليّة وقطاع الأعمال ، بالإضافة إلى حروبٍ إقتصاديّة وحروبٍ نفسيّة إلى آخره. ليس هناك أيّ شيء جديد بالنّسبة لتاريخ أميريكا الّلاتينيّة. لنتذكّر ما الذي حدث لآلندي في تشيلي، هذه وصفات معروفة جدّاً ومن غير المسموح أن ننساها يجب أن نتعلّم من التّاريخ لكن علينا مواجهة الظّروف الجديدة. لا نزال نمتاز بدعمٍ كبير من شعوبنا لكنّ هؤلاء يملكون نفوذ الأمر الواقع وبإستطاعتهم إثارة ضجيجٍ عارم على الرّغم من أعدادهم القليلة، كما تطقطق حبّة الجوز رغم قلّة عددها، وعلى الأرجح ربّما يسبّبون ضرراً كما يحدث في البرازيل والإكوادور وفنزويلا إلى آخره. علينا مواجهة الظّروف الجديدة وسنتمكّن من ذلك من خلال وحدة شعوبنا ومن خلال التّنسيق بين الشّعوب التّقدّميّة واعتماد مواقف مشتركة في وجه محاولة استعادة المحافظين لنفوذهم والرّجعيّة التي تريد أن تعيدنا إلى الوراء.

فيسانتي مونتاغود: ليس لدينا المزيد من الوقت، شكراً جزيلاً سيّدي الرّئيس رئيس البلد الأكثر تنوّعاً في العالم كما ذكرت البارحة في قمّة الدّول العربيّة ودول جنوب أميريكا، شكراً جزيلاً لك.

رافاييل كوريّيا: كما يُقال في العادة الأرجنتينيّون مسرورون لأنّ البابا أرجنتيني الأصل، وعندما علمت رئيسة البرازيل أنّ البابا أرجنتيني قالت إذا كان البابا أرجنتينيّاً فإنّ الله في البرازيل، أمّا الإكوادوريون فيقولون صحيح أنّ البابا أرجنتيني ومن الممكن أن يكون الله في البرازيل لكن كن على ثقة أنّ الجنّة هي الإكوادور، لذا أهلًا وسهلًا بكم في الإكوادور.

فيسانتي مونتاغود: رافاييل كوريّيا رئيس جمهوريّة الإكوادور مؤيّدٌ صلبٌ لمبدأ خفض إنتاج النّفط لتحقيق استقرار الأسعار، يؤكّد أنّه أنجز معجزاتٍ إقتصاديّةً في ظلّ العاصفة المثاليّة ويعتقد أنّه ليس ضروريّاً أن يترشّح مرّةً جديدةً في الإنتخابات الرّئاسيّة المقبلة. كنتم مع مقابلةٍ حصريّة مع رافاييل كوريّيا لقناة تيليسوور، شكراً للمتابعة.