مستقبل الجماعات المسلحة في إدلب السورية

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكُمُ وجعل الجنّة مثواكم.

تحوّلت مدينة إدلب السورية إلى جغرافيا محتلة من قبل الجماعات الإرهابية التي عاثت فيها فساداً وجعلت عاليها سافلها. فمن جبهة النصرة التي لجأت إلى التمويه حتى تغطّي انتماءها لتنظيم القاعدة، وأصبحت تُعرَف بهيئة تحرير الشام، إلى جيش البادية والملاحم، والحزب التركستاني الإسلامي، إلى داعش الموجودة في بعض الأطراف، وإلى الجماعات الأخرى كأحرار الشام وحركة نور الدين زنكي وجيش الأحرار وفيلق الشام وجيش العزة وفصائل أخرى، أصبحت إدلب كشكولاً للجماعات المسلحة والمتضاربة نهجاً ومساراً وتفكيراً ومسلكيّةً.

وللإشارة فقد تم ترحيل 1400 مسلح من داريا و1000 مسلح من المعظمية و2000 مسلح من قدسية والهامة و1500 مسلح من التل إلى إدلب، بالإضافة للمئات من حي الوعر الحمصي وحي القدم والعسالي بريف دمشق، ليصبح مجموع من تم ترحيلهم من حملة السلاح والخارجين على الدولة إلى إدلب ما يقارب 6000 مسلح مع عوائلهم. وتُعتبَر إدلب أولى المحافظات السورية التي سقطت بأيدي المسلحين الذين قتلوا فيها روح الدولة والمواطنة، ونشروا فيها شريعة الغاب بدعمٍ أميركيٍ تركيٍ خليجي.

وإذا كانت سياسة حصر الجماعات المسلحة في الشمال السوري مجدية استراتيجياً لوضع الجميع بين فكّي كماشة، غير أن المخاطر تبدو كبيرةً إذا استغلّ الأميركي والتركي ورقة الجماعات المسلحة لتكريس أجنداتٍ جديدة في الشمال السوريّ. كما أنّ الرهان على المصالحة مع هؤلاء المسلحين قد لا تكون مجدية، لأنّها ليست على قلب رجلٍ واحد، ولا منهجٍ فكريٍ واحد، وكلّ فريقٍ يتبع أجنداتٍ إقليمية ودولية متضاربة. ويبقى القول إنّ هذه الجماعات في إدلب ستصبح أكبر مهدّدٍ للأمن القومي السوري خصوصاً إذا تضخّمت أطماع تركيا الأردوغانية واستغلّ أردوغان صلاحياته الواسعة للبحث عن أطماعه القديمة والجديدة في سوريا.

مستقبل الجماعات المسلحة في إدلب السورية عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من سوريا الحبيبة القاضي والأستاذ عمار بلال رئيس محكمة الإرهاب سابقاً، وعضو لجنة التشريع في وزارة العدل السورية، ومن مصر الحبيبة المفكّر العربيّ المعروف الدكتور رفعت سيّد أحمد الذي كتب الكثير من الكتب والدراسات عن داعش والجماعات الأصولية المسلحة.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

أستاذ القاضي عمار بلال، أبدأ معك لكونك كنت على اطّلاعٍ واسع على ملفات عناصر الجماعات المسلحة في سوريا. لماذا إدلب على وجه التحديد؟ من اختار هذا المكان؟ ومن حدّده؟ ومن جعل هذه الجغرافيا كشكولاً لمعظم الفصائل التي قاتلت الدولة السورية؟

 

عمار بلال: أولاً مساء الخير لك ولضيفك الدكتور رفعت ولجميع مشاهدينا ومشاهدي قناة الميادين، ولا بدّ من توضيح بسيط، أنا كنت رئيساً للنيابة العامة لمحكمة قضايا الإرهاب، المدّعي العام لجرائم الإرهاب، بهذا التفصيل.

بالنسبة لما تفضّلت به، من اختار هذه الوجهة؟ اختارتها الظروف والمصالح والمشغّلون، بمعنى أنّ من أراد أن يفهم ما يحصل وما سيحصل، لا بدّ له حقيقةً من إدراك جيّد للواقع، من إدراك جيّد لما حصل حتى في الزمن السابق، ما قبل الحرب على سوريا، طبعاً المشغّلون مع تنوّعهم، كما ذكرت حضرتك أن هناك كشكولاً للمصالح الخارجية، هي الدافع الأساسي لهذه الجماعات وهذه العصابات. وبالتالي من هذا المنطلق نستطيع أن نتفهّم الوجهة التي يمكن أن يتجّه إليها المسلحون بشكل عام. لذلك تجد من بداية الحرب على سوريا أن الحدود هي كانت الملاذ الأساسي للحركات التخريبيّة والإرهابيّة في الجمهورية العربية السورية.

طبعاً حدود لبنان كانت عصيّة، وثبت ذلك من خلال الانتصار الذي تحقّق في عرسال وجرودها والقلمون بشكل عام. أيضاً تعلم وضع الأردن الحرج للغاية، ومحاولات الأردن اللعب على الحبال بالأزمة السورية قدر الإمكان، فليس من طاقة الأردن أن تكون داخلة بشكل علني. أيضاً العراق، وهو الذي يشارك سوريا في حربها على الإرهاب، فبالتالي كان عصياً عليهم الانتقال إلى هناك. يبقى الشمال السوري. الشمال السوري، حدود طويلة، مع وجود محرّض ومحرّك أساسي لهذه الحرب ألا وهو تركيا الأردوغانية. طبعاً تركيا الأردوغانية كانت تمثل قبلة لهذه التنظيمات في ما إذا أردنا أن نقصر تفكيرها الأيديولوجي وعلى أي أساس وجدت، وكيف تشكلت، وهي ستعطيك الجواب الدقيق لهذا العشق الأردوغاني يتلاقى. هذا العشق مع أردوغان أيضاُ بالمقابل مع عشق أردوغان السلطوي.

لا بدّ من ذكر قضية جداً مهمة دكتور، وربما من النادر أن نسمع لها، أنه في عام 2023 يعتبر الأتراك أنهم أحرار وأن يدهم أطلقت من اتفاقية لوزان المقيدة للدولة العثمانية، ولذلك إذا نظرت إلى الحراك التركي بكافة أشكاله، ترى أنه يتجه نحو إعادة ما كبلته اتفاقية لوزان. فتركيا تصرّح حالياً أو أردوغان يصرّح أنه سيفتح قناة، أي بمعنى أنّ ما قُيّد به في مضيق الفوسفور سيعيد له الحرية، سيعيد التنقيب عن النفط، وأيضاً أطماع أردوغان تتجه نحو إعادة الاحتلال العثماني للمنطقة العربية، وهذا الاحتلال كما يعلم الجميع بدأ من الشمال السوري. فلذلك ترى أن اللاعب الأساسي حالياً في إدلب هو المخابرات التركية. صحيح أن هناك عدة مخابرات إلا أنّ المخابرات التركية تتواجد بشكل فاعل وقوي.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عمار، دعني أتوقف عند هذه النقطة، المخابرات التركية ودورها في الشمال السوري، لأنتقل إلى مصر الحبيبة.

دكتور رفعت، صدر كتاب قبل فترة وجيزة عن معهد واشنطن لدراسة سياسات الشرق الأدنى بعنوان "لماذا استمر تنظيم القاعدة بعد ظهور داعش"، وهذا الكتاب شاركت في وضعه مجموعة من كبار الباحثين في هذا المعهد المذكور، وفيه يشير إلى أنّ جبهة النصرة، يعترف الباحثون ومعظمهم كما تعلم من الاستخبارات الأميركية، أنّ جبهة النصرة هي القاعدة عينها، غيّرت المسمّى لكن هي قاعدة.

إذاً تركيا حليف للمخابرات الأميركية، عضو في حلف الناتو، مكرّسة لأجندات أميركا.

هل يمكن القول إنّ القاعدة في الشمال السوري وأخواتها تحت رعاية أميركا أيضاً؟

 

رفعت سيّد أحمد: شكراً دكتور يحيى، وتحيّة لك وللأستاذ الفاضل عمار بلال وللسادة المشاهدين.

أنا أعتقد أن القاعدة منذ نشأت وهي في رعاية أميركية. ليست القاعدة فحسب، بل كل تلك الجماعات التي تنتسب زوراً إلى الإسلام وهي كما قلت في مواقع أخرى، هي جماعات وظيفية وليست جماعات إسلامية، أي هي بمن وظّفها ويوظّفها وسيظلّ يوظّفها لمصالح، لأجهزة مخابرات ودول تأتي الثالوث الإقليمي القطري السعودي التركي، ثمّ الأميركي والإسرائيلي على رأسهم. ما يجري في إدلب، وتواصلاً مع ما تفضل به الأستاذ بلال، هو توظيف لهذه الجماعات، وهي جاءت إلى هذه المنطقة، وهذه إجابة جزئية تضاف إلى إجابته الموسّعة المهمة، جاءت إلى هذه المنطقة لأنّ المزاج العام للجماعات والأيديولوجيا العامة لهذه الجماعات تتوافق في خطوطها العريضة مع بعضها البعض، فجاؤوا إلى من يفهمهم أو إلى من يتماشى معهم، كلّ من خرج مسلحاً من منطقة ذهب إلى هذه المنطقة، محافظة إدلب إجمالاً ومدينة إدلب على وجه الخصوص لأنه وجد إخوته هناك. طبعاً سنشاهد بعد قليل مسرحية أو قصة أو رواية دوستويفسكي، صراع الإخوة أو الأخوة الأعداء، سنشاهدها حتماً، وهو ما تنبّأ به حتى الرئيس بشّار الأسد في حواره الأخير مع إحدى الفضائيات الروسية، أنّ هؤلاء حتماً سيتحاربون، والمحرّك الذي تحدّثنا عنه، الأميركي دولياً والإسرائيلي معه، والإقليمي، الثالوث التركي والقطري والسعودي، سيتصادمون هنا.

بدأت الصدامات طبعاً في عفرين مع العمالة، بعض العملاء الكرد الذين شغّلتهم أميركا في صِدام مع التركي، ثم ستمتد إلى إدلب حتماً. أضف إلى ذلك السبب الآخر، أنّ الجيش السوري، العربي السوري، عندما واجه هذه المؤامرة الممتدة عبر سبع سنوات، التي تعجز جيوش دول عظمى، وليس دول إقليمية.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، صحيح.

 

رفعت سيد أحمد: هذا الجيش الذي ينبغي أن توجَّه له التحية الدائمة والمستمرة على مواجهة معركة ينوب فيها عن مصر، والعراق، وعن دول الإقليم إجمالاً، هي معركة أمّة وليست معركة جيش ودولة وحدها، هذا يجب أن يرسخ في عقل وفي ذاكرة المشاهد العربي تاريخياً.

هذا الجيش وجد خلال السبع سنوات أنّ تعدّد الجبهات التي قاتل فيها تؤدّي بالتدرّج إلى نوع من التشتيت، التشتيت العسكري، فتسهيل خروجهم، وكان ممكناً أن يمنعهم، تسهيل خروج هؤلاء المسلحين إلى منطقة واحدة يسهّل المعركة القادمة. وبالمناسبة، هي معركة ستهب عاصفتها أو هواؤها المنعش من بلدٍ في الأرامية، إدلب، تسمّى إله العاصفة وتسمّى في الأرامية الهواء المنعش للقلب. فأظن أن العاصفة بالترادف قد تأتي لإنعاش القلب السوري لإنهاء هذه التشكيلة الإرهابية التي هي تحتلّ إدلب وليست تتواجد في إدلب.

ومن هنا فمستقبلهم مؤكد، خاصةً مع ظهور صراعات وخلافات بين المشغّلين والذين وظّفوهم منذ سنوات، وبينهم وبين بعضهم البعض. هذا ما سنتوقّعه خلال المراحل القادمة.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عمار، بالنسبة للصراعات التي أشار إليها الدكتور رفعت، هي بالفعل تماثلت، ورأيناها بين جبهة النصرة وداعش من جهة، بين جبهة النصرة وجيش الإسلام من جهةٍ أخرى، وهنالك أيضاً صراعات ثانوية بين فصائل أخرى.

لكن هل يمكن أن تتوحّد أو توحّد إقليمياً ودولياً هذه الجماعات لتهدّد مجدّداً الأمن القومي السوري؟

 

عمار بلال: بالتأكيد، لنجيب عن هذا السؤال، لا بدّ لنا من أن نرى ماذا حصل في الفترة الماضية من محاولة، فعلاً كانت هناك محاولات لتوحيد الفصائل المسلحة، لكن ما يستحيل توحيدها، على الأقلّ فعلياً، هو تنوّع المشغّلين. تحت الشعار العريض هم جماعات إسلامية تريد إقامة الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية وما شابه. من كان يدّعي أنه من ينضوي تحت شعار أنه يطالب بالحرية، ترى أنه انقرض تماماً، ولم يعد لهم وجود، وبالتالي ما يظهر لنا أنّ هذه الجماعات الإرهابية أوجدت لنفسها وحدة وهميّة، ألا وهي ما يسمّى الوحدة الإسلامية، لكنّها حقيقةً تتنوّع بالتبعيات، سواء الشخصية أم تبعيات المشغلين. ولذلك كما تمّ ذكره سابقاً، وجدنا أن الأميركان لم يستطيعوا إيجاد حلول لمعادلة دعم الكرد فرضاً مع مسايرة المجموعات التركية. تركيا لم تستطع أن تتوافق التي تتلقى دعماً مباشراً من السعودية، وهذا الأمر كان واضحاً وجلياً، وخاصة بعد ظهور وتمظهر الخلاف السعودي القطري، الخلاف السعودي التركي. وبالتالي هناك استحالة حقيقية لقارئ الوضع ولمن يعلم طبيعة هذه المجموعات، أن تتوحد رغم كل الجهود، وأنت تعلم والجميع يعلم كيف أن جبهة النصرة حاولت من خلال هيئة تحرير الشام أن توجد لنفسها هيئة موحّدة، إلا أنّ هذه الهيئة أيضاً اصطدمت مع جبهة تحرير سوريا التي أوجدتها المخابرات التركية بشكل تقني عالٍ، ونجد أيضاً أنّ جبهة تحرير سوريا عانت من انشقاقات واتجه البعض إلى جبهة النصرة بمسمّاها الجديد.

إذاً كل ما يشير الواقع الحالي والأيديولوجي لهذه المجموعات، يعطينا قراءة بسيطة جداً على أنها تتوحّد وهماً وتنفصل واقعاً، وهذا كما ذكر أيضاً الدكتور رفعت قبل قليل، أن الأمر المحتم والجميع، ولا أعتقد أن هناك عاقلاً إلا ويعلم طبيعة هذا الصراع، لأنّ القطعان أخي وصديقي دكتور يحيى، من طبيعتها أن تتصرف بغريزيتها رغم وجود هذا الراعي الخبيث الذكي، فلا بدّ لها من أن تتفلّت، وخاصةً إذا كانت بشراسة وبهائمية هذه المجموعات.

فلذلك النتيجة الطبيعية والمنطقية والعقلية أن صراعاً مقبلاً، والجميع يعلم حتى أن عودة داعش من خلال بعض الأطراف ومهاجمة سراقب وكفر نبل تشير أيضاً إلى هذا المؤشر كشكل واقعي مقبل حقيقة. لا يمكن أن نستطيع أن نقول إنها لن تتقاتل، وهذا ربما سيكون أمراً جيّداً عندما يتفرّغ الجيش العربي السوري لإطلاق، كما أحبّ أن يسمّيها الدكتور رفعت، العاصفة أو الريح الطيب لعودة سوريا الحبيبة كما كانت سابقاً.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عمار، أنتقل إلى الدكتور رفعت.

دكتور رفعت، زرت حلب بعد تحريرها، ومن طريف ما رأيته وما أكثر الأسرار التي اطّلعت عليها أن المسلحين برمّتهم في حلب كانوا يعطفون على شخص متسوّل فقير، كلما يمرّون به يعطونه رغيفاً، يعطونه تفاحة، وعندما تحرّرت حلب قام هذا الرجل، نفض غبار الفقر وإذا به ضابط في الجيش العربي السوري.

إلى أيّ مدى العقل الأمني السوري قادر على التغلغل واختراق الجماعات الأصولية المسلحة في إدلب، وبالتالي بات لديه بنك معلومات متوافر وقادر على أن يوجّه الضربة في اللحظة المناسبة، وأنت تعرف أن العقل السوري يتميز بالنفس الطويل الطويل الطويل؟

 

رفعت سيّد أحمد: طبعاً، من المؤكد أن الدولة السورية وليس فحسب الجانب الأمني في الدولة السورية، لو لم تكن متناغمة في ما بينها وقوية وقادرة على امتصاص كلّ هذه المؤامرة الدولية، الكونية عليها، لما نجحت، لما حرّرت، مع كل التقدير للحلفاء طبعاً من إيران وحزب الله وروسيا، إلا أنّ كل بنائهم جاء على بنية الدولة السورية، ومدى قدرتها وتناغمها وتوزيع الأدوار في ما بينها في هذه الحرب الطويلة عليها. ومن هنا، هذا الحلف الكبير والذي قاعدته هي الدولة السورية، قادر بالقدرة المعلوماتية، على أن يذهب إلى إدلب، وسيذهب، لأن حتى في حوار الرئيس بشّار الأسد الأخير، قال، وينبغي أن نقرأه بدقة، هذا الحوار مهمّ للغاية، لأنه يرسم خريطة إدلب المستقبلية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور رفعت، عفواً، حتى لا أقاطع أفكارك، أمضي إلى فاصل قصير وأعود إليك مباشرة.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

لماذا استمرّ تنظيم القاعدة بعد ظهور داعش؟

تُعَدّ جبهة النصرة أو جبهة فتح الشام بغضّ النظر عما تسمّي نفسها أكثر قدرةً وتهديداً وخطورة من داعش على المدى الطويل، خاصة أنها تنشر عن نفسها بأنها التنظيم الأكثر اعتدالاً ومقبولية من داعش، ممّا يجد انتشاراً واسعاً وقبولاً من المواطنين العاديين الذين كرهوا ممارسة داعش.

استراتيجية الظواهري خلال هذه السنوات الأربع كانت أكثر ملاءمة وأوسع نطاقاً لإعادة بناء التنظيم داخل سوريا والعراق. ففي الوقت الذي كان فيه اهتمام قوات التحالف منصبّاً على مواجهة داعش وتوجيه كل الضربات ضد التنظيم، كانت القاعدة تعيد بهدوء قوّتها العسكرية وتخبّئ قنابلها في المخابئ الجديدة مدعومة بغطاء شعبي لأنها مدعومة وعلى نقيض من تنظيم الدولة الإسلامية.

تعود أهمية سوريا بالنسبة للقاعدة لأنها من أكثر البلدان التي انتقل إليها عددٌ كبيرٌ من قيادات القاعدة التي عاصرت بن لادن ومنهم موشين الفضلي أحد أصدقاء بن لادن المقرّبين، والذي كان حتى قبل مماته في إحدى الغارات الجوية للولايات المتحدة الأميركية في 2015 يقوم بإعداد نخبة القاعدة وإرسالها إلى خراسان، لينتقل بمجرّد تكوين البنية التحتية في سوريا الحاضنة لاستقبال عناصر ومقاتلين من القاعدة القادمين من خرسان.

فمثلاً كان حيدر كركان، وهو مواطن تركي وقائد كبير في القاعدة منذ زمن بعيد تمت إعادته إلى وطنه عام 2010 بتوصية من أسامة بن لادن نفسه، وكانت أوامر لكركان هو بناء بنية تحتية في سوريا لتسهيل حركة أفراد القاعدة الرئيسيين وبناء المخابئ والملاذات الآمنة لهم.

في أواخر عام 2015، قام الظواهري بإرسال سيف العدل إلى سوريا وهو القائد الأعلى للقوات والأكثر خبرةً في ميدان المعارك، قام بإرساله إلى سوريا من أجل الإشراف على مصالح التنظيم هناك، وتأسيس هيكل التنظيم في سوريا مع المتابعة مع القيادة الأمّ. ولذلك فهي الآن في وضع جيد نسبياً خاصة بعد الخسائر الإقليمية لداعش، وبالتالي فإن الفرصة سانحة لاستعادة مكانتها لتكون في طليعة الحركات السلفية الجهادية، خاصة أن داعش لم يعد بمقدوره التنافس مع التنظيم العجوز من حيث التأثير والوصول والقوى العاملة والتماسك.

 

المحور الثاني

 

الأزمة السورية وثقافة التكفير الإرهابي

يتطرق الكتاب عبر فصوله إلى الهوية الوطنية والأزمة السورية وملامح ثقافة تكفير الإرهابي ومواجهتها، وداعش التنظيم الإرهابي الأخطر، ومعركة العنف والوعي والخروج من الأزمة.

ويقول المؤلف الدكتور حسين جمعة، بمثل ما نجحت الدولة السورية في مواجهة ثقافة التكفير الإرهابي التي قادتها تياراتٌ إرهابيةٌ متأسلمةٌ برعاية الدوائر الصهيو أميركية ونجحت في معركة الصمود البطولي والصبر والتحمل الرائع، وقاتل جيشها وشعبها قتال الشرفاء الشجعان الصادقين، سوف تنجح في إعادة البناء والإعمار وبناء الإنسان والمؤسسات وإعادة تجديد البنية التحتية من خلال ابتكار أساليب مستحدَثةٍ يعمل السوريون يداً بيدٍ لإنجازها في إطار الانخراط في عجلة الشراكة الوطنية للإسهام من جديد في التقدّم البشري.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. من أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع مستقبل الجماعات المسلحة في إدلب السورية.

دكتور رفعت، كنت تتحدّث عن سيادة الرئيس الدكتور بشّار الأسد، فأوقفتك. تفضّل.

 

رفعت سيّد أحمد: في حواره الأخير مع فضائية "a r t" الروسية، أرسل الدكتور بشّار الأسد عدة رسائل واضحة. أبرز تلك الرسائل أننا لن نفرّط في ذرة تراب سورية، وأنّ إدلب هي درّة هذا التراب السوريّ، ولن نفرّط فيه، ومن هنا نعلم أن ثمة استراتيجية قادمة للدولة السورية ستذهب إلى إدلب حتماً، لكن بحكم ما أشرت إليه أنت بالفعل، هناك أولويات في الجنوب الآن تتم، إن شاء الله الانتصار فيها، في درعا وحولها.

هناك أولويات تمت الحمد لله بتأمين دمشق وغيرها، المعارك الفرعية في نهاياتها، ثمّ بعد ذلك نأتي إلى المعركة الكبرى. هذه المعركة الكبرى علينا أن نقول إنه في الطريق إليها، سواء بعد أيام أو بعد شهور، ستكون هذه الجماعات في حروب في ما بينها أو على الأقل في قتل كما جرى إشارات منه في ما بينها.

لماذا؟ لأن المعطيات تقول نحن أمام 59 جنسية لمقاتلين يصل تعدادهم في بعض الروايات إلى 50000 وبعض الروايات الأخرى 20000، وأننا أمام 128 فصيلاً مسلحاً، في إدلب، أنا أتحدّث هنا عن إدلب.

القوة الرئيسية فيها متصارعة على المال وعلى المناطق، وليس على الدين، على المال الذي يأتي من باب الهوى، من قبل البضائع المهرَّبة مع التركي، لأن لا عقيدة لهم، هؤلاء لا سقف لهم ولا صديق ولا عقيدة حقيقية لهم.

فهذه الجماعات التي ستتصارع في ما بينها، هناك معطيات حقيقية تؤدي إلى هذا الصراع، منها الاختلاف الأيديولوجي أو الخلاف في الجنسيات والانتماءات، الخلاف التنظيمي، الخلاف المناطقي، بعضهم من مناطق مختلفة، الخلاف بين أجنبي وسوري، وأجنبي وعربي، الخلاف على المال. هذه الخلافات بين 128 فصيلاً، أية قراءة موضوعية تقول لك إنها ستؤدّي إلى صراعات.

الدولة السورية بصبرها وبذكائها أيضاً وبأولوياتها ستترك الأمر يمهد ثم تصبح اللقمة سائغة وتعود إدلب مطهَّرة من أجناس هؤلاء إلى حضن الوطن، إلى أحضان أوطانها.

 

يحيى أبو زكريا: ونكون عندها أمام الانتصار المدوّي الذي سيُعلَن عنه في سوريا العربية إن شاء الله.

أستاذ عمار، إلى أي مدى يُحدِث الخلاف القطري السعودي صراعاً بين الجماعات الأصولية المسلحة في إدلب؟ هل سيؤدّي تأجّج الخلاف بين الدولتين الخليجيتين إلى مزيد من التطاحن بين هذه الجماعات التي كانت دوماً في خدمة الإرادات الغربيّة والأعرابيّة أيضاً؟

 

عمار بلال: نستطيع أن نقول إنّ خلاف الأشرار أمرٌ جيّدٌ للأبرار، لكن حقيقةً، أنت تعلم والجميع يعلم ماذا يشكّل السعودي وماذا يشكّل القطري، وما هم حقيقة على الأرض. هم عبارة عن أداة أخرى أميركية، وهم كما قلت غير خجولين بذلك، وهذا أمر معروف. بكل الأحوال، هذا الخلاف من دون أدنى شك مفيد كما قلت لك، لكن ما يظنّ البعض أنّه مؤثر جداً، أعتقد أنه ليس العامل الأساسي.

أنا أحبّ أن أكمل أو أتمّ ما كنتم قد ذكرتموه وما ذكره الدكتور رفعت، لتوضيح نقاط هذه المجموعات والخلاف بينها وعوامل الخلاف. مثلاً عندما نتكلّم عن جيش الإسلام التركستاني، فأنت تتكلّم عن فصيل حالياً أغلب قادته تسعى إلى تأمين خروجها وفرارها إلى تركيا ومنها إلى دول أخرى. هذا أمر أيضاً يجيب على سؤالك الأول، لماذا كانت إدلب قبلة المسلحين؟

دكتور، لا بدّ لنا من الوقوف حقيقة أيضاً على العامل الشخصي للإرهابي، لأنه في هذه الفترة ظهرت مهنة الإرهابي، تعلم كانت الدول الاستعمارية تستغل ما يسمّى المرتزقة، الآن ظهرت مهنة الإرهابيّ، كثير من الناس تجنّدوا تحت هذه المهنة. طبعاً هناك أقنعة وستائر يتم استخدامها لتضليل الرأي العام ولجذب الشباب وما شابه، وهذا حضرتك أوسعته بحثاً في كثير من حلقاتك، وتمّ تناوله بشكل عام في كثير من القنوات.

إذاً، إذا أدركنا أنّ مهنة الإرهابي أصبحت مهنة واقعية وخضعت حقيقةً في سوريا إلى نظرية العرض والطلب، ووجدنا كيف أن الكثير من الفصائل تبدّل موقفها وفقاً لمن يموّلها ويدفع لها، هذا يعطينا سبباً ومنطقاً لرؤية اتجاه هذه العصابات المسلحة نحو إدلب ومحاولة إيجاد موطئ قدم آخر، كما قلتم أن هناك من يريد أن يكون له أخوة في الضلالة، لأنه ما زال تحت تأثير فكرة الجهاد، وهذا أمر لا نستطيع إغفاله. هناك أيضاً من يدرك تماماً أنّ هذه المهنة تحقق له مصدر رزق وفيراً وأموالاً كبيرة، ولذلك كما سمعنا مؤخراً، أن البويضاني قد أصبح يقاتل في اليمن، أي أنه بحث عن مكان آخر يستطيع أن يقيم فيه زعامة محلية ويزيد من دخله الدولاري.

أيضاً لا بدّ لنا من أن نقول إن إدلب وموقعها دكتور، مهم جداً. إدلب، تعرف أنت، هي حالياً في الشمال الغربي لسوريا وهي متاخمة لحلب ولواء إسكندرون واللاذقية وحماة، وبالتالي من أراد الانتقال إلى العالم أو دار الكفر كما يسمّيها، لأنه هو بشكل أو بآخر ساعٍ لها، ساعٍ لها إما للرفاهية بعد أن يكون قد أمّن دخلاً يعطيه حياة رغيدة في هذه الدول، أو ساعٍ لإتمام فكرة الضلالة بإقامة الخلافة الإسلامية في أوروبا.

وهذا بالمناسبة دكتور، ووفق الخبرة التي نمتلكها، رأينا أن كثيراً من هؤلاء الإرهابيين يدركون تماماً تبعيتهم للغرب، ويدركون تماماً أنّ تلاقي المصالح الآنية بينهم وبين الغرب يسمح لهم بوضع أو تشابك الأيدي لأجل الهدف الأقصى. يستطيع الغرب أن يقنعهم أنّكم ستحقّقون دولتكم في بلادنا، وأشير هنا بالتحديد إلى المخابرات البريطانية لأنها صاحبة دور كبير في التنظير الأيديولوجي لجميع الفصائل والجماعات الإرهابية المسلحة من أيام الإخوان المسلمين، وربما الدكتور رفعت المتابع لهذه الحركات في مصر، يعلم من الذي أسس ووضع الأيديولوجيا والفكر الإخواني.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عمار، في هذه النقطة تحديداً إذا سمحت، إذاً هذه الجماعات، وأشرت إلى الإخوان المسلمين، وقبل ذلك أيضاً كان لهم دور كبير في إنشاء الحركة الوهابية وغيرها.

 

عمار بلال: صحيح.

 

يحيى أبو زكريا: ثبت أنّ الحركة الأصولية خير ورقةٍ يستثمرها الغربيّ في بلادنا.

إذاً دكتور رفعت، لماذا لا نقول أنّ موات هذه الحركات لمّا يحن وأن المصل الأميركي جاهز؟ أخفوا أبا بكر البغدادي، أخذوه إلى تركيا ومن تركيا إلى نيوجرسي، هم بصدد خلق شخصية أفظع من البغدادي.

في العراق نرى كيف تتشكل نواة داعش هنا وهناك، إلى درجة أن رئيس الحكومة العراقية أوعز بضرورة ملاحقة الدواعش الذين خطفوا الكثير من المدنيين في خط طريق كركوك بغداد. هنالك انتعاش أيضاً للجماعات الأصولية في أكثر من منطقة، ليبيا على سبيل المثال، سيناء التي خصّصتها بكتاب كامل دكتور رفعت.

لماذا لا يقال إنّ الغرب، صحيح يتعاطى مع هذه الحال الأصولية كأنها آيلة للموت، لكنه يمتلك أوصال الأحياء وسوف يعيد إحياءها وخلقها بطريقة جديدة؟

 

رفعت سيّد أحمد: نعم، تحليلك صحيح يا دكتور، لأنّ هذه الجماعات كما قلت في بداية حديثي جماعات وظيفية، وأكبر وأهمّ من يوظّفها هو اللاعب الأكبر، وهو اللاعب الغربي، على وجه التحديد الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، وملحق بهما بريطانيا، فرنسا، إلى آخره. وهؤلاء يستخدمون هذه الجماعات لتحقيق أكثر من مكسب ويضربون أكثر من عصفور بحجر واحد.

من بين هذه المكاسب، أولاً تفكيك الدولة وإشغال الجيوش المركزية في هذه البلاد. هذا ما يجري في مصر، في سيناء، هذا ما يجري، حتى لو كانت على علاقة طيبة بتلك البلاد، لأن هناك أهدافاً استراتيجية وأهدافاً تكتيكية ومرحلية. من الأهداف الاستراتيجية أن تشغل هذه الجيوش وأن تُستنزَف، وتُستنزَف تلك البلاد لكي تظل تحديداً لا هي راكعة ولا هي واقفة، هي منحنية لكي يتم توجيهها وابتزازها باستمرار. هذا ما يجري الآن في سوريا، ما يجري في أغلب البلاد الرئيسية والمركزية.

ثانياً حماية الكيان الصهيوني من هكذا دول عندما تتوحّد. سوريا تاريخياً، وأنا شاهد عيان على ذلك وشهادتي شهادة حقيقية، كانت هي الحاضنة العربية خلال التسعينات والثمانينات والألفية الأولى لأغلب حركات المقاومة العربية وهي الحامية لها، بيوت من تنكّر للجميل من قيادات لحركات مقاومة كانت في داخل فلسطين وذهبت إلى الشام، كانت تُحمى بالأمن القومي السوري، فهو شريك في كل عملية استشهادية تتمّ في فلسطين حتى هذه اللحظة. هذه الدولة إسرائيلياً كان مطلوباً الثأر منها، وهو ما جرى خلال السنوات الماضية. إذاً هذه وظيفة. من يؤدّي هذه الوظيفة؟ خير من يؤدّيها هم هؤلاء، هي هذه الجماعات الوظيفية وليس الجماعات الإسلامية.

لكن أنا أعتقد أن السحر سينقلب على الساحر، بمعنى أنّ هذه الجماعات وفق أيديولوجيتها المتطرّفة لا تعرف اللون الرمادي، هي تعرف أبيض أو أسود، لا صديق لها، ولا سقف لها في تكفير أو في إرهاب، ومن ثم ستنتقل حتماً، وهي انتقلت طبعاً عبر السنوات الماضية، لكن سيشتدّ الأمر عندما يُضرَب عشّ الدبابير، لأن كل هذه الجماعات تجمّعت في عشِّ واحد وهو إدلب، وعندما تهرب إلى الخارج عبر المعابر، ومعبر باب الهوى التركي على الحدود مع تركيا على وجه الخصوص، سوف تذهب إلى تلك البلاد حتماً.

58 جنسية هؤلاء سوف يذهبون، أو جزء رئيسي منهم، ونحن في حلقة من برنامجك تحدّثنا عن الدواعش العائدين، وبتقديري كانت حلقة مهمة. هؤلاء سيمثلون خلايا نائمة وخلايا يقظة، عندئذٍ سوف ينقلب السحر على الساحر، فما تصوّروهم هم، الغرب، أنه من حيث يوظفهم، وهو حتماً سيظل يوظّفهم لتحقيق ابتزاز نفطي وابتزاز في التسليح وابتزاز لحماية الكيان الصهيوني وتفكيك الدول المركزية، كل هذه الوظائف، في المقابل سوف يكون هناك شرط جزء من هذه التيارات بشكل أو بآخر، سوف تؤلم الغرب وسوف تنقلب عليه، لأنّ هذا هو قانونها، هذا هو قانون الإرهاب، أدرك الغرب ذلك أو لم يدرك، وباعتقادي أن ذلك سيكون قريباً، على وجه التحديد سيكون قريباً.

إن هذه الجماعات بتقديري إذا صدقت النوايا لمقاومتها عليها، هنا أنا أتحدّث عن الدول العربية قبل الدول الغربية، عليها أن تتعاون بوضوح مع الدولة السورية لإنهائها وإنهاء ظاهرتها أو على الأقل إضعافها، لأنها ستكون تلك الدول أول المكويين وأول المضارين من تلك الجماعات.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عمار بلال، من الكتب المهمّة التي صدرت أخيراً كتاب "الأزمة السورية وثقافة التكفير الإرهابي" لصديقنا الدكتور حسين جمعة. وهنا السؤال الأساس، نحن ذاهبون إلى النصر يقيناً، نحن في سوريا منتصرون أو منتصرون، لا خيار آخر. وبالتالي أريد أن أسأل، حلب، عندما تتحدّث عن حلب وتقرأ تاريخ حلب في الموسوعات العربية، سوف تلامس الفكر الوطنيّ، الفكر المقاوم، الثقافة الحرّة، أول جريدة عربية قبل مصر نشأت في حلب، وحركة عبد الرحمن الكواكبي، والزوايا الصوفية في حلب، الشمال السوري. حماة أيضاً كانت أرض الفكر البعثي، زكي الأرسوزي وغيره.

كيف سجّل التكفير هذا الاختراق في نسيج كنا نخاله وطنياً، عروبياً، حضارياً، عقلانياً؟

 

عمار بلال: السؤال جميل جداً جداً جداً حقيقة. أخي يحيى، أنت تعلم أنّ الحركة الدينية بشكل عام، واسمح لي أن أسهب قليلاً هنا بتاريخ المنطقة وكيف تم ركوب هذه الموجة، أنت تعلم وجميع من يقرأ التاريخ يعلم أن الاحتلال العثماني عندما دخل هذه المنطقة دخل تحت ستار الدين.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

عمار بلال: وكلنا يعلم كيف أن الخلافة العثمانية عانت من قضية أنهم ليسوا عرباً، بحكم أنّه متأصّل بالفكر الأيديولوجي العربي أن الخلافة في قريش، ولهذا تجد أنّ المشغّل لداعش، ما سمّي داعش، أردف بمسمّى الإرهابي أبو بكر البغدادي القرشي، لأن سيّدنا عمر الفاروق عندما احتج على الأنصار في سقيفة بني ساعدة، قال لهم أما سمعتم رسول الله يقول "منا الأمراء ومنكم الوزراء والخلافة في قريش". فبالتالي، كان لا بدّ للاحتلال العثماني من تظهير نفسه لكي يكون قادراً أن يتسلّط، ووليّ أمر المسلمين العرب، ووجد ضالته وقت ذلك في فتوى لأبي حنيفة النعمان الفارسي، لا ننسى ذلك أيضاً، حيث استطاع أن يقول أبو حنيفة أنه تجوز أن تكون الولاية للمولى المسلم غير العربيّ. وهذا الأمر دكتور، من المهم جداً أن نرى كيف أن الدولة الصفوية استطاعت أن تتملّص من هذا التيار بذكاء شديد، عندما تمّ استقطاب بعض رجال الدين من النجف الأشرف وأحداث قم وبالتالي تم تغيير مذهب الدولة الصفوية بالكامل من أجل الخروج من لعبة الاستغلال الديني.

الاستعمار والاحتلال العثماني لبلادنا وخاصة بلاد الشام دام ما يقارب الـ 400 عام، أوصل الناس إلى الكفر بهذا المنهج، أو تزوير الإسلام، ولذلك نجد ظهور الحركات القومية التي انتشرت كما تفضّلت وذكرت الكواكبي، كان أحد روّاد النهضة القومية، وبالتالي ظهر أيضاً لا ننسى المفكرون الذين كانوا في ما بعد جميعهم أساساً لظهور الفكر القومي العربي بشكل أساسي، كما ذكرت أنت كيف تمظهر حزب البعث مثلاً، تجد أن قياداته ومنظريه هم عبارة عن طليعة ثقافية كانت ضد الفكر الديني. ولذلك نجد أن بهذا الوقت أن التيارات الدينية كانت تنحسر أمام طغيان الفكر القومي والفكر العروبي بشكل كبير جداً، واستطاعت هذه التيارات أن توجد لها موطئ قدم في كثير من الدول العربية.

في المحصّلة، كان البعث هو الحاكم في سوريا، كان البعث هو الحاكم في العراق، كانت الحركات التحرّرية، لا تنسَ الزعيم العربي الكبير جداً والقومي جمال عبد الناصر، لا ننسى دعم وانتصار الثورة الجزائرية، لا ننسى ثورة الفاتح في ليبيا. لا نستطيع أن ننسى كل ذلك. وبالتالي كان في هذا الوقت مد حقيقي للفكر القومي. بذات الوقت، كان هذا يشكّل خطراً على الوجود الصهيوني المبني على فكرة العقيدة الدينيّة، وكان لا بدّ هنا لهذا الأخطبوط أو لهذا السرطان من إيجاد بيئة، لذلك يجد أي قارئ بتمعّن بسيط، أنّ كلّ ما يجري في المنطقة لإعادة إحياء الفكر الديني الذي يقدّم إسرائيل كنتيجة طبيعية في نسيج هذا الوطن، وكلّ المفكّرين حقيقةً، وأنت منهم والدكتور رفعت منهم، لا يوجد مفكّر عربي إلا ويدرك هذا التفصيل الدقيق، لأنّ كلّ التمظهر الإسلامي هو خادم حقيقي للوجود الصهيوني.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ عمار، أحسنت، وبالفعل لكأن الانتصار السوري المدوّي سيُعيد الحيوية إلى الفكر العروبي والقومي، وذلك قرار يجب أن نتّخذه أيضاً.

الانتصار، دكتور رفعت، سوف يؤذي البعض في إدلب، لأن فقيه الجماعات الأصولية والنصرة تحديداً الشيخ المحيسني السعودي لديه 18 أمَة وجارية من المستضعفات السوريات اللاتي تملكهن، فطبعاً كيف ترى سيناريوهات الحل الآن؟

هل سيكون هناك حل بالمصالحة، حل بالإجهاز العسكري، أم ستكون هنالك تسوية ما تركيا سورية برعاية روسية؟

 

رفعت سيد أحمد: أنا في تقديري ستكون عملية مركبة من أغلب هذه العناصر. يأتي في مقدمها الانتظار وتصفية الأوكار الأخرى في الجغرافيا السورية وتطهير الجغرافيا السورية، وصولاً إلى هذه المنطقة التي هي ستكون بداية النهاية لتطهير سوريا منهم جميعاً، فسنشاهد بتقديري خلال السيناريوهات القادمة، أولاً صراعات في ما بينهم، وهذا سيؤدّي إلى إضعاف وإلى ارتباك وتشتيت، وهذا يصبّ في مصلحة المعركة الأكبر، سنشاهد خلافات بين الرُعاة الإقليميّين، وبالتحديد الراعي القطري والراعي السعودي القطري، معه أيضاً التركي، سنشاهد هناك صراعات، الأميركي والإسرائيلي في ناحيتهم أيضاً سيختلفون مع بعض الرُعاة الإقليميين. إذاً ثمة خلافات.

السيناريو الثاني وهو الحصار التدريجي لإدلب، وهو سيكون صعباً بالتأكيد، الحصار، لكن حصار المسلحين سيكون أسهل، لأنّ لديك أكثر من جبهة ستكون مفتوحة على هذا الحصار، ووجود معبر باب الهوى يصعّب نسبياً الحصار الكامل، لأنه هو منفذ من منافذ الإرهابيين والمهرّبين إلى الجانب التركيّ، لكن على المستوى المحيط لإدلب والمحيط لها، سواء من حماة أو اللاذقية أو حلب، فأنت أمام أرض سورية حقيقية يسهل من خلالها فرض هكذا حصار، وعلى هذه الجماعات وليس على المواطن، لأنّ إدلب فيها حوالى مليون ونصف مليون مواطن سوري، أوكار الإرهابيين لا تتجاوز في التقديرات 20000 والبعض يبالغ ويصل إلى 50000 لكنها ليست أكثر من ذلك. سهل إذاً حصارهم كسيناريو آخر.

السيناريو العسكري والضربات القادمة وارد طبعاً بالتأكيد، وهو الجانب الأخير والمهم، لكن أنا في تقديري أن الدولة السورية غير متعجّلة في استخدامه، لأنها تطهّر باقي المناطق من ناحية، ولأن هؤلاء يتصارعون في ما بينهم من ناحية أخرى.

وأضيف على الكلام الذي تفضّل به الأستاذ عمار، هؤلاء الذين يتوسّلون باسم الجماعات والإسلام وأسماء الصحابة والتابعين، حتى تكاد يا دكتور يحيى، تكاد أسماء الصحابة والتابعين والمناطق الإسلامية تنفذ من كثرة استخدامهم لها.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

رفعت سيد أحمد: هؤلاء إرهابيون بالأساس، وليسوا جماعات لا إسلامية ولا علاقة لها بالدين ولا بالإنسانية.

 

يحيى أبو زكريا: وسوف يظلّون إرهابيين. دكتور رفعت سيّد أحمد من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك. القاضي العزيز عمار بلال من سوريا الحبيبة المنتصرة، شكراً جزيلاً لك.

 

عمار بلال: إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل