لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

المقاتلون الأجانب في سوريا.. قنبلة موقوتة لبلادهم

من ثمانين دولة جاء الإرهابيون إلى سوريا، قـُتِلَ الكثيرون منهم وبقي الآلاف، ماذا سيفعل الإرهابي لو عاد إلى بلاده؟ وإن لم يعد ما هو مصيره؟ دونالد ترامب طالب الأوروبيين باسترداد ثمانين مقاتلاً من داعش، أي خطر يمثله هؤلاء بعد أن قـضي على دولتهم المزعومة في العراق وسوريا؟

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". تخيّلوا أنّ مقاتلاً إرهابياً يحمل الجنسية الأوروبية قرّر العودة إلى بلاده ولم تنتبه له السُلطات، ماذا يفعل؟ الأكيد أنّه لن يجلس ليحتسي القهوة عند جادة (الشانزيليزيه) وإنّما سينضمّ إلى الخلايا النائِمة أو الذئاب الضالّة في انتظار فرصةٍ للقتل أو الترهيب. هذا بالضبط ما يُثير قلقاً أوروبياً كبيراً في الوقت الراهن خصوصاً مُذ طالب الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" الأوروبيين باسترداد ثمانمئة من "داعش" مُعتقلين حالياً في الشمال السوري. انقسم الأوروبيون حول الأمر، بعضهم دعا إلى نزع الجنسية عن الإرهابيين، بعضهم الثاني قرّر استقبال النساء فقط وبعضهم الثالث لا يُمانِع في إعادتهم ومُحاكمتهم وبعضهم الرابع يرفُض تماماً هذا الأمر. في هذه الحلقة سنسأل أولاً كيف وصلَ عشرات الآلاف من الإرهابيين إلى (سوريا) و(العراق) وكيف عبروا الحدود والتفتيش وكلّ الإجراءات الأمنية الدقيقة، ثمّ ماذا سيكون مصيرهم في المرحلة المُقبلة من النواحي القانونية والاجتماعية خصوصاً أنّ من اعتاد على الذبحِ والاغتصاب والقتل قد لا يستعيد مُطلقاً حياةً طبيعية. وإذا كان "ترامب" قد تحدّث عن ثمانمئة إرهابي فماذا عن الآخرين؟ ما هو موقف السُلطات السورية منهم؟ هلّ لدى (دمشق) مُعتقلون خطرون من الإرهابيين الأوروبيين أو الأجانب؟ ما هي شروطها للتفاوض في شـأنهم؟ هذه الأسئِلة وغيرها نطرحها في هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" ويُسعِدني أن أستضيف فيها كلّا من السيّدة "نيكيتا مالك" من (لندن) وهي مُديرة "مركز دراسات التطرُّف والإرهاب" أهلاً وسهلاً بكِ. من (النورماندي) الفرنسية معنا السيّد "إيف بونيه" وهو المُدير السابق لوكالة الاستخبارات الفرنسية وله العديد من الكتابات المُهمة جداً والجريئة جداً في هذا الشأن، أهلاً وسهلاً بك. ومن (دمشق) أُرحِّب بالعميد "تُركي الحسن" وهو باحِث في "مركز دمشق للأبحاث والدراسات – مداد" وكاتب له عشرات الدراسات المهمة أيضاً في الشؤون السورية وشؤون الأمن والإرهاب. أهلاً وسهلاً بكم جميعاً إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الأول

سامي كليب: أهلاً وسهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين وأهلاً بضيوفي الكرام. سأبدأ معكِ سيّدة "نيكيتا ماليك" من (لندن)، هلّ لدينا أعداد موثوقة عمّن قُتِل ومن بقيَ من المُقاتلين الأجانب في (سوريا) و(العراق) حتّى الآن؟

نيكيتا مالك: إن كنتم تتساءلون عن أعداد المُقاتلين الأجانب فلا أرقام مُحدّدة لدينا. أكثر الدراسات شمولاً أُجريت في هذا الصدد في (لندن) قدّرت عدد المقاتلين الأجانب بالآلاف. كثيرون هم الصحافيون الذين قاموا بزيارة هذه المُخيمات وأدركوا أنها مليئة بالأطفال والنساء وكان عليهم أن يُجروا أبحاثاً كثيرة وبقيَ الأمر مُعقّداً بالنسبة إليهم وهذه مُشكلة كبيرة

سامي كليب: العميد "تركي الحسن"، أهلاً وسهلاً بك أولاً. هلّ لديك أرقام مُحدّدة كم جاء إلى (سوريا)؟ كم قُتِلَ منهم؟ كم الذين بقوا على قيد الحياة ويُمكن أن يُشكّلوا خطراً في المرحلة المُقبلة على الدول التي جاؤوا منها؟

تُركي الحسن: تحياتي لك أُستاذ "سامي" ولضيفيك الكريمين وللسادة المُشاهدين. لا توجد أرقام دقيقة مئة في المئة ولكن هناك بعض الأرقام التي أوردتها مراكز دراسات غربيّة هناك إحصائِيّة داخلية أيضاً حول عدد الإرهابيين الذين كانوا في (سوريا). أعتقد أنه الآن ونحن نناقش ما يتعلّق في "داعِش" حتّى الآن الأرقام الأولية التي تقول أنّه في عام 2014 كانت تقول المُخابرات الأميركية أنّ عدد هؤلاء وصلَ إلى عشرين ألفاً في حين أنّ الرقم هو أكبر من ذلك بكثير. في (سوريا) و(العراق) وصلَ الرقم لـ "داعش" إلى حوالى 180 ألفاً مناصفةً، يعني أن يكون هناك في الداخل السوري نصف الرقم وفي الداخل العراقي أيضاً نصف الرقم تقريباً، تقريباً أقصد من ذلك. كم بقي من هؤلاء حتّى الآن؟ آخر تصريح للجنرال "جوزيف بوتيل" في الحادي عشر من هذا الشهر يقول أنّه بقي من "داعش" في (سوريا) و(العراق) حوالى عشرة آلاف، وبالتالي ما يُعلَن حتّى الآن من أرقام ليست دقيقة. قسمٌ منهم قُتِل طبعاً بطبيعة الحال، هناك أرقام غربيّة نُشِرت حول أعداد "داعش" التي كانت في (سوريا) و(العراق)، بعضها قد وصَلَ إلى كما ذكرت الآن 180 ألفاً، الاستخبارات الأميركية تقول من عشرين إلى ثلاثين ألفاً

سامي كليب: أوكي

تُركي الحسن: في تقديري الرقم ليس دقيقاً ما أعلنته المُخابرات الأميركية ولكن ما أذكره الآن من إحصائِيّة دقيقة عمِلنا عليها في العام قبل الماضي وفي العام الماضي استُكمِلت، أنّ العدد وصل في (سوريا) إلى حوالى 75 ألفاً تقريباً ومئة موزّعون في ثلاث محافظات رئيسية في طبيعة الحال تُشكِّل نسبة 71 إلى 72 في المئة منهم وهي مُحافظات (الرقة)، (دير الزور) و(حلب)

سامي كليب: أوكي. على كلّ حال لدينا إحصاءات شبه موثوقة سنعرِضها في هذه الحلقة، ولكن دعونا نُرحِّب بالسيّد "إيف بونيه"، كان مُديراً للمُخابرات الفرنسية سابقاً. سيّد "إيف بونيه" أنا سعيد في حضورك معنا لأنني قرأت لك الكثير في الواقع على مدى السنوات القليلة الماضية، قرأت عن جرأتك، عن تقديمك معلومات دقيقة، عن موقف مُناهِض لكلّ الصورة التي أُريدَ نقلها من العديد من الدول التي دُمِّرت أو تتعرّض للدمار. دعني أسألك السؤال قبل أن ندخُل إلى مصير هؤلاء المُقاتلين الأجانب في المستقبل. هلّ تعتقد أنّ طريقة وصولهم إلى (سوريا) و(العراق) كانت بالصدفة؟ هم كانوا أذكى من كلّ أجهِزة الأمن الأطلسية والعربية والتركية ودخلوا من ثمانين دولة واخترقوا كلّ التحصينات الأمنية عبر المطارات؟ أم حصَلَ تواطؤ وأُرسلوا إرسالاً من أجل مثلاً إسقاط النظام السوري؟

إيف بونيه: بصورةٍ عامة أعتقد أنّ هؤلاء الذين شاركوا في الواقع في الأعمالٍ القتالية لاسيما من الدولة الإسلامية قد دلّوا على قدرٍ كبيرٍ من المُخيِّلة، ولكن بالنسبة إلى تنقّلهم ووصولهم إلى (سوريا) و(العراق)، الواقع هو أنّهم لم يواجِهوا أيّة صعوبة حقيقية للمُشاركة في عمليات القتال وعملية الانتقال كانت سهلة نسبياً بالنسبة إليهم

سامي كليب: يعني في معنى أنه لم تحصل مساعدة لهم لكي يخترقوا الحدود في رأيك؟

إيف بونيه: بالطبع، بالطبع كانت هناك مجموعة من الشبكات، الشبكات التي تُعنى بعمليّة التطويع والتجنيد والمواكبة، وبعض هذه الشبكات يبقى شغّالاً ونشِطاً حتّى اليوم. نتحدّث عن شبكاتٍ من المأجورين ومن المتطوِّعين، مثلاً ذي مسوّغاتٍ مُرتبطة بالدولة الإسلامية، وهذه الشبكات على الأرجح كانت تعمل في شكلٍ أفضل وأكثر فعالية مما نعتقد لاسيما أننا نتحدّث في بعض الحالات عن فترات سفرٍ طويلة من بلدانٍ مثل (فرنسا) وغيرها وكان يتمّ الانتقال عبر (قبرص) ولا بدّ من وجود مُستوى مُحدّد من التواطؤ بهدف الوصول إلى المحطّات النائِية في المطار، ويجب أن يعرِف مثلاً كلّ شخص أين يتّجه تحديداً في بلدٍ لم يعهده سابقاً في (سوريا) أو في (العراق) ولا يُمكن له أن يفعل ذلك من دون تواطؤ، والعملية كانت مُحكمة إلى حدٍّ كبير

سامي كليب: سيّد "نيكيتا"، سأُكرّر ربما السؤال نفسه الذي طرحته على السيّد "إيف بونيه"، هو يتحدّث عن تواطؤ مُعيّن وأنا أريد أن أسأل أكثر من هذا، حول تواطؤ بعض الدول التي كانت تعتبر أنّ إسقاط مثلاً النظام السوري أو الرئيس "بشّار الأسد" أولوية ولا بأس إن حصل ذلك عبر مجموعات إرهابية، خصوصاً أنّ بعض الإرهابيين الذين جاؤوا أو المقاتلين الذين قاتلوا تحت لواء "داعش" أو "النُصرة" كانوا من أصحاب السوابق في بعض السجون الأوروبية ويخرجون ثمّ نراهم يعبرون الحدود ويصلون إلى (سوريا) و(العراق). ألم يكونوا مثلاً تحت المُراقبة؟ هلّ هم أذكى من أجهِزة المخابرات جميعاً؟

نيكيتا مالك: نعم، علينا أن نتذكّر أننا نتعاطى مع أعدادٍ كبيرة من المُقاتلين الآتين من بلدان كثيرة. المُلفِت وما علينا فهمه هو أنّ كثيرين حصلوا على إغراءات للانضمام إلى صفوف "داعش" في (سوريا) و(العراق). الدولة الإسلامية كانت تشنّ حملاتٍ دعائية تُحرِّضُ الإسلاميين ضد غير المسلمين، كانت تُقنِعُ المُشاهدين وتُقنع المستمعين بأنّ حرباً تُشنّ على المُسلمين في كافة أصقاع الأرض وأنّ الدولة الإسلامية سوف تكون ملاذاً لهم. كان من المُلفِت في ذلك الوقت أن نُشاهِد المشاهِد الدعائِية، الحملات الدعائية التي كان كثيرون من الأجانب يرون بين ممثلين من أفرادها مُسلمين سابقين. يُقال أنّ عشرين ألفاً من المقاتلين السابقين تبقيهم المملكة المتحدة حالياً تحت نظرها، أعداد كبيرة من المقاتلين تحثّ السلطات البريطانية مثلاً على متابعتهم. كثيرون هم المُقاتلون الأجانب الذين بقوا لفترةٍ طويلة في (سوريا) و(العراق) انضمّوا في أنحاءٍ كثيرة إلى النزاع ولكن لماذا يُقال أنّ الدول الأجنبية ساعدتهم؟ ما زلنا نطرح هذه الأسئِلة. كثيرةٌ هي الحملات الدعائِية التي تعمَد تجنيدهم

سامي كليب: أوكي، إذاً الحملات دعائية ولم تكن هناك قرارات مركزية من بعض الدول. سأُوجِّه السؤال إلى العميد "تركي الحسن"، ولكن سيادة العميد إسمح لي فقط أن أعرض بعض الإحصائيات التي استطعنا تجميعها في خلال الأيام القليلة الماضية:

- مثلاً المفوضية الأوروبيّة تتحدّث عن أكثر من إثنين وأربعين ألف مُقاتل أجنبي انضمّوا إلى "داعش" بين عامي 2011 و2016 بينهم على الأرجح خمسة آلاف أوروبي

- تقرير أوروبي آخر أعدّه المُنسِّق الأعلى لشؤون مُكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي كشفَ عن وجود خمسين ألف مُتطرِّف على الأراضي الأوروبية سبعون في المئة منهم في بريطانيا وحدها، هذا رقم خطير

- الاستخبارات الروسية كشفت عن أربعة آلاف وخمسمئة روسي بين الإرهابيين الأجانب

- (أوزباكستان) تحدّثت عن خمسة آلاف مُقاتل أوزبكي جاؤوا للقتال في (سوريا) و(العراق)

- (بريطانيا): من أصل نحو تسع مئة مُتطرِّف بريطاني ذهبوا للقتال في (العراق) و(سوريا) تقول عاد منهم حوالى أربعمئة معظمهم من النساء والأطفال

- (بلجيكا) كشفت عن أربعمئة مقاتِل بلجيكي

- (ألمانيا) تؤكِّد عودة ثلث الإسلاميين المتطرّفين من (سوريا) و(العراق) والبالغ عددهم ألف وخمسون

- (فرنسا) كشفت عن مئةٍ وخمسين فرنسياً في شرق (سوريا) بينهم تسعون قاصراً وأكثر من خمسين بالغاً وقُتِلَ نحو ثلاثمئة مقاتل تقول فرنسياً في (سوريا) على مدى السنوات الماضية

- (كوسوفو) تحدّثت عن ثلاثمئة من مواطنيها المُتشدّدين توجّهوا إلى (سوريا) و(العراق)، بقيَ منهم مئةٌ وخمس وأربعون نصفهم من النساء والأطفال

- (ألبانيا) مئةٌ وخمسة وأربعون عاد منهم خمسة وأربعون وقُتِل ثلاثة وعشرون

سامي كليب: طبعاً إضافةً إلى دول أُخرى بينها عربيّة، مثلاً من (تونس) ما بين ثلاثة إلى خمسة آلاف، من (المغرِب) أكثر من ألف وستمئة، من (إندونيسيا) نحو ستمئة وهلمّ جراًّ. حسب ما فهمت من ضيفيَّ، من السيّدة "نيكيتا" والسيّد "إيف بونيه" أنّه لم تكن هناك قرارات مركزية عند الدول الرئيسة التي جاؤوا منها من أجل تسهيل وصولهم إلى (سوريا) و(العراق) وإنما كانت هناك دعاية وكان هناك عمل جدّي من قِبَل هذه المجموعات الإرهابية. (سوريا) على مدى السنوات القليلة الماضية تتّهِم دولاً وتقول أنّها هي التي سهّلت. هلّ لديكم دلائِل؟

تُركي الحسن: طبعاً لدينا أكثر من دلائِل، هناك أولاً تسليح لا يُمكن أن يُعطى هذا التسليح إلّا في شروط مُحدّدة، والغرب زوّدَ هذه المجموعات الإرهابية بتسليح خاصّ ونوعي سواءً من حيث المبدأ قانِصات أو أجهزة اتصال أو حتّى بعض الأسلِحة المتطوِّرة التي وُجِدت في أيدي هؤلاء، هذا أولاً. ثانياً، هناك بعض الأشخاص الذين قتلوا في (سوريا) أو أُلقيَ القبض عليهم كان قد حُكِمَ عليهم في المملكة العربية السعودية بالإعدام أو في المؤبّد ووجدوا على الأرض السورية! كيف لهم أن يخرجوا من السجون وأن يصلوا إلى الأرض السورية وأن يُقاتلوا عليها من دون أن تكون هناك إرادة سياسية أخرجت هؤلاء أو قرار سياسي في الحد الأدنى أخرج هؤلاء من السجون على أن يذهبوا بهم أو يرسلوهم في الحدّ الأدنى للقتال في (سوريا)؟ أعتقد أنّ هذه المسألة أصبحت واضحة، لم نعُد في حاجة إلى البرهنة أنّه كانت هناك إرادة سياسية وكانت هناك أجهزة استخبارات تدعم هؤلاء وتقوم بتجميعهم، وأيضاً في نفس الوقت دعمهم وإرسالِهم وتأمين وصولهم إلى الداخل السوري وقيادتهم في الداخل سواء أكان من الخارِج أو من الداخل. حتّى ما أُعلِن عنه من أرقام وأنت تتحدّث الآن عن أرقام موجودة أوروبية مُختلفة، هناك أرقام أكثر من ذلك بكثير، يعني من بعض الدول العربية والإسلامية. عندما نتحدّث عن أرقام تُركيّة، أرقام من (السعودية)، أرقام من (الخليج)، أرقام من (تونس) حتّى أكثر مما ذكرت دكتور "سامي"، أعتقد أنّ هذا الأمر واضح. يعني هناك الكثير من الأشخاص الذين قتلوا على الأرض السورية كانوا في السجون، وبالتالي بعضهم كان محكوماً بالإعدام وبعضهم الآخر كان محكوماً بالمؤبّد فقُتلوا على الأرض السورية أو حتّى بعضهم لا يزالون يُقاتلون على الأرض السورية. بالتالي، هذا الأمر لا يُمكن إلّا أن يُعبِّر عن تواطؤ وعن إرادة سياسية وعن قرار سياسي في تجنيد هؤلاء وإرسالهم إلى الأرض السورية

سامي كليب: حسناً، سيّد "إيف بونيه"، مساعِد الأمين العام للأُمم المتحدة لمُكافحة الإرهاب "فلاديمير فورنكوف" يقول: إنّ تنظيم "داعش" ما زال يتطوّر إلى شبكة سرّية بقصد تقويض أيّ شكل من أشكال الاستقرار حيثُ تحتفِظ القيادة المركزية بالنفوذ وتُحافِظ على البُنية في توليد الهجمات أو النيّة في ذلك دولياً ، وعلى الرغم من فقدان الإرادات فإنّ "داعش" يُمكن لمجموعته المُحافِظة على عملياتها من خلال الاحتياطات أو الاستثمارات في الشركات التي يُمكن الوصول إليها والتي تُراوِح بين خمسين مليون دولار إلى ثلاثمئة مليون دولار، بمعنى أنه قادر على التحرُّك مالياً في المرحلة المُقبلة رغم كلّ الضغوط. أُريد أن أسألك، الآن لو عاد هؤلاء إلى بلادهم، وحضرتك خبير في أجهِزة المُخابرات، كيف سيتمّ التعامل معهم؟ وهلّ يُمكن أن يكون عاد منهم مَن هم خلايا نائِمة الآن في (أوروبا) يُمكن أن يقوموا بأعمال إرهابية في المرحلة المُقبلة؟                                         

إيف بونيه: بالنسبة إلى المواطنين الفرنسيين الذين يرغبون بالعودة إلى (فرنسا)، سيعودون إليها. فـ (فرنسا) دولة قانون ولا يحقّ لنا أن نُغلِق حدودنا في وجهِ مَن يحمل الجنسية الفرنسية. هذه مسألة محسومة بالنسبة إلى الحكومة وبالنسبة إلى الرأي العام الفرنسي والجميع متوافقٌ على ذلك. لكن كلّ فرنسي يرغبُ في العودة إلى (فرنسا) يحُق له ذلك، لكن مُعظم هؤلاء الأشخاص الذين قاتلوا في صفوف الدولة الإسلامية باتوا يُعرَفون بالإسم وتمكّنّا من تحديد كلّ مسيرتهم، وبالتالي لا بدّ لهم وأن يمثلوا أمام القضاء لكي يُسألوا عن أفعالهم. ما أن يصلوا إلى الأرض الوطنية سيجري توقيفهم وإحالتهم إلى القضاء أمام قاضي الادّعاء ومن ثمّ سيجري سجنهم ومن ثمّ الحُكم عليهم. هذا خيارٌ بالطبع لا مفّر منه

سامي كليب: يعني هلّ نفهم سيّد "بونيه" اعذرني على المُقاطعة، هلّ نفهم أنّ لدى السُلطات الغربية الأوروبية الفرنسية على وجه الخصوص أو غيرها لوائِح إسمية بكلّ الذين قاتلوا في (سوريا)؟ ألا يُمكن أن يكون شخص ذهب وعاد ولم يُعرَف عنه أي شيء؟          

إيف بونيه: بلى بالطبع، هذا ممكن. يُمكن أن نشهد على حالاتٍ لأفرادٍ يعودون وقد ربما أغفلتهم السُلطات ولم تضع أسماءهم على لوائِح مُحدّدة، وعندما يدخلون إلى الأراضي الوطنية لا بدّ وأن يُقدِّموا وثائِق وجودية ووثائِق هوية وإلّا لن يتمكّنوا من مواصلة الحياة أو أن يدخلوا الأراضي الفرنسية. بالتالي، عندئِذٍ سيتمّ رصدهم من جديد ومصيرهم سيكون هو نفسه في الحالتين، سيجري توقيف هؤلاء الأشخاص أيضاً لعدم وجود معلومات متوافرة بشأنهم وسيجري النظر في قضاياهم والحُكم عليهم، وعلى هذا المُستوى لا بدّ وأن نتحدّث عن آلية التعاون الدولي التي تعمل بشكلٍ جيِّد جداً أقلّه على المُستوى الأوروبي وهي كذلك فاعِلة من خلال التعاون مع مجموعة من الدول لاسيما الدول العربية. أُذكِّركم مثلاً بأنّ رئيس الوزراء العراقي كان موجوداً في (باريس) منذ بضعة أيام لكي يتقابل مع رئيس الجمهورية الفرنسية ويطرح بعض المسائِل، منها هذه المسألة بالطبع

سامي كليب: أوكي. سؤال أخير قبل أن نتوقّف مع موجز للأنباء ونعود لإكمال النقاش بعده سيّد "بونيه"، هلّ تطلُب أو تريد أو تتمنّى من الدول الغربية أن تتعاطى وتُنسِّق مع الدولة السورية من أجل هؤلاء، أو تعتبر كما يعتبر الكثير من الأوروبيين حالياً، خصوصاً السياسيين الأوروبيين، أنه لا داعي للتعاون مع الدولة السورية ويُمكن حلّ هذا الموضوع بعيداً عن التعاون مع الرئيس "الأسد"؟

إيف بونيه: صراحةً أنا شخصياً أعتقد أنه لا مفرّ من التعاون مع الدولة السورية لكي نعرِف تحديداً ما هي الرهانات، ما هي المخاطِر، ولذلك نحن في حاجة في الواقع إلى تعاونٍ وثيق مع السُلطات السورية وهذا من شأنه أو يُحقّق لنا قدراً كبيراً من الفعاليات في كلّ أعمالنا وأنشطتنا، لذلك تحدّثتُ عن أهمية هذا التعاون في (سوريا) الذي لا مفرّ منه

سامي كليب: حسناً. لحظات، إسمحوا لي ضيوفي الكرام وأعزّائي المُشاهدين، سنبقى مع موجز للأنباء سريع ثمّ نعود ونتحدّث مثلاً عن الفتاة البريطانية التي نُزِعت أو ستُنزَع الجنسية منها لأنها لم تندم على أنها كانت جزءاً من "داعش". سنتحدّث أيضاً عن الإجراءات المقبلة، عن الخطر المُقبِل، عن عدد القتلى بالأرقام تحديداً. إن وجدتم هذه الحلقة مهمة لكم ابقوا معنا

المحور الثاني         

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين" نتحدّث فيها عن المُقاتلين الأجانب الذين قاتلوا في (سوريا) و(العراق) والآن يُطالب الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" الأوروبيين بإعادتهم إلى بلادهم. هلّ يُشكّلون خطراً فعلياً؟ كم عددهم؟ كم قُتِلَ منهم؟ هلّ يُمكن أن يُعادوا من دون التنسيق مع الدولة السوريّة؟ أسئِلة نُكمِل طرحها مع ضيوفنا الكرام، من (لندن) السيّدة "نيكيتا مالِك" مديرة "مركز دراسات التطرُّف والإرهاب"، من (فرنسا) السيّد "إيف بونيه" المُدير السابق لوكالة الاستخبارات الفرنسية، من (دمشق) العميد الركن "حسن تُركي الحسن" أو العميد "تُركي الحسن" بالأحرى، باحِث في "مركز دمشق للأبحاث والدراسات – مداد" وهو مركز مهمّ جداً في الواقع يُصدِر العديد من الدراسات حول الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية في (سوريا)، أعود وأُرحِّب بكم جميعاً. أودّ أن نذهب إلى بعض المعلومات حول حصيلة قتلى "داعش" في بعض الإحصاءات الدولية. في شكلٍ سريع، الكولونيل "جون دوريان" وهو من وزارة الدفاع الأميركية يؤكِّد أنّه:

- منذ العام 2014 التحالف الدولي ضدّ "داعش" قتَلَ أكثر من خمسين ألف مُقاتل خلال عامين في (سوريا) و(العراق)

- وزارة الدفاع الفرنسية تُعلِن في العام 2014 إنّ التحالف ضدّ "داعش" نجحَ في قتل أكثر من إثنين وعشرين ألف مقاتل منذ بداية العمليات في (سوريا) و(العراق)، وأنّ (فرنسا) كانت تقوم بما بين خمسة وخمسة عشر من العمليات العسكرية

- وزير الدفاع الفرنسي "جون إيف لو دريان" يقول إنّ خمسة وثلاثين ألفاً عدد مقاتلي "داعش" بينهم ما لا يقلّ عن إثني عشر ألف أجنبي

- دان كوتس" وهو رئيس الاستخبارات الأميركية يؤكِّد في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي في تقرير قدّمه إلى الكونغرِس الأميركي أنّ "داعش" لا يزال لديه آلاف المُقاتلين في (سوريا) و(العراق)

سامي كليب: أيُّ خطرٍ تُمثله عودة هؤلاء الإرهابيين إلى بلادهم خصوصاً أنّ المطالب التي قدّمها "دونالد ترامب" تُثير قلقاً كبيراً على ما يبدو في الدول الأوروبية. سيّدة "نيكيتا مالِك"، أُريد أن أُوجِّه لكِ هذا السؤال. الآن (بريطانيا) تُحاول أن تسحب الجنسية، لا أدري إذا سُحِبت أم لا، من سيّدة تحمِل الجنسية البريطانية، أصلها من (بنغلادش)، و(بريطانيا) تقول إنّه ليس كلّ مَن هو في (سوريا) من أصل بريطاني يُمكِن أن يعود. ما هو الخطر الذي يُشكّله هؤلاء؟ هلّ يُمكن السيطرة عليهم لو عادوا من (سوريا)؟

نيكيتا مالك: هذه الحال ملفتة للغاية، فهناك مئات الحالات المُماثلة التي سُحِبت فيها الجنسية من الكثير من الأفراد. قبل عام 2017 طُرِحَت حالات كثيرة لأشخاص من الجنسية البريطانية وجنسياتٍ أُخرى أقدمت السُلطات البريطانية على تجريدهم من جنسيّتهم. على الرغم من أنّ "داعش" كان يُسيطر على الكثير من الأراضي، فهذه الأراضي كانت نوعاً ما تندرِج ضمن الأراضي السورية والعراقية ومن المؤسِف أنّ الأراضي الآن أصبحت مؤخراً لا تخضع لأية سُلطات وبالتالي لا نعرِف كيف نُحدِّد جنسيات هؤلاء المُقاتلين، نعرِف أنّ كثيراً منهم تخلّوا عن جنسياتهم عندما التحقوا بصفوف "داعش".  إذاً، ماذا سيحدُث في احتمال سحب الجنسية من "شميمة"؟ فلا جواز سفرٍ بنغلاديشي لديها، والدتها تملِك جواز سفر بنغلاديشي أمّا هي فلم تقدّمه لها (بنغلادش)، لا أهل لها في (بنغلادش) وهناك خطر إن تُرِكَت في مُخيِّمٍ للاجئين على سبيل المثال في (بنغلادش)، فقد تختفي عن الأنظار بكلّ بساطة. ليست حال "شميمة" إلّا حالاً واحدة، لا بدّ من وجود هيئاتٍ أو بلدان تتولّى مسؤولية مُراقبة هؤلاء الأفراد لأنهم خطِرون. ما تحدّثوا عنه مؤخراً في وسائِل الإعلام البريطانية، هلّ يجب جلبها إلى (بريطانيا)؟ هلّ يجب مُحاكمتها؟  مُقاضاتها في (سوريا)؟ لا نعرِف طالما أنّ العدالة تأخُذ مجراها

سامي كليب: أوكي، طالما تحدّثتِ عن "شميمة" بالضبط، قضيّة الفتاة البريطانية ذات الأصول البنغالية، لنرى هذا التقرير في شكلٍ سريع من مراسلنا في (لندن) "موسى سرور" يُحدِّثنا عن هذه القضيّة وتِلكَ التي تُشبِهها أيضاً

تقرير – موسى سرور           

موسى سرور: "شميمة بيغويم" شابة بريطانيّة من أصولٍ بنغالية التحقت بصفوف تنظيم "داعش" ليس من أجل القتال بل للزواج من المُقاتلين، وتودُّ الآن العودة إلى (بريطانيا). لكنّ وزير الداخليّة " ساجد جاويد" اعتبر أنّ الأمن البريطاني فوق كلّ اعتبار فطبَّق أقصى العقوبات في حقّها، بسحب الجنسيّة منها

ساجد جاويد: من أجل حماية أمننا القومي لدى وزير الداخلية صلاحيّات سحب الجنسية من الأشخاص عندما لا يُصبحون عديمي الجنسية

موسى سرور: "بيغويم" التي تُعدُّ واحدةً من أصل مئةٍ وخمسين فتاةً مع أطفالهن هاجرن للالتحاق بـ "داعش" قبل خمس سنوات باتت عودتهنّ مثارَ جدلٍ واسعٍ في (بريطانيا). "جيرمي كوربين" زعيم المُعارضة رأى أنّ من حقّ "شميمة" أن تعود إلى موطنها الأصلي في حين وقف آخرون إلى جانب وزير الداخلية مبرّرين سحب الجنسية من فتاة الخلافة لأنها تحمِلُ الجنسيّة البنغالية، إلّا أنّ وزير خارجية (بنغلادش) نفى ذلك

جيرمي كوربين: "شميمة" مواطنة بريطانية وُلِدت في (بريطانيا) وبالتالي يجب أن تعود إلى البلاد لاستجوابها على ما فعلته وما تعرِفه ومدى ما تُشكِّله من خطرٍ على الأمن البريطاني

موسى سرور: سحب الجنسية من "بيغويم" حرّكَ المياه الراكِدة في شأن عودة "الدواعش" إلى (بريطانيا) المُقدَّر عددهم بأكثر من تسعمئة مقاتل. وزير الأمن البريطاني " بين والاس" اعتَرَف في جلسةٍ برلمانية بمقتلِ عشرين في المئة منهم فضلاً عن مُحاكمة أربعين مقاتلاً من أصل أربعمئةٍ عادوا من (سوريا) و(العراق) إلى بلاد الضباب. الرئيسة السابقة لحزب المُحافظين البارونة "وارسي" كانت قد طالبت الحكومة بعدم تطبيق سياسة المعايير المُزدوجة على المُقاتلين الأجانب مُقترِحةً مُحاكمة البريطانيين الذين يُقاتلون في صفوف الجيش الإسرائيلي. "موسى سرور" – (لندن)، "الميادين"

سامي كليب: شكراً "موسى". العميد "تُركي الحسن" السؤال المطروح حالياً، ولدى (سوريا) الكثير من المعلومات عن هؤلاء الإرهابيين، عن المُقاتلين الأجانب، وثمّة دُوَل لا تُريد التنسيق مع الدولة السورية. هلّ ما تقوله الدوَل صحيح؟ أم هناك مُحاولات من تحت الطاولة كما علِمنا، أتى رؤساء مُخابرات دول أجنبية إلى (سوريا)، عرضوا على (سوريا) بعض مشاريع التعاون الأمني لكن (سوريا) رفضت وقالت، نرفَع المُستوى إلى العمل الدبلوماسي ثمّ نُنسِّق في المسائِل الأمنية. ودعني أسألك أيضاً، هلّ لدى (سوريا) الكثير من المعتقلين المُقاتلين الأجانب؟

تُركي الحسن: دكتور "سامي"، منذ عدّة سنوات، منذ بدء مُحاولات الاتصال بين أجهِزة الاستخبارات الغربية والحكومة السورية مع أجهزة الاستخبارات السورية، كانت هناك مُحاولات من أجل فتح أقنية اتصال سريّة، آنذاك لا يوجد لدى الحكومة السورية شيء تُخفيه. كنز المعلومات في ما يتعلّق بالإرهاب والفصائِل الإرهابية ومَن هو موقوف ومَن قُتِل ومَن عاد حتّى وإن خَرَج هو موجود في عهدة الأجهِزة الأمنية السورية، وهذا الأمر لم ولن يُفتَح، لم ولن يُفتَح إلّا في شكلٍ علني وعلاقة سياسية تُغطّي العلاقة الأمنية. ما سعت إليه الحكومات الغربية أعتقد أنّه مُغلَق، من حقّ الدولة السورية أن تحوِّل ملفاً أمنياً إلى استثمارٍ سياسي وأن يكون هذا الأمر في شكلٍ علنيّ. لماذا تكون هناك علاقة سريّة من أجل هؤلاء؟ ما الذي يُمكن أن تقدّمه أجهِزة الاستخبارات الغربية للدولة السورية وهي التي كانت تحتضن وتدعم وتُقدِّم وشاركت في شكلٍ طبيعي في دفع هؤلاء في اتجاه الأراضي السورية، لا يُمكن أن تُقدِّم شيئاً. الآن ذكرت مجموعة من الأرقام حول الإحصائِيات التي قيلت في الولايات المتحدة وفي (بريطانيا) وفي (فرنسا) حولَ الخسائِر في عام 2014 حيثما استطاعت هذه الدول أن تقضي على "داعش" فيها. يا سيّدي، في هذا الموضوع بدأت هذه الدول في مُحاربة "داعش"، سأفترِض أنها قامت في محاربة "داعش" في عام 2014 في الشهر الثامن، إذاً من أين أتوا بهذه الأرقام؟ وإذا كان "أنطوني بلينكن" الذي كان معاوناً لوزير الخارجية الأميركي "جون كيري" قد عقَدَ مؤتمراً صحافياً في الشهر التاسع من عام 2015 يقول، ما قام به التحالف ومقدار الخسائِر التي تعرّضت لها المجموعات الإرهابية وخاصةً "داعش"، هو يقول: "تمكّنّا من القضاء على عشرة آلاف من "داعش" بينهم مدنيون" وهذا الأمر في (سوريا) و(العراق). كما يقول: استطعنا أن نُدمِّر مئة وأربع دبابات وعربات مُدرّعة بالإضافة إلى ألف وأربعمئة سيارة إضافة إلى ست عشرة مصفاة نفط في (سوريا). لا يوجد في (سوريا) إلّا مصفاتا نفط واحدة في (حمص) والثانية في (بانياس) ولم تُدمّر هذه المصافي، هي عبارة عن تقطير أو لنقُل هو عبارة عن عمل بدائي أوّلي، عبارة عن سخّان أوّلي، ثمن هذه المصفاة ألف دولار في الحدّ الأقصى، وبالتالي كان هذا عملاً استعراضياً

سامي كليب: أوكي عميد، الجانب الثاني من السؤال، ولا أدري إذا كنت خصوصاً أنّ حضرتك أيضاً مررت بأجهِزة مهمة في الدولة السورية، لا أدري إذا كان لديك معلومات دقيقة أم لا. هلّ نعرِف عدداً تقريبياً للمعتقلين الأجانب عند الدولة السورية في المناطق التي أُعيدَت إلى الدولة أو استعادتها الدولة؟

تُركي الحسن: لا يُمكن أن تُعطي الدولة السورية هذه الأرقام لأن بطبيعة الحال هذا رقم يُعتَبَر حتّى الآن مثاراً يُمكن أن تناور الدولة السورية فيه وهو مسار تفاوض في طبيعة الحال، وهو عبارة عن ملفّ لوحدِه يُمكن أن تعمل على المُقايضة فيه

سامي كليب: حسناً، سيّد "إيف بونيه"، الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" في تغريدته قال بشكلٍ واضح إنّ الولايات المتحدة تطلُب من (بريطانيا) و(فرنسا) و(ألمانيا) والحلفاء الأوروبيين الآخرين استعادة أكثر من ثمانمئة مُقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية أسرناهم في (سوريا) من أجل مُحاكمتهم. إنّ الخلافة على وشك أن تسقُط والبديل لن يكون جيداً لأننا سنُضطرّ إلى الإفراج عنهم. كيف في رأيك يجب أن تتعامل (أوروبا) مع هذا الضغط الأميركي عليها في شأن هؤلاء المُقاتلين؟

إيف بونيه: أعتقد أنّ هذه المشاكل لا بدّ وأن نُعالِجها وفقاً لطبيعة كلّ حالة على حدة لاسيّما وأنّنا نتحدّث عن دولٍ تعتمد سيادة القانون ولذلك لا بدّ لنا من أن نعود في تناول كلّ حال إلى القوانين المرعيّة الإجراء وألا نعتمد القواعِد الاعتباطية أو العشوائية فحتّى للإرهابي حقوق مُحدّدة، الحق في أن يجد مَن يُدافع عنه وأن يُقدِّمَ نُسخته عن الأحداث، وأن نُقدِّمَ في المُقابل حلّاً عمومياً أو فيه التعميم على كلّ الحالات، فهو أقرب إلى ضربٍ من الوَهم في الواقع، لن يكون ذلك فعّالاً لاسيما وأنّ ذلك يعني أننا سنحكُم على الجميع بما في ذلك النساء وفي بعض الحالات نعرِف أنّ بعض النساء كان مغلوباً عليهنّ ولم يكنّ مسؤولات عن أيّ فعلٍ كان لذلك المهم هو أن نحرُص على مثول هؤلاء الأشخاص أمام القضاء المُختصّ ومُعالجة المشاكل. أمّا بالنسبة إلى قضيّة الجنسية فنعرِف أنّ بعض القواعِد القانونية المرتبطة بالجنسية لدينا ترتبط بالعهد السابق الذي يعود إلى الثورة الفرنسية، هلّ يحقّ لنا أن نسحب الجنسية من أيّ شخصٍ يحملها في (فرنسا)؟ الإجابة هي لا، لا يحقّ لنا أن نسحب الجنسية ولكن لا بدّ من محاكمة كلّ شخصٍ على أفعاله بالطبع. وبالنسبة إلى حال مثلاً المملكة المُتّحدة، ربما تنطلق بعض الاستثناءات في حالات الأشخاص الذين يحملون عدّة جنسيات أو يحملون أكثر من جنسية، في هذه الحال يُمكننا بالطبع أن نسحب منهم الجنسية الفرنسية ولكن لا بدّ من مواكبة ذلك بالمُتابعة القانونية المطلوبة وأن نعمل على مُتابعة الإجراءات القانونية على مُستوى المحكمة الدستورية وبعض المحاكم الأُخرى بما في ذلك المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وأن نتجنّب كلّ المواقف التي قد تكون غير قانونية

سامي كليب: حسناً. أيضاً الرئيس "دونالد ترامب" كان قد أعلنَ عن منع عودة "هُدى المُثنّى" المنتمية إلى تنظيم "داعش" من العودة إلى (أميركا) بدعوى أنها ليست مواطنة أميركية ومُحاميها يقول: ولِدت في (نيو جيرسي) بعد أشهر عديدة من انتهاء عمل والدها كدبلوماسي. هنا تطرَح هذه المسألة المجال القانوني للتعاطي مع هؤلاء العائِدين، وسنتحدّث عن الأمر بعد أن نُشاهِد لقطات لبعض المُقاتلين الأجانب الذين يُهدّدون البلاد التي جاؤوا منها إلى (سوريا) و(العراق)

مقاتل أجنبي 1: سترون عمّا قريب جحافل الخلافة تدكّ دياركم وحصونكم وتُحرّر (بيت المقدس) من رِجسكم بإذن الله

مقاتل أجنبي 2: أوجِّه رسالة إلى إخواني الأحبّة في الإسلام في (أستراليا)، حان وقت النهوض والتيقّظ وحان الوقت للإسراع نحو الأجر الذي وعدكم الله به. عليكم أن تشنّوا هجوماً عليهم قبل أن يُهاجمونكم 

مقاتل أجنبي 3: ثقوا أنّ الدولة الإسلامية أرسلت إليكم مقاتلين مُتعطّشين لدماء الكُفّار، هم مقاتلون لن يتردّدوا عن ذبحكم

مقاتل أجنبي 4: أيتها الحكومة البريطانية ويا شعب (بريطانيا) سنستمرّ في الجهاد وتخطّي الحدود، ويوماً ما سنغزو أراضيكم وسنحكمها وفقاً للشريعة

سامي كليب: سيّدة "نيكيتا"، واضح من خلال هذه التهديدات في الفيديوهات التي رأيناها، وأيضاً "أبو بكر البغدادي" هدّد مراراً بعمليّات في الغرب. كتاب "داعش" الحامل لعنوان "جهاد بلا حدود" يشرح الأُصول الشرعيّة لمُهاجمة الغرب، ولكن نحن أمام مُعضلة قانونية الآن، تقول بعض الدول: سنسحب الجنسية من البعض، والبعض لن يعود. هلّ هذا تعامُل أخلاقي مع دولة كـ (سوريا) و(العراق) يأتي إليها الإرهابيون ويذبحون من أهلِها، يقتلون من ناسِها، ثمّ تقول الدول التي يحمِل هؤلاء جنسيتها، "لن نعيدهم"؟ ماذا يفعلون؟ يُكمِلون القتل في المناطق التي جاؤوا إليها؟ يعني ما هو الحلّ القانوني لهؤلاء؟

نيكيتا مالك: هناك مسألتان تتعارضان مع بعضهما البعض، أولاً الأخلاق وثانياً العدالة. أخلاقياً، من الخطأ الجسيم سحب الجنسية من أيّ مواطن لأنّ الجنسية حق من حقوقه الإنسانية، غير أنّ الكثيرين من هؤلاء لجأوا إلى المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى المنظمات أو هدّدوا البلدان التي أتوا منها وقرّروا أنهم لن يعودوا إليها. في المقابل، الانضمام إلى منظمة إرهابية هو جريمة، وبالتالي كلّ من انضمّ إلى "داعش" ينبغي مُقاضاته ومُحاكمته ولربّما سجنُه. غالبية الرجال الذين حاربوا مع (داعش)، ولا أعرِف عددهم بالضبط، هؤلاء شاركوا في القتال وفي الجرائِم، ومن المُلفِت الآن أنّ المُشكلة طارِئة أيضاً على مُستوى النساء، فالنساء لم يُحارِبنَ جسدياً فعلياً في الحرب، فقد بقين في المنزل وقمن بتربية الأطفال، لا خطأ لهنّ فكثيرات هنّ النساء الغربيات اللواتي ذهبنَ إلى (سوريا) و(العراق) لأنّهنّ أُعجِبنَ بالدولة الإسلامية، ومنهنّ "هدى" و"شميمة". إذاً ماذا سيجري في حالتهنّ؟ هلّ سوف يُحاكمن؟ القرار سيبقى لدى الدول التي تنتمي إليها هذه النساء، فـ "شميمة" على سبيل المثال بريطانية، مجيئُها إلى (سوريا) كان أوّلَ سفرٍ لها إلى هذا البلد ولا أُبرر ما قامت به ولكن أعتقد أنّه ينبغي مُحاكمتها. سحب الجنسية من الأفراد يؤدّي إلى تأخير عملية العدالة

سامي كليب: صحيح سيّدة "نيكيتا"، طبعاً "شميمة" اعتُبرت أنها خارِجة عن القانون لأنها لم تُعبِّر عن أيّ فعل ندامة، لم تُعبِّر "شميمة" عن أيّ فعل ندامة في أنها جاءت وعاشت مع "داعش"، ولكن سؤالي هو لو سمحتِ لي، لنفترِض أن شخصاً سورياً ذهب إلى دولة أوروبية، إلى (بريطانيا) مثلاً، وفجَّرَ وقتل وذبح واغتصَب ثمّ يُقبَض عليه، وتقول (سوريا) أنا سأنزع عنه الجنسية فتدبّروا أمركم. يعني يبقى إرهابياً في (بريطانيا) لا بأس، لذلك أنا أسأل أنه إذا جاء مُقاتل من (بريطانيا) أو من (ألمانيا) أو من (فرنسا) أو من (إيطاليا) وذبح وقتل واغتصب على الأراضي السورية، يعني الحلّ هو في نزع الجنسيّة عنه؟

نيكيتا مالك: كلّا، ليس هذا حلّاً ولكن إن حدث ذلك، وقد حدثت بالفِعل حالة مماثلة، فأعتقد أنّه من الأفضل مُحاكمتهم، وأعتقد أنّه حريٌّ بالحكومة السورية أن تحاكِمهم بما أنّ الجرائِم ارتُكِبَت على الأراضي السورية. مثلاً إذا لم يقبل (العراق) بمُحاكمتهم، بمُحاكمة من كان على أراضيهم فيتعيّن على (بريطانيا) أن تُطبِّق المعايير الدوليّة لحقوق الإنسان وأن تُحاكم هؤلاء. سواء أعرَبت عن ندمها أم لا أمرٌ لن يؤثِّر على الحلّ، فينبغي أن يتولّى أحد مسؤوليتها، مسؤولية المقاتلين السابقين. نُحاول أن نتفاوض مع (بنغلادش) بشأنها وتقول (بنغلادش) أن لا علاقة لها بـ "شميمة"، إذاً على (بريطانيا) أن تتحمّل المسؤولية، وكما قلت آنفاً، سحب الجنسية منها لن يُجديَ نفعاً. ينبغي مُحاكمة هؤلاء الأشخاص

سامي كليب: حسناً، هلّ حضرتكِ مع التفاوض مع الدولة السورية بشأن هؤلاء الأشخاص، طالما تقترحين أمراً جيداً، فليُحاكموا في (سوريا) مثلاً. هلّ حضرتكِ مع أنّ (بريطانيا) أو (فرنسا) أو غيرها يفتحون علاقات جديّة مع (سوريا) من أجل هؤلاء؟

نيكيتا مالك: لا تعليق لي على هذا الأمر، لستُ في موقعٍ يُخوّلني أن أتحدّث عن ذلك. ما أدعو إليه هو تطبيق القوانين، تطبيق المعايير الإنسانية، ينبغي أن تتولّى البُلدان التي يحمل المقاتلون جنسيتها، على هذه البلدان أن تتولّى مسؤوليّتهم. كثيرون عادوا إلى (بريطانيا) وتحمّلنا مسؤوليتهم

سامي كليب: أوكي. العميد "تركي الحسن"، وزيرة الدفاع الألمانية تقول التالي: يجب أن يكون في إمكاننا ضمان ملاحقة هؤلاء قضائياً، الأجانب الذين قاتلوا في (سوريا)، ولكن في معرِض تأكيدها على الصعوبات التي تواجهها، محاكمة المقاتلين السابقين، تقول أنّه لا وجود لحكومة في (سوريا) تربطنا بها علاقة معقولة ولا يُمكن للرئيس "بشّار الأسد" أن يكون نظيراً لنا و" قوّات سوريا الديمقراطية" ليست منضوية في حكومة وِحدة وطنية، ويجب الحصول على أدلّة وشهادات في (سوريا) إذا كانت ستجري مُحاكمة المُقاتلين. هنا نعود إلى جوهر القضيّة. السيّدة "نيكيتا" تطرح مسألة وتقول، "فلتُحاكمهم (سوريا)". (سوريا) تقول، هؤلاء إرهابيون فليعودوا إلى بلادهم في شكلٍ أو في آخر. هلّ يُمكن أن نُفكِّر في حلٍّ سوري بمعزِل عن الدول الأوروبية مثلاً، أن يُحاكموا فعلاً في (سوريا)؟  

تُركي الحسن: إذا كان هؤلاء في قبضة الأمن السوري أو في قبضة الأجهِزة الأمنية السورية أعتقد أنه سيُصار مستقبلاً إلى حلّ هذه القضية بعد فتح العلاقة بين الأجهِزة الأمنية السورية وأيضاً الأجهِزة الغربية وطبعاً بغطاء سياسي، هذا أولاً. ثانياً، هؤلاء إذا كانوا في عهدة الكرد الآن أو في عهدة الولايات المتحدة أو في عُهدة حتّى أي أطراف قد يكونون في (العراق) كيف يُمكن أن تحاكمهم الدولة السورية؟ هذا الكلام لا يصحّ. أنا في مركز أبحاث والسيّدة "نيكيتا" في مركز أبحات، هي تُعنى بمكافحة التطرُّف وأنا أيضاً أُعنى في مركزي في مكافحة التطرّف. لماذا لا نتعاون مع بعضنا البعض من أجل ذلك، يعني من أجل مكافحة التطرُّف؟ ما الذي يمنع، هلّ الآن وقفت أمام حائِط أنها لا يُمكِن أن تُبدي حتّى رأياً في إمكانية الاتصال مع الحكومة السورية؟ وما تقوله وزيرة الدفاع الألمانية حول العلاقة مع (سوريا)، غداً ستصطف بالأرتال هذه الدول وستأتي وزيرة الدفاع أو غيرها، قد يأتي وزير الخارجية، للتفاوض مع الحكومة السورية. هذا الموضوع كان يُحكى في عام 2011، 2012، 2013. نحن في عام 2019 والموضوع قد انتهى من حيث الموضوع والرئيس الأسد لا يبحث عن مشروعية الآن لأنه موجود بمشروعية كاملة، تعترِف به الدول ولا يزال العلم السوري يُرفرِف في الأُمم المتحدة ومندوب (سوريا) الدائِم يصدَح يومياً في لقاءات الأُمم المتحدة وخلال كلمات مجلِس الأمن. إذاً هذا الأمر، الوقوف عند نُقطة مُعيّنة، العتبة الذي يقول فيه أنه المشروعية أو لا يمكننا أن نفتح علاقات مع الرئيس "الأسد" أو ليس بمثلنا، من الذي قال أنّه ليس بمثلِهم، أو مثل مَن؟ مَن الذي يُعطي هذه الأحقيّة أو هذه الشهادة؟ دولة موجودة انتصرت في الميدان والآن تُتابع أعمالها بطبيعة الحال وهي استطاعت أن تُنهي حرباً شاركت فيها ثماني وثمانين دولة من مُختَلَف الدول، وعندما كنّا نقول "أصدقاء سوريا" كان العدد 132 دولة والآن مَن كان يُتلي فعل الندامة عنما أسمع "حمد بن جاسم" رئيس الوزراء القطري السابق يقول إنّ " سوريا كانت الطريدة وفلتت منّا وكنّا نتهاوش عليها ودفعنا 137 مليار دولار من أجل إسقاط (سوريا)"، هذا الكلام انتهى وأصبح خلف الظهر

سامي كليب: عميد "تركي الحسن"، (تركيا) اقترحت على (أميركا) أن تُبقي هؤلاء على الأراضي السورية أو أن تنقلهم إلى منطقةٍ أُخرى. التُركي، الدولة التركية، الرئيس "رجب طيّب أردوغان" يُمكن أن يكون حلّاً لهؤلاء مثلاً؟ خصوصاً أنّه على ما يبدو يُفاوِض الأميركي في الموضوع

تُركي الحسن: إذا كان الرئيس "أردوغان" يُريد أن يأخذهم في اتجاه (تركيا)، وهو من أكثر الأنظِمة والرؤساء الذين شاركوا وأوغلوا في الدم السوري، فليأخذهم ويُحاكمهم في (تركيا). لا يُمكن للرئيس "أردوغان" أن يُقيم هؤلاء على الأراضي السورية ثم يقول في ما بعد أنّ على الدولة السورية أن تستقبلهم. من أوقفته الدولة السورية فهو في عُهدتها ومن تريد أن تُحاكمه فهي أيضاً ستُحاكمه، ومن يصطفّ، لماذا تصطفّ الأجهِزة الغربية من أجل أن تقول، "نفتح العلاقة من أجل هؤلاء"؟ إذا كانت لا تعترِف بالدولة لماذا تُحاول إنشاء علاقة أو تحاول فتح قنوات اتصال من أجل هؤلاء؟ أعتقد أنّ من عاد إلى (أوروبا) أكثر مما هو موجود الآن في مُعسكرات "قسد" أو في المُعسكرات الأميركية في شمال شرق (سوريا)

سامي كليب: أوكي

تُركي الحسن: المعلومات الأولية تُشير إلى أنه عاد حوالى ثمانية آلاف وخمسمئة إلى (أوروبا)، هؤلاء هلّ عادوا كلّهم تحت رقابة الأجهِزة الأمنية الأوروبية؟ كيف يُمكن الآن، "داعش" تحتضر صحيح وفي النهايات والنزع الأخير صحيح، وهؤلاء من تبقّوا إلى الأخير، ولكن هناك من عاد، قبل فترة تمت عودتهم، يعني عاد إلى (ليبيا) حوالى ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف، عاد إلى (أفغانستان) من ثلاثة آلاف وخمسمئة إلى أربعة آلاف، عاد قسم إلى (سيناء) وعاد إلى (أوروبا) حوالى ثمانية آلاف وخمسمئة. الروس أعلنوا كم هي الأعداد كبيرة خلال الذكرى الثالثة للتدخل أو للاشتراك الروسي في الحرب على الإرهاب في (سوريا)، بيان كامل عن وزارة الدفاع الروسية يقول كم هي الأعداد، يعني خمسة وتسعون ألف إرهابي، ألف ومئة مدفع وهاوِن، سبعمئة عربة مُدرّعة، تسعمئة دبابة، وهناك أيضاً ألف ومئتا مقرّ قيادة. هناك أعداد كبيرة، طبعاً لا أقصد "داعش" فقط، "داعش" و "النُصرة" ومُختَلَف الفصائِل على الأراضي السورية

سامي كليب: حسناً. سيّد "إيف بونيه"، الدول التي الآن يُطالبها الرئيس الأميركي بإعادة المُقاتلين الأجانب شاركت في الحرب على (سوريا) وشاركت في الحرب في (سوريا) ودعَمت بالسلاح ودَعمت أيضاً بالكثير من التضييق على الجيش السوري في مُحاربته لهؤلاء قبل أن يربح الجيش السوري وحُلفاؤه مُعظم الأرض السورية باستثناء بعض المناطق التي لا تزال خاضِعة إلى أطراف عملياً أميركية أو تُركية أو الآن فرنسية وبريطانية، و(فرنسا) طالبت الأميركي بعدم الانسحاب وهي قالت إنّها ستبقى هناك. كلّ هذا عال، ممتاز. أنا حسب معلوماتي البسيطة المتواضعة جاء في السابق رئيسا الاستخبارات الفرنسية الخارجية والداخلية إلى (سوريا) وحاولا التنسيق قبل أعوام قليلة جداً من أجل هؤلاء المُقاتلين الأجانب الإرهابيين، ولدى (سوريا) لا شكّ لوائِح بأسماء كثيرة ويُمكن أن تُساعِد. السؤال المطروح حالياً، لماذا لا يُقدِم أو تُقدِم هذه الأطراف جميعاً الأميركية الأوروبية التركية الإيرانية الروسية مع (سوريا) على تشكيل لجنة موحّدة للبحث في مصير هؤلاء؟ بدل الاختفاء خلف أصابعنا والقول، " نحن لا نريد أن ننسّق مع النظام، لا نُريد أن نتحدّث مع الدولة السورية، لا نُريد أن نتحدّث مع الحكومة". في النهاية، هذه الأطراف هي الوحيدة القادرة على إيجاد حلّ يُجنِّب (أوروبا)، ونحن لا نقول يُجنِّب الوطن العربي، يُجنِّب (أوروبا) كوارِث إرهابية قد تحدُث في المرحلة المُقبلة

إيف بونيه: لقد تعدّدت الجوانب في سؤالك، بالنسبة إلى تدخّل الأجهِزة الأمنية والاجهِزة الاستخباراتية لا بد وأن يحصل تعاون على مُستوى أجهِزة أمنية واستخباراتية متعدّدة بهدف الاعتماد على علاقات عمل مُثمرة مثلاً مع الاستخبارات السورية وكذلك المُباشرة بحوارٍ بنّاء ومُثمر بهدف التوصّل إلى تسوية الملفات المُختلِفة وبطريقةٍ جيّدة. هذا واضح وجليّ، وبالنسبة إلى المُقاتلين القدامى البعض منهم يهمهم بالطبع الأجهِزة الاستخباراتية لاسيما هؤلاء القادرون على العودة والذين يُمكن إعادة تجنيدهم في الواقع في أيّة أحداثٍ وفعاليّاتٍ مُستقبلية. ونعرِف بالطبع أنّ هذه المجموعات ستكون معنية ربما بأنشطة تقوم بها الدولة الإسلامية. كلّ هؤلاء مثلاً الذين ارتكبوا جرائِم على أرضٍ أجنبية، مثلاً على الأرض السورية، لا بدّ وأن يُحاكموا كذلك بشكلٍ قانوني ومشروع من خلال القضاء السوري، ولا دور لنا لنتدخّل بتاتاً في هذه المُجريات التي تخصّ دولة ً أُخرى مستقلّة لاسيما بالنسبة إلى أحداثٍ وجرائِم ارتُكِبت خارِج حدودنا الوطنية

سامي كليب: سيّد "بونيه" إسمح لي بالمُقاطعة، آسف لمقاطعتك. هلّ لديك معلومات عن تنسيق أمني حصل مثلاً بين (فرنسا) و(سوريا) في السنوات القليلة الماضية؟

إيف بونيه: لا، لا أملك أية معلومات في هذا الصدد. أنا في حدّ تجربتي مسيرتي المهنية كنتُ على تعاون مع الاستخبارات السورية من حيثُ موقعي، ولكن بالنسبة إلى حالات المُقاتلين العاديين، المُقاتل العام، لا شكّ كما قلت سابقاً أنه عندما يعود إلى (فرنسا) لا بدّ وأن يُحاكم في الطريقة المعهودة

سامي كليب: في أيّة سنة كنت على تعاون مع المُخابرات السورية؟

إيف بونيه: في ثمانينات القرن الماضي، عام 1984، 1985

سامي كليب: كانوا إيجابيين معك في التعاطي؟ خصوصاً أنّ تلك الفترة كانت فترة عمليّات خطف حصلت وتفجيرات وما إلى ذلك في (لبنان)، هلّ كانت الأجهِزة السورية تتعاطى بإيجابية معكم؟ هلّ كانت مُفيدة لكم؟

إيف بونيه: بالطبع لا يحُق لي أن أتحدّث عن ذلك بهذه البساطة، لكن لا شكّ في أننا عمِلنا بناءً على علاقاتٍ فيها قدرٌ مقبول من المُعاملة بالمثل. عندما نتحدّث عن الملفّات التي تكون ذات ارتباط بـ (فرنسا) و(سوريا) فهي تُحلّ عادةً عبر القنوات الدبلوماسية التي كانت دوماً مفتوحة

سامي كليب: صحيح

إيف بونيه: وفي حال عدم وجود قنوات مفتوحة لا شكّ في أنّ الوضع يُصبِحُ أكثر تعقيداً، عندها لا بدّ وأن نتعامل مع كلّ حالة على حِدة وبحسب طبيعة كلّ حالة وسياقها

سامي كليب: لا أدري سيّد "بونيه"، أنا حين أقرأ كتبك كأنّ لديّ الانطباع أنك كنت أكثر جرأة في التعبير في الكُتب من الشاشة الآن، وقد كشفت الكثير من الملفات في كُتبكَ في الواقع تتعلّق بـ (لبنان) وبـ (سوريا) وغيرهما. على كلّ حال، ربما سيكون لدينا حلقة خاصّة حول كُتبِكَ لأنك كشفت فيها الكثير من المعلومات المُهمّة جداً، جداً آنذاك. سيّدة "نيكيتا مالِك"، لو سمحتِ، الآن هناك توصيف اجتماعي فكري تربوي لهؤلاء المُقاتلين الأجانب الذين جاؤوا إلى (سوريا) بسبب الدعاية كما تفضّلتِ في بداية هذه الحلقة عبر الإنترنت وغيرها، عبر غسل أدمغتهم وصاروا إرهابيين يذبحون، يقتلون، يغتصبون، وما إلى ذلك. هلّ هؤلاء ينتمون إلى شريحة مُعيّنة من المُجتمع البريطاني؟ هلّ هم أبناء الضواحي؟ هلّ هُم فقراء؟ هلّ هم عديموا التعليم؟ في النهاية ربما في حلولٍ أُخرى يُمكن أن تنتهي هذه المُشكلة مثلاً؟

نيكيتا مالك: ما من توصيف مُحدّد، نتعاطى مع هذه الحالات كلّ حالة على حدة. لا أقول أنّهم فقراء، لا أقول أنّهم غير متعلّمين، على العكس. أعتقد أنّ ما حفّزهم للذهاب        إلى (سوريا) هو الدعايات، الحملات الدعائية. ما من قاعِدة واحدة، ما من رأي واحد نُعمّمه على الجميع فهُم أشخاص مُختلفون من خلفيات مُختلفة. بعضهم لديه سجلّات إجرامية، بعضهم ارتكَبَ جرائِم في السابق وزُجّ في السجن واستُخدِمَ من جانب جماعات مُتطرِّفة وإرهابية ثمّ التحقَ في صفوف الإرهابيين. أودّ أن أُحدّد ما قلته سابقاً في حلقاتكم آنفاً، لا أدري أيها، قيل في هذه الحلقة إنّ (بريطانيا) ساعَدت المُقاتلين الأجانب في (سوريا). إن كان هذا ما قيل فسوف أُصحّح ذلك. على عكس ما قيل، (بريطانيا) لم تدعم بل على العكس، (بريطانيا) كانت تُساعِد في مهام القضاء على هؤلاء الإرهابيين والمُقاتلين وليس العكس

سامي كليب: سيّدة "نيكيتا"، لكي أُصحِّح فقط أيضاً هذه المعلومة من قِبَلِنا، أنا أعتقد أنّ العميد "تُركي الحسن" تحدّث عن الأسلِحة التي استخدمها هؤلاء، وفي النهاية الجزء الأكبر منها أسلِحة غربيّة. وفي هذا المعنى هناك مُساعدة ولو في شكلٍ غير مُباشَر عملياً لأنّ صفقات الأسلِحة التي عُقِدت بين دول غربية وبين دول دعمت مباشرةً هؤلاء المُسلّحين لم تكن تمرّ من دون عِلم الدول

نيكيتا مالك: من أين أحضرتم هذه المعلومات؟ فلنستحضِر الماضي. هذه حرب، الكثير من هذه الأسلِحة ورَدت من أصقاع مختلِفة في العالم، لا يُمكننا أن نؤكِّد أنّ بلداً محدّداً كان يمدّ يد العون لـ "داعش" لاسيما في ظلّ الجهود الجبّارة التي بذلناها للقضاءعلى "داعش". لا أوافقكم الرأي

سامي كليب: أوكي. لك الحق بألّا توافقي ضيفنا الرأي ولكن في نهاية الأمر كانت هناك مجموعات أصدقاء (سوريا) وكان الدعم المالي مُعلَن عملياً وكانت تذهب لما يُسمّى بالجيش الحرّ وللمجلِس الوطني والتجمّعات المُعارِضة، وفي نهاية المطاف للأسف كانت الأسلِحة تهرُب من عندهم أو تُحوّل من عندهم إلى تنظيمات في ما بعد تبيّن أنها إرهابية أكانت "النصرة" أو "داعش" كما حصلَ مثلاً أيضاً مع (فرنسا)، كانت تُرسِل مُساعدات ثمّ نجِد أنّه تمّ استخدامها من قِبَل مقاتلين في (مالي) ضدّ الجيش الفرنسي. نحن لا نقول إنّ المساعدة كانت مباشرة لـ "داعش" أو لـ "النُصرة" ولكن المُساعدات المالية والأسلِحة للتنظيمات الأُخرى التي كانت تُعتَبر شرعية وتُستقبل في العواصم الغربية ذهبت في شكلٍ غير مُباشر إلى الإرهابيين، وهذه شكّلت حالة مُعقّدة جداً في الواقع، عن هذا تحدّث ضيفنا. على كلّ حال لا أُريد الحديث مكانه، هو سيُجيب. عميد "تُركي الحسن" لك الإجابة، ودعني أُضيف سؤالين على إجابتك لكي تكون شاملة. ثمّة مَن يطرح نقل المُقاتلين الأجانب إلى (أفغانستان)، وثمة مَن يقول، "فليُقتلوا على الأراضي السورية ونرتاح من هذه المُشكلة"

تُركي الحسن: في طبيعة الحال، من قُتِلَ قُتِل. الآن المعارِك الموجودة في شمال شرق (سوريا) هي بين "قوات سوريا الديمقراطية" من جهة مع التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية ضدّ "داعش" في منطقة محدودة وصغيرة جداً وأعتقد أنّه لا تنشب هناك معارِك وإنما يتمّ الآن إخراج هؤلاء على دفعات وفق الرؤية الأميركية التي تسعى في إخراج هؤلاء حسب الاتجاه الذي يُحدّد في نهاية منطقة (الباغوز) التي تتواجد فيها وأعتقد أنّ الموجودين الآن ومحاصرين في الجانب الموجودين فيه هم من منطقة (القوقاز)، أغلبهم من منطقة (القوقاز)

سامي كليب: أوكي

تُركي الحسن: في ما يتعلّق بالجواب حول الأسلِحة، أنا كنت في مؤتمر في (الأُردن) وأعتقد أنه جرى هناك تحقيق أميركي أُردني مُشتَرَك حول أسلِحة تمّ نقلها من قِبَل الاستخبارات الأميركية وسُلِّمت للمخابرات الأُردنية التي بدورها سلّمتها للمجموعات المُسلّحة، وهناك تحقيق عندما تمّ القتل، هذا الأمر موجود وليس من عندي ويُمكن العودة له مع السيّد "ديفي تشينكر" الذي كان في زمانه مُدير مكتب وزير الدفاع وهناك تقرير أفضى به في ذاك المؤتمر وهناك تحقيق أُردني أميركي مُشتَرَك في قاعِدة (الموقّر) عندما قام أحد المتطرّفين بقتل إثنين من الجنود الأميركيين وإثنين من الجنود الأُردنيين وإثنين من (جنوب أفريقيا) وفي التحقيق تبيّن أنّ السلاح الذي استُخدِم كان من الأسلِحة التي زوّدت بها المُخابرات المركزية الأميركية المُخابرات العامة الأُردنية من أجل إيصالها إلى المجموعات المُسلّحة، لكنها كما يقول بكلّ أسف أوصلتها إلى المجموعات المُسلّحة المتطرّفة، وبالتالي هذا شاهِد في طبيعة الحال

سامي كليب: أوكي. عميد انتهى الوقت ولكن سؤال فقط بإجابة لو سمحت، لحظات بسيطة. "عبد الكريم عُمر" الرئيس المُشترك لمكتب العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية في "قسد" طبعاً يقول: لن نُفرِج عن مُقاتلي "داعش" وعلى الدول تحمُّل مسؤوليّاتها. نحو ثمانمئة مقاتل أجنبي مُحتجزون في السجون إضافةً إلى قُرابة سبعمئة زوجة وألف وخمسمئة طفل في مُخيّمات النازحين وعشرات المُعتقلين وأقاربهم يصلون يومياً. المُعتقلون قنبلة موقوتة، من المُمكن أن يفرّوا خلال هجوم على المنطقة. هذا أمر مقلِق في رأيك؟

تُركي الحسن: لا أعتقد أنهم سيفرّون ولكن إذا لم تُفتَح لهم الأبواب من خلال مناطق المُعسكرات التي يتواجدون فيها لن يخرجوا لأنهم في طبيعة الحال منعزلون عن باقي الجغرافيا هذا أولاً، ثانياً ليس الأمر بيد "عبد الكريم العُمر" الأمر في يد الولايات المتحدة، ما تقول به الولايات المتحدة سيُنفّذ وأعتقد أنّ هذه جزء من أوراق الضغط التي تُمارسها الولايات المتحدة ربما من أجل أخذ أبنائِها الذين يتواجدون الآن في شمال شرق (سوريا)، في عهدة الولايات المتحدة وقوات "قسد"

سامي كليب: أوكي. سيّدة "نيكيتا مالِك"، هل تريدين أن تُضيفي أي شيء في ختام هذه الحلقة؟

نيكيتا مالك: كلّا. شكراً لكم لاستضافتي

سامي كليب: شكراً جزيلاً لكِ، "نيكيتا مالِك" مديرة "مركز دراسات التطرّف والإرهاب" كانت معنا من (لندن). من (فرنسا) السيّد "إيف بونيه" المدير السابق لوكالة الاستخبارات الفرنسية. هلّ لديك أية كلمة في ختام البرنامج سيّد "إيف بونيه"؟

إيف بونيه: إن كان لي أن أختُم فلا بدّ من أن أقول أنّه لا بدّ لنا وأن نسعى دوماً إلى تطبيق الديمقراطية والتقيّد بها داخلياً وخارجياً ويعني ذلك احترام سيادة الدول الأُخرى بما في ذلك سيادة (سوريا) ومع ذلك بالطبع تطبيق القانون كما هو على مُستوى المواطن الفرنسي الذي ارتكب جريمة أو ارتُكِبت جريمة في حقه

سامي كليب: شكراً جزيلاً لك سيّد "إيف بونيه"، شكراً لك أيضاً العميد "تُركي الحسن" الباحث في "مركز دمشق للأبحاث والدراسات"، شكراً لكم جميعاً، إلى اللقاء في حلقة مقبلة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين"، إلى اللقاء