بيت القصيد

برنامج حواري مع شخصية إبداعية ثقافية أو فنية، يتضمن فقرات مصوّرة، ويتم التركيز في حلقاته على القضايا الإبداعية الفكرية والثقافية والفنية وعلاقتها بالقضايا العامة من خلال استضافة شخصيات عربية متنوعة في المجالات المذكورة: فن، أدب، فكر، فلسفة، نقد، شعر، مسرح، سينما، دراما تلفزيونية، رسم، غناء، إعلام، بالإضافة إلى بعض السياسيين ورجال الدين المثقفين.

الدكتورة العالية ماء العينين

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يفتح أبوابه واسعةً الليلة لسيّدةٍ عربية مغربيّة مبدعة مثقّفة، نتعرّف من خلالها على بعض ملامح التجربة الإبداعية للمرأة المغربية وكيفية حضورها في المشهد الثقافي العام، ولنذهب برفقتها في رحلة سفاري شعريّة شيّقة نكتشف فيها نوعاُ مميزاً من الشِعر العربي الحسّاني المسمّى "التبراع" الذي تبرع فيه المرأة الحسّانية في جنوب (المغرب) و(موريتانيا) متغزّلةً بالرجُل المعشوق بجرأة وأريحية، وضيفتنا خيرُ من يتحدث في هذه الموضوعات التي اشتغَلت عليها كثيراً وأعدّت عنها أبحاثاً ودراسات وأصدرت حولها كتباً ومؤلّفات قيّمةٍ جميلة. "بيت القصيد" بيت المبدعين العرب يُضاء بحضور الكاتبة والباحثة، أُستاذة الأدب العربي في جامعة "محم~د الخامس" في (الرباط) الدكتورة "العالية ماء العينين"، أهلاً وسهلاً شرّفتِ "بيت القصيد"

العالية ماء العينين: مرحباً بك أُستاذ "زاهي" وسعيدة جداً في حضوري معكم اليوم ومعك في "بيت القصيد"

زاهي وهبي: ونحن سعداء بوجودِك. السؤال الأول الذي أعتقد يخطُر على بال المُشاهدين مثلما خطر على بالي، هذا الإسم الجميل "العالية ماء العينين"

العالية ماء العينين: "العالية ماء العينين"، الإسم الشخصي هو إسم جدّتي، أنا أحمل إسم الجدّة، و"ماء العينين" هذه لها حكاية. إسم جدّي "الشيخ ماء العينين" فأطلقه عليه ولقّبه به، وهو إسمه "محمّد مُصطفى"، واللقب أطلقه عليه والده الشيخ "محمّد فاضل بن مامي" وكان عنده مغزى، أن تكون العين الأولى هي العين الجارية، عين الماء التي يأتي إليها الناس وتأتي للناس

زاهي وهبي: نسمّيه "السبيل" نحن

العالية ماء العينين: نعم، والعين الأُخرى هي عين الشريعة وعين الحقيقة في معناها الصوفي، فهو لقب أُطلق على "شيخ ماء العينين"، فسعِدنا نحن أيضاً وتشرّفنا بحمده

زاهي وهبي: إن شاء الله دائِماً عالية المقام ومُضاءة العينين والبصر والبصيرة بإذن الله، ما هو منشأ اهتمامكِ بالثقافة والأدب والكتابة؟

العالية ماء العينين: أنا مدينة في هذا الأمر لوالدي، يعني والدي أُستاذ، هو صحيح أنه في القضاء لكنه أُستاذ مُثقف وباحث وله مجموعة كتب، فكانت هناك مكتبة في البيت، فهذه المكتبة لا يُمكن إلّا أن تسترعي انتباهي كطفلة خصوصاً أنّه كان دائِماً يجعلني رفيقة إعداده لهذه المكتبة وتنظيمها، فمنذ البداية وُلِدَت معي هذه العلاقة الخاصة بالكتاب والثقافة

زاهي وهبي: ورّطكِ

العالية ماء العينين: نعم، ورطة جميلة ولكن فعلاً كانت هذه هي البداية. ربما العلاقة بالثقافة بدأت من الكتاب

زاهي وهبي: منذ الطفولة

العالية ماء العينين: نعم، منذ الطفولة

زاهي وهبي: دعينا نذهب برفقتكِ ورِفقة زميلتنا "يارا أبي حيدر" إلى مكان جميل في (بيروت)، إلى "الساحة" الذي هو مُجمّع، يعني فندق ومطاعم، ونستمع إليكِ في "علامة فارِقة"

علامة فارِقة - العالية ماء العينين:

- عادةً أحلام المُراهقة وبداية الشباب تكون مثل العناوين الكبرى، يطغى عليها طابع الانبهار وأشياء كثيرة نُريد أن نُحققها. لا أعرِف، هلّ هي أشياء كبيرة فعلاً أم أننا نراها كبيرة في عيون الصغار؟ لكن فيها شيئان أنا سعيدة في أنني حلمت بهما في يوم من الأيام واستطعت أن أصل إلى تحقيقهما وهما، أولاً الكتابة، أن أكون كاتبة

- الكتابة عندي كانت منذ كنت صغيرة وبدأت عندي كالتالي: عندما أكون في المدرسة ويقول الأُستاذ أيّ شيء أحسّ دائِماً أنّ عندي رغبة على التعليق وأحب أن أعود إلى البيت وأُحاول أن أخطّ فكري أو رأيي الذي أحياناً ربما بسبب صغر السنّ لا أستطيع أن أُعبِّر عنه. أُفكِّر في قصص وفي الغالب تكون عاطفية طبعاً وأكتُب، أكتب أشياء، يعني هذه الآلة أو المادة التي سمحت لي أن أدخُل إلى العالم الخارجي

- الحلم الثاني هو أن أكون مُدرِّسة أو مُعلِّمة، أنا أُحببت دائِماً هذا الشيء. أنا أعشق هذه العلاقة التي تكون ما بين الأُستاذين ودائِماً كنت مُعجبة بأساتذتي، دائِماً أُحبهم وأُقدِّرهم ولهذا كنت دائِماً أتمنّى، أعتبر دائِماً أنّ المُعلِّم مكانة لا يستطيع أن يرقى إليها أي أحد

- أنا أتصوّر أنه إن كان مذاقنا هو أن الحياة مُرة كأننا هُزِمنا من أول لحظة. الحياة فيها مصاعِب، الحياة فيها مشاكل، الحياة أحياناً قاسية جداً ولكنها ليست مُرّة، لماذا؟ لأنّ كلّ واحِد فينا عنده قدرة على أن يُغيِّر شيئاً من الحياة من زاويته، كلّ واحد منّا عنده القُدرة على أن يُدخل السعادة ويُدخل الحلاوة على نفسه وعلى المُحيطين به، فبدل أن أرى الحياة كلها مرّة أرى كيف يمكن أن أُقدِّم شيئاً حلواً لهذه الحياة وكيف يمكنني أن آخُذ منها شيئاً حلواً

- الناس عادة يقولون، "أنا أتقبل الاختلاف". أنا لا أتقبل الاختلاف فقط، أنا أُحبّ الاختلاف، أُحب أن أتعرّف على الآخر المُختلِف عنّي في كلّ شيء. لا يُخيفني أبداً الاختلاف. جميل أن يكون صديقاً يُشبهك، لكن العلاقات المبنية على الاختلاف مُدهِشة

- تعرِفين هذا التعبير الذي كان يُقال، "الشاعر إبن بيئته"؟ وتجاوزناه نوعاً ما؟ أنا أتصوّر أنّ كلّ إنسان في شكلٍ أو في آخر إبن المكان الذي عاش فيه. أنا إبنة الصحراء، والصحراء رغم أنني لم أعِشها ولكن هي في عُمقها مكان للمُتنقِّل، مكان للرُحّل. وهذا أضاف أيضاً شيئاً آخر وهو أنّ طبيعة عمل والدي حين كنت صغيرة جعلتنا دائِماً نتنقّل من شمال (المغرِب) إلى الجنوب إلى الوسط، فالمكان الذي أحمِله معي يظلّ معي دائِماً

- أنا بنت أُسرة مُحافِظة. في البداية كانت الكتابة والقراءة هي النافذة التي انفتحت منها على العالم، هي التي دخلت منها. هناك أشياء كثيرة أنا ربما لم أُجرِّبها في حياتي لكن جرّبتها، ذقت حلاوة التجربة عن طريق القراءة

-السفر مُتعِي الخاصة. أُحبّ أن أتعرّف فيه على الناس، على ثقافتهم، على أكلهم، يعني هذه الأشياء المُهمّة عندي. لكن يظلّ الإنسان هو أهمّ شيء، يعني البلاد التي عندما نأتيها ونغادرها أو يكون عندنا فيها أصدقاء أو يكون عندنا فيها أناس أصدقاء أكثر، هذا أكثر ما أعشقه، ولذلك أقول مع المجنون: " وما حبّ الديار شغف قلبي ولكن حبُّ من سكن الديار"

- أنا أقول أنّني أُحب السفر لكن لا أُحبّ السفر الطويل، أنا لا أقوى على الابتعاد كثيراً عن (المغرب) وعن بلدي وعن أهلي، لماذا؟ لأنني أُحسّ دائِماً بالشوق الدائِم لهم

- ما يجعل الحياة مُحتملة بالنسبة لي هو وجود الأهل، العائِلة الكبيرة، الأب، الأُمّ، الإخوة والأخوات الذين يُشجعّونك ويُساعدونك، العائِلة الصغيرة، الزوج الذي يُساعِد، الذي يُسهِّل الحياة، وجود الأبناء الذين هم المُستقبل، هذا أول شيء، ثاني شيء أن يكون في الحياة أصدقاء حقيقيون. أظنّ أنّ هذه من أكثر الأشياء التي تجعل الحياة مُحتملة

زاهي وهبي: يعني تحية لـ "المغرب" وأهل (المغرِب) من خلالكِ ولأُسرتكِ أيضاً الداعِمة والمُشجِّعة كما يبدو. سنعود إلى بعض مفاصل ما تفضّلتِ به ولكن أولاً، هلّ تؤمنين حضرتكِ في مقولة الأدب النسوي؟ هلّ لكتابة المرأة حساسية وخصوصية مُختلفة عن أدب الرجُل؟

العالية ماء العينين: نعم، أنا شخصياً ليست عندي أيّة مُشكلة مع هذا الموضوع، أنا أعتبر بأنّ القول، رغم أنّ ربما مسألة نسوة ونساء فيها خلاف نوعاً ما، لكن أنا أعتبر أنّ للمرأة فعلاً كتابة خاصة. للمرأة روح توجد في كتابتها ولكن لا أعتبر لأنني لا أفهم كيف يرى البعض هذا كأنّه مذمّة، على العكس المرأة لها تلك الصِبغة أو تلك الروح التي جعل من أدبها إنسانياً وعالمياً. يعني مثلاً أنا

زاهي وهبي: يعني هناك جنس "جندري" للأدب؟

العالية ماء العينين: لا، أنا أعتبر المرأة مُبدِعة، يعني مثلها مثل الرجُل. هناك إبداع ولكن أعتبر دائِماً أنّ هناك لمسة خاصة بالمرأة، وجهة نظر خاصة نقرأها أحياناً في أدبها

زاهي وهبي: هل لهذه اللمسة سِمة عامة لكتابات المرأة؟ يعني ما هي هذه اللمسة الخاصة؟ ما هي الحساسية

العالية ماء العينين: ليست سِمة في الأدب، أنا فقط أعتبر وجهة نظر المرأة التي تأتي في إبداعها، سأُعطيك مثالاً يستوقفني كثيراً، "جليلة بنت مُرّة" مرتبطة بحرب "البسوس"، وحرب "البسوس" معروفة، دائِماً نتحدّث عن "الحارث بن العبّاد" يعني " قرّب مربط النعام منّي"، ونتحدّث عن "المُهلهل" ولا نتحدّث عن أبيات جميلة لـ "جليلة بنت مًرّة"، أظنّ أنّها مثَّلت فيها حقيقة المرأة وإحساسها بالحرب

زاهي وهبي: نعم، رغم أنّ الشخصيّة قُدِّمت في بعض الأعمال المسرحية والدرامية، شخصية "جليلة" أعني

العالية ماء العينين: عندما تقول، "جلّ عندي فعلُ جسّاسٍ فيا حسرتي عمّا انجلى أو ينجلي، فعلُ جسّاسٍ على وجدي به قاطعٌ ظهري ومدنٍ أجلي"، حتّى تقول، " يا قتيلاً قوّض الدهرُ به سقف بيتيّ جميعاً من علي، هدم البيتَ الذي استحدثته وانثنى في هدمِ بيتي الأوّل". أقول دائِماً بأنّ هذه إحساس خاصّ، الرجُل لا يستحدث بيتاً، الرجُل قد يفتحُ بيتاً ولكن بيت ينتمي لسلسلة أُخرى، سلسلة الأب والجدّ. المرأة هي التي تستحدُثُ بيتاً، المرأة هي الأكثر تضرّراً لأنّ الجسّاس أخذَ بثأره و"كليب" مات و"المهلهل سيأخُذ بثأره، ولكن ذلك الإحساس بأنّها أضاعت بيتين، هذه الأشياء التي أتحدّث عنها، أتحدّث عن هذه السمة التي يمكن أن أجدها في كتابة المرأة ليس لها عنوان مُعيّن ولكنها خاصّة. "فيرجينيا وولف" تقول بأنّها تُحبّ "جين أوستين" رغم أنّها ليست مثل "شارلوت برونتي"، وتقول لأنّ فيها شيء خاص، شيء استطاعت أن تتجاوز به، هي تتحدّث عن الذكورة الموجودة في كتابات "شارلوت برونتي" والتي حاولت من خلالها أن تُقنِع النموذج نوعاً ماً، فلا أعرِف هلّ بلّغت! ولكن حقيقةً أنا أشعُر بأنّ هذا الشيء يُميِّز المرأة ولا يُعيبها

زاهي وهبي: على كلّ حال، يُمكن أن نتوسّع خلال الحوار

العالية ماء العينين: أكيد

زاهي وهبي: وعندي شعور أنّ المرأة القبائِلية عموماً إذا جازَ هذا التعبير، التي تنتسب إلى قبائِل سواء في الصحراء، في المغرِب، في (موريتانيا) وفي أماكن أُخرى في الوطن العربي، أكثر بأساً وقوّة وحضوراً ربما من المرأة الحضرية على عكس ما قد يتخيّل الإنسان للوهلة الأولى

العالية ماء العينين: أكيد

زاهي وهبي: ما السبب؟

العالية ماء العينين: لا يجب دائِماً، هناك دائِماً هذا الربط ما بين الشخصيّة والمكان وكأنّ المرأة التي في المدينة يجب أن تكون أقوى، المرأة التي في الغرب يجب كذا، لا. المسألة مُرتبطة بشخصيّة المرأة في حدّ ذاتها. هناك صورة دائِماً تستوقفني، المرأة عندما تكون في مكانٍ مُعيّن يصعُب عليها أن تقول لا للعُنف أو أن تُبلِّغ عن العُنف، تستحي، لكن المرأة البسيطة العادية إن ضربها مثلاً الرجُل ممكِن أن تخرُج مثلما يقول إخواننا المصريون، ممكن أن تفضحه في أُمّة لا إله إلّا الله، فتخرُج المرأة

زاهي وهبي: نعم، تُحدِث له فضيحة بجلاجل

العالية ماء العينين: نعم، "بجلاجل" فالمكان ليس له، المرأة في الصحراء فعلاً

زاهي وهبي: حرّة أكثر

العالية ماء العينين: حرّة ولها مميزات كبيرة جداً، يعني مثلاً، أعطي مثالاً بسيطاً أو بعض الأمثلة، مثلاً على المُستوى الاجتماعي هي امرأة تعيش في فضاء يُساوي ما بينها وبين الرجل. مثلاً أعرِف أنه مثلاً في الصحراء، في الثقافة الحسانية، يُقال للطفل الصغير وهو ما زال صغيراً، في التربية، يقال له مثلٌ حسّاني: " بطّاطا اخواته شيعة ما حذاته"

زاهي وهبي: ماذا يعني؟

العالية ماء العينين: البطّاط هو الذي يضرب، الذي يضرب أخواته لا يُمكن أبداً أن يكون له ذِكر، والشيعة بالنسبة للإنسان الصحراوي هي كلّ شيء، هي الصيت

زاهي وهبي: نعم

العالية ماء العينين: ولاحظ هنا أنّ التربية مهمة لأنّ هذا الشخص يكبُر، نحن نقول في الحسّانية " التربية خير من الأصل"، التربية التي يتربى عليها الإنسان تبقى معه كثقافة دائِمة

زاهي وهبي: قياساً بالقبائِل الأُخرى المرأة الحسّانية عندها حقوق وعندها مكانة حتّى في موضوع الطلاق الذي يُنظَر إليه في مجتمعاتنا العربية والإسلامية

العالية ماء العينين: مثلاً مسألة التعدّد، مسألة التعدّد مثلاً التي هي بعد ذلك أخذنا فيها قوانين مُستحدثة ولكن في الثقافة الحسانية لم يكن هناك هذا الشيء، يعني مُجتمع مونوغامي لا يعترِف بالتعدّد، ومثلاً يقول "المختار ولد حامد" وهو باحث ومؤرِّخ موريتاني يتحدّث عن الزواج داخل القبائِل فيقول إنّ الفتاة عندما تتزوّج فانها تتزوّج على شرط لا سابقة ولا لاحقة وإذا حدثَ فأمرها بيدها، يعني أنها تتزوّج على أساس أنه لم يسبقها زوجة ولن يتزوّج عليها وإذا حدث هذا الشيء يُصبِح طلاقها في يدها، ويقول: وقد لا يُلفَظ، لا يُكتب، ولكنّها تُحتَرم

زاهي وهبي: خلص، العصمة بيدها

العالية ماء العينين: تُصبِح في يدها في حال لم يُحترِم الشرط، هذه أشياء     

زاهي وهبي: عُرف

العالية ماء العينين: عُرف ونحن في مُجتمع مُحافِظ، مُجتمع عنده ثقافة دينية كبيرة، يعني ليس مُجرّد، هذا يعني أنّ العُلماء الذين أباحوا هذا الشيء عن دراسة وعن، نعم

زاهي وهبي: يعني استنبطوا من الأحكام والفتاوى والقوانين

العالية ماء العينين: تماماً كان عندهم القوة ليُفكّروا في مسألة "ولن تعدلوا"

زاهي وهبي: ليت فقهاء اليوم الذين نسمعهم في بعض الأمكنة يعني

العالية ماء العينين: تماماً

زاهي وهبي: التزمّت والتشدّد والتطرّف

العالية ماء العينين: لهذا نقول، هذه القيمة مدينة فيها المرأة للمُجتمع

زاهي وهبي: حسناً، لماذا طاغي سيّدتي، عفواً. هناك صورة نمطيّة عن المرأة في الصحراء خصوصاً في (موريتانيا) وجنوب (المغرب)، هي مسألة تسمين الفتيات، يعني تسمونه "البلوح"؟

العالية ماء العينين: "البلوح"

زاهي وهبي: "البلوح" والتدليك، يعني جعل الفتاة وكأنّ ارتباط الفتاة

العالية ماء العينين: في الشكل

زاهي وهبي: في الشكل وكأنّ أيضاً حتّى الغواية والأُنوثة مرتبطة بالمرأة السمينة المكتنزة!

العالية ماء العينين: الجواب على هذا السؤال فيه أمران. الأمر الأول، لكلّ مُجتمع عنده مقاييس جمال، هذا شيء عادي، في الثقافة الحسّانية هو المقياس، مع أنّ الآن تغيّر هذا الشيء، هو المرأة لا أقول السمينة لأنه هذا هو الخطأ، الممتلِئة. يعني القوام الصحراوي إذا أردنا أن نُفصِّل فيه فهو شيء يعجَز الإنسان عن أن يتخيّله، يحبّون المرأة الممتلِئة وهذه من مقاييس الجمال الموجودة في كلّ المُجتمعات. أنا تستوقفي فكرة جميلة تحدّثت عنها الراحلة "فاطمة المغنيزي"، فقيدتنا

زاهي وهبي: الإسم العَلم

العالية ماء العينين: تقول بتصرّف، أنا لا أتذكّر الفكرة في لفظِها

زاهي وهبي: نعم، في حذافيرها

العالية ماء العينين: ولكن تتحدّث عن مسألة الريجيم الذي تخضع له عارِضات الأزياء، فتقول إنّ عارضات الأزياء يخضعن لرجيم قاس بحيث أنّها لا يُمكن أن تتجاوز ولو غرام واحد لدرجة أنّهنّ يمرَضن

زاهي وهبي: تسميهم العبيد الذهني أو شيء من هذا النوع

العالية ماء العينين: تماماً، فأنا بالنسبة لي، أنا ضدّ مسألة "البلوح" في هذه الطريقة، ولكن ما الفرق بين التسمين والتضعيف؟ كلاهما يفرِض على المرأة أن تكونَ

زاهي وهبي: شكلاً معيناً

العالية ماء العينين: شكلاً معيناً لكي تُعجِب هذا الآخر

زاهي وهبي: إذا هذا نوع من التسليع

العالية ماء العينين: فعلاً، هذه المسألة الأولى. ولكن في الثقافة الحسّانية الجمال الشكلي والجسدي غير مهم، والدليل على ذلك أنّ هناك مفهوماً خاصاً في الثقافة الحسانية وهو مفهوم الشيطان

زاهي وهبي: مفهوم؟

العالية ماء العينين: مفهوم الشيطان، "إبليس". يُقال للمرأة الجميلة أو الرجُل الوسيم، لا يقال له أنّه جميل، يعني يمكن أن يقول للمرأة جميلة، ولكن الأكثر تأثيراً أن يُقال أنّ المرأة فيها "إبليس" أو فيها الشيطان

زاهي وهبي: والرجل الوسيم أيضاً يُقال له

العالية ماء العينين: نعم

زاهي وهبي: يعني ليس من اللازم أن نزعل إذا أحدهم قال لنا "يا شيطان"

العالية ماء العينين: على العكس، هذا يعني أنّ هناك شيئاً كامِناً. يُقال حكاية طريفة تُحكى عن إحدى النساء الكبيرات في السن، قيل أنّها أدّت فريضة الحج، فلمّا عادت قيل لها، "كيف كان الحج؟" فقالت له كان جميلاً، وأكثر ما أسِفت له هو أنني كنتُ مضطرّة لرجُل شيطان

زاهي وهبي: رجل شيطان (يضحك)

العالية ماء العينين: الذي كنّا نبحث عنه، إذا الجمال، نعم

زاهي وهبي: هناك شيء شبيه في ثقافتنا الشعبية لكن لا علاقة له بالوسامة والجمال، الطفل الشقي جداً يقولون له "يلعن شيطانك"، بمعنى أنّ هناك شياطين لكثرة شقاوته. أيضاً أُلاحِظ، نعم

العالية ماء العينين: فهذه تدلّ على أنه الشكل ليس مهماً، هناك هذا الشيء الكامِن وراء الشخصية مهمّ جداً عندنا في المُجتمع الحسّاني

زاهي وهبي: ما نُسميه جمال الفِكر والروح والوجدان، كلّه على بعضه

العالية ماء العينين: نعم    

زاهي وهبي: قبل أن نتحدّث عن شعر "التبراع" وماهيته ونشرح قليلاً عن ماهيّته، أيضاً كأنّ المرأة الحسّانية أكثر جرأة في التعبير عن نفسها وعن مكنوناتها من خلال هذا الشِعر، بمعنى أنّها تقول مشاعِرها وعواطفها ونظرتها تجاه الرجُل بصراحة ومن دون تحفُّظ

العالية ماء العينين: ولكن هناك شيء، تقول بصراحة ولكنّها غير معروفة، هي مجهولة. المجتمع الحسّاني

زاهي وهبي: تختبئ، إذاً الاستنتاج في غير محلّه أصلاً

العالية ماء العينين: لأنّ المُجتمع الحساني مجتمع المرأة فيه حاضرة، تخرُج، حتّى في الفضاء الحسّاني التقليدي كانت تتعلّم مثل الطفل الصغير وكانت تظهر وتبرُز، لم تكن امرأة مُحجّبة، المرأة مُحجّبة عند بعض القبائِل

زاهي وهبي: نعم

العالية ماء العينين: ولكن، الفكرة، كنّا نتحدّث

زاهي وهبي: كنّا نتحدّث عن الجرأة وعدم معرِفة

العالية ماء العينين: نعم، ولكن كلّ ما له علاقة في الجانب الحميمي من المعيب عندهم الحديث عنه. أنا أُعطيك بعض الأمثلة التي يُمكن أن تستغرِب لها؛ عندك بعض العادات في بعض المناطق وعند بعض القبائِل بحيث تستحي الفتاة أو الامرأة أن تحمل أبناءها أمام والديها، أمام الأب. أستحي مثلاً أنا وزوجي أن نجلِس مع الأب مُباشرةً

زاهي وهبي: نعم، هناك هيبة الأب ووقاره وصورته

العالية ماء العينين: العلاقة الخاصة وإظهار المرأة لعواطفها هذا شيء غير مُستَحبّ

زاهي وهبي: لذلك ابتعد "التبراع" وأصبح هو

العالية ماء العينين: هو المتنفّس

زاهي وهبي: نعم، ومن دون توقيع، يعني لا نعرِف من قال هذه القصيدة أو تلك

العالية ماء العينين: تماماً، وأغلب الأشعار الشعبية تكون في هذه الطريقة يعني، غير موقّعة. نعم

زاهي وهبي: سيّدتي حوار جميل وشيِّق مع حضرتِك

العالية ماء العينين: شكراً لك

زاهي وهبي: ولكن إسمحي لنا أن نتوقف سريعاً مع موجز إخباري نُتابع بعده "بيت القصيد"

المحور الثاني                                                                

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام نُتابع "بيت القصيد مع ضيفتنا المتميِّزة الدكتورة "العالية ماء العينين". أُستاذتي، شعر التبراع الذي حضرتكِ ألّفتِ فيه كتاباً، أولاً قبل أن نتحدّث عن هذا الشِعر الذي هو نوع من الشِعر الشعبي الحسّاني في اللهجة الحسّانية، ما هي التسمية والأصل اللغوي لكلمة "تبراع"؟ ما هو "التبراع" لغوياً؟

العالية ماء العينين: هو وصلنا هكذا، "التبراع"، ولكن الأبحاث والدراسات حاولت أن تُفكِّر نوعاً ما

زاهي وهبي: في مصدر هذه المُفردة

العالية ماء العينين: فهناك ربط، إمّا أن يكون له علاقة من فعل برع، يبرُع، يعني المرأة البارعة وفعل فيه براعة، هو فعلاً فيه براعة وتستطيع أن تقول في مُجرّد بيت واحد من الشِعر إذا قارنّاه بالقصيدة الطويلة، وهناك التبرُّع، يعني من العطاء. فأظنّ أنّه، وأنا قلت هذا في البحث، أنّ كلا المعنيين يُعطينا. فهي فيها براعة وهو أيضاً فيه عطاء كثير لأنّ إنتاجه وربما صِغَر البناء يجعل إنتاجه غزيراً

زاهي وهبي: وفيه كرم في الإنتاج

العالية ماء العينين: يعني أغلب الذين درسوا وحاولوا وتأرجحوا بين هذين المعنيين اللغويين، نعم

زاهي وهبي: هلّ اللهجة وقفت عائِقاً من دون انتشاره؟ يعني خروجه من حدود القبائِل الحسّانية إلى أمكِنة أُخرى؟

العالية ماء العينين: بالتأكيد. اللهجة، لأنّ مثلاً الشِعر العربي الفصيح في فضاء الثقافة الحسانية شعر وصلَ إلى العالم العربي طبعاً، لكن أظنّ أنّ هذا الإكراه في الثقافة الشعبيّة ككلّ، الشِعر الشعبي في مُختلَف أنحاء العالم العربي

زاهي وهبي: ولكن كما تعلمين، مثلاً اللهجة المصرية من السهل على المرء أن يفهمها، اللبنانية كذلك الأمر، حتّى اللهجة العراقية مثل شِعر "مُظفّر النّواب" وآخرين، الحسّانية تكاد تكون لغة وليس مُجرّد لهجة

العالية ماء العينين: نوعاً ما، رغم أنها في الحقيقة تُعتَبَر واحدة من أقرب، كما يقول "محمّد أمين الشُنقيتي النحوي، تُعتبر واحدة من أقرب اللهجات إلى اللغة العربية الفصيحة، ولكن ربما لأنّ حتّى الذين تغنّوا بها وأبدعوا فيها لم يهتمّوا كثيراً بهذه المسألة. أنا أتذكّر أنني عندما بدأت التفكير في جمع "التبراع" كنت أحياناً أُواجه بهذا السؤال، لماذا تريدين أن تُفقدي التبراع شيطانه؟ لأننا عندما نأخُذ الشِعر الشعبي أو الشفوي أو الخاص ونُحاول أن نُقدِّمه فنحن نُترجِم، والترجمة تُفقِد الكثير من جماليات

زاهي وهبي: يُقال فيها خيانة، المترجِم خائِن للنص

العالية ماء العينين: فيها خيانة في الحال العادية فما بالك في الشِعر الشعبي، لهذا ربما ولكن رغمَ ذلك هي مُحاولة، فأنا في آخِر الكتاب جمعت مجموعة من أشعار التبراع وقمت بخيانة بسيطة لها، حاولت أن أُترجِمها إلى اللغة العربية، نعم

زاهي وهبي: على كلّ حال كلّ أسئِلتي حول هذا الموضوع هي من خلال كتابكِ القيِّم أمامنا، لكن أولاً دعينا نسمع رأياً في تجربتكِ، وعنده سؤال حول الموضوع الذي نتحدّث عنه، مدير المكتبة الوطنية المغربيّة في (الرباط) الدكتور "محمّد الفران"، نسمعه معاً في "كلام يوصل"

كلام يوصل

محمّد الفران- مدير المكتبة الوطنية في الرباط: الدكتور "العالية ماء العينين" تنحدر من العائِلات العريقة في هذه المنطقة، عائِلة "ماء العينين" التي عُرِفت بالعِلم والمعرِفة ونشر الإسلام في (إفريقيا) أيضاً، وهذا جعلها تتحمّل مسؤولية فكرية منذ بداياتها في الحقل الثقافي المعرِفي. ساهمت وتُساهم مساهمة كبيرة في تصحيح وضعيّة وصورة المرأة في المجتمع الحديث، ليس فقط من خلال سلوكها اليومي أو من خلال انخراطها في مجموعة من جمعيّات المُجتمع المدني ولكن أيضاً من خلال كتاباتها ومقالاتها هي أيضاً مُناضِلة على مُستوى قضيّة المرأة ومُحاولة تقديم الصورة الحقيقية وليست الصورة المُبالَغ فيها أو الصورة النمطيّة أو المُستوردة ولكن صورة المرأة المغربية التي تجمع بين استشراف المُستقبل والحفاظ على الأصالة المغربية بكلّ خصائِصها ومميّزاتها التي ورِثتها عبر العصور وهذا الحضور المُتميِّز الذي لم يأتها هكذا بغتة ولكن مرّ بمراحل هو تواضعها العلمي، أخلاقها السامية، احترامها للآخر، عدم دخولها في مُزايدات ثقافية أو فكرية في المواقف وما إليها، فالأُستاذة "العالية" كما أعرِفها وإن كانت لا تتفق أحياناً مع بعض الآراء والأفكار فإنّها تناقشها بشكلٍ مؤدّب وتعترِض أحياناً بكلّ أريحية وبكلّ دماثة. الأُستاذة "العالية ماء العينين" لها معرِفة كبيرة في المرأة الصحراوية، والمرأة الصحراوية لها خصائِصها، فحبّذا لو، أو أسأل لماذا لم يتمّ الاهتمام أكثر والتأليف في هذا الجانب أكثر من فقط بعض المقالات وكتاب "التبراع"؟

زاهي وهبي: شكراً لمُدير المكتبة الوطنية في (المغرِب) الدكتور "محمّد الفران"، تفضّلي الإجابة عندكِ. مٌداخلة جميلة

العالية ماء العينين: طبعاً أُريد أن أشكُر الدكتور "محمّد الفران" الصديق العزيز والأديب واللغوي الكبير على هذه الشهادة، شهادة حقيقةً أعتزّ بها، شهادة إنسانية وهذا شيء يهُمني كثيراً. المرأة بالنسبة لي بشكلٍ عام، قبل أن ندخل للمرأة الحسّانية والمرأة الصحراوية. بالنسبة لكلّ ما يصلنا عن المرأة هناك نوع من التعميم، يعني لا أفهم لماذا! يعني صورة نمطية عن أنّ المرأة كانت كذا والمرأة كانت كذا، ولكن في الحقيقة نحن عندما نعود إلى التاريخ نجد أنّ هذه الأحكام القطعية تحتاج منّا إلى تفكير، حتّى إذا عدنا فنحن كان عندنا ملكات وعندنا زعيمات عربيات. أنا مثلاً تستوقفني شخصيّة "سجّاح بنت الحارث"، هذه المتنبّية التي ادّعت النبوّة في عهد "أبو بكر الصدّيق"، ادّعَت النبوّة! كيف لامرأة أن تدّعي النبوّة في قبيلة مثل قبيلة

زاهي وهبي: من القبائِل المهمة، نعم

العالية ماء العينين: قبيلة من القبائِل العربية، وأنا فقدت الآن إسمها، فكيف لامرأة أن تدّعي النبوّة وأن يتبعها زعماء القبائِل أو يتبعها كبار هذه القبيلة

زاهي وهبي: لو لم يكن حال المرأة

العالية ماء العينين: تماماً، فلذلك أنا أتصوّر أنّ هذا ليس فقط، يعني حرب "ذي قار" التي كانت بين العرب و"الأكاسرة" كانت السبب فيها هي "الحُجيجة" التي دعت شعبها أو قومها إلى أن يتنصروا لـ "هند بنت لقمان"

زاهي وهبي: كما تعلمين، دائِماً يتم إسقاط الماضي على الحاضر، يبدو أنّ هناك إسقاط الحاضر على الماضي

العالية ماء العينين: تماماً

زاهي وهبي: يعني كأنّ وضع المرأة اليوم ليس أفضل حالاً مما كان عليه في العصور الماضية

العالية ماء العينين: تماماً، فأنا أتصوّر أنّ هذه الإشراقات الموجودة تدلّ على أنه كانت هناك امرأة استطاعت أن تصل بقوّتها، ربما اتخذت مساراً لا ندريه ونحتاج إلى إعادة التفكير في هذه الصورة النمطية

زاهي وهبي: ورداً على سؤاله مباشرةً؟

العالية ماء العينين: بالنسبة للسؤال، المرأة في الصحراء كما قلنا تعيش وضعيّة متميِّزة، وصحيح أنّ المرأة في (المغرب) حققت الكثير من الأشياء منذ

زاهي وهبي: نعم، أنا أتكلّم حصراً عن حضور المرأة في المشهد الإبداعي المغربي عموماً ولكن ردّاً على سؤاله، أنّ المرأة الحسّانيّة والتبراع

العالية ماء العينين: كيف لا يتم استغلال هذا ولماذا لا يتم الحديث عنه

زاهي وهبي: ولا يوجد اهتمام واسع

العالية ماء العينين: نعم، أنا بالنسبة لي كتبت عن هذا الموضوع أُحاول أن أتحدّث عنه، وهناك دعوة إلى أنّه يجب ألّا نُغيِّب هذه الخصوصيات، أنّ الحقيقة أو القيمة لا تأتينا دائِماً من الغرب، الحقوق لا تأتينا دائِماً من الغرب. المرأة الصحراوية، أعطينا مثال التعدّد ونُعطي أيضاً مثالاً في الطلاق، المرأة الصحراوية لا تفقِد قيمتها في الطلاق

زاهي وهبي: مُشكلتنا ومُشكلة النُخب دكتورة أنّهم يضعون الغرب كنموذج وطوال الوقت نتمثّل ونُقارِن وكأنّه النموذج الوحيد

العالية ماء العينين: مثلاً في (المغرب)، في الجنوب أيضاً ولكن جنوب (سوسي) -الأمازيغ هناك عادة أو عُرف يُسمّى "الكدّ والسعاية"، بموجب المرأة يحق لها أن تقسِم مع الرجُل كلّ ما يملكه حتّى إذا كانت ربّة بيت وإذا كانت تشتغل معه في الحقل مثلاً، يعني أن تُعطي قيمة لعمل المرأة العضلي والجهد

زاهي وهبي: كأنّه نوع من الزواج المدني الحديث

العالية ماء العينين: تماماً، الموجود في الغرب

زاهي وهبي: مناصفة الثروة

العالية ماء العينين: فكانت الدعوة إلى أن يجب أن ننفتِح على خصوصياتنا وهذا موجود في كلّ الدول العربية. خصوصيتنا ليست دائِماً في هذا السوء

زاهي وهبي: دعيني أسأل عن عنوان الكتاب لو سمحتِ وهو كتاب قيِّم أنا أنصح مُشاهدينا بالاضطلاع على هذا النوع من الشِعر وعلى تجربة المرأة الحسّانية. "نساء على أجنِحة الشِعر"، إلى أين، ربما السؤال شاعري قليلاً، إلى أين حملتهنّ تلك الأجنِحة؟ أجنحة الشِعر، إلى أين حملت تلك النسوة؟

العالية ماء العينين: إلى أن يصلنَ هنا، إلى "بيت القصيد"

زاهي وهبي: هذا شرف لنا

العالية ماء العينين: أظنّ أنّ المرأة استطاعت فعلاً أن توصِلَ صوتها لأنّ الغريب أنّ هذا التبراع كان يصل إلى نساء الثقافة الحسّانية في كلّ مكان، ما يقوم به الـواتس أب اليوم كان هو التبراع، حيث مثلاً تقول متبرعة في (موريتانيا) وتصلني أنا مثلاً في جنوب (المغرِب) وأتفاعل معها وأُعطي جواباً ويشيع بين الناس. أنا أظنّ بأنّ هذه وسيلة التنقل التي أتاحت للمرأة الحسانية فعلاً أن تخرُج من فضائها، رغم أنّه فضاء مفتوح ولكنّه فضاء كما قلنا يستحي نوعاً ما من أن تتحدّث المرأة عن عواطفها بشكلٍ مُباشِر

زاهي وهبي: أشرنا إلى مسألة الجرأة والتعبير عن العواطف التي تصل أحياناً إلى حدود الإباحية كما تُشيرين حضرتكِ وقلنا أنّ يُمكن لأنّ القائِلة مجهولة فبالتالي عندها حريّة التعبير. هلّ هذه الدرجات العالية من الجرأة لها دلالة أُخرى غير أنّ القائِل مجهول؟

العالية ماء العينين: أولاً، بالنسبة مثلاً لشِعر "نساء البشتون"، أنا قدّمت عنه

زاهي وهبي: نعم في (أفغانستان) و(باكستان)

العالية ماء العينين: هو أكثر جرأة وأكثر إباحية رغم أنه بسبب ربما الظروف، انّها هي تعيش ظروفاً صعبة. المرأة الصحراوية لأنّها امرأة لا تعيش ظروفاً صعبة في هذا المعنى كان في شعرها العاطفي الرومانسي وفيه الجريء أحياناً، ولكن الجرأة بمعنى مثلاً عندما تخرُج مثلاً وتتجاوز مثلاً الأشياء الدينية، مثلاً عندما تقول الشاعرة مثلاً: " ومنين نصلّي"، لأنّ التبراع هو مُجرّد شجرة نقطع منها، "ومنين نصلّي

زاهي وهبي: مثل الرباعيّات مثلاً

العالية ماء العينين: الرباعيات فيها أربعة أبيات وهي فيها فقط شطران

زاهي وهبي: نعم

العالية ماء العينين: "ومنين نصلّي يا حجلّي ونعلّ مولّي". يا حجلّي هو أن تُفكِر، تتذكر، والـ حجلّي عندي مثل الطيف في العُذريّات، في الشعر العُذري العربي. فتقول هنا ولا تتجاوز ما هو ديني وما هو مُقدّس في الفضاء الصحراوي. "ومنين نصلّي" يعني عندما أقوم للصلاة وأتذكّر الحبيب طبعاً، "يا حجلّي ونعلّ مولّي"، أضطرّ لإعادة صلاتي

زاهي وهبي: وتُشيرين إلى أنّه ينتهي أو يكثُر في شِعر التبراع نوع من الاستغفار

العالية ماء العينين: أكيد، كأنه ذنب

زاهي وهبي: يعني كأنّه هناك شعور بالذنب عندما نقول شعراً إباحياً  

العالية ماء العينين: تماماً، وغريب، هذا شيء موجود ويبدأون

دائِماً بـ "لا إله إلّا الله"

زاهي وهبي: خير هذا بشرِّ ذاك

العالية ماء العينين: في التبراع إحداهنّ تقول، "يلّا لـ محرّ" يعني "ما أقسى"، يا الله لـ محرّ نسِلّ كراع ويغي صوخَر"، يعني أن أتمكن من أن أنزع رجلي من الوحل، ما دامت تعتبره وحلاً فهم يعتبرونه ذنباً، "نسلّ كراع ويغي صوخر"، فهي تُعبِّر عن عدم قدرتها على الخروج من علاقة معينة ولكنها تصف هذه العلاقة في كونها وحلاً. أو "وعاقب محبوبي ما عزمي زيدان ذنوبي"، بمعنى" بعد حبيبي لا أُريد أن أُضيف ذنوباً أخرى". فهذه فكرة أن يكون ذنباً حاضرة جداً في "التبراع"، ربما لأنها تقول فيه ما لا تستطيع أن تقوله في شكلٍ مُباشِر

زاهي وهبي: قرأت لكِ مُحاضرة جميلة وقيّمة حول الجسد في نموذجين من شِعر المرأة في (المغرِب) العربي، لكن هنا أُريد أن أسأل عن الجسد في شِعر "التبراع". أولاً هناك الصورة النمطية أيضاً نعود إليها، أنّ هذا الجسد للمرأة الصحراوية هو هذا الرداء الذي تلبسينه حضرتك، ملحَفَة تُسمّونها؟ 

العالية ماء العينين: ملحفة نعم

زاهي وهبي: الذي يُخفي، يعني مثله مثل الحجاب أو الثوب الشرعي إذا جاز التعبير يُخفي، كيف يحضُر الجسد في الشِعر الصحراوي أو الحسّاني سواء كان لدى المرأة أو لدى الرجُل

العالية ماء العينين: نعم، أنا كما قلت، بالنسبة للعادات المرأة عندها مواصفات لذلك يكثُر عندهنّ قبل الزواج أن تعتني المرأة بنفسها وتُحاول كما قلنا أن يكون الجسد، وأنا أُصِرّ على هذه، ممتلئاً، بمعنى أنّه ليس مُجرّد شوال مُمتلئ

زاهي وهبي: ليست هيكلاً عظمياً يعني

العالية ماء العينين: لا، يجب أن تكون ممتلئة ولكن في مقاييس معيّنة جمالية

زاهي وهبي: على كلّ حال الشعر العربي القديم في هذا المجال

العالية ماء العينين: نعم تماماً مثل المقاييس التي تقول

زاهي وهبي: يُعلي شأن الامتلاء

العالية ماء العينين: ولكن الغريب في الأمر كما قلت أنّه في الشعر يحضر ابليس أكثر من الجمال الجسدي. مثلاً، آخذ مثالاً من "التبراع" أكثر من الشِعر الحسّاني

زاهي وهبي: يبدو أننا سنخرج من هذه الحلقة الليلة ونحن نحب إبليس وعلينا أن نستغفر كلّ الليل

العالية ماء العينين: سننتهي كما انتهى "التبراع"، لا إله إلا الله محمّد رسول الله". فهي دليل على أنّ الحضور له قوة أكثر، أنا أؤكِّد على هذه المسألة. هو الجسد يجب أن يكون بمواصفات كما قلت. أنا عندي قصيدة طويلة جداً أنا نفسي لا أتذكّرها وكتبتها في هذا البحث، وهي تتغنّى بـ "فاطمة الزهراء" بنت الرسول عليه الصلاة والسلام

زاهي وهبي: صحيح، قرأتها

العالية ماء العينين: يصف هذه المرأة بجمالها كونه غير عادي. هي النموذج الذي تتوفّر فيه كلّ صفات الجمال التي يُمكن أن تكون عند المرأة، لأنّ لها مكانة خاصة عند الناس جميعاً، ولكن يتمّ التركيز فعلاً على أنّ الصورة والحضور أقوى تماماً من قضيّة الجسد، نعم هذا شيء حاضر جداً. هناك نوع من الشِعر الموجود في الحسّانية يصف مثلاً المرأة بصفات سيّئة، فيقول مثلاً بأنها غير جميلة وشكلها كذا وكذا ويعطيها أوصاف لا أتذكّرها، أنا عندي مشكلة بسيطة في الحِفظ ولا أتذكّر الأبيات، يصف امرأة بأنه ليس فيها أي شيء يُمكن أن يُحبّه الإنسان

زاهي وهبي: ولكن؟

العالية ماء العينين: ولكن يقول في نهايتها " يقطع ببليس سفر فاصل فمناد مراسو باهو طويل وكلامو ما هو متفاصل" بمعنى: قاتل الله إبليس، يبدو أنه يحب أن يكون في شخص مثل هذا المرأة التي وصفها

زاهي وهبي: لديها جاذبية ما؟

العالية ماء العينين: نعم، لديها جاذبية ولديها حضور

زاهي وهبي: سأُتابع مع حضرتكِ دكتورة "العالية ماء العينين" أُستاذتي وسيّدتي الكريمة. أُكرّر أنّ هذا حوار فيه مُتعة وفيه حيوية وفيه اكتشاف مناطق جديدة بالنسبة لنا ولمُشاهدي "بيت القصيد"، وسنستمع أيضاً إلى آراء أُخرى في تجربة حضرتكِ ولكن بعد استراحة سريعة نُتابع "بيت القصيد"

المحور الثالث

زاهي وهبي: مُشاهدينا نُتابع "بيت القصيد" مع الكاتبة والباحثة والأُستاذة الجامعية المغربيّة الدكتورة "العالية ماء العينين". سيّدتي تحدّثنا عن شِعر "التبراع" الذي هو شِعر شعبي في المناطق الصحراوية في جنوب (المغرب)، في (موريتانيا) بشكلٍ خاص، يصل إلى حدود (السنغال) كأنني قرأت، صحيح؟

العالية ماء العينين: فضاء الثقافة الحسّانية يمتد ما بين (واد نون) في جنوب (المغرب) إلى حدود نهر (السنغال)، هذه المنطقة الشاسعة التي نُسمّيها منطقة الثقافة الحسّانية أو "تراب البيضان" كما يُطلَق عليها

زاهي وهبي: نعم، والثقافة الحسّانية أعطتنا كباراً في الأدب في شتّى أنواعه وفروعه. هذا الشِعر لا يقتصر كما نفهم من كتابِك، لا يقتصر على الغزل والشِعر العاطفي. يعني المرأة الحسّانية تتناول في شعرها أيضاً قضايا إنسانية وقضايا سياسية حتّى وقوميّة

العالية ماء العينين: أنا أساساً عندي مُلاحظة على مسألة الغزل، أنا أقول هذا هو الشِعر الذي تُعبِّر فيه المرأة عن نفسها وليس فقط الغزل. يعني عندما نقول غزل

زاهي وهبي: عن مشاعرها، عن مُختلف المشاعِر نعم

العالية ماء العينين: حتّى تجاه الرجل هي مشاعِر ولكنها ليست دائِماً غزل. يعني هناك غزل وربما والناس تحتفي أكثر بالغزل حتّى في الصحف وغيرها لأنّ الغزل ظلّ دائِماً كما يقول "الجاحظ" كلمات جميلة في أنّ الغزل حقٌ من حقوق المرأة

زاهي وهبي: وهناك اليوم ربما عطش للغزل والمُجتمع مادّي والحياة استهلاكية جداً

العالية ماء العينين: فأخذوا نماذج من الغزل لكن في الحقيقة هو شِعر المرأة تُعبِّر فيه عن أحاسيسها الخاصة، وأحياناً يأتي الغزل كنوع، ولكن فعلاً لاحظت من خلال النماذِج التي اطلعت عليها أنه كان هناك فعلاً، أحياناً عندما تحصل أمور سياسية أحياناً، يعني أنا كنت أدرُس أثناء حرب الخليج الثانية وكنت أُناول فتيات معي من بنات عمّي وقريباتي، يعني بنات مُجتمع الثقافة الحسانية، فلاحظت أنّنا نُعبِّر في التبراع عن رأينا في ما حدث، وفعلاً بعد ذلك لاحظنا أنّ الأمر لم يقتصر علينا وحدنا فقط. مثلاً نجد التبراع كان مع (العراق) مثلاً والتبراع مع (الكويت)، مثلاً الأشياء 

زاهي وهبي: موضوع (فلسطين) مثلاً

العالية ماء العينين: موضوع (فلسطين) مثلاً الذي يعيش مرارة، تُشبِّه ما يحدث له فتقول: " عايش مرارة، بالي وأطفال الحجارة". البال هو العقل، هو الفِكر، هو القلب في الحسّانية. "عايش مرارة بالي وأطفال الحجارة"، و"بالي يا السّادة يبان يعيش انتفاضة". مثلاً هناك كلام كثير، مثلاً في نوع من السخرية من الأمم المتحدة لأنها لا تحلّ مشاكل، أنسى كثيراً أنا

زاهي وهبي: طبيعي، اهتماماتكِ كثيرة

العالية ماء العينين: هو التبراع كثير، كثير جداً لكن فعلاً اكتشفت في الحقيقة أنّ التبراع هو شعر المرأة سواء كان ما تحمل همه هو سياسي أو فِكري، لكن العاطفة طبعاً تأخُذ النصيب الأكبر

زاهي وهبي: كيف أو لماذا تحوّلَ أو صار مع الوقت وقفاً على المرأة، يعني لماذا ليس هناك تبراع رجّالي؟

العالية ماء العينين: طبعاً تذكرت ما كنت أقول لك عليه آنفاُ، هذا "السقم امتان"، يعني هذا السقم اشتدّ والسقم هو المرض ولكن في الحسانية هو مرض الحبّ، يعني مُرتبِط، وهذا كثير جداً السقم في الإبداع النسائي الحساني. "هذا السقم امتان الحقني يا كوفي عنان". "كوفي عنان" عندما كان

زاهي وهبي: الأمين العام للأُمم المتحدة

العالية ماء العينين: الله يرحمه، بمعنى أنّ الأُمم المتحدة ضمن الأشياء التي يُمكن أن تقال. لماذا لا يقول الرجل التبراع؟ أهم مرجع لمسألة البيت الواحد، لأنّ التبراع هو شطران فقط، هناك كتاب

زاهي وهبي: "أدونيس" عنده كتاب "البيت الواحد"

العالية ماء العينين: نعم، وكتاب أيضاً للّيبي الذي سبق " تِلّيث" كتب قصيدة في كتاب إسمه "قصيدة البيت الواحد"، فيقول فيه أنّ أصل الشِعر بيت واحد، والغريب في الأمر أنّ هذه المُلاحظة التي قالها، قال إنّ الإنسان في القديم، وهو يُعطي قراءة، كان يقول بيتاً واحداً من الشِعر ويدور ويُمكن أن يأتي شاعر آخر ويُجيز هذا البيت ويقول شعراً آخر. ومن هنا أحسّ الإنسان، في قراءته يقول، أنه ربما يحتاج إلى القصيدة. نفس هذه القراءة يُقدِّمها باحث موريتاني إسمه "حبيب الله عليّ التبراع" فيقول بأنّ أصل الغنا، الغنا في الحسانية هو الشعر الحساني وإسمه الغنا، يقول أنّ أصل الغنا هو "التبراع"، وهذه فكرة يلتقي فيها مع هذه القراءة، أنّ التبراع هو أصل الغنا وبعد ذلك، عندما بدأت المُطوّلات بدأ يُبدِع فيها الرجل والمرأة ولكن بقيَ التبراع كما لو أنه بقي للمرأة ولم يُبدِع فيه الرجُل. حالياً ممنوع طبعاً على الرجُل، ولماذا يريد الرجُل أن يدخُل إلى التبراع؟ له فضاء مع العلم أنه لماذا نقول أنّ شعر المرأة هو إضافة؟ لأنّ المرأة تقول الشِعر مثل الرجُل، تُبدِع في الغناء، ولها هذه الإضافة الخاصّة بها والذي هو التبراع، وهذا من حُسن حظها

زاهي وهبي: نستمع إلى رأي في "كلام يوصل"، رأي في تجربتكِ من الروائية والناقدة والأكاديمية المتخصصة في الأدب الرقمي، المغربية الدكتورة "زهور كرّام"

كلام يوصل

زهور كرّام – روائية ناقدة وأكاديمية: الدكتور "العالية ماء العينين" لها حضور مُتميِّز على مُستوى المشهد الأكاديمي والثقافي المغربي. هي أكاديمية في جامعة "محمّد الخامس" متخصّصة في الدراسات الأندلسية وكلّنا نعلم بأنّ الجامعة المغربية لها عُلماء ومُفكرون متميّزون في ميدان الدراسات الأندلسية. شخصياً أعتبر الدكتورة "العالية ماء العينين" استمراراً لهذه المرجعيّة في ما يخصّ الدراسات الأندلسية ولها علاقة طيبة مع طلبتها. أيضاً الدكتورة "العالية ماء العينين" هي من الكفاءات النسائية الثقافية في المشهد الثقافي المغربي وعُرِفت في حفريّاتها في الشعر النسائي المغربي خاصّةً ما يُسمّى بشعر "التبراع" هو الشِعر الذي تختصّ به المرأة المغربيّة. من خلال هذا الشِعر نشعُر بأنّ المرأة تُقدِّم نفسها إلى القارئ وإلى المُجتمع باعتبارها متمكّنة من موقعها وحاملة لتصوّرات حول هذا الموقع، ومن أهم مميزات هذا الشِعر أنّ المرأة تُعبِّر بالفِعل عن كونها داخل المُجتمع هي ذات وليست موضوع، وبالتالي انطلاقاً من هذه الذات فهي تُعبِّر عن مواضيع قد لا يظنّ المُجتمع المغربي أو المُجتمع المُحافِظ بشكلٍ عام والمُجتمع العربي بشكلٍ عام أنّ الشاعرة الحسّانية باستطاعتها أن تنظُم عن مواضيع كثيرة قد تبدو للآخر جريئة داخل شعر التبراع. وبالتالي، الدكتورة "العالية ماء العينين" بالفعل قامت بحفريات من خلال تحقيق هذه الأشعار ودراستها وتحليلها وإخراجها إلى القارئ. ما هو مُستقبل شِعر التبراع الذي تبدعه النساء أو المرأة الحسانية بشكلٍ عام مع تطوُّر وسائِل التواصل؟ وهي وسائِل منفتِحة كلّ القراء. نعلم أنّ "التبراع" هو شِعر له فضاؤه الحميمي الخاص أو جلسات النساء الخاصّة. هلّ يُمكن أن نقول بأنّ هذا الشِعر له قابلية الانفتاح من خلال الـ Social Media ومن خلال الثقافة الرقمية على القراء الآخرين؟ وهلّ يُمكن أيضاً أن تنخرِط فيه ذوات أُخرى، يعني نساء من العالم العربي أو من (المغرب) من جهاته الأُخرى. بمعنى، هلّ يُمكن لشعر التبراع أن يكون شعراً عاماً تنخرِط فيه كلّ النساء من خلال الوسائِط الرقمية؟

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً للدكتورة "زهور كرّام"، تفضلي، شهادة جميلة وقيمة

العالية ماء العينين: أنا أيضاً أشكرها كثيراً، الشهادة من شخصية جميلة جداً وهي واحدة من الوجوه النسائية التي نفخر بها في (المغرب)

زاهي وهبي: إسمحي لي أن أشكرها على الكُتب الهديّة، سعيد جداً وأعتزّ، ألف شكر

العالية ماء العينين: الدكتورة "زهور كرام" إسم نعتزّ به كثيراً في (المغرب)، وفي هذا الخصوص لها كتاب حول" الدور المنصور عند ربات الخضور" تتحدث فيه عن كتاب مهم جداً لـ "زينب فواز"

زاهي وهبي: من جنوب (لبنان)

العالية ماء العينين: من (لبنان) وعاشت في (مصر)، والغريب أنّ هذا الكتاب أنطولوجيا غير عادية عن كلّ على الأقل ما أبدعته النساء

زاهي وهبي: إذا لستُ مخطئاً، قد تكون "زينب فواز" أوّل من كتب الرواية العربية في المعنى الحديث

العالية ماء العينين: لا أدري، ممكن، لكن هذه الأنطولوجيا

زاهي وهبي: هناك أبحاث نعم، لأنها سبقت "محمد حسنين هيكل" في هذا

العالية ماء العينين: نعم، كان هذا النقاش نعم. أنا بالنسبة لي، حتّى في موضوع المرأة سبقت "قاسم أمين" والكتابة حتى قبل كتاب فيرجينيا وولف"، "امرأة تخص المرأة وحدها" كتبت أنطولوجيا عالمية تتحدث فيها عن كلّ ما قدّمته الناس في العالم وليس فقط في العالم العربي

زاهي وهبي: عندنا مثل لبناني يقول، الكنيسة أو الجامع، يعني الكنيسة القريبة أو المسجِد القريب لا يُشفي

العالية ماء العينين: نعم، مطرب الحيّ لا يُطرِب

زاهي وهبي: نعم، فبالتالي نذهب إلى

العالية ماء العينين: "زينب فواز" مقدّمتها رائِعة تقول فيها، "بما أنني لا أستطيع أن أتحرّك، فأنا تحرّكت في داخل الكُتب وبحثت، وتقول أنّها عن غيرة، يعني أنطولوجيا غير عادية، والدكتورة "زهور كرّام" عندها كتاب حول هذا الموضوع

زاهي وهبي: إن شاء الله نُناقش هذه المسائِل مع الدكتورة "زهور" في لقاء مقبل في "بيت القصيد"

العالية ماء العينين: أكيد، أنا متأكدة أنه إن شاء الله سيكون لقاءً

زاهي وهبي: والدعوة على الهواء، نعتزّ بها

العالية ماء العينين: أكيد سنتشرّف

زاهي وهبي: أجيبيها لو سمحتِ

العالية ماء العينين: لكي نقول مُستقبل التبراع نتحدث عن تبراع اليوم. اليوم، حالياً التبراع كتعبير دخلت به المرأة وحاولت فيه أن تُعبِّر عن حالة تشعُر بها، اليوم خفَت وهجه كتعبير

زاهي وهبي: لأنّ أصبح لديها أدوات تعبير أُخرى ومختلفة

العالية ماء العينين: تماماً، فأصبح مرتبطاً بالحنين. يعني عندما نكون في جلسات عائِلية

زاهي وهبي: كالزجل اللبناني

العالية ماء العينين: تماماً، يقلنَ، نقول نحن بالحسّانية " طافلات يقلن التبراع" يعني بحنين، ولكن في نفس الوقت وفي هذه اللحظة بالذات انفتَح التبراع على البحث العلمي، أُلقيَ عليه ضوء جديد. فأنا بالنسبة لي

زاهي وهبي: ودخل مرحلة التدوين مع حضرتكِ وقبلاً مع الدكتور" أحمد مسكا" من (موريتانيا)

العالية ماء العينين: نعم، الدكتور "أحمد بابا مسكا"، هذا أوّل من كتب عن "التبراع"

زاهي وهبي: أولّ من دوّن، كي نُعطيه حقه

العالية ماء العينين: أكيد، 1970 (فرنسا) وكتب باللغة الفرنسية وكان عنده تقديم كتاب "الوسيط في تراجِم أدباء الشانكيط" وأنا وضعته طبعاً في الكتاب، وقدّمَ مُقدِّمة عن الشعر الحسّاني تحدث فيها عن التبراع وهذا شيء يُحسَب له، وعرّفه بأنه قصيدة قصيرة

زاهي وهبي: حسناً، من التبراع إلى المشهد الثقافي العام والأدبي العام والشِعر العام في (المغرب) اليوم، في المغرب العربي وفي دولة (المغرِب). حضور المرأة في هذا المشهد كيف تصفينه وكيف ترينه ولو في شكلٍ عام

العالية ماء العينين: حضور مُشرِّف وقوي جداً

زاهي وهبي: يعني استمعنا إلى الدكتورة "زهور" ونستمِع إلى حضرتكِ في إعجاب بصراحة أقول لك

العالية ماء العينين: الحمد لله. شكراً، أنا عندما أقول بهذه الطريقة أنه ليس لي نوع من الذاتية أو تضخُّم الذات، لا، أنا فعلاً أحترِم ما وصلت إليه المرأة المُبدِعة في (المغرِب)، أحترِم حقيقةً ما حققته. هناك ترابُط كبير بين ما حققته المرأة على الواقع في إطار النضال وما استطاعت أن تُحققه على المُستوى الفِكري والمُستوى العلمي والمُستوى الأدبي، فلذلك أنا بالنسبة لي في شكلٍ عام حضور المرأة حضور مُشرِّف ويتجلّى في أشياء كثيرة أولاُ في الإنتاج، في الإصدارات، في الإبداع وحتّى، وأنا هنا أُريد أن أُلقي الضوء على تجربة جميلة جداً عندنا في (المغرب)، أنا أُحبّ هذه التجربة لنساء سيّدات سبقننا ربما ولكن ما زالت حاضرة، وهي "سيّدات الربوة". مجموعة من النساء أسسن جلسة خاصة بهنّ منذ زمن طويل جداً على فيلا في مكانٍ إسمه "الربوة"، فتجتمع النساء على كتاب مُعيّن مرّة في الشهر من دون أيّ إعلام، من دون أي، يعني نرى الطحين ولا نسمع الجعجعة، نساء جميلات

زاهي وهبي: عكس ما هو شائِع

العالية ماء العينين: عكس ما يحدُث. أنا أردت فعلاً من هذا المنبر أن أُحيي الأُستاذة "خديجة" التي نُسمّيها "سيّدة الربوة" على المجهود الجميل، أنا أعتبرها نموذجاً جميلاً جداً لما تقوم به المرأة المغربية على مُستوى حبها للإبداع

زاهي وهبي: وللحقيقة أنا أعتزّ بصداقات كثيرة مع مُبدعات من الدول المغاربيّة عموماً، طبعاً رجالاً ونساءً، ولكن بما أننا نتحدّث عن أدب المرأة هناك كثيرات ممن يُشرِّفنَ الأدب العربي والأدب الإنساني بشكلٍ عام. إسمحي لنا أن نتوقف مع استراحة أخيرة ثمّ نُتابع "بيت القصيد"

المحور الرابع                       

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نُتابع "بيت القصيد" مع المُثقفة العربية والأكاديمية والباحثة المغربية الدكتورة "العالية ماء العينين". أُستاذتي، نُتابع ما كنّا بدأنا فيه حول إبداع المرأة المغربية وحضورها في المشهد الثقافي والإبداعي. إذا كانت شاعِرة التبراع جريئة بحكم أنها مجهولة، يعني لا نعرِف من قال هذا البيت أو ذاك الشطر أو هذه المقولة أو تلك. هل شاعرات (المغرب) اليوم المُعاصرات يتحلّين بالجرأة والشجاعة في القول وفي التعبير عن أنفسهنّ كما هي حال مثلاً مَن يكتُبن مثلاً في الفِكر والفلسفة مثل "فاطمة المرنيسي" وسواها؟          

العالية ماء العينين: طبعاً هنا الوضع ربما يختلِف، هي الجرأة هنا لأننا عندما نتحدّث عن القصيدة العربية فنحن نتحدّث عن الحداثة ونتحدّث عن الزمن، ربما في الشِعر الشعبي هناك هذا التعبير البسيط المُباشِر الذي لم تستطع المرأة أن تقوله بشكلٍ مُباشِر. ما دام هناك تشفير فالمرأة ليست مُطالبة بأن تُشفِّر نفسها، يعني أن تُصبِح غير معروفة. لكن على مُستوى الشعر العربي هناك الجرأة الإبداعية والجرأة الفنية والجرأة على ارتياد الآفاق

زاهي وهبي: سيّدتي حضرتكِ تكتبين الشِعر ولكن لا تنشرينه، لماذا؟

العالية ماء العينين: أنا مسألة الإبداع هذه عندي معها علاقة خاصة. أنا عندما بدأت كنت أشعُر دائِماً بميل لأن أكتُب بعض الشذرات ولكن كنت أميل أكثر لربما الابداع الروائي، ولكن وجدت نفسي، يعني هناك حاجِز يمنعني من أن أُعبِّر، لا أدري ما هو ربما كنت صغيرة وكنت أنتمي إلى مُجتمع مُحافِظ، لم أكن أشعُر أنني أمتلِك تلك القُدرة على أن أقول كلّ شيء رغم أنّني في أُسرة حقيقةً تحترم الكتابة ومُثقفة، والدي يشجعني كثيراً على هذا، فوجدت نفسي أميل أكثر إلى التعليق، أميل أكثر إلى القراءة، يعني بدل أن أكتب الشِعر أُحبّ أن أقرأ الشِعر وأن أُعلِّق عليه، بدل أن أكتُب الرواية أُحب أن أقرأ الرواية وأن أُعلِّق عليها، لذلك قراءاتي في الإبداع عموماً لها طابع خاص. أنا أولاً لا أُتابع من أجل أن أقوم بعملية نقد، أنا أقرأ ما أُحب

زاهي وهبي: للمتعة

العالية ماء العينين: ما أستمتع به وأكتب ما أستمتع به، يعني لا أُتابع مثلاً تجربة مُعيّنة وأدرُس، لا. ربّما أصبحتُ مضطرّة لهذا فقط في إطار التعليم والتدريس

زاهي وهبي: إسمحي لنا أن نستمع إلى رأي أيضاً في تجربة حضرتكِ ثمّ نأتي إلى بعض الأسئِلة الختامية، هذه المرة من الكاتب والأُستاذ الجامعي والسُسيولوجي المغربي الدكتور "عبد الرحيم العطري" في "كلام يوصل"   

كلام يوصل

عبد الرحيم العطري- كاتب وباحث: من تكون "العالية ماء العينين"؟ إنها سليلة أُسرة علمٍ وصلاح، إنها الباحثة المُختصّة في الثقافة الحسّانية، الباحثة المنشغلة أساساً في "التبراع" كشعرٍ نسائي خاص ومخصوص بالنساء الصحراويات المغربيات. لماذا يجب أن ننشغِل بهذه التجربة؟ لأنها أولاً جديرة بالاهتمام، جديرة بالمتابعة، ولأنها تُعبِّر عن أُفقٌ معرفي ربما باذِخ. ما يُميِّز الدكتورة "العالية ماء العينين" هو أنها تستجمع في تجربتها الجانب الأكاديمي الذي لا يُفرِّط في العلميّة ولا ينخرِط حتّى في أيّة تواطؤات مفترضة ولكن بالإضافة إلى ذلك هناك جانب آخر وهو نفسٌ إبداعي. عندما تقرأ لـ "العالية ماء العينين" تجد نفسك أمام تجربة إبداعية ثرية تُعيد الاعتبار للثقافة الحسّانية المغربية، تُعيد الاعتبار للمرأة المغربية، تُعيد الاعتبار أيضاً لكلّ ما هو جميل في هذا الوطن. لهذا أعتبر أنّ متابعة هذه التجربة ومُحاولة اقتفاء آثارها دائِماً ربّما يُمتِّع القارئ العربي ويجد فيه الكثير من الإجابات عن أسئِلة الجسد، عن أسئِلة الحبّ، عن أسئِلة المرأة أساساً في العالم العربي. لهذا أعتبر بأنّ مُتابعة هذه التجربة تدخُل في إطار ثقافة الاعتراف وفي إطار ثقافة النهل من مَعين هذه لتجربة المتميّزة. لهذا في بعض الأحيان، عندما أتساءل وأقول: "من تكون العالية ماء العينين"، ربما أقول بأنها تعتمِر أكثر من قُبّعة إن جاز هذا التعبير، فهل هي الأنثروبولوجيّة؟ رغم أنها تقول لي بأنها لا تنتمي إلى حقل الأنثروبولوجيا، ولكن عندما تقرأ أُطروحتها للدكتوراه حول "الشِعر النسائي – التبراع نموذجاً"، سوف تجد أنّها أنثروبولوجيّة بامتياز. يُمكن أن نقول أيضاً بأنها مُختصّة في قراءة المخطوطات وفي البحث عن الوثائِق الغميسة، ممكن أن نقول بأنها ناقِدة أدبيّة أيضاً وأيضاً هي مُبدِعة بكلّ المقاييس. لكلّ هذه الاعتبارات تجربتها جديرة بالمتابعة وجديرة بالاعتزاز والاقتدار. متى يُمكن أن نقرأ رواية ممهورةً بتوقيعك صديقتي "ماء العينين"؟

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ الجامعي والسُسيولوجي الدكتور "عبد الرحيم العطري"، يعني أنا طالبتكِ بالشعر وهو يطالبك بكتابة الرواية

العالية ماء العينين: وأنا أشكره كثيراً، شهادة أعتزّ بها من صديق عزيز منذ زمن طويل وأعتزّ به كأُستاذ وكباحث وكسُسيولوجي وكإعلامي أيضاً وهو معروف جداُ

زاهي وهبي: نمسّيه بالخير طبعاً

العالية ماء العينين: ويقدِّم الكثير من البرامج المُهمّة. أقول له بأنّه ربما قد طال الحمل ولكن المولود في الإبداع لا يُمكنه أن يكون قيصرياً أبداً ولا يُمكن أن يكون قبل أوانه

زاهي وهبي: ولكن سيأتي؟

العالية ماء العينين: أعده إن شاء الله أنه سيأتي. أنا أتمنّى أن يأتي

زاهي وهبي: يعني ننتظر رواية تحمل توقيع "عالية ماء العينين"

العالية ماء العينين: أتمنّى أن تأتي قريباً إن شاء الله

زاهي وهبي: تحدّثنا عن المرأة المغربية في الشِعر وفي الأدب وفي المشهد الثقافي في شكلٍ عام، هلّ حضورها في موقع القرار، المرأة المغربية، في المواقع السياسية والإدارية، في المشهد العام يوازي إنتاجها الإبداعي؟ والإنساني؟ أم لا يزال أمامها أُسوة

العالية ماء العينين: نظلّ دائِماً عندنا طموح وعندنا طمع أكثر. أنا أعتبر أنّ المرأة المغربية في هذا حققت أشياء كبيرة جداً، يعني نضالها استطاع أن يُكسِبها فعلاً ثراءً وقوّة واستطاعت أن تُحقّق أشياء كثيرة. ولكن ما زلنا ربما نحتاج إلى أن نصل بالمُجتمع إلى المُستوى الذي يُمكن فيه، من داخل المُجتمع أن يأتي التغيير. نحن دائِماً في (المغرب) يحدُث دائِماً بيننا خلاف ما بين جبهتين، ودائِماً القرار السياسي هو الذي يأتي لكي يفُضّ هذا النزاع ويأتي دائِماً في صالِح المرأة، التعديلات كلّها التي أتت تكون في صالِح المرأة. نتمنّى من داخل المُجتمع أن يكون هذا التصالُح وهذا التوافق

زاهي وهبي: أن يُصبِح المُجتمع نفسه أكثر

العالية ماء العينين: قادراً على تقبُّل

زاهي وهبي: نعم، أكثر مرونة، وهو يُطوِّر نفسه بنفسه

العالية ماء العينين: نعم، لأنه أحياناً المُجتمع يُقاوِم، المقاومة عندما نقول مُجتمعاً لست فقط من الرجُل، لا، المُجتمع رجال ونساء

زاهي وهبي: المقاومة السلبية، بالمعنى السلبي

العالية ماء العينين: نعم. لذلك أنا أوجِّه عبر هذا المنبر تحيّة للمرأة المغربية، تحية للمرأة المغربية من الصحراء ومن

زاهي وهبي: هل يُمكنني أنا أن أُشارِك في التحية؟

العالية ماء العينين: طبعاً تفضل، هذا شيء يُسعِدنا أكيد

زاهي وهبي: تفضّلي نعم، لسان حالي ما تقولينه

العالية ماء العينين: في الصحراء وفي البادية وفي الجبال، هذه المرأة المناضلة، هذه المرأة التي تمتلك القرار الحقيقي لأنّ على أكتافها يعيش هذا المُجتمع. عندما نتحدّث عن المرأة الآن فهي اليوم مُبدِعة وسياسية وحاضرة وهي وراءها أمرأة أُخرى غير ظاهِرة ولكنها هي التي استطاعت أن تصل بها إلى هذا المُستوى الذي وصلت إليه، لذلك أنا دائِماً كما قلت في البداية ضدّ القول بأنّ المرأة ليست حاضرة. حتّى النساء اللواتي لم يكتبن، "فيرجينيا وولف" تقول كلمة جميلة جداً، تقول: كلّما سمِعت عن امرأة غمروها بالمياه أو امرأة قيلَ بأنها مجنونة أو أشياء من هذا أعرِف أننا في أثر روائية مفقودة مثل "جين أوستين". نفس الشيء، المرأة البسيطة هي التي صنعت المرأة القوية، المرأة العادية التي تشتغل

زاهي وهبي: طبعاً جدّاتنا وأُمّهاتنا، كلّ الأسلاف

العالية ماء العينين: تماماً، لذلك نحن دائِماً نتحدّث عن طريق الاستثناء، نتحدّث مع بعض ونقول، "أنا كانت جدّتي امرأة قويّة، أنا كانت عمّتي"، فهذه الجدّة وتلك العمّة هنّ نساء، هنّ مُجتمع، فيجب أن نُعيد الاعتبار إلى هذه المرأة التي تجاوزناها ولم نُعطِها الاهتمام الحقيقي

زاهي وهبي: نعم، يعني لستِ للمرة الأولى في (بيروت)، أليس كذلك؟ أو ليست المرة الأولى التي تزورين فيها (بيروت). تمّ أيضاً تكريمكِ ضمن مؤتمر في العام 2017. أولاً ماذا يعني لكِ أن تُكرّمي في مناسبة في (بيروت)؟ بين (بيروت) الذاكرة، بيروت التي من خلال القراءات والأُغنيات والنصّ الإبداعي، و(بيروت) في الواقع

العالية ماء العينين: طبعاً سعيدة جداً في زيارتي الثانية إلى (بيروت) (لبنان) وكانت زيارتي الأولى في إطار تكريم مجلس الأعمال والإنماء العربي، وكنت سعيدة جداً طبعاً. سعيدة لأنني عندما أتيت تذكّرت (لبنان) و(بيروت) التي في خاطري، وأنا دائِماً عندما أقول (بيروت) تأتي مباشرةً كلمة "ستّ الدنيا" للعظيمة "ماجدة الرومي"

زاهي وهبي: لـ "نزار قبّاني" طبعاً

العالية ماء العينين: نعم طبعاً، عندما كنّا بالأمس نُسجِّل الربورتاج في "الساحة" كنت أسمع موسيقى كانت تأتي من مُسلسلات قديمة، فكانت مثل آلة الزمن، ردّتني إلى طفولتي عندما كان تلفزيون (المغرب) يعرِض مُسلسلات لبنانية مثل "عازف الليل" ومثل "الصمت"

زاهي وهبي: و"ألو حياتي"

العالية ماء العينين: جميل، فاكتشفت في هذه الأيام، تقريباً منذ شهر، معلومة لم تكن حاضرة عندي، الأُستاذ "الحسن العسبي" وهو أديب وصحافي مغربي كبير كتب على "الفيس بوك" تغريدة، وضَع صُوَراً لـ "ألسي فرنيني" ولـ "جورج شلهوب" ولـ "هاني الروماني" وللمغربي المرحوم الممثل الكبير "محمّد الحبشي" وقال بأنّ هذا المُسلسل، وكان يتحدّث عن كواليس تصوير هذا المسلسل، فاكتشفت بأنّ مُسلسل "الصمت" سُجِّلَ في (المغرب)، صوِّرَ في (المغرب)، فأنا بالنسبة لي هذا هو (لبنان)، الفنّ، و(لبنان) الموسيقى الجميلة و(لبنان) أيضاً جانب آخر ولكن أتمنّى ألّا نعود إليه، هو (لبنان) الحرب والفينيق الذي ينتفض من رماده. أنا أُريد لهذا البلد صحيح أنّ كلمة فينيق جميلة وشاعرة ولكن لا أُريد له أن يكون فينقاً لأنني لا أُريد له أن يُحرَق ولا أن يموت، نتمنّى أن يبقى (لبنان) دائِماً كما هو و(بيروت) دائِماً كما هي حاضرة في وجداننا

زاهي وهبي: بماذا تعودين من (بيروت) إلى (الرباط)؟ ماذا تحملين معكِ روحياً ومعنوياً وفكرياً؟

العالية ماء العينين: هذا اللقاء الجميل ترك عندي أثراً جميلاً جداً

زاهي وهبي: يتكرّر

العالية ماء العينين: منذ أن بدأنا وأُريد أن أُقدِّم تحية للمُخرجة العزيزة "يارا" والعزيز أيضاً "مُصطفى". كان يوماً جميلاً جداً، وبلغ اليوم

زاهي وهبي: أثناء تصوير "علامة فارِقة" نعم

العالية ماء العينين: نعم أثناء تصوير "علامة فارقة"، واليوم بلغَ مداه وذروته في هذا اللقاء الجميل. فطبعاً أذهب مُحمّلة بكلّ حبّ ومُحمّلة أيضاً بصديقات عزيزات، الصديقة "مريم خريباني" التي أوجِّه لها تحية

زاهي وهبي: نعم، وشاهدناها برفقتكِ في الـ

العالية ماء العينين: كانت حاضرة معنا في الجنوب الجميل جداً والتي سبق لي أن زرتها هناك

زاهي وهبي: نُحيي السيّدة "مريم"

العالية ماء العينين: وأُحيي صديقتي أيضاً الشاعرة "فيوليتا أبو الجلَد"  

زاهي وهبي: نعم، صديقتنا المُشتركة "فيوليت"

العالية ماء العينين: فمُحمّلة بكلّ الحبّ، مُحمّلة بـ (لبنان) المُبتسِم، (لبنان) الذي نتمنّاه دائِماً جميلاً كما عهِدناه ودائِماً مُبتسِماً يا ربّ ومن دون حروب ومن دون مشاكل، و(لبنان) أيضاً الجميل

زاهي وهبي: مبتسم ومنتصِر على الإرهاب وعلى الاحتلال وعلى الحروب وعلى الخراب ومنتصر على الفساد أيضاً

العالية ماء العينين: المنتصر إن شاء الله، أكيد، إن شاء الله (لبنان) هذا الذي فيه كلّ شيء. يعني أنا ذهبت إلى الجنوب وشاهدت عالماً وطقوساً خصوصاً أنني ذهبت في فترة "مُحرّم" السنة الماضية وذهبت مع صديقتي "فيوليت" ومع والدتها السيّدة "ماري" التي أُقدِّم لها التحيّة، وذهبت إلى "سيّدة حريصا" سيّدة (لبنان) وأشعلَت لي شمعة هناك، فأنا هذا ما أُحبّه

زاهي وهبي: جمعتِ المجد من طرفيه

العالية ماء العينين: أعتبر أنّ (لبنان) أتيت به بأشياء كثيرة ربما أتحدّث عنها لاحقاً لأنّها غيّرت بي أشياء كثيرة، لاحظت أشياء كثيرة عن قُرب كان عندي عنها نظرة أُخرى وأنا عن بُعد. شكراً لـ (لبنان)

زاهي وهبي: نُحمِّلكِ كلّ الحبّ لـ (المغرب) ومُبدعي (المغرِب) وأهل (المغرب) وإن شاء الله هذا اللقاء يتكرر بإذن الله. شرّفتِ "بيت القصيد"

العالية ماء العينين: شكراً لك أُستاذ "زاهي" وأنا سعيدة بهذه الجلسة لأنني أيضاً أحترمك كشاعِر وأقرأ لك

زاهي وهبي: تسلمين لي

العالية ماء العينين: وأحترمُ بك احترامك لُمتابعيك، هذا شيء جميل جداً فلذلك كنت سعيدة واللقاء كان حميمياً وكان جميلاً جداً. سعيدة أيضاً وشكراً لكلّ العاملين على هذا البرنامج

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. شكراً سيّدتي الدكتورة "العالية ماء العينين"، شكراً لفريق العمل، للمُخرج "علي حيدر" للمنتِجة "غادة صالِح"، والشُكر الأكبر دائِماً وكالمُعتاد لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله.